المتالف "، وقال آخر: " والمرء تواق إلى ما لم ينل ".
ع: هذا من رجز للأغلب العجلي، وأحسن ما قيل في هذا قول الشاعر (١) :
وللنفس ملهى في (٢) التلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف وقال آخر (٣) :
لا يصلح النفس إذا كانت مصرفة ... إلا انتقالك من حال إلى حال قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذم الشره قولهم: " الرغب شؤم "
ع: هذا من حديث النبي ﷺ . روى أبو الرجال عن عمرة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى غلاماً نوبياً فألقى بين يديه تمراً فأكثر الأكل فقال: " الرغب شؤم " ورده. وروي عنه أيضاً ﷺ أنه قال: " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه، فإن أبى فثلث طعام وثلث شراب، وثلث نفس ". ويروى عن معاوية أنه قال: " البطنة تأفن (٤) الفطنة " أي تنقص. ورجل مأفون: ناقص العقل. وقال عمرو لمعاوي يوم الحكمين: أكثر لهم من الطعام، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، يقال: رغب ورغب ورغبى ورغبة ورغبوت ورغبوتى (٥) . وكذلك رعب ورهب ورهبة ورهبوت ورهبوتى بمعنى.
стр. 422
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذلك " لا تجعل شمالك جردبانا " وهو الذي يستر الطعام بشماله لكي لا يراه أحد فيتناوله من بين يديه.
ع: يقال منه جردبت الطعام (١) . قال الشاعر (٢) :
إذا ما كنت في قوم شهاوى ... (٣) فلاتجعل شمالك جردبانا ١٨٢؟ باب التثقيل على الناس
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " لا تبطر صاحبك ذرعه " (يقول: لا تحمله ما لا يطيق) .
ع: يقال: ضاق بالأمر ذرعاً وذراعاً بمعنى، إذا لم يطقه. وليس البطر هنا الذي هو كالأشر وغمط النعمة، إنما هو بمعنى الحيرة والدهش، قاله الخليل. وقال الأصمعي: بطر الرجل إذا بهت. وقال رجل لصاحبه: لا يبطرنك جهل فلان حلمك، أي لا يدهشنك عنه، وكذلك هو بمعنى المثل: لا تدهش وتحير صاحبك عما يحتمله ذرعه ويدركه وسعه.
قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث " ازهد فيما في أيدي الناس يحببك الناس "
стр. 423
ع: هذا حديث النبي ﷺ . رواه سفيان الثوري عن أبي حازم المدني عن سهل بن سعد الساعدي. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني بعمل إذا أنا عملته أحبني الناس. قال: " ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ".
قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع: " استغنوا عن الناس ولو عن قصم السواك ".
ع: هكذا أورده أبو عبيد، والمعروف أن القصم مصدر قصمت الشيء أقصمه قصماً إذا كرسته (١) والقصمة بكسر القاف: القطعة منه، والجميع قصم، ورجل أقصم إذا ذهبت إحدى ثنيتيه أو رباعيتيه. وقال بعض اللغويين: يقال في القطعة قصمة وقصمة؟ بالكسر والفتح؟ والذي أحفظه في حديث مرفوع: " ليجتزئ أحدكم ولو بضوز سواكه " والضوز: اللوك، ضازه يضوزه مثل لاكه يلوكه. والرجل يضوز التمرة في فيه لتلين، قال (٢) :
فظل يضوز التمر والتمر ناقع ... دماً مثل لون الأرجوان سبائبه (٣) وروى الحربي من طريق الأعمش عن سعيد عن ابن عباس عن النبي ﷺ : " استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك ". قال الحربي: الشوص: الاستياك عرضاً (٤) . وقد شاص فاه بالسواك. فمعنى الحديث: استغنوا عن الناس
стр. 424
ولو بسواك الشوص كما نهى عن غبيراء السكر (١) يريد سكر الغبيراء. وأنشدنا عمرو (٢) :
فلا زال يسقي ما مفداة حوله ... أهاضيب مستن الصبا ومسيلها يعني ما حول مفداة.
١٨٣ -؟ باب الذم لمخالطة الناس وما يحب من اجتنابهم
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " خلاؤك أقنى ليحائك " أي أنك إذا خلوت في منزلك كان أحرى أن تقنى (٣) الحياء وتسلم من الناس.
ع: وقال أبو زيد: قنا الرجل حياءه يقنوه قنواً إذا أصابه استحياء.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: " من يسمع يخل "، يقول: من يسمع أخبار الناس ومعايبهم (٤) يقع في نفسه عليهم المكروه.
ع: قال أبو زيد: قولهم من يسمع يخل هو من خلت الشيء أخاله بمعنى ظننته، يقول: من سمع بشيء ظن وقوعه إن لم يتيقنه، قال: وذلك يكون في الخير والشر.
стр. 425
الباب الرابع عشر
أمثال الخطأ والزلل في الأمور
١٨٤ - باب مثل الخطأ في القياس والتشبيه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " مذكية تقاس بالجذاع " يضرب لمن يقيس الكبير بالصغير.
ع: المذكي من الخيل الذي قد جاوز القراح بعام، والجذاع جمع جذع وهو أقل الأسنان ومثله أو نحوه قولهم: " جري المذكيات غلاب " وقد تقدم ذكره وتفسيره.
١٨٥ -؟ باب الخطأ في نقل الأشياء من الأماكن
التي تعز فيها إلى الأماكن التي تكثر فيها
قال أبو عبيد: من أمثالهم [في هذا] : " كمستبضع التمر إلى هجر "
стр. 426
ع: نظمه الشاعر فقال (١) :
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في وضع الأشياء في غير موضعها قولهم: " خلع الدرع بيد الزوج ". وكان المفضل فيما يحكى عنه يخبر أن المثل لرقاش بنت عمرو بن تغلب بن وائل وذكر الخبر (٢) :
ع: ذكر غير واحد أن عثمان بن عفان ﵁ لما تزوج نائلة بنت الفرفصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن الحصين الكلبي؟ وهذا هو الفرافصة، بفتح أوله، وكل اسم في العرب غيره فرافصة؟ بضم أوله؟ وساقها إليه أخوها فأدخلت عليه وخلا بها فقال لها: أتقومين إليّ أم أقوم إليك. فقالت: ما قطعت إليك عرض السماوة (٣) وأنا أحب أن تقطع إليّ عرض البساط. فقامت إليه فجلست إلى جنبه فقال لها: لا يسوءنك ما ترين من سيبي، قالت: إني لمن نسوة أحب رجالهن إليهن السيد الكهل. قال لها: ضعي الخمار، فوضعته، فقال لها: اخلعي الدرع، فخلعته، فقال لها: اخلعي الإزار، فقالت: ذاك إليك. فلما دخل على عثمان ﵁ يوم الدار أكبت عليه وجعلت تنافح بيديها حتى أصيبت بجراحات. فلما قتل ﵁ رثته فقالت (٤) :
стр. 427
ألا إن خير الناس بعد ثلاثةٍ ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عمرو فلما انقضت عدتها خطبها معاوية فامتنعت فألح عليها (١) فقالت لنسوتها: ما يعجب الرجال مني؟ قلن: ثناياك. فعمدت إلى فهر ودقت به ثنيتها وبعثت بها إلى معاوي، فكف، ولم تزل تحد بعد قتل عثمان حتى لحقت به.
وقال ابن كرشم: أول من قال " التجريد لغير نكاح مثلة " رقاش بنت عمرو بن تغلب، وزاد زيادة على أبي عبيد (٢) ، قال: وكانت من أجمل النساء فتزوجها كعب بن مالك بن تيم الله، فقال لها: اخلعي درعك، وكانت امرأة شريفة عاقلة، فقالت: " خلع الدرع بيد الزوج " قال: اخلعي درعك لأنظر إليك، فقالت: يا بن عم " إن التجريد لغير نكاح مثلة " فأرسلتها مثلاً، فطلقها مكانها، فتحملت إلى أهلها، فمرت بذهل بن شيبان بن ثعلبة فسلم عليها وخطبها إلى نفسها. فقالت لخادمها، انظري إذا بال أيبعثر أم يقعر، فنظرت الأمة فقالت لمولاتها: يقعر، فتزوجته.
١٨٦ -؟ باب الخطأ في وضع الإنسان بحيث لا يستوجب
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " متى كان حكم الله في كرب النخل " وهذا المثل لجرير بن الخطفى يقوله لرجل من عبد القيس شاعر كان قال في جرير:
стр. 428
أرى شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب (١) تواضع فقال جرير:
متى كان حكم الله في كرب النخل ... وذلك أن بلاد عبد القيس بها النخل كثير فلهذا قاله.
ع: هذا الرجل الذي لم يسمه هو الصلتان العبدي، حكم بين جرير والفرزدق في قصيدة، يقول فيها البيت الذي أنشده، ويقول (٢) :
أنا الصلتاني الذي قد علمتم ... متى ما يحكم فهو بالحق صادع
لئن كان بحر الحنظليين واحداً ... فما تستوي حيتانه والضفادع
وما يستوي صدر القناة وزجها ... ولا تستوي في الراحتين الأصابع يفضل الفرزدق على جرير، وتمام بيت جرير (٣) :
أقول وقد فاضت دموعي بعبرةٍ ... متى كان حكم الله في كرب النخل فرد عليه خليد عينين (٤) :
وهل كان رسل الله إلا من القرى ... وود أبوك الكلب لو كان ذا نخل قال أبو عبيد: ومنه قول ابن هرمة:
" كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا "
стр. 429
يعني الحمامة التي تحضن بيض غيرها وتترك بيض نفسها.
ع: قبل البيت بيت يتعلق به ولا يفهم معناه إلا منه وهو (١) :
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحا
كتارجكة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا وذكر أبو عبيد أن ابن هرمة عنى بالحمامة، وهو قول أبي عبيدة، وقال غيره من العلماء: إنما يعني النعامة. وذلك أنها تنتشر للطعم فربما رأت بيض نعامة أخرى قد ذهبت لما ذهبت هي له فتحضن بيضها وتترك بيض نفسها وتنساه، ثم تجيء الأخرى فترى غيرها على بيضها فتمر لطيتها. ولذلك تقول العرب " أحمق من نعامة " وهذا معهود فيها معلوم، ولا يعلم في الحمام.
وقال ابن الأعرابي " بيضة البلد " التي سار المثل بها هي بيضة النعامة المتروكة لا يهتدى إليها فتفسد. والنعام موصوف بالموق والشراد والنفار، وإنما توصف الحمام بالخرق وسوء النظر لأنها تضعه على غير تحصين فيسقط وينكسر كما قال عبيد بن الأبرص (٢) :
عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه فشبههم في عيهم بأمرهم وخرقهم فيه بالحمامة في خرقها ببيضها، ولهذا المعنى الذي نسبوا فيه النعام إلى الموق والحمق ضربوا بها المثل لحضنها بيض غيرها. وقالوا " أحمق من جهيزة " وهي أنثى الذئاب لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع. قال ابن جذل الطعان في ذلك (٣) :
стр. 430
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا ١٨٧؟ باب الخطأ ف مكافأة المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " خير حالبيك تنطحن " قال [أبو عبيد] : وأظن أصله أن شاة أو بقرة كان لها حالبان، وكان أحدهما أرفق بها من الآخر، فكانت تنطح الرافق بها وتدع الآخر.
ع: إنما كانت شاة تسمى هيلة من أساء إليها درت له، ومن أحسن إليها نطحته فضربت مثلاً، قال الكميت:
فإنك والتحول عن معد ... كهيلة قبلنا والحالبينا وإلى هذا ذهب الآخر في قوله:
كعنز السوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحد لها الشفار من خلاها: يريد من أطعمها الخلى، وهو الرطب من الكلأ، وحشها إذا أطعمها الحشيش وهو اليابس، ومنه قولهم في المثل " أحشك وتروثني "
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " يحمل شن ويفدى لكيز " وشن ولكيز ابنا أفصى بن عبد القيس، كانا مع أمهما في سفر، وهي ليلى بنت قرآن بن بلي.
ع: رواه علي بن عبد العزيز: ليلى بنت قران بضم القاف وتشديد الراء، ورواه الخشني: فران (١) بالفاء مفتوحة وتخفيف الراء، وهو الصحيح على ما ذكر محمد بن حبيب.
стр. 431
وقال أبو بكر ابن دريد: إنما هو فران، بفتح الفاء وتشديد الراء، قال وهو فعلان من فررت الدابة إذا رفعت جحفلته لتعرف سنه، أو من قولهم: هذا فر بني فلان أي الذي فر منهم.
قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر (١) :
" وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب " ع: صلة هذا البيت:
أمن السوية أن إذا استغنيتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وهذه الأبيات لرجل من مذحج.
١٨٨ -؟ باب الخطأ في كفران النعمة
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في قولهم: " أسمن كلبك يأكلك "؟ وذكر حديثه عن المفضل (٢) .
стр. 432
ع: وقالوا في نقيض هذا: " جوع كلبك يتبعك "
قال محمد بن حبيب: وأول من قاله ملك من ملوك حمير كان عنيفاً على أهل مملكته يغصبهم أموالهم ويسلبهم ما في أيديهم، وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه، ولا يحفل بذلك. وإن امرأة له سمعت أصوات السؤال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد وإني لأخاف أن يكونوا عليك سباعاً، وقد كانوا لنا أتباعاً. فرد عليها " جوع كلبك يتبعك " فأرسلها مثلاً، فلبث كذلك زماناً ثم أغزاهم مع أخيه فغنموا ولم يقسم فيهما شيئاً. فقالوا لأخيه: قد ترى ما نحن فيه من الجهد، ونحن نكره خروج الملك عنكم إلى غيركم، فساعدنا على قتل أخيك واجلس مكانه، وعرف أخوه بغيه واعتداءه. فأجابهم إلى ذلك، فوثبوا عليه وقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول، وقد سمع قوله " جوع كلبك يتبعك " فقال: " ربما أكل الكلب مجوعه إن لم ينل شبعه ".
وقال المنصور أبو جعفر لقواده: صدق الأعرابي حيث يقول " أجع كلبك يتبعك " فقال له أبو العباس الطوسي منهم: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك.
قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى مثلهم المشتهر (١) في العالم:
أعلمه الرماية كل حين (٢) ... فلما اشتد ساعده رماني " ع: هذا البيت لمالك بن فهم الدوسي ثم الأزدي، وكان ابنه سليمة بن مالك رماه بسيف فقتله، فقال أبوه مالك هذا البيت لما رماه.
قال أبو بكر: يروى استد ساعده واشتد؟ بالسين مهملة وبالشين معجمة؟ قال: وكان مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي هذا قد تنحى في قومه بعين
стр. 433
هجر، وتحالفوا هناك، واجتمعت إليهم قبائل من العرب، فنزلوا الحيرة فوثب سليمة بن مالك بن فهم على أبيه فرماه فقتله، فقال أبوه:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني فتفرق بنو مالك، وكانوا عشرة، ولحقوا بعمان، وملك جذيمة ابنه منهم وهو الأبرش عشرين ومائة سنة، وذلك في أيام ملوك الطوائف، وقد تقدم خبر جذيمة هذا.
١٨٩ -؟ باب اختلاط الرأي وما فيه من الخطأ (١)
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " اختلط الخاثر بالزباد ".
ع: الزباد: ضرب من النبات كانوا يضعون ورقه على ظروف اللبن ويقال أيضاً: زبدت المرأة الصوف والشعر إذا نفشته، فيحتمل أن يراد في المثل: إن خاثر اللبن اختلط بمنفوش الصوف فلا يؤكل (٢) .
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: " اختلط الحابل بالنابل " (٣)
ع: الحابل: الذي يصيد الوحش بالحبالة، والنابل: الذي يصديها بالنبل، والحبالة: شرك الصائد، والجمع الحبائل، والصيد محبول ومحتبل إذا وقع في
стр. 434
الحبالة، وقال أبو زيد يقال: " ثار حابلهم على نابلهم " إذا أوقدوا الشر بينهم و " حولت حابله على نابله " إذا حولت أعلاه على أسفله.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " ما يدري أيخثر أم يذيب " وأصله في الزبد يذاب فيفسد على صاحبه فلا يدري أيجعله سمناً أم يتركه زبداً، ومنه قول بشر بن أبي خازم (١) :
وكنتم كذات القيدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها ع: هذا تفسير لم يتابع عليه أبو عبيد، وإنما معنى تذيبها ليس من الإذابة على النار، يقال: أذاب بنو فلان على بني فلان إذا أغاروا عليهم وأخذوا مالهم. يقول بشر: لما رآنا تحيروا فلم يدروا ما يصنعون كسالئة فسدت عليها إذ لا يصلح ما تصنع، أتنزل القدر مذمومة لم تحسن سلاها سمناً أم تقسم ما فيها، إذ لا يصلح للادخار، وكيف يكون قوله أو تذيبها من ذوب الشيء الجامد والقدر على النار راهنة مقيمة.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " قد ترهيأ القوم " وذلك أن يضطرب عليهم الرأي فيقولوا مرة كذا ومرة كذا.
ع: المرهيأ من الرجال: الضعيف المنزعة، المائق، قال الراجز (٢) :
قد علم المرهيئون الحمقى ...
стр. 435
١٩٠ -؟ باب الخطأ في سوء التدبير
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا وليس هو منه بعينه قولهم:
" لا أبوك نشر، ولا التراب نفد "
وكان المفضل (١) يذكر أصل هذا أن رجلاً قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي فقيل له هذه المقالة، أي أنك لا تدرك بذلك ثأر أبيك ولا تقدر أن تنفد التراب.
ع: انظر كيف جعل تفسير قولهم في المثل: لا أبوك نشر: أي أنك لا تدرك ثأر أبيك، وذلك أن العرب كانت ترى أن المقتول إذا أدرك بثأره فكأنه قد أحيي، ولذلك قال جرير (٢) :
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يريد أن الثأر لا يؤخذ منهن ولا يدين من قتلنه، ولولا هذا التأويل لم يكن لقوله " ثم لم يحيين قتلانا " معنى.
وقال الأخطل (٣) :
وكم قتلت أروى بلا ديةٍ لها ... وأروى لفراغ الرجال قتول والقول الصادع في هذا قوله سبحانه ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة: ١٧٩) .
стр. 436
١٩١ -؟ باب الخطأ في اتهام النصيح (١)
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التهمة قولهم: " عسى الغوير أبؤساً " وقد فسرناه في غريب الحديث.
ع: قال الصمعي: أصل هذا أنه كان غار فيه ناس، فانهار عليهم وأتاهم فيه عدو فقتلوهم، فصار مثلاً لكل شيء يخاف أن يأتي منه شر، ثم صغر الغار فقيل غوير. وقال ابن الكلبي: الغوير، ماء لكلب معروف، وهو بناحية السماوة، وهذا المثل إنما تكلمت به الزبى (٢) ، وذلك أنها لما وجهت قصيراً اللخمي بالعير، ليحمل لها عليها من بز العراق وألطافه، وكان يطلبها بذحل جذيمة الأبرش، فجعل الأحمال صناديق، وجعل في كل واحد منها رجلاً معه السلاح، ثم تنكب بهم الطريق المنهج (٣) ، وأخذ على الغوير، فسألت عن خبره، فأخبرت بذلك، فقالت: " عسى الغوير أبؤساً " تقول: عسى أن يأتي ذلك الطريق بسوء (٤) ، واستنكرت شأنه حين أخذ على غير الطريق. وتشبه عسى بكان لأنها فعل مثلها فتقول: عسى زيد قائماً، كما تقول: كان زيد قائماً، وعلى هذا أتى المثل.
قال أبو عبيد: وإذا أتهم الرجل رجلاً فقيل: من أين هو؟ قال: من بلاد كذا، فقل له " أعرضت القرفة " معناه أن هذا مطلب عريض لا يقدر عليه ولا يحاط به.
стр. 437
ع: هذا مثل لا يفهم معناه بتفسير أبي عبيد، وقال الأصمعي: معنى أعرضت القرفقة: أخطأت لأنك عممت بتهمتك ولم تخص فتبين، والقرفة: التهمة، تقول: فلان قرفتي من القوم، أي موضع تهتمتي، وقال غيره، ويقال: أعرضت القرفة ويعني بالقرفة لحاء الشجر، وهو إذا عرض وخشن صعب على قارفه واشتد عليه قرفه، يقول: فهذا صعب عليك شديد كصعوبة قرف العريض الخشن من القرفة.
١٩٢ -؟ باب الخطأ في سوء الرعي
قال أبو عبيد: ويقال في مثله " رعى فأقصب " قال: وذلك أنه إذا أساء رعيها ولم يشعبها من الكلأ تركت شرب الماء فلم تشرب لأنها لا تشرب إلا علف في أجوافها. يقال من ذلك: بعير قاصب، إذا امتنع من الورد، ورجل مقصب إذا فعلت إبله ذلك.
ع: أصل القصب: القطع، وإنما يقال: قصبت الإنسان أو الدابة أقصبه قصباً إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروى. وأنشد أبو حاتم عن الأصمعي:
وهن مثل القاصبات القمح (١) ... وسمي الجزار قصاباً لقصبه اللحم، وقد قصبت الرجل إذا عبته.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء الرعي قولهم: " شر الرعاء الحطمة "
ع: هذا كلام يروى (٢) في حديث مرفوع عن النبي ﷺ ، قال الحسن:
стр. 438
دخل عائذ بن عمرو المزني وكان من صالحي أصحاب محمد ﷺ على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن من شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم ". فقال له عبيد الله: اجلس فما أنت إلا (١) من نخالة أصحاب محمد. فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما نخالة بعدهم في غيرهم.
وإذا كان راعي الإبل يخرق في إيرادها وإصدارها قيل له: حطمة، لأنه يحطمها، وإذا كان رفيقاً بها عالماً بمصالحها قيل له ترعية.
١٩٣ -؟ باب الخطأ في رفع الشيء وادخاره عند
وقت استعماله والحاجة إليه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " لا مخبأ لعطر بعد عروس "؟ وذكر معناه؟ ثم قال: وكان المفضل يعرف الحديث ويقول: عروس اسم رجل والعامة تذهب إلى أن العروس هو المبتني بأهله.
ع: قال ابن كرشم: إن عروساً رجل من العرب كانت عنده ابنة عم له فمات عنها فتزوجها بعده ابن عم لها آخر وهي كارهة، وانطلق بها إلى أهله وقد زودها طيباً في سفط فسار بها، فمر بقبر عروس وبه حي حلول فأقبلت تبكيه وترفع صوتها: يا عروس الأعراس، ويا شديد الباس، مع أشياء لا يعلمها الناس، فغضب زوجها فانتهرها وقال: ما تلك الأشياء؟ فقالت: عن المكارم غير نعاس، يعمل السيف صبيحات الباس، ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الكريم المحضر، مع أشياء كانت تذكر. فازداد زوجها غضباً وقال: ما هي تلك الأشياء
стр. 439
التي كانت تذكر؟ قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر. ثم أخذت السفط فكسرته على قبر عروس، ثم قالت " لا عطر بعد عروس " فذهبت مثلاً. فقال زوجها: إلى أهلك فأنت طالق، فقالت: إذن أنصرف مغتبطة.
وروى محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن عروساً هذا رجل من هذيل، وامرأته أيضاً هذلية اسمها أسماء.
قال أبو عبيد: ويروى عن محكم اليمامة أنه كان يقول فيما يحض به قومه يوم مسيلمة: " الآن تستحقب الحرائم غير حظيات، وينكحن غير رضيات، فما كان عندكم من حسب فأخرجوه ".
ع: محكم اليمامة هو محكم بن الطفيل الحنفي سيد أهل اليمامة، قتل يومئذ وكان أشرف من مسيلمة.
وفي كتاب " النسب " للكلبي: قيل له محكم لأنهم جعلوه حكماً وحكموه.
قال أبو عبيد: في كتاب " الأموال " يقال: محكم ومحكم؟ بالكسر والفتح؟ والحرائم جمع حريمة يريد الحرم، وقوله: غير حظيات هو جمع حظية من الحظ، وكيف تكون حظية وهي مقهورة مسبية. وكذلك قوله: غير رضيات، جمع رضية من الرضى. وقوله ما عندكم من حسب فأخرجوه، يعني من حمية، لأن الحفيظة والحمية إنما تكون على مقدار الحسب والشرف.
١٩٤ -؟ باب التدبير يصاب فيه مرة ويخطأ أخرى
ع: كل ما أورده أبو عبيد في هذا الباب من مثل فهو متكرر، وقد مضى فيما سلف من الكتاب، وقد تقدم تفسيره والقول فيه، ووصلت المصراع الذي أنشد:
стр. 440
يد تشج وأخرى منك تأسوني ... وذكرت أنه لصالح بن عبد القدوس، وتمام البيت:
إني لأكثر مما سمتني عجباً ... يد تشج وأخرى منك تأسوني (١)
стр. 441
الباب الخامس عشر
الأمثال في البخل وصفاته وأشكاله
١٩٥ -؟ باب ذكر البخيل وما يوصف من أخلاقه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نعت البخيل " ما عنده خل ولا خمر " أي ما عنده من الخير شيء. وقال النمر بن تولب العكلي (١) :
هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع (٢) ع: هو عادياء أبو السموأل الغساني، وقوله: لم تمنع أي لم يمنعها هو ولم
стр. 442
تمنعه، والخل والخمر مثلان للخير والشر، يقال في المثل " ما فلان بخل ولا خمر " أي لا خير فيه ولا شر عنده، وأنشدوا على هذا بيت النمر المتقدم إنشاده، وقيل: هما مثلان مضروبان لقلي الخير وكثيره، ولا شر هناك، وإلى هذا أشار أبو عبيد فيما تقدم من كلامه؛ قال أبو علي: وأما قول العرب في أمثالها " ليس بخلةٍ ولا خمرةٍ " فهو كقولهم: سويقة ودقيقة وعسلة وضربة.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " سواء عليك هو والقفر " يقول: إذا نزلت به فكأنك بالقفار الممحلة. قال: ومنه قول ذي الرمة في بيت عاب فيه قوماً، إلا أنا نكره ذكره.
ع: ليس فيه شيء من الاقذاع فيكره ذكره، وقد أنشد عدة أبيات هي في الهجو أشد منه، قال ذو الرمة يهجو المرئيين (١) :
تخط إلى القفر امرأ القيس إنه ... سواء على الضيف امرؤ القيس والقفر
يحب امرؤ القيس القرى أن يناله ... ويأبى مقاربها إذا طلع النسر وطلوع النسر في أول الليل يكون عند كلب البرد وشدة الزمان.
١٩٦ -؟ باب صفة البخيل مع السعة والوجد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك " رب صلف تحت الراعدة (٢) " قال: والراعدة هي السحابة ذات الرعد، والصلف قلة النزل والخير.
стр. 443
ع: قد أنكر كثير من اللغويين النزل (١) وإنما يقال: طعام قليل النزل، بفتح النون والزاي، أي قليل الريع والنماء، ويقال: فلان صلف أي قليل الخير وامرأة صلفة: لم تحظ عند زوجها، وقال غير أبي عبيد: هذا المثل يضرب للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده، وهذا هو الصحيح لأن السحابة إذا كانت كثيرة الماء لم يقل لها صفة.
قال أبو عبيد: وقال الأموي في مثله أو نحوه " إنه لنكد الحظيرة " إذا كان منوعاً لما عنده، قال: وجمع النكد: أنكاد ونكد، ومنه قول الكميت (٢) :
نزلت به أنف الربيع وزايلت نكد الحظائر ... قال: أراه سمى مواله حظيرة لأنه حظرها عنده ومنعها فهي حظيرة في معنى محظورة.
ع: قوله في جمع نكد نكد وهم، إنما يجمع نكد أنكاد كما قال، وأما نكد فإنه جمع نكود، يقال: ناقة نكود إذا كانت قليلة الدر. وأصل هذا اللفظ من العسر والضيق، وقوله: أراه سمى أمواله حظيرة لأنه قد حظرها عنده ومنعها، وإنما الحظيرة والحظار ما حظرته على غنم أو غيرها لتأوي إليه ويمنعها من الخروج وهذا كما تقول " فلان ضيق العطن " يضرب أيضاً مثلاً للمنع وضيق الخلق، وإنما العطن موضع مبارك الإبل حول الماء، فهذا ذاك.
١٩٧ -؟ باب البخيل يعطي على الرهبة
ع: قد تقدم ما في هذا الباب من الأمثال إلا قول أبي عبيد، قال أبو زيد:
стр. 444
يقال " رهباك خير من رحماك (١) " يقول: فرقه (٢) خير من حبه لك وأحرى أن يعطيك عليه.
ع: هكذا حكاها أبو زيد وصح عنه رهباك ورحماك بفتح أولهما والضم فيهما فصيح.
وإلا قول أبي عبيد: إذا أعطى البخيل شيئاً مخافة ما هو أشد منه قالوا: " قد يضرط العير والمكواة في النار " وهذا المثل يروى عن عمرو بن العاصي أنه قاله في فلان.
ع: قال العلماء بالأخبار: إن أول من نطق بهذا المثل مسافر بن أبي عمرو وكان يهوى هنداً بنت عتبة أم معاوية وكانت تهواه، فقالت له: إن أهلي لا يزوجوني منك لأنك معسر، فلو وفدت على بعض الملوك لعلك تصيب مالاً فتتزوجني، فدخل إلى الحيرة وافداً على النعمان، فبينما هو مقيم عنده إذ قدم عليه قادم من مكة فأخبره بأشياء كانت بعده منها أن أبا سفيان تزوج هنداً، فسقي بطنه من الغم، فأمر النعمان أن يكوى فأتى الطبيب بمكاويه فجعلها في النار ثم وضع عليه منها مكواة، وعلج من علوج النعمان واقف، فلما عاين ذلك ضرط، فقال مسافر: قد يضرط العير والمكواة في النار. ومات مسافر من علته (٣) ، وقد قيل في المثل غير هذا، والذي ذكرناه أحرى واصح.
١٩٨ -؟ باب البخيل يعتل بالإعسار
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " قبل البكاء كان وجهك عابساً "
стр. 445
ع: من جيد ما ورد في هذا من الشعر قول الصاحب في هجائه قابوس بن وشمكير:
قابوس ويحك ما أخسك ما أخصك بالعيوب ... وجه قبيح في التبسم كيف يحسن في القطوب (١) ... ١٩٩؟ باب ما يؤمر به من الإلحاح في سؤال البخيل
قال أبو عبيد: ومن ذلك قولهم " إن جرجر فزده ثقلاً "
ع: جرجر الفحل جرجرة إذا تضور وتشكى، قال الراجز:
جرج لما عضه الكلوب (٢) ... وفحل جراجر: كثير الجرجرة، ومعنى المثل: إن ضج بعيرك وتشكى ثقل حمله بجرجرته، فزده ثقلاً.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " إن أعيا فزده نوطاً "
ع: النوط جلة صغيرة يكنز (٣) فيها التمر، يقول: إن أعيا فزده في حمله جلة. وأصل النوط التعليق، نطت الشيء نوطاً إذا علقته.
стр. 446
قال أبو عبيد: وقال أبو عبيدة في نحو منه: " دقك بالمنحاز حب الفلفل "
ع: المنحاز: المدق، وهو كل ما دققت به، والنحز الدق، يقال: نحزت الشيء نحزاً، والمنحاز: الهاوون؟ وبعضهم يقول الهاون؟ وهكذا أنشده أبو عبيد: " حب الفلفل " وأنشده غيره حب القلقل وهو ثمر شجرة من العضاعه يخبط بالمنحاز لكثرة شوك شجره فيسقط.
٢٠٠ -؟ باب استخراج الشيء من البخيل أحياناً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " إن الضجور قد تحلب العلبة " وفسره (١) .
ع: روي أن عمرو بن العاصي قال لمعاوية: إن الضجور قد تحلب العلبة. فقال له معاوي: وتزبن الحالب فتدق أنفه وتكفأ إناءه، الزبن: الدفع، يقال ناقة زبون إذا زبنت حالبها فدفعته برجلها، يقال: زبن البعير برجله ونفح بيده.
٢٠١ -؟ باب الاضطرار إلى مسألة البخيل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذ " شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب "
стр. 447
ع: قال يحيى بن زياد: طرح الباء من جاء بك وأوصل الفعل بالهمزة فقال: أجاءك كما قال الله سبحانه ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾ (مريم: ٢٣) وقال غيره: يقال أجاءك وأشاءك بمعنى ألجأك، وإنما خص العرقوب لأنه لا مخ فيه، وإنما هو شيء رقيق كالاهالة فليس يحتاج إليه إلا من لا يقدر على شيء، ولذلك قال الأخطل لكعب بن جعيل (١) :
وسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل قال أبو عبيد: وفي نحو منه وليس هو بعينه " الذئب يغبط بذي بطنه " قال أبو عبيد: وذلك أنه ليس يظن به أبداً الجوع، إنما يظن به أبداً البطنة لعدوه على الناس والماشية، وربما كان مجهوداً من الجوع، قال الشاعر (٢) :
" ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع " ع: في هذا المثل وإيراد أبي عبيد له في باب مسألة البخيل سؤال، وما الذي يؤلف بينهما، وإنما التقاؤهما من جهة أن البخيل إذا سئل الجود وهو غير مجبول عليه لبخله فكأنه سئل شيئاً ليس لديه ولا يقدر عليه، فهو كالرجل يغبط بالمال وليس عنده، كالذئب يغبط بذي بطنه وهو جائع. وقال الأصمعي: إنما يضرب هذا المثل للرجل يتهم بالمال وليس عنده.
стр. 448
٢٠٢ -؟ باب البخيل يمنع الناس ماله
وهو جواد (به على نفسه) (١)
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " سمنكم هريق في أديمكم " أي مالكم ينفق عليكم.
ع: يحمل الناس هذا المثل على أن معناه: سمنكم هريق في جلدكم؟ وهو الأديم؟ وقد فسره بذلك بعضهم، وهو خطأ. إنما الأديم هنا طعامهم المأدوم؟ فعيل بمعنى مفعول؟ أي خيرهم راجع إليهم وفيهم، كذلك فسره أبو علي وغيره. وباقي ما في هذا الباب من الأمثال قد تقدم ومضى القول فيه.
٢٠٣ -؟ باب موت البخيل وماله وافر لم يعط منه شيئاً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " مات فلان ببطنته لم يتغضغض منها بشيء "، قال: وهذا المثل لعمرو بن العاصي في بعضهم.
ع: هذا الذي روى عنه قد صرح باسمه في آخر الباب فقال: ولعل هذا المعنى أراد عمرو بن العاصي حين قال لعبد الرحمن بن عوف: هنيئاً لك ابن عوف خرجت من الدنيا ولم تتغضغض منها بشيء، أي خرجت منها سليماً لم تثلم دينك ولم تكلمه (٢) .
стр. 449
٢٠٤ -؟ باب إعطاء البخيل مرة في الدهر الطويل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في البخيل مرة ثم لا يعود (١) " كانت بيضة الديك " فإن كان يعطي شيئاص ثم قطعه قبل للمرة الآخرة " كانت بيضة العقر ".
ع: أما بيضة الديك فإنهم يزعمون أن الديك يبيض بيضة واحدة في عمره [بيضة] صغيرة شديدة البياض محددة الطرفين، قال بشار بن برد:
قد زرتنا زورةً في الدهر واحدةً ... ثني ولا تجعليها بيضة الديك وأما بيضة العقر فإن فيها قولين: أحدهما الذي أشار إليه أبو عبيد أنها آخر بيضة تكون في الدجاجة وذلك إذا عقرت فصارت لا تلد، والقول الثاني: أن بيضة العقر هي البيضة التي تجرب بها الجارية البكر من قولك: عقرها إذا افتضها والعقر: الفضة، قال الشاعر:
فإن أنفلت من عمر صعبة سالماً ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر قال السرقسطي (٢) : أما بيضة العقر فيقال إنها بيضة الديك، وإنما نسبت إلى العقر لأن الجارية إذا افتضت إنما يبلى ذلك منها ببيضة الديك فتضرب ببيضة العقر لكل شيء لا يستطاع مسه رخاوة وضعفاً (٣) . والعقر: دية فرج المرأة إذا غصبت نفسها، وبيضة الإسلام: جماعتهم ومعظمهم. ومنه الحديث: ولا تسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح بيضتهم. وبيضة القيظ معظمه، قال الشماخ (٤) :
стр. 450
طوى ظمئها في بيضة القيظ بعدما ... جرى في عنان الشعريين الأماعز (١) فأما قولهم " فلان بيضة البلد " فمن أراد به المدح فهو من هذا، ومن أراد به الذم ذهب إلى التريكة من بيض النعام لأنه لا منفعة فيها كما يقال " فقع القرقر ".
قال الراعي (٢) :
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسباً ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد وقد يضرب مثلاً للمنفرد عن أهله وأسرته فلا يكون مدحاً ولا ذماً، قال الشاعر (٣) :
لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلا بإذن حمار آخر الأبد
لكنه حوض من أودى بإخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد يقول: لو كان أنصاري أحياء ثم كان حوض حمارٍ من الحمر ما شربت به إلا بإذن ذلك الحمار (٤) .
стр. 451
الباب السادس عشر
ذكر الأمثال في صنوف الجبن وأنواعه
٢٠٥ -؟ باب المثل في الجبان وما يذم من أخلاقه
قال أبو عبيد: وأما قول عمرو بن أمامة:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه قال: أحسبه أنه أراد حذره وجبنه ليس بدافع عنه المنية إذا نزل به قدر الله.
ع: هذا يقوله عمرو بن أمامة يوم قتلته مراد بواد يقال له قضيب (١) وصاحبهم هبيرة بن عبد يغوث المكشوح (٢) خرج عليهم عمرو (٣) بسيفه وهو يقول (٤)
لقد عرفت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
стр. 452
كل امرئ مقاتل عن طوقه ... والثور يحمي جلده بروقه قوله من فوقه: أي من السماء بقدر وهو معنى قول أبي بكر لعائشة حديث الإفك: إن الله قد أنزل عذرك من فوق رأسك، أي من السماء، قاله قاسم بن ثابت.
وذكر أبو عبيد خبر خالد بن الوليد عند موته وقوله: " ها أنذا أموت حتف أنفي كما يموت البعير "
ع: هكذا رواه أكثرهم عن أبي عبيد. وفي كتاب قاسم بن سعدان " كما يموت العنز " والصحيح كما يموت العير لأن البعير والعنز من السائمة المأكولة وأكثر ميتتها بالنحر والذبح لا حتف أنوفها. والعير من الحمر الأهلية، وأكلها محجر منهي عنه، فإنما منيتها حتف أنوفها. ومن جيد الشعر في هذا المعنى قول الشاعر، ويقال إنه لمعاوية بن أبي سفيان (١) :
أكان الجبان يرى أنه ... يدافع عنه الحذار الأجل
فقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل قال أبو عبيد: ومنه الشعر الذي تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق (٢) :
لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل ع: يعني حمل بن بدر الفزاري الذي يقول فيه قيس بن زهير (٣) :
стр. 453
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
قتلت بإخواتي سادات قومي ... وهم كانوا لنا حلي الزمان
فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناتي وأما قولهم: " ما أحسن الموت إذا حان " فإنه من رجز آخر للضبي الذي يقول (١) :
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... ننعى ابن عفان بأطراف الأسل
ردوا علينا شيخنا ثم بجل ... لا عار بالموت إذا حم (٢) الأجل الموت أحلى عندنا من العسل ... وهذا المذكور هو حمل، بفتح الحاء والميم، على لفظ ولد الضأن. وفي همدان حمل بن زياد بن حسان من ذي شعبين بفتح الحاء وضم الميم، وفي مذحج جمل بالجيم على لفظ الواحد من الجمال، وهو جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد. وفي كنانة خمل (٣) بضم الخاء المعجمة وإسكان الميم وهو خمل بن شق بن رقبة بن عامر ابن علي بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجبن قولهم: " عصا الجبان أطول " قال: وأحسب أنه إنما يفعل هذا لأنه من فشله يرى أن طولها أشد ترهيباً لعدوه من قصرها.
ع: إذا أخبر الفارس من العرب عن طول قناته فإنما يريد قوة ساعده وشدة
стр. 454
أيده واقتداره على تصريفها بثقلها وحسن ثقافته بها على طولها. وإذا أخبر عن قصرها أو عن قصر سيفه فإنما يريد أن ذراعه وباعه يطولان بهما، كما قال كعب بن مالك (١) :
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب وأحسن مقادير القناة عندهم إحدى عشرة ذراعاً. قال عتبة بن مرداس:
واسمر خطياً كأن كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذراعاً على العشر وقال البحتري:
كالرمح أذرعه عشر وواحدة ... فليس يزري به طول ولا قصر ٢٠٦؟ باب فرار الجبان وخضوعه واستكانته
قال أبو عبيد: قال الأصمعي ومنه قولهم: " بصبصن إذ حدين بالأذناب "
ع: يقال: بصبص الكلب والفحل وغيرهما إذا حرك ذنبه. قال الراجز: " بصبصن [بالأذناب] (٢) إذ حدينا " هكذا أنشده اللغويون، وحدين من الحداء
стр. 455
الذي يبعث نشاط الإبل. وقد روى بعضهم في كتاب " الأمثال ": " بصبصن إذ حذين بالأذناب " بالذال المعجمة من المحاذاة.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: " دردب لما عضه الثقاف "
ع: لا أعلم لدردب في كلام العرب معنى إلا دردبة الطبل وهو صوته. وأما طرطب فهو دعاء النعجة يكون بالشفتين، يقال: طرطب بنعجتك.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: " ودق العير إلى الماء " كل هذه الثلاثة عن الأصمعي.
ع: ودق: دنا، يقال: ودق مني الشيء أي دنا. والمودق موضع دنو الشيء، يراد في المثل: دنا العير إلى الماء. ولا أدري كيف يرتبط هذا المثل بعقد الباب ولا من حيث يلتقيان.
وأنشد أبو عبيد على الإيغار (١) قول الشاعر (٢) :
ولقد رأيت فوارساً من قومنا ... غنظوك غنظ جرادة العيار
ولقد رأيت مكانهم فكرهتهم ... (٣) ككراهة الخنزير للإيغار ع: قال قاسم بن ثابت: سألت الهجري عن قول جرير:
стр. 456
لقد لقيت فوارساً من عامر ... غنظوك غنظ جرادة العيار ويروي: " لو أنهم ثقفوك يوم محجر غنظوك " فقال: كان العيار رجلاً من بني عليم وكان أفرق الثنية، فأكل جراداً فنشبت جرادة في فرق ثنيته فلم يشعر بها حتى تكلم في نادي قومه فنبه عليها. وقال الخليل: إن العيار صاد جراداً فدسهن في رماد وجعل يخرج واحدة بعد واحدة ويأكل من شدة الجوع. فأخذ جرادة منهن فطارت فقال لها: والله إن (١) كنت لأنضجهن. فضرب ذلك مثلاً لكل من أفلت من كرب. وقد فسر أبو عبيد الغنط.
قال أبو عبيد: ومثله " حال اجريض دون القريض " وهذا المثل لعبيد بن الأبرص قاله للمنذر حين أراد قتله. فقال له: أنشدني قولك: " أقفر من أهله ملحوب "، فقال عبيد عند ذلك " حال الجريض دون القريض " (٢) والجريض: هو الغصص عند الموت.
ع: الصحيح أن صاحب يوم النعيم ويوم البؤس وأول من سنهما يومين في السنة هو النعمان الأكبر باني الخورنق وهو ابن الشقيقة، وهو المتأله والمتخلي عن ملكه آخر أمره. وسنذكر السبب في أمريه إثر هذا. فوفد إليه عبيد في يوم بؤسه، وقد كان قبل ذلك امتدحه فوصله وأكرمه فقال له: ما أخرجك ثكلتك أمك! فقال حضور أجلي وانقطاع أملي. وكان من لقيه في يوم بؤسه لم يخلصه من القتل شيء فاستنشده قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب فقال له: حال الجريض دون القريض. فعزم عليه أن ينشده فأنشده (٣) :
стр. 457
أقفر من أهله عبيد ... فليس (١) يبدي ولا يعيد ثم قال: اختر إن شئت أخرجت نفسك من الأبجل وإن شئت من الأكحل، وإن شئت من الوريد. فقال عبيد (٢) :
خيرتني بين سحابات عاد ... فردت من ذلك شر المراد وكان سبب اتخاذه يوم البؤس من عامه أنه كان له عمرو بن مسعود وخالد ابن نضلة (٣) نديمين يستلذ حديثهما. فبينما هو ذات يوم يشرب معهما جرت على لسانه أبيات شعر. فقال: قولا على هذه العروض، فقالا، فساء الملك بعض قولهما وقد سكر فقلهما. فلما صحا دعا بهما وأخبر بشأنهما فاشتد ندمه وكثر أسفه عليهما واتخذ يوم قتلهما يوم البؤس من عامه.
وأما السبب الثاني في تألهه فإنه خرج يوماص في صيد، فهاجت ريح رعبت الناس وخلعت القلوب وانقطع من أصحابه وألجأه المبيت إلى رجل من طيء يقال له عمرو ابن الأخنس (٤) فلم يأله إكراماً لما رأى من جماله وشارته وتضوع من طيب رائحته ولم يعرفه حتى إذا أصبح غشيته الخيل فارتاع الرجل فقال: لا ترع، أنا النعمان فأقدم علي أمولك. فتوانى الرجل وألحت عليه امرأته فخرج يريد النعمان فصادفه يوم بؤسه وقد ركب فأمر بذبحه، فقال له (٥) : أنا الطائي أبو مثواك ليلة الريح وإنما جئت لوفاء موعدك. فأدناه النعمان ورحب به وقال: أوصني بكل أرب لك ووطر، غير أنه لابد من القتل. فقال له الطائي: ما لي حاجة ولا أرب دون نفسي فهب لي نفسي. فقال: لابد من القتل، فقال الطائي: إن لي وصايا وديوناً وعندي ودائع لا يعلمها أحد غيري فدعني حتى ألحق بأهلي وأوصيهم بما أريد وأرجع إليك، قال: فمن يكفل بك؟ فسأل الطائي عن أكرم الناس عليه، فقيل له: شريك بن
стр. 458
عمير، وهو ابن عمه وصهره، فنادى بأعلى صوته (١) :
يا شريك بن عمير ... يا أخا من لا أخا له
يا شريك بن عمير ... اكفل المرء وآله
ريث أوصي وأؤدي ... مال من أودعت ماله
يا شريك بن عمير ... هل من الموت محاله فاهتز لذلك شريك ومضى إلى النعمان فكفل له به، فأجل له النعمان وضمنه شريكاً بدمه، فانطلق الطائي إلى أهله وأوصاهم وودعهم ولبس أكفانه وتحنط وأقبل يريد النعمان. وإنه لما أصبح النعمان يوم أجل الطائي دعا شريك ليقتله فقال له: أيها الملك اجعل لي يومي هذا إلى انقضائه، ووطن نفسه شريك على القتل وودع أهله، فلم يلبثوا أن طلع عليهم الطائي في أكفانه متحنطاً، فاشتد تعجب النعمان منه وقال: ما أدري أيكما أكرم، فأخبرني يا طائي ما حملك على الوفاء وأنت تعلم أنك مقتول، قال: حملني على ذلك ديني، قال: وما دينك؟ قال: النصرانية، فوصف له الدين وتوحيد الله تعالى، فظهر له صحة ما وصف، وقبله بفطنته وتنصر، وقال: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد هذا، ووصل الطائي وأحسن إليه، وكان ذلك سبب تزهده حتى انخلع من ملكه وساح في الأرض، وثبت الملك في ولده.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجبان يشتد فزعه: " اقشعرت منه الذوائب "
ع: الذوائب: هو شعر مؤخر الرأس واحدتها ذؤابة، وشعر مقدم الرأس الناصية. وبعضهم يقول " اقشعرت منه الدوائر ".
стр. 459
٢٠٧ -؟ باب إفلات الجبان وغيره من الكرب بعد الاشفاء عليه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " أفلت وانحص الذنب " وذكره خبره (١) .
ع: وأسقط منه ذكر السبب الذي من أجله جعل معاوية للغساني ثلاث ديات على أن ينادي بالأذان عند ملك الروم، وذلك أن معاوية لما كبر كانت توقظه النواقيس ولا يسوغ له بها نوم، فأراد بهذه الحيلة أن يجد السبيل إلى الراحة منها وهدم كنائسها.
يقال: انحص الشعر والريش إذا ذهب وانجرد وحص شعره فهو محصوص إذا حصه غيره. قال أبو قيس بن الأسلت (٢) :
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاع وفرس حصيص إذا قل شعر ثنته وهو عيب، والحصص قلة الشعر، ورجل أحص.
قال أبو عبيد: فإذا أرادوا أنه نفر. فلم يعد يقال: " ضرب في جهازه " وفسره (٣) إلا الجهاز.
стр. 460
ع: والجهاز متاع البيت وهذا أصله، ثم قيل لأداة القتب جهاز، وكذلك ما جهزت به التاجر والمسافر، قال الله تعالى ﴿فلما جهزهم بجهازهم﴾ (يوسف: ٧٠) وتوسع في ذلك حتى قيل لفرج المرأة جهازها.
٢٠٨ - باب الجبان يتوعد صاحبه بالإقدام
قال أبو عبيد: أمثالهم في هذا: " الصدق ينبي عنك لا الوعيد " يقول: إن صدقك في الأمور واللقاء هو الذي يدفع عنك عدوك لا المقال من غير فعل. قال وقوله: ينبي ليس بمهموز لأنه من نبا الشيء ينبو وقد أنبيته عني دفعته
ع: أراد أنه لا يقال هنا ينبئ عنك بالهمز بمعنى يعلم عنك كما تقول أنبأته أي أعلمته، إنما هو من بنا الشيء ينبو إذا تجافى عن الشيء فلم يعمل فيه، ولم يطمئن عليه، يقال: نبا السيف عن الضريبة إذا كل عنها فلم يعمل فيها شيئاً، ونبا جنبي عن المضجع إذا لم يظمئن عليه. قال الشاعر (١) :
إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب (٢) الأسر: البعير الذي به السرر (٣) وهو داء يصيب الإبل في صدورها لا تقدر معه على البروك ولا الطمأنينة. يقول في المثل: فصدقك في دفاع عدوك تجافيه عنك ولا وعيدك إياه.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً "