ألا بلى يا مي واليوم ظلم (١) ... ويقال: خرجنا فأول ظلم لقيناه فلان؟ أي شخص -. ويقال: لقيت فلاناً أدنى ظلم، إذا كان أول شيء لقيته، كلها بفتح الظاء واللام.
١٥٩ -؟ باب الظلم في الخلتين من الإساءة تجمعان (٢) على الرجل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " أحشفاً وسوء كيل "
ع: قال أبو بكر: يقال كلت الشيء أكيله كيلاً، وأوفاني كيلة حسنة، ومن أمثالهم " أحشفاً وسوء كيلة "، هكذا أتى المثل كيلة لا كيلٍ.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " أغدةً كغدةِ البعير وموتاً في بيت سلوليةٍ " وذكر أصله (٣) .
ع: كل غدة في بدن البعير أطاف بها ورم فهي غدة. يقال: أغد البعير إغداداً فهو مغد، ولا يقال مغدود، إذا أصابته غدة وهو داء قتول. ويروى " أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية " بالرفع. وكان عامر بن الطفيل وأربد أخو لبيد لأمه قد خرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فقال أحدهما لصاحبه: اشغله أنت بالكلام حتى أضربه أنا بالسيف. فقال أربد: أنا أضربه، وكلمه أنت. فجعل عامر يكلم رسول الله ﷺ ويقول له: أبايعك على أن
стр. 387
لي الوبر ولك المدر، فيقول له رسول الله ﷺ : بل تبايع على أن لك أعنة الخيل فإنك رجل فارس، فيقول عامر: لا إلا أن يكون لي الوبر ولك المدر، وانتظر أن يضربه أربد فلم يصل إلى ذلك، فانصرفا وعامر يقول لرسول الله ﷺ : والله لأملأنها عليك خيلا جرداً ورجالاً مرداً. فقال عامر لأربد: ما منعك من أن تضربه؟ فقال: ما هممت بذلك إلا رأيتك بيني وبينه، أفكنت أعلوك بسيفي؟ وقال رسول الله ﷺ وقد يئس من إسلامهما: اللهم اكفنيهما. فأصابت أربد صاعقة قتلته، وأصابت عامراً غدة قتلته، واضطره الوجع إلى بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول " أغدةً كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية " (١) فنزلت في هذا ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه من أمر الله﴾ (الرعد: ١١) ، وقال في شأن أربد: ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ (الرعد: ١٣) .
قال ابن إسحاق: والغدة طاعون أصابه في عنقه.
قال أبو عبيد: ويقال في نحوه: " أكسفاً وإمساكاً " وأصله الرجل يلقاك بعبوس وكلوح مع بخل ومنع.
ع: الكسف هنا كناية عن تغير الوجه واللون من العبوس. قال القطامي (٢) :
أنسى ابتسامتك والألوان كاسفة ... تبسم البرق في داج من الظلم يعني كاسفة متغيرة من شدة الحال وضيق المقام. يقال: كسفت الشمس
стр. 388
وكسفت (١) . قال جرير:
فالشمس طالعة ليست بكاسفةٍ ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا قال أبو عبيد: في نحو منه: " كأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر "
ع: يقوله لقيط بن زرارة جبلة لفرسه (٢) : " أشقر، إن تقدم تنحر وإن تأخر تعقر " وكان أشقره يومئذ مجففاً (٣) بالديباج. وهو أول عربي جفف. وقتل يومئذ، قتله جعدة بن مرداس النميري (٤) .
قال أبو عبيد: ومنه قولهم في الأرقم " إن يقتل ينقم وإن يترك يلقم " يقول: إن قتله كان له من ينتقم [له] منك، وإن تركته قتلك.
ع: صح من حديث أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. قال: فسمعت تحريكاً تحت سريره فإذا حية، فقمت لأقتلها، فأشار إليّ أبو سعيد أن أجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، وكان ذلك الفتى يستأذنه بأنصاف النهار ليطلع أهله، فاستأذن النبي ﷺ يوماً فقال: خذ سلاحك فإني أخشى عليك بني قريظة. فأخذ الفتى سلاحه ثم ذهب، فإذا امرأته بين البابين فأصابته غيرة وهيأ لها
стр. 389
الرمح ليطعنها به، فقالت: اكفف رمحك حتى تنظر ما في بيتك، فدخل فإذا بحية منطوية على فراشة فركز فيها رمحه فانتظمها فيه، ثم خرج فنصبه في الدار، فاضطربت الحية في رأس الرمح، وخر الرجل صريعاً فما يدري أيهما كان أسرع موتاً: الفتى أم الحية. فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا له ذلك، وقلنا يا رسول الله، ادع الله يحييه. فقال: استغفروا لصاحبكم، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله يحييه، فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئاً فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو ذلك " كالمستغيث من الرمضاء بالنار "
ع: أصل هذا المثل وأول من نطق به التكلام الضبعي وذلك أن جساس ابن مرة لما طعن كليباً، وهو كليب وائل، استسقى عمرو بن الحارث ماء فلم يسقه وأجهز عليه، فقال التكلام في ذلك (١) :
المستغيث بعمرو عند كربته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار وربما أنشدوه " كالمستغيث من الدعصاء بالنار "، والدعصاء: الأرض السهلة المستوية تصيبها الشمس فتحمى فتكون رمضاؤها أشد حراً من غيرها. وقال أبو الفرج الأصفهاني (٢) إن قائداً من قواد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف هرب إلى عمرو بن الليث وهو يومئذ بخراسان فغم ذلك أحمد وأقلقه، فدخل عليه أبو نجدة لخيم (٣) بن ربيعة بن عوف من بني عجل وكان شاعراً فأنشده:
يا ابن الذين سما كسرى لجمعهم ... فجللوا وجهه قاراً بذي قار دوخ خراسان بالجرد العتاق وبالبيض الرقاق بأيدي كل مسعار
стр. 390
يا من تميم عمراً يستجير به ... أما سمعت ببيت فيه سيار
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار فسر أحمد، وسري عنه، وأجزل صلة أبي نجدة. ومثله قولهم: " فر من القطر ووقع تحت الميزاب:
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الحلة غير المحمودة (١) : " عوير وكسير وكل غير خير "
ع: أول من قال ذلك أمامة بنت نشبة بن مرة وكان تزوجها رجل من غطفان يقال له خالد بن رواحة وكان أعور، فمكثت عنده زماناً وولدت له خمسة، ثم نشزت عليه فطلقها. وخطبها رجل من بني سليم؟ وقيل من بني شيبان؟ يقال له خالد بن مرة إلى أبيها، وأحسن العطية. وكان أعرج مكسور الفخذ، فلما دخلت عليه قالت: " عوير وكسير، وكل غير خير ".
١٦٠ -؟ باب الظلم فيمن حمل رجلاً مكروهاً ثم زاده أيضاً
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: يقال " وقع القوم في أم جندب " إذا ظلموا.
ع: لم يبين أبو عبيد معنى أم جندب. وقال غير واحد من اللغويين: أم جندب
стр. 391
الغثم والظلم، يقال: وقع القوم في أم جندب. وأم جندب أيضاً اسم من أسماء الداهية.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم أكثم بن صيفي في نحوه " إنك لا تجني من الشوك العنب ". يقول: إذا ركبت رجلاً بظلم وترته وحملته المكروه فانظر كيف يكون حالك.
ع: قد نظمه صالح بن عبد القدوس فقال (١) :
إذا وترت امرءاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
إن العدو وإن أبدى مجاملة ... إذا رأى منك يوماً فرصةً وثبا ١٦١؟ باب الظلم في مطل الحقوق
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " الأكل سلجان والقضاء ليان "
ع: السلج: سرعة الابتلاع، يريدون بهذا المثل أنه يسهل عليه الأخذ، ويصعب عليه القضاء. قال يعقوب: ومثله قولهم " الأكل سريطى والقضاء ضريطى "
قال أبو عبيد: قال ابن مسعود: " لو كان المعك رجلاً لكان رجل سوءٍ "
стр. 392
ومنه قول زهير بن أبي سلمى: " إن الغادر المعك "
ع: صدره (١) :
فاردد يساراً ولا تعنف عليه ولا ... تمعك بعرضك إن الغادر المعك يقوله (٢) للحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد. وكان أغار على بني عبد الله بن غطفان واستخف إبل زهير (٣) وراعيه يساراً.
١٦٢ -؟ باب الظلم في إدعاء الباطل
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم " إذا طلبت الباطل أنجح بك "، معناه أن نجح الدعوى يكون عليه لا له.
ع: معنى أنجح به ظفر به ولم يظفر هو بشيء. وقال أبو زيد: أنجح بك بفتح الهمزة والجيم معناه صرعك؛ وصله لفتاة من العرب كانت تحت (٤) شيخ منهم. فكانت تراه إذا أراد أن ينتعل قعد فانتعل فكانت تقول " يا حبذا المنتعلون قياماً " فذهبت مثلاً، فسمعه منها مرة فذهب ينتعل قائماً فضرط فقال: " إذا طلبت الباطل أنجح بك " فذهبت مثلاً (٥) .
стр. 393
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في الباطل " قد اتخذ فلان الباطل دغلاً "
ع: يقال: دغل المكان يدغل دغلا فهو دغل. وأدغل إدغالاً فهو مدغل إذا كثر نبته والتف. وقال بعض اللغويين: لا يكون إلا من الحمض إذا كان مخالطاً له الغرين (١) . ويقال أيضاً: دغل الرجل وأدغل إذا فسد قلبه وخان؛ فإن كان المراد في المثل دغل النبات فمعناه أنه اتخذ الباطل دغلاً يجنه ويستره عن أداء الحقوق، وإن كان من دغل النفس فمعناه أنه أشرب الباطل نفسه حتى فسد قلبه.
١٦٣ -؟ باب الكريم يظلمه الدنيء الخسيس
قال أبو عبيد: وقال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: " لو ذات سوار لطمتني ". يقول: لو كان هذا الذي ظلمني نداً لي وكان له شرف احتملته ولكنه ليس بكفء فهو أشد علي.
ع: قال الفرزدق في هذا المعنى بعينه:
وإن حراماً أن أسب مقاعساً ... بآبائي الشم الكرام الخضارم
أولئك أحلاسي فجئني بمثلهم ... وأعبد (٢) أن أهجو عبيداً بدارم
стр. 394
ولكن نصفاً لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم ١٣٤؟ باب الانتصار من الظالم (١)
قال أبو عبيد: قال الزبير: من هذا الباب قولهم " يوم بيوم الحفض المجور " (٢) ،.
ع: قال الأصمعي: زعموا أن رجلاً كان بنو أخيه يؤذونه فدخلوا بيته فقلبوا متاعه. فلما أدرك ولده صنعوا مثل ذلك بأخيه. فشكاهم إلى أبيهم. فقال: يوم بيوم الحفض المجور " والحفض: متاع البيت. وقيل الحفض: البيت من الشعر بعمده وأطنابه. وإنما سمي البعير الذلول حفضاً لأنهم كانوا يختارون لحمل بيوتهم أذل الإبل لئلا ينفر، فسمي كل ذلول [من الإبل] حفضاً. وقد نزع مروان بن الحكم بهذا المثل عند قتل الحسين بن علي رضوان الله عليهما فقال: " يوم بيوم الحفض المجور، يوم بيوم عثمان "
قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر (٣) :
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يال همدان ظالم البيتان (٤) .
стр. 395
ع: هذا الشعر لابن براقة الهمذاني وهو (١) عمرو بن براقة بن منيه بن زيد ابن عمرو بن منبه بن شهر بن نهم (٢) من قصيدة أولها (٣) :
تقول سليمى لا تعرض لتلفةٍ ... وليلك عن ليل الصعاليك نائم قال أبو عبيد: وقد تمثل الشعر الحجاج يوسف على المنبر.
قلت (٤) : وقد تكلم (٥) به علي بن أبي طالب ﵁ من قبل.
١٦٥ -؟ باب الظلم والإساءة ترجع عاقبتهما على صاحبهما
قال أبو عبيد: ومن ذلك قوله: " ويعدو على المرء ما يأتمر "
ع: هذا البيت من أول قصيدة لامرئ القيس، وأنكر الأصمعي أن تكون له. وقال: هي لربيعة بن جشم النمري (٦) وأولها عند الأصمعي (٧) :
أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر (٨)
стр. 396
وقال المفضل: أولها (١) :
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر ويقال لمن فعل الشيء من غير مشورة: قد ائتمر، وبئس ما ائتمرت لنفسك.
قال النمر بن تولب (٢) :
اعلمي أن كل مؤتمر ... مخطئ في الرأي أحيانا ويقال: الرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي، ورجل ذو مشورة إذا حزبه أمر، ورجل حائر لا يأتمر رشداً، ولا يطيع مرشداً، أي لا يأتي برشد من ذات نفسه. وقالوا في قول الله ﴿وائتمروا بينكم بمعروف﴾ (الطلاق: ٦) أي هموا به واعزموا عليه.
وذكر أبو عبيد بعد هذا في (٣) الباب الذي يليه (٤) خبراً لبيهس الملقب بنعامة وقد مضى ذكره وأقوالهم في تلقيبه نعامة. وقال أبو عبيدة في كتابه " التاج ": لقب بذلك لأنه كان جسيما طويلاً.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " لو ترك القطا ليلاً لنام " وذكر خبره.
ع: أنشد أبو علي:
стр. 397
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلاً لناما وقد ذكرت خبر هذا المثل عند ذكر أبي عبيد قولهم:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام وقال ابن الأنباري: أول من قاله علباء بن الحارث أحد بني كاهل، وهو الذي قتل حجر [بن الحارث] بن عمرو أبا امرئ القيس. وأقبل امرؤ القيس في جموع من اليمن إلى بني أسد يقصد لعلباء ولا يعلم الناس به، فلما كانت الليلة التي يصحبهم بادر مخافة أن يخبروا فسار مسرعاً فجعل القطا ينفر فيمر على علباء، وكان منكراً، فقالت ابنته: ما رأيت كالليلة ذا قطا، فيقول لها علباء " لو ترك القطا ليلاً لينام " ثم ارتحلوا فصبحهم امرؤ القيس فألفى بني كنانة في ديارهم فأوقع فيهم وهو يظن أنهم بنو أسد. فلما عرفهم كف عنهم وقال (١) :
ألا يا لهف نفسي إثر قومٍ ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... (٢) وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب ١٦٦؟ باب الظلم في عقوبة البريء
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " ما لي ذنب إلا ذنب صحر " وذكر خبره عن المفضل (٣) .
стр. 398
ع: وقال الليثي خلاف ذلك (١) - ذكر أن نساء لقمان خنه فقتلهن ولقيته ابنته صحر فقال: وأنت أيضاً امرأة. فقتلها. فقيل: " ذنب صحر ".
وذكر أبو عبيد قولهم " جزاء سنمار " وقد تقدم ذكره والشاهد عليه (٢) .
١٦٧ -؟ باب الظلم في عقوبة الإنسان بذنب غيره
قال أبو عبيد: روينا في حديث مرفوع أنه قال لرجل وابنه " لا يجني عليك ولا تجني عليه "
ع: قاله النبي ﷺ لأبي رمثة التميمي (٣) واسمه رفاعة بن يثربي.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في اخذ البريء بذنب صاحب الجناية قول النابغة الذبياني (٤) :
حملت علي ذنبه وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع (٥)
стр. 399
ع: العر بضم العين قروح في مشافر الإبل، وكانوا يزعمون ان الصحيح إذا كوي بحضرة ذي العر برأ. وقال أبو بكر: العر داء يصيب الإبل في رؤوسها فتكوى الصحاح منها لئلا تعديها المراض. فذلك عنى النابغة. ومن روى " كذي العر " بفتح العين فهو خطأ، لأن العر الجرب ولا يكوى منه.
قال أبو عبيد: " كالثور يضرب لما عافت البقر ". يعني عافت الماء وفيه قال أنس بن مدرك (١) :
إني وقتلي سليكاً ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عاقت البقر (٢) ع: هذا يقوله أنس بن مدرك الخثعمي قاتل سليك بن السلكة، وبعد البيت:
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشد على وجعائها الثفر
إني، تفاسؤ هامات بمخرؤة، ... لا يزدهيني الليل والخمر
أغشى الحروب وسربالي مضاعفة ... تغشى البنان، وسفي صارم ذكر التفسؤ: التهتك والتفسخ. وهامات جمع هامة. وجعلها بمخرؤة لأن ذلك أرذل لها. ونصب تفاسؤ على الذم. وقال أبو علي القالي: أراد يا قوماً يتفاسؤن تفاسؤ الهام. وقال أبو حاتم: أراد يا تفاسؤ هامات. والحقيقة ياهامات يتفاسأن. والثور على تفسير أبي عبيد وغيره واحد الثيران يضرب ليقتحم الماء فتتبعه البقر. وقد بين ذلك الأعشى بقوله (٣) :
стр. 400
لكاثور والجني يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا (١) وقال الحربي في بيت أنس: الثور ما علا وجه الماء من عرمض، وإذا عافت البقر الماء من أجله ضربه الراعي ففرقه. وقال الخليل، الثور: الطحلب. وقال الزبير: الثور ثور الماء وهو ثورانه.
١٦٨ -؟ باب التبرؤ من الظلم والإساءة
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " لا ناقتي في هذا ولا جملي " قال: والمثل للحارث بن عباد وذكر خبره (٢) :
ع: روي أن يزيد بن معاوي سأل صحار بن عياش (٣) العبدي عن هذا المثل فقال صحار (٤) : أول من قاله الصدوف بنت الحليس العذرية وكانت تحت زيد ابن الأخنس الطائي، وكانت له ابنة يقال لها الفارعة وأن زيداً أخدم ابنته الفارعة وأحسن إليها وعزلها عن امرأته الصدوف وخرج إلى الشام فغاب حيناً، وأن فتى من بني عذرة يقال له شبث (٥) هلق الفارعة وعلقته، فكانت تأمر راعي أبيها أن يعجل لها ترويح إبله وأن يحلب لها حلبة إبلها قيلا (٦) لتشرب اللبن نهاراص. فإذا أمست وهدأ الحي رحل لها جملاً ذلولاً كان لأبيها، وتوافي به العذر فينطلقان إلى تيه من الأرض في عزلة، فإذا كان وجه الصبح أقبلا، ذلك دأبهما حتى أقبل
стр. 401
أبوها آتياً (١) إلى أهله، وكان شديد الغيرة، فمر بكاهنة في طريقه فقال له: يرحل جملك ليلاً، وحلبة أهلك تحتلب (٢) قيلاً، وكان ثم حدث، فأقبل لا يلوي، ودخل الحي ليلاً فبدأ بامرأته فوجدها مع عياله مقبلة على ما يصلحها، فخرج إلى خباء ابنته فاستقبلته خادمها. فقال لها: ثكلتك أمك أين الفارعة؟ قالت: خرجت تمشي مع فتيات الحي لعيادة بعضهن وهي عائدة الساعة. فانتقل عنها إلى امرأته ما يشك أنها مريبة، فقالت له: إني لأعرف الشر في وجهك فلا تعجل واقف تر (٣) " لا ناقة لي فيما تكره ولا جمل " (٤) فسار قولها مثلاً.
ثم رجع إلى خباء ابنته لخادمها: والله لا ينجيك مني إلا الصدق، وسل سيفه فصدقته الخبر. قال: فأين أخذا؟ قالت: هذا الوجه. فأتبعهما، فلما صار منها غير بعيد وجد الجمل ريح مولاه فتزحزح. فقال العذري: أما ترين الجمل وحال؟ فقالت: ما كان يصنع هذا إلا إذا رأى مولاه، أو كان قريباً منه. وجعل الجمل يريد ينبعث، وهو معقول فلا يقدر على القيام. فقالت الفارعة: لقد أوجست أمراً، أو آنست ذعراً، أو رأيت شراً، فليته غاب دهراً. فسمعها أبوها فقال: قد غبت دهراً، فحلبت شراً، وأتيت نكراً. قم انتضى سيفه ففلق به هامة شبث، وقتل الجارية وانصرف بجمله وهو يقول:
لا تأمنن بعدي الجواريا ... عوناً من النساء أو عذاريا أخافها والعار والمساويا ... وقال الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنةً ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل (٥)
стр. 402
فراغ
стр. 403
الباب الثالث عشر
الأمثال في المعايب والذم
١٦٩ -؟ باب الذم لسوء معاشر الناس
قال أبو عبيد: جاء في الحديث عن أبي الدرداء الأنصاري " وجدت الناس أخبر تقله "
ع: قال أبو عمرو: يقال الخبر تقله وتقله لغتان فصيحتان. ذكر ذلك في كتاب الياقوت. والكلام على لفظ الأمر ومعناه الخبر، يريد أنك إذا خبرتهم قليتهم؛ وهذا الحديث رواه عقبة عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: " اخبر من شئت تقله ". نظمه أبو العتاهية فقال:
أبل من شئت تقله ... عن قليل لفعله
وتبدله هجرة ... بعد ود ووصله
стр. 404
ضاع معروف واضع ال ... عرف في غير أهله ١٧٠؟ باب سوء الجوار وما فيه من المذمة
قال أبو عبيد: وجاءنا عن نبينا ﷺ أنه قال: " الجار ثم الدار والرفيق قبل الطريق ".
ع: هكذا رواه أبو عبيد مرفوعاً والنصي جيد. أي التمس الجار قبل الدار والتمس الرفيق قبل الطريق. أخذه أبو تمام فقال يمدح أحمد بن أبي داود (١) :
بوأت رحلي في المراد المبقل ... ورتعت في أثر الغمام المسبل
من مبلغ أفناء (٢) يعرب كلها ... أني ابتنيت الجار قبل المنزل وقال آخر:
يلومنني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جاراً هناك ينغص
فقلت لهم: بعض الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخص وقال آخر:
يقولون قبل الدار جار موافق ... وقبل الطريق النهج أنس رفيق
فقلت وندمان الفتى قبل كأسه ... فما حث كأس الخمر مثل صديق
стр. 405
١٧١ -؟ باب سوء الموافقة في الأخلاق
قال أبو عبيد: قال أبو زيد في قلة الموافقة يقال: " لا يلتاط هذا بصفري " أي لا يلصق بقلبي ولا يوافق شيمتي (١) ولا خلقي.
ع: يقال هذا الأمر ألوط بقلبي أي ألزق به وأقرب منه. وقال الفراء: إنما يقال: هو أليط بقلبي وإن كان من ذوات الواو ليفرقوا بينه وبين المعنى الآخر، يعني عمل (٢) قوم لوط. وفي الحديث أن أبا بكر قال لعمر ﵄: إنك لأحب الناس إليّ، ثم قال: اللهم أعز، والولد ألوط بالقلب (٣) . وأصل يلتاط يلتوط. وقال أبو بكر قولهم: لا يلتاط بصفري، لا يلزق بوهمي أو بقلبي أو بخاطري. وقال أبو زيد: يقال لا يلتاط هذا بصفري ولا يلتاق (٤) بصفري أي لا يوافق خليقتي، ومثله: ولا يليق صفري، أي لا يلزق بكبدي كلزرق الصفر، وهو دابة رقيقة بيضاء تعض الكبد. وقال أبو عبيدة: الصفر بفتح الفاء والصاد العقد، ويقال: ما يليق هذا بصفري. هكذا نقله أبو علي عن أبي عبيدة: الصفر العقد، وأنا أراه الصفر العقل باللام.
قال أبو عبيد: وقال النبي ﷺ : " ما أنا من ددٍ ولا الدد مني " (٥)
ع: الدد: اللهو، وفيه ثلاث لغات. يقال: هذا دد على مثال يد ودم.
стр. 406
وهذا دداً على مثال قفاً وعصاً. وهذا ددن على مثال سكن ووسن. قال الأعشى (١) :
أترحل من ليلى ولما تزود ... وكنت كمن قضى اللبانة من دد وقال عدي بن زيد (٢) :
أيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قلى الاتفاق قولهم: " لا يجتمع السيفان في غمد "، ومنه قول أبي ذؤيب (٣) :
تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد ع: يقال: " لا يجمع سيفان في غمد ولا فحلان في ذود ". وكان لأبي ذؤيب ابن أخت يقال له خالد، وكان رسول خاله أبي ذؤيب إلى صديقته أم عمرو. فلما شب خالد أفسدها عليه. وكانت هذه المرأة صديقة عبد عمرو بن مالك. وكان أبو ذؤيب رسوله إليها، فلما كبر عبد عمرو أفسدها عليه أبو ذؤيب ومالت إليه. فجاءت أم عمرو إلى أبي ذؤيب تعتذر من أمر خالد فقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
أخالد ما راعيت من ذي قرابة ... فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
دعاك إليها مقلتاها وجيدها ... فملت كما مال المحب على عمد
فآليت لا أنفك أحدو قصيدة ... أدعك وإياها بها مثلاً بعدي
стр. 407
وقال أبو ذؤيب أيضاً (١) (يعاتب خالداً) :
رعى خالد سري ليالي نفسه ... توالى على قصد السبيل أمورها
فلما تراماه الشباب وغيه ... وفي النفس منه فتنة وفجورها
لوى رأسه عني ومال بوده ... أغانيج خود كان قدماً يزورها وهي أبيات ... فأجابه خالد:
لعلك أما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلاً شاتمي تستحيرها
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فاول راضٍ سنةً من يسيرها قوله: أحدو قصيدة: يريد أغني بها. وقوله: تستحيرها، يريد تستعطفها حتى ترجع إليك، يقال: حار إذا رجع.
١٧٢ -؟ باب سوء المشاركة في اهتمام الرجل بشأن صاحبه
قال أبو عبيد: قال أبو زيد من أمثالهم في هذا " ما يلقى الشجي من الخلي " يقول إنه لا يساعده وهو مع ذلك يعذله.
ع: معنى قولهم: " ويل للشجي من الخلي " ويل للمهموم من الفارغ. والشجي الذي كأن في حلقه شجى من الهموم (٢) ، وهو الغصص. يقال: قد شجي شجى. قال صريم (٣) :
стр. 408
إني أرى الموت مما قد شجيت به ... إن دام ما بي ورب البيت قد أفدا وقال أكثر أهل اللغة: يقال: ويل للشجي من الخلي بتخفيف الياء من الشجى وبتثقيلها من الخلي. ويروى عن الأصمعي أنه حكى " ويل للشجي من الخلي " بتثقيل الياء فيهما. وأنشد (١) :
ويل الشجي من الخلي فإنه ... نصب الفؤاد بحزنه مهموم وكذلك ورد في شعر أبي تمام (٢) .
١٧٣ -؟ باب نظر الرجل إلى نفسه وإقباله على شهوته وهواه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " ذهبت هيف لأديانها " قال: واصل الهيف شدة السموم، وعادتها أنها تجفف كل شيء وتوبسه.
ع: الأديان جمع دين. والدين: العادة. قال (٣) :
تقول وقد درأت لها وضيني ... (٤) أهذا دينه أبداً وديني أي عادته وعادتي. والهيف ريح حارة بين الجنوب والدبور يهيف بها الشجر أي يسقط ورقه. وقال أبو بكر، من أمثالهم: ذهبت هيف لأديانها، يقال ذلك للشيء إذا انقضى.
стр. 409
١٧٤ -؟ باب عادة السوء يعتادها صاحبها
قال أبو عبيد: منه قولهم " أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً " وكان ابن الكلبي يخبر (١) أن هذا المثل لجارية يقال لها أم عمرو، وكانت لمالك وعقيل ابني فارج (٢) من بلقين ندماني جذيمة، فمر بهما عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة وذكر الحديث إلى آخره، وقول عمرو:
تصد الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكاس مجراها اليمينا ع: ذكر العلماء أن هذا البيت لعمرو بن جذيمة (٣) ذي الطوق هذا فنقله عمرو بن كلثوم التغلبي في قصيدته التي أولها
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... وكان بينهما دهر طويل. ومثل قولهم " أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً " قولهم " أجلست عبدي فاتكأ "
١٧٥ -؟ باب عادة السوء يدعها صاحبها ثم يرجع إليها
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: " عادت لعترها لميس "، قال: والعتر هو الأصل وكذلك العكر، يضرب للذي يرجع
стр. 410
إلى خلق قد كان تركه. قال الأصمعي ومثله: " رجع فلان على (١) قرواه "
ع: قال سلمة الذي أحفظ عن الفراء أنه روى حديثاً فقال: " لا ترجع هذه الأمة على قروائها " أي على أمرها الأول. وروى ابن ولاد في كتابه المقصور والممدود (٢) يقال: رجع فلان على قرواه مقصور، أي رجع إلى خلق قد كان تركه. قال ابن ولاد: وحكى سلمة عن الفراء: لا ترجع هذه الأمة عل قروائها بالمد. أي على أول أمرها. وقال أبو علي في كتابه الممدود، حكى الفراء: " لا ترجع أمتي على قروائها أبداً " كذا حكى عنه ابن الأنباري في كتابه ولم يفسره، واستفسرناه عنه فقال: على اجتماعها. فلا أدري أشتقه أم رواه.
قال أبو عبيد: وأما قولهم " النقد عند الحافر " فإنه النقد الحاضر عند البيع، وبعضهم يقول بالهاء: الحافرة.
ع: أما قولهم عند الحافر فإنهم يعنون عند حافر الدابة المبيعة. وكان هذا أصله في الدواب ثم صار مثلاً لكل نقد حاضر. ومن قال: عند الحافرة بالهاء فمعناه في أول التبايع (٣) كما فسر أبو عبيد في قولهم: عاد فلان في حافرته، أي إلى طريقه الأول. قال الشاعر (٤) :
أحافرة على صلع وشيبٍ ... معاذ الله من سفه وعار يعني أرجوعاً إلى الصبا والباطل بعد الصلع.
стр. 411
١٧٦ -؟ باب قلة عناية الرجل واهتمامه بشأن صاحبه
قال أبو عبيد: يقال: " همك ما أهمك ". قال: يضرب لمن لا يهتم بشأن صاحبه [أي] إنما اهتمامه بغير ذلك.
ع: هكذا أورده أبو عبيد وفسره. والمحفوظ فيه عن غيره " همك ٠ بفتح الميم؟ ما أهمك " معناه: أذابك ما حزنك. يقال: همه الحزن والمرض إذا أذاباه. وهممت الشحمة في النار إذا أذبتها، وما خرج منها فهو الخاموم، قال الراجز (١) :
وإنهم هاموم السديف الواري ... قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قلة الاهتمام " إنك لتشكو إلى غير مصمت "
ع: مصمت من الصمت، أي أنك تشكو إلى غير مسكت لك بإشكالئه إياك أو بتسليته لك إن عجز عن الإشكاء، كما قال الشاعر:
ولابد من شكوى إلى ذي حفيظة ... يواسيك أو يسليك أو يتفجع وقال الأول (٢) :
ولابد من شكوى إلى ذي حفيظةٍ ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلع وقال الشاعر فنظم المثل (٣) :
стр. 412
إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت والصمة والسكتة؟ بضم أولهما؟ ما أسكت به الصبي. وقال الآخر (١) :
يا أيها الفصيل المغني ... إنك ريان فصمت عني أي صمت عني الأضياف بما أسقيهم من اللين الذي تريد رضاعه.
قال أبو عبيد: ومن قلة المبالاة قولهم: " الكلاب على البقر " واصله أن يلخى بين الكلاب وبقر الوحش.
ع: قال الخليل وابن دريد: ومنهم من يقول " الكراب على البقر " وكراب الأرض: حرثها، أي حرث الأرض وإثارتها على البقر (٢) . وذكر سيبويه في المنصوبات قول العرب " الظباء على البقر " أي خل الظباء على البقر ومن نصب قولهم: الكلاب على البقر فعلى هذا التقدير.
١٧٧ -؟ باب استهانة الرجل بصاحبه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " ما أباليه عبكة وعبكة " وهي الوذحة واحدة الوذح، وهي ما يتعلق بأصواف الضأن من بعرها وأبوالها.
ع: فأما قولهم: " ما ذقت عنده عبكة ولا لبكة " فإن العبكة ملء الكف من السويق، واللبكة: اللقمة من الثريد. والعبك: خلط الشيء بالشيء: عبكته عبكاً.
стр. 413
١٧٨ -؟ باب تمدح الرجل بالشيء وهو من غير أهله
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: " حن قدح ليس منها " (١)
ع: هذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قاله. وذلك أن رسول الله ﷺ لما أمر بقتل عقبة بن أبي معيط (٢) قال: أقتل من بين قريش؟ فقال عمر بن الخطاب " حن قدح ليس منها "، فقال رسول الله ﷺ : وهل أنت إلا يهودي من صفورية. وذكر الكلبي أن أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين فوقع على أمة يهودية للخم من أهل صفورية يقال لها " ترنى " (٣) فولدت له ذكوان فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو فهو أبو أبي معيط.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: " كالفاخرة بحدج ربتها " والحدج هو المركب، وجمعه أحداج وحدوج.
ع: الحدج: مركب من مراكب النسا. يقال منه حدجت البعير أحدجه حدجاً، إذا وضعت عليه الحدج. وقالت دخنتوس بنت لقيط بن زرارة (٤) للنعمان
стр. 414
ابن قهوس التيمي، وكان فر يوم جبلة وهو اليوم الذي قتل فيه أبوها، وكان مع ابن قهوس لواء من شهد ذلك اليوم منهم (١) :
فر ابن قهوس الشجاع بكفه رمح متل (٢) ... يغدو به خاظي البضيع كأنه سمع أزل (٣) ...
إنك من تيم فدع ... غطفان إن ساروا وحلوا
لا منك عزهم ولا ... إياك إن هلكوا وذلوا فخر البغي بحدج ربتها إذا ما الناس شلوا (٤) ... تقول: لا تفخر بغطفان فإنك في ذلك كالأمة البغي تفخر بحدج ربتها، ودخنتوس أول من نطق بهذا المثل وتبعها الشاعر فقال:
فإنك والفخار بأم عمرو ... كمن باهى بثوب مستعار
كذات الحدج تبهج أن تراه ... وتمشي أو تسير على حمار أي تفخر وتفرح بحدج ربتها وليس لها منه إلا النظر.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " استنت الفصال حتى القرعى " وأصله من القرع. وهو قرح يظهر في أعناق الفصلان فتسحب في التراب لتبرأ. ومنه قول أوس بن حجر:
стр. 415
يجر كما جر الفصيل المقرع ... يقال: قرعت الفصيل إذا جررته. قال أبو عبيد: وهذا معنى قولهم للشيء الذي يوصف بالحرارة: " هو أحر من القرع " تأويله هذا الداء الذي وصفنا. وأما قول العامة: " أحر من القرع " بجزم (١) الراء على معنى القرع الذي يؤكل، فليس بشيء.
ع: معنى " استنت الفصال " أخذت في سنن واحد من المرح والنشاط، حتى نشطت القرعى لنشاطها. وإنما تسحب القرعى في أرض سبخة، أو في أرض قد صب عليها ملح، بعد أن تنضح الفصال بالماء، والقرع لا يصيب إلا الفصال دون المسان. ومام البيت الذي أنشده (٢) :
لدى كل أخدود يغادرن فارساً ... يجر كما جر الفصيل المقرع وأنكر أبو عبيد أن يقال: " هو أحر من القرع " بإسكان الراء. وقال محمد ابن حبيب: إنه هو الصحيح، ليس على معنى القرع الذي يؤكل، ولكن يراد بعه قراع الميسم بالنار.
١٧٩ -؟ باب الممتدح (٣) بما ليس عنده يؤمر بإخراج نفسه منه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي وغيره في هذا المثل: " ليس هذا بعشك فادرجي " أي ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق فدعه. وقد يضرب مثلاً للرجل ينزل المنزل لا يصلح له.
стр. 416
ع: قال ابن قتيبة: يضرب مثلاً للرجل المطمئن المقيم وقد أظله أمر عظيم يحتاج إلى نباشرته والخفوف فيه. وقد أتى به الحجاج في خطبته حين دخل العراق فقال: " إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، كأني انظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ليس أوان عشك فادرجي، ليس أوان يكثر الخلاط ". وإنما حضهم يومئذ على اللحاق بالمهلب لقتال الأزارقة. والخلاط: السفاد.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " هذا أوان الشد فاشتدي زيم " وهذا المثل قاله الحجاج بن يوسف على المنبر. وزعم الأصمعي أن زيم في هذا الموضع اسم فرس. قال: والزيم في غير هذا: الشيء المتفرق. وإنما تكلم الحجاج بهذا حين أزعج الناس لقتال الخوارج.
ع: المثل الذي ذكره شطر من رجز اختلف في قائله، فنسبه أبو تمام إلى رشيد ابن رميض وهو (١) :
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
بات يراعيها غلام كالزلم ... (٢) خدلج الساقين خفاق القدم وقد نسب هذا الرجز إلى شريح بن ضبيعة من بني قيس بن ثعلبة (٣) ، وهو الملقب بالحطم. وقيل إنه لقب الحطم بقوله:
" قد لفها الليل بسواق حطم " ...
стр. 417
وذكر المدائني أن معاوية بن أبي سفيان جمعه الطريق مع عبد الله بن الزبير من مكة إلى المدينة ومعاوية خليفة، فنزل عبد الله بن الزبير يحدو ويقول (١) :
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي مهاجرٍ ليس بأعرابي ... يعرض بمعاوية أنه ليس من المهاجرين، فقال معاوية لابنه يزيد: انزل فاحد بنا. فنزل يزيد وجعل يقول:
قد لفها الليل بسواقٍ حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم ... يعرض بالزبير بن العوام لأنه كان جزاراً. فلما انتصف من ابن الزبير قال له أبوه معاوية: اركب فداك أبوك. وليس هذا الباب الذي أدخل فيه أبو عبيد هذا المثل بمطابق له ولا أدي من حيث يلتقيان.
١٨٠ -؟ باب الشره والجشع ومسألة الناس
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: " غثك خير لك من سمين غيرك "، يقول فاقنع به ولا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس.
ع: هذا المثل لمعن بن عرفطة، ويقال ابن عطية، المذحجي، وذلك أنه كان بينهم وبين حي من أحياء العرب المجاورين لهم حرب شديدة فمر معن في حملة حملها برجل من ذلك الحي وهو صريع مرمل بالداء بين القتلى فاستغاثه فأغاثه معن، واستقل به حتى أبلغه مأمنه. وقال معن بن عرفطة:
стр. 418
ما فرج الكرب امرؤ ... إلا وعنه سوف يفرج
إني امرؤ سمح الخلي ... قة وساط في آل مذحج ثم عطف أولئك على مذحج فهزموهم وأسروا معناً وأخاً يقال له روق، وكان يضعف، وأسروا رئيس مذحج. فلما صار المأسورون في حي أعدائهم إذا صاحب معن الذي نجاه أخو رئيس القوم، فناداه معن بهذا الشعر (١) :
يا خير جازٍ بيد ... أوليتها نج منجيكا هل من جزاءٍ عندك اليوم لمن رد عواديكا (٢) ... ويروى " لمن يرجو أياديكا " فعرفه صاحبه وقال لأخيه: هذا المان علي ومنقذي بعدما اشرفت على الموت فهبه لي، فوهبه له فخلى سبيله، وقال له: إني أحب (٣) أن أضعف لك الجزاء فاختر أسيراً فاختار معن أخاه روقاً ولم يلتفت إلى سيد مذحج وهو في الأسرى، ثم انطلق فسئل عن أمرهما فحدث قومه بخبرهما فأتوه وعنفوه وشتموه وقالوا: هلا أنقذت رئيسنا وتترك أخاك الفسل الذي ما نكأ قط جرحاً، ولا أعمل رمحاً، ولا ذعر سرحاً، وإن لقبيح المنظر لئيم المخبر، فقال معن: " غثك خير من سمين غيرك " فأرسلها مثلاً.
قال أبو عبيد: يقال " جدح جوين من سويق غيره "
ع: جدح (٤) الرجل السويق: إذا دافه بماء أو لبن أو غيرهما ثم حركه
стр. 419
بالمجدح وهي الخُشيبة التي يعرض رأسها. والشراب المخوض مجدوح، والمجدوح أيضاً شيء كان يتخذ في الجاهلية في الجدوب (١) . وهو أن يعمد إلى الناقة فتفصد ويخلط دمها بما قدروا عليه من دقيق أو سويق أو غير ذلك فيأكلونه (٢) .
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا: " المسألة أخر كسب المرء "
ع: هذا من كلام قيس بن عاصم لا من كلام أكثم. قال لبنيه: إياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب الرجل، كذلك ذكر غير واحد من الرواة، وهو أخر على وزن فعل، ومعناه أبعده من الخير وأرذله. ومن حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب أن رجلاً من أسلم أتى النبي ﷺ فقال: إن الأخر زنى أي الأبعد، والأخر أيضاً على وزن فعل الغائب. ولا يحسن هنا أن يقال " آخر كسب المرء " بالمد الذي هو نقيض أول لأن ذلك إباحة للمسألة وأن تكون من آخر ما يتكسب به المرء. والمسألة مكروهة منهي عنها في الجاهلية والإسلام. وقد أمر النبي ﷺ بأن يحتطب على ظهره ولا يسأل الناس.
قال أبو عبيد: وقال أبو الأسود الديلي يصف رجلاً بالأخلاق الدنيئة فقال: " إذا سئل أرز وإذا دعي انتهز "
ع: قال غيره: " الكريم إذا سئل اهتز واللئيم إذا سئل أرز " اهتز أي استبشر، ومعنى أرز تقبض، وقد تقدم القول في أرز. وقوله أبو الأسود الديلي: هذا قول محمد بن حبيب إنه الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم رهط
стр. 420
أبي الأسود الديلي، والناس على خلافه. قال سيبويه ومحمد بن سلام وابن الكلبي وأبو بكر ابن دريد: هو الدئل مضموم الأول مهموز على مثال فعل وفتحت الهمزة في النسب كما فتحت الميم من نمر فقيل نمرى. وقال أبو بكر: هما لغتان دؤل ودئل وهي دويبة معروفة لطيفة، قال الشاعر (١) :
جاءوا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدئل والديل بكسر الدال على بناء قيل في عبد القيس وفي الأزد وفي إياد. وأما الدول بضم أوله على مثال دور ففي بني حنيفة، وفي الرباب وفي عنزة. قال محمد بن حبيب: الذي في بني حنيفة هو الدول على لفظ الذي ذكرنا في كتابه، وهو الدول بن حنيفة بن لجيم.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الطمع والجشع قولهم: " تقطع أعناق الرجال المطامع "
ع: هذا عجز بيت من شعر البعيث قال (٢) :
طمعت بليلى أن تريع وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع ١٨١؟ باب الشره للطعام والحرص عليه
قال أبو عبيد: قال بعض حكماء العرب " شدة الحرص من سبل
стр. 421
المتالف "، وقال آخر: " والمرء تواق إلى ما لم ينل ".
ع: هذا من رجز للأغلب العجلي، وأحسن ما قيل في هذا قول الشاعر (١) :
وللنفس ملهى في (٢) التلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف وقال آخر (٣) :
لا يصلح النفس إذا كانت مصرفة ... إلا انتقالك من حال إلى حال قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذم الشره قولهم: " الرغب شؤم "
ع: هذا من حديث النبي ﷺ . روى أبو الرجال عن عمرة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى غلاماً نوبياً فألقى بين يديه تمراً فأكثر الأكل فقال: " الرغب شؤم " ورده. وروي عنه أيضاً ﷺ أنه قال: " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه، فإن أبى فثلث طعام وثلث شراب، وثلث نفس ". ويروى عن معاوية أنه قال: " البطنة تأفن (٤) الفطنة " أي تنقص. ورجل مأفون: ناقص العقل. وقال عمرو لمعاوي يوم الحكمين: أكثر لهم من الطعام، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، يقال: رغب ورغب ورغبى ورغبة ورغبوت ورغبوتى (٥) . وكذلك رعب ورهب ورهبة ورهبوت ورهبوتى بمعنى.
стр. 422
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذلك " لا تجعل شمالك جردبانا " وهو الذي يستر الطعام بشماله لكي لا يراه أحد فيتناوله من بين يديه.
ع: يقال منه جردبت الطعام (١) . قال الشاعر (٢) :
إذا ما كنت في قوم شهاوى ... (٣) فلاتجعل شمالك جردبانا ١٨٢؟ باب التثقيل على الناس
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " لا تبطر صاحبك ذرعه " (يقول: لا تحمله ما لا يطيق) .
ع: يقال: ضاق بالأمر ذرعاً وذراعاً بمعنى، إذا لم يطقه. وليس البطر هنا الذي هو كالأشر وغمط النعمة، إنما هو بمعنى الحيرة والدهش، قاله الخليل. وقال الأصمعي: بطر الرجل إذا بهت. وقال رجل لصاحبه: لا يبطرنك جهل فلان حلمك، أي لا يدهشنك عنه، وكذلك هو بمعنى المثل: لا تدهش وتحير صاحبك عما يحتمله ذرعه ويدركه وسعه.
قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث " ازهد فيما في أيدي الناس يحببك الناس "
стр. 423
ع: هذا حديث النبي ﷺ . رواه سفيان الثوري عن أبي حازم المدني عن سهل بن سعد الساعدي. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني بعمل إذا أنا عملته أحبني الناس. قال: " ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ".
قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع: " استغنوا عن الناس ولو عن قصم السواك ".
ع: هكذا أورده أبو عبيد، والمعروف أن القصم مصدر قصمت الشيء أقصمه قصماً إذا كرسته (١) والقصمة بكسر القاف: القطعة منه، والجميع قصم، ورجل أقصم إذا ذهبت إحدى ثنيتيه أو رباعيتيه. وقال بعض اللغويين: يقال في القطعة قصمة وقصمة؟ بالكسر والفتح؟ والذي أحفظه في حديث مرفوع: " ليجتزئ أحدكم ولو بضوز سواكه " والضوز: اللوك، ضازه يضوزه مثل لاكه يلوكه. والرجل يضوز التمرة في فيه لتلين، قال (٢) :
فظل يضوز التمر والتمر ناقع ... دماً مثل لون الأرجوان سبائبه (٣) وروى الحربي من طريق الأعمش عن سعيد عن ابن عباس عن النبي ﷺ : " استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك ". قال الحربي: الشوص: الاستياك عرضاً (٤) . وقد شاص فاه بالسواك. فمعنى الحديث: استغنوا عن الناس
стр. 424
ولو بسواك الشوص كما نهى عن غبيراء السكر (١) يريد سكر الغبيراء. وأنشدنا عمرو (٢) :
فلا زال يسقي ما مفداة حوله ... أهاضيب مستن الصبا ومسيلها يعني ما حول مفداة.
١٨٣ -؟ باب الذم لمخالطة الناس وما يحب من اجتنابهم
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " خلاؤك أقنى ليحائك " أي أنك إذا خلوت في منزلك كان أحرى أن تقنى (٣) الحياء وتسلم من الناس.
ع: وقال أبو زيد: قنا الرجل حياءه يقنوه قنواً إذا أصابه استحياء.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: " من يسمع يخل "، يقول: من يسمع أخبار الناس ومعايبهم (٤) يقع في نفسه عليهم المكروه.
ع: قال أبو زيد: قولهم من يسمع يخل هو من خلت الشيء أخاله بمعنى ظننته، يقول: من سمع بشيء ظن وقوعه إن لم يتيقنه، قال: وذلك يكون في الخير والشر.
стр. 425
الباب الرابع عشر
أمثال الخطأ والزلل في الأمور
١٨٤ - باب مثل الخطأ في القياس والتشبيه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " مذكية تقاس بالجذاع " يضرب لمن يقيس الكبير بالصغير.
ع: المذكي من الخيل الذي قد جاوز القراح بعام، والجذاع جمع جذع وهو أقل الأسنان ومثله أو نحوه قولهم: " جري المذكيات غلاب " وقد تقدم ذكره وتفسيره.
١٨٥ -؟ باب الخطأ في نقل الأشياء من الأماكن
التي تعز فيها إلى الأماكن التي تكثر فيها
قال أبو عبيد: من أمثالهم [في هذا] : " كمستبضع التمر إلى هجر "