لقد لقيت فوارساً من عامر ... غنظوك غنظ جرادة العيار ويروي: " لو أنهم ثقفوك يوم محجر غنظوك " فقال: كان العيار رجلاً من بني عليم وكان أفرق الثنية، فأكل جراداً فنشبت جرادة في فرق ثنيته فلم يشعر بها حتى تكلم في نادي قومه فنبه عليها. وقال الخليل: إن العيار صاد جراداً فدسهن في رماد وجعل يخرج واحدة بعد واحدة ويأكل من شدة الجوع. فأخذ جرادة منهن فطارت فقال لها: والله إن (١) كنت لأنضجهن. فضرب ذلك مثلاً لكل من أفلت من كرب. وقد فسر أبو عبيد الغنط.
قال أبو عبيد: ومثله " حال اجريض دون القريض " وهذا المثل لعبيد بن الأبرص قاله للمنذر حين أراد قتله. فقال له: أنشدني قولك: " أقفر من أهله ملحوب "، فقال عبيد عند ذلك " حال الجريض دون القريض " (٢) والجريض: هو الغصص عند الموت.
ع: الصحيح أن صاحب يوم النعيم ويوم البؤس وأول من سنهما يومين في السنة هو النعمان الأكبر باني الخورنق وهو ابن الشقيقة، وهو المتأله والمتخلي عن ملكه آخر أمره. وسنذكر السبب في أمريه إثر هذا. فوفد إليه عبيد في يوم بؤسه، وقد كان قبل ذلك امتدحه فوصله وأكرمه فقال له: ما أخرجك ثكلتك أمك! فقال حضور أجلي وانقطاع أملي. وكان من لقيه في يوم بؤسه لم يخلصه من القتل شيء فاستنشده قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب فقال له: حال الجريض دون القريض. فعزم عليه أن ينشده فأنشده (٣) :
стр. 457
أقفر من أهله عبيد ... فليس (١) يبدي ولا يعيد ثم قال: اختر إن شئت أخرجت نفسك من الأبجل وإن شئت من الأكحل، وإن شئت من الوريد. فقال عبيد (٢) :
خيرتني بين سحابات عاد ... فردت من ذلك شر المراد وكان سبب اتخاذه يوم البؤس من عامه أنه كان له عمرو بن مسعود وخالد ابن نضلة (٣) نديمين يستلذ حديثهما. فبينما هو ذات يوم يشرب معهما جرت على لسانه أبيات شعر. فقال: قولا على هذه العروض، فقالا، فساء الملك بعض قولهما وقد سكر فقلهما. فلما صحا دعا بهما وأخبر بشأنهما فاشتد ندمه وكثر أسفه عليهما واتخذ يوم قتلهما يوم البؤس من عامه.
وأما السبب الثاني في تألهه فإنه خرج يوماص في صيد، فهاجت ريح رعبت الناس وخلعت القلوب وانقطع من أصحابه وألجأه المبيت إلى رجل من طيء يقال له عمرو ابن الأخنس (٤) فلم يأله إكراماً لما رأى من جماله وشارته وتضوع من طيب رائحته ولم يعرفه حتى إذا أصبح غشيته الخيل فارتاع الرجل فقال: لا ترع، أنا النعمان فأقدم علي أمولك. فتوانى الرجل وألحت عليه امرأته فخرج يريد النعمان فصادفه يوم بؤسه وقد ركب فأمر بذبحه، فقال له (٥) : أنا الطائي أبو مثواك ليلة الريح وإنما جئت لوفاء موعدك. فأدناه النعمان ورحب به وقال: أوصني بكل أرب لك ووطر، غير أنه لابد من القتل. فقال له الطائي: ما لي حاجة ولا أرب دون نفسي فهب لي نفسي. فقال: لابد من القتل، فقال الطائي: إن لي وصايا وديوناً وعندي ودائع لا يعلمها أحد غيري فدعني حتى ألحق بأهلي وأوصيهم بما أريد وأرجع إليك، قال: فمن يكفل بك؟ فسأل الطائي عن أكرم الناس عليه، فقيل له: شريك بن
стр. 458
عمير، وهو ابن عمه وصهره، فنادى بأعلى صوته (١) :
يا شريك بن عمير ... يا أخا من لا أخا له
يا شريك بن عمير ... اكفل المرء وآله
ريث أوصي وأؤدي ... مال من أودعت ماله
يا شريك بن عمير ... هل من الموت محاله فاهتز لذلك شريك ومضى إلى النعمان فكفل له به، فأجل له النعمان وضمنه شريكاً بدمه، فانطلق الطائي إلى أهله وأوصاهم وودعهم ولبس أكفانه وتحنط وأقبل يريد النعمان. وإنه لما أصبح النعمان يوم أجل الطائي دعا شريك ليقتله فقال له: أيها الملك اجعل لي يومي هذا إلى انقضائه، ووطن نفسه شريك على القتل وودع أهله، فلم يلبثوا أن طلع عليهم الطائي في أكفانه متحنطاً، فاشتد تعجب النعمان منه وقال: ما أدري أيكما أكرم، فأخبرني يا طائي ما حملك على الوفاء وأنت تعلم أنك مقتول، قال: حملني على ذلك ديني، قال: وما دينك؟ قال: النصرانية، فوصف له الدين وتوحيد الله تعالى، فظهر له صحة ما وصف، وقبله بفطنته وتنصر، وقال: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد هذا، ووصل الطائي وأحسن إليه، وكان ذلك سبب تزهده حتى انخلع من ملكه وساح في الأرض، وثبت الملك في ولده.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجبان يشتد فزعه: " اقشعرت منه الذوائب "
ع: الذوائب: هو شعر مؤخر الرأس واحدتها ذؤابة، وشعر مقدم الرأس الناصية. وبعضهم يقول " اقشعرت منه الدوائر ".
стр. 459
٢٠٧ -؟ باب إفلات الجبان وغيره من الكرب بعد الاشفاء عليه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " أفلت وانحص الذنب " وذكره خبره (١) .
ع: وأسقط منه ذكر السبب الذي من أجله جعل معاوية للغساني ثلاث ديات على أن ينادي بالأذان عند ملك الروم، وذلك أن معاوية لما كبر كانت توقظه النواقيس ولا يسوغ له بها نوم، فأراد بهذه الحيلة أن يجد السبيل إلى الراحة منها وهدم كنائسها.
يقال: انحص الشعر والريش إذا ذهب وانجرد وحص شعره فهو محصوص إذا حصه غيره. قال أبو قيس بن الأسلت (٢) :
قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوماً غير تهجاع وفرس حصيص إذا قل شعر ثنته وهو عيب، والحصص قلة الشعر، ورجل أحص.
قال أبو عبيد: فإذا أرادوا أنه نفر. فلم يعد يقال: " ضرب في جهازه " وفسره (٣) إلا الجهاز.
стр. 460
ع: والجهاز متاع البيت وهذا أصله، ثم قيل لأداة القتب جهاز، وكذلك ما جهزت به التاجر والمسافر، قال الله تعالى ﴿فلما جهزهم بجهازهم﴾ (يوسف: ٧٠) وتوسع في ذلك حتى قيل لفرج المرأة جهازها.
٢٠٨ - باب الجبان يتوعد صاحبه بالإقدام
قال أبو عبيد: أمثالهم في هذا: " الصدق ينبي عنك لا الوعيد " يقول: إن صدقك في الأمور واللقاء هو الذي يدفع عنك عدوك لا المقال من غير فعل. قال وقوله: ينبي ليس بمهموز لأنه من نبا الشيء ينبو وقد أنبيته عني دفعته
ع: أراد أنه لا يقال هنا ينبئ عنك بالهمز بمعنى يعلم عنك كما تقول أنبأته أي أعلمته، إنما هو من بنا الشيء ينبو إذا تجافى عن الشيء فلم يعمل فيه، ولم يطمئن عليه، يقال: نبا السيف عن الضريبة إذا كل عنها فلم يعمل فيها شيئاً، ونبا جنبي عن المضجع إذا لم يظمئن عليه. قال الشاعر (١) :
إن جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسر فوق الظراب (٢) الأسر: البعير الذي به السرر (٣) وهو داء يصيب الإبل في صدورها لا تقدر معه على البروك ولا الطمأنينة. يقول في المثل: فصدقك في دفاع عدوك تجافيه عنك ولا وعيدك إياه.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً "
стр. 461
ع: الطحن؟ بكسر أوله؟ ما طحن من دقيق وغيره والطحن؟ بفتح أوله؟ مصدر طحنت طحناً. والطحين أيضاً الشيء المطحون. قال الشاعر:
" رحى جيزومها كرحى الطحين " ... فمعنى المثل: أسمع صوت رحى ولا أرى ثمرة ما تطحنه. فالجعجعة للرحى خاصة، والقلقلة للقفل، والوسواس للحلي، والدرداب للطبل، والنشنشة للمقلى، والغرغرة والغطغطة للقدر إذا غلت، والكلحبة للنار إذا توقدت، والمعمعة صوت لهبها إذا استوى توقدها، والهيقعة صوت ضرب السيوف.
٢٠٩ -؟ باب تخويف الجبان وإجابته عند إيعاده
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " برق لمن لا يعرفك "
ع: يقال: برق الرجل وبرق، وقد قيل: أبرق إذا أوعد وتهدد. ويقال: إنك لتبرق وترعد إذا جاء متهدداً. قال المتلمس:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنيةً ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد أي تهدد ما شئت.
قال أبو عبيد: وإذا أرادوا أن يأمروه بالتبريق قيل " خش ذؤالة بالحبالة "
ع: ذؤالة: اسم للذئب سمي بذألاته وه ضرب من المشي، ويقال: ذألت الناقة أيضاً تذأل ذألاً وذألاناً، وهو ضرب من مشي الإبل أيضاً.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم: " جاء فلان ينفض مذرويه "
стр. 462
أي يتوعد ويتهدد. قال: وهذا المثل يروى للحسن البصري قاله في بعض أولئك الذين يطلبون الملك. والمذروان: فرعا الأليتين (١) ولا يكاد يقال هذا إلا لمن يتوعد (٢) من غير حقيقة.
ع: المحفوظ عن الحسن أنه قال في يوم عيد ورأى الناس يلعبون (٣) : تلقى أحدهم أبيض بضاص يملخ في الباطل ملخاً، ينفض مذرويه ويضرب أصدريه، يقول: ها أناذا فاعرفوني. قد عرفناك فمقتك الله ومقتك الصالحون. قال أبو بكر في كلام الحسن: يملخ في الباطل ملخاً كأنه يلح فيه. وقال أبو إسحاق الحربي: الملخ التثني والتكسر، يقال: ملخ، إذا لعب ومرح. وقد فسر أبو عبيد المذروين، قال عنترة يخاطب عمارة بن زياد العبسي (٤) :
أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا والأصدران: عرقان في الصدغين. ويقال: هما المنكبان، يقال للرجل إذا جاء فارغاً: جاء يضرب أصدريه. وقال بعض أهل اللغة: إنما هو يضرب بأصدريه بحرف الجر كما يقال: جاء ينظر في عطفيه (٥) ، ولم يرد في حديث الحسن إلا يضرب أصدريه دون باء.
стр. 463
قال أبو عبيد: ومنها قولهم: " ارق على ظلعك "
ع: المحفوظ (١) عن العرب " أربع على ظلعك " والظلع: الميل، والظالع المائل، واربع أي كف.
٢١٠ -؟ باب كشف الكرب عند المخاوف عن الجبان
قال أبو عبيد: من أمثالهم المنتشرة عند الناس: " أفرخ روعك " يقول: ليذهب روعك وفزعك، فإن الأمر ليس على ما تحاذر.
ع: قد تقدم القول في هذا المثل بأتم ما يمكن أن يكون من الكلام وأبينه وأحفله. وذهب أبو عبيد هنا أن يكون الفعل الماضي في قوله: أفرخ روعك بمعنى الأمر كما جاء في الحديث: اتقى الله منافق على دمه، أي ليتق الله. وقد ذكرنا فيما سلف أن المثل لرسول الله ﷺ قاله لعروة بن مضرس حين قدم عليه بالمزدلفة، وذكرنا قول من قال إن المثل لمعاوي بن أبي سفيان وسقنا خبره بأتم مما ذكره أبو عبيد هنا (٢) .
٢١١ -؟ باب الرضا بالحاضر ونسيان الغائب
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " من غاب غاب حظه "
стр. 464
ع: المحفوظ في هذا " من غاب خاب، وأكل نصيبه الأصحاب " وقال الشاعر في معناه:
حكم سمعت به وليس بقاصد ... جوع الجماعة لانتظار الواحد
стр. 465
الباب السابع عشر
في الأمثال في مرازي الدهر
٢١٢ -؟ باب المثل في الأقدار والنوازل
قال أبو عبيد: قال شريح في الذين فروا من الطاعون: إنا وإياهم من طالب القريب "
ع: فر قوم من أهل الكوفة من الطاعون إلى النجف فقال شريح: " إن من بالنجف من ذي قدرة لقريب "، هكذا لفظ الرواية عن شريح؛ والنجف غلظ في الأرض مرتفع، وبه سمي هذا الموضع وهو على مقربة من الكوفة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: " كيف توقى ظهر ما أنت راكبه "
ع: الشاعر وهو المتلمس (١) :
стр. 466
فإن لا تجللها يعالوك فوقها ... وكيف توقى ظهر ما أنت راكبه يقول: كيف تتوقى مما أنت محمول عليه وراكب له. ومثله لأفنون (١) :
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... إذا المرء (٢) لم يجعل له الله واقيا وقال أبو فراس في نحوه (٣) :
إذا كان غير الله لمرء عدة ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد
كما جرت الحنفاء حتف حذيفة ... وكان يراها عدة للشدائد وقال ابن الرومي:
طامن حشاك فإن دهرك موقع ... بك ما تحب من الأمور وتكره
وإذا حذرت من الأمور مقدراً ... ففررت منه فنحوه تتوجه ٢١٣؟ باب الحين يجتلبه القدر على الإنسان
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " إن الشقي راكب البراجم ". وهذا المثل لعمرو بن هند وذكر خبره.
ع: كل من روى هذا الخبر من العلماء إنما قال: " إن الشقي وافد
стр. 467
البراجم " وهو المعلوم، وبتحريق عمرو بن هند لبني تميم سمي محرقاً (١) ، وقال أبو عبيد في آخر الحديث: ثم تحلل ابن هند عن يمينه بالحمراء بنت ضمرة النهشلية تمام المائة. وإنما هي الحمراء بنت نظلة، كذلك قال ابن الكلبي وغيره من الأخباريين وصح لي بعد هذا أن الصواب ما ذكره أبو عبيد لأن عمرو بن هند لما آلى ليحرقن مائة من بني دارم حرق تسعة وتسعين ووفى العدد بامرأة (٢) . فلما قدمت قال: من أنت؟ قالت الحمراء بنت ضمرة بن جابر، ساد كابراً عن كابر، وأنا أخت ضمرة بن ضمرة، السريع الكرة، البطيء الفرة. قال عمرو: لولا مخافة أن تلدي مثلك لصرفت النار عنك.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: " لا تكن كالعنز تبحث عن المدية "
ع: نظم هذا المثل أبو الأسود الدؤلي فقال (٣) :
فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مديةً أو بفيها
فقام إليها بها ذابح ... ومن تدع يوماً شعوب يجيها وقال الفرزدق (٤) :
فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها وقال أيضاً (٥) :
стр. 468
رأيت ابن دينار يزيد رمى به ... إلى الشام يوم العنز والله شاغله
بعذراء لم تنكح حليلا ومن تلج ... ذراعيه تخذل ساعديه أنامله قوله: يوم العنز أراد أنه جلب حينه على نفسه، وعذراء يعني جامعة (١) .
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " حتفها تحمل ضأن بأظلافها " وهذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي ﷺ لقيلة التميمية (٢) ، وكان حريث حملها إلى النبي ﷺ .
ع: وكان من من حديثهما أن قيلة لما أراد عم بناتها أن يأخذهن منها خرجت تريد النبي ﷺ فبكت بنية منهن هي أصغرهن. قالت قيلة: (حديباء) كانت قد أخذتها الفرصة (٣) فرحمتها فحملتها معها. فبينما هما يرتكان (٤) إذ انتفجت (٥) أرنب فقالت الحديباء: الفصية (٦) والله لا يزال كعبك عالياً (٧) ، فأدركني عمهن بالسيف فأصابت ظبته طائفة من قرون رأسه وقال: ألقي إليّ ابنة أخي يادفار (٨) ، فألقيتها إليه. ثم انطلقت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول
стр. 469
الله ﷺ : فبينما أنا عندها ليلة تحسب عيني (١) نائمة إذ دخل زوجها من السامر (٢) فقال: وأبيك لقد أصبت لقيلة صاحب صدق، حريث بن حسان، فقالت أختي الويل لي، لا تخيرها فتتبع أخا بكر بين سمع الأرض وبصرها ليس معها رجل من قومها. قالت: فصحبته صاحب صدق، فقدمنا على رسول الله ﷺ ، فصليت معه الغداة، حتى إذا طلعت الشمس، دنوت فقال رجل: (السلام عليك يا رسول الله) [فقال رسول الله: وعليك السلام] وهو قاعد القرفصاء، قال: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام ثم قال: يا رسول الله اكتب (لي) (٣) بالدهناء، فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي (٤) ، وكانت وطني وداري، فقلت: يا رسول الله، الدهناء مقيد الجمل (٥) ، ومرعى الغنم، وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان (٦) . وقال رسول الله ﷺ : أيلام ابن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجزة (٧) ؟
قال أبو سليمان الخطابي: أصل هذا المثل أن النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية، ثم أرسله ونذر أن يقتل من عرض له، فكان الكبش يسرح ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري، فقال كبش يحمل حتفه بأظلافه، ثم وثب عليه فذبحه واشتواه، وقال شعراً طويلاً فيه:
أخوف بالنعمان حتى كأنني ... ذبحت له خالاً كريماً أو ابن عم
стр. 470
٢١٤ -؟ باب الشماتة بالجاني على نفسه الحين
قال أبو عبيد: ويقال في مثله " يداك أوكتا وفوك نفخ " وذكر أصله عن المفضل.
ع: وقال صاحب " العين " (١) خلاف ما ذكر، قال: كان من شأن هذا المثل أن شاباً انتهى إلى جوار يستقين بالقرب فكان يلاعبهن ويأخذ بعض القرب فينفخ فيه ثم يوكئه فاطلع عليه أخ لجارية منهن فقتله غيرةً، فجاء أخو المقتول فوجده قتيلاً، فأخبر بما كان يصنع من ملاعبة الجواري فقال: يداك أوكتا وفوك نفخ؛ وعزى نفسه ورجع.
٢١٥ -؟ باب الحين والشؤم يجلبه الإنسان أو غيره على من سواه
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشؤم والحين قولهم: " كانت عليهم كراغية البكر " يعني بكر ثمود حين رماه صاحبهم فرغا عند الرمية فأنزل الله بهم سخطه. قال النابغة الجعدي لرجل من الأشعريين:
رأيت البكر بكر بني ثمود ... وأنت أراك بكر الأشعرينا ع: هذا الرجل هو أبو موسى الأشعري، وقال علقمة بن عبدة في ذلك أيضاً (٢) :
стр. 471
رغا فوقهم سقب السماء فداحص ... (١) بشكته لم يستلب وسليب قال أبو عبيد: وكذلك عاقر الناقة نفسه صار مثلاً في الشؤم عند العرب، قال زهير بن أبي سلمى:
فتنتح لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطم ويروى: فتنتح لكم، يقال: أنتجت الناقة فهي منتج ونتوج. وأراد أحمر ثمود فلم يكنه الشعر فقال: أحمر عاد. وقد قال بعض النساب إن ثموداً من عاد.
ع: أحمر ثمود هو قدار بن قديرة وهي أمه، وأبوه سالف، وهو الذي عقر ناقة صالح النبي ﷺ فأهلك الله بفعله ثمود، فقالت العرب: أشأم من أحمر عاد. وقول زهير: غلمان أشأم، يعني غلمان شؤم، كما قال علي ﵁: من فاز والله بكم فاز بسهم الأخيب، يعني بسهم الخيبة. وقال معن بن أوس المزني (٢) :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول يعني: وإني لوجل.
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ومن الأمثال في جلب الشؤم والحين قولهم: " على أهلها دلت براقش " قال: وبراقش اسم كلبة نبحت على جيش مروا ولم يشعروا بالحي الذي فيهم الكلبة، فلما سمعوا نباحها علموا أن
стр. 472
أهلها هناك، فعطفوا عليهم فاستباحوهم، فذهبت مثلاً.
ع: وقال أبو محمد بن [ذي] الدمينة إن براقش حصن باليمن معروف وهو الذي يقول فيه النباغة الجعدي (١) :
تستن بالضرو من براقش أو هيلان أو ناضر من العتم (٢) ... قال (٣) : وكان لأهل براقش بئر خارج الحصن لا منهل لهم سواها، وكان من داخل الحصن إليها نفق، قال: فحصرهم عدو وحل على الماء دونهم وطال حصاره لهم وهو لا يدري من أين يشربون وهم يختلسون شربهم ليلاً واستراقاً حتى نزلت كلبة لأهل الحصن في البستج لتشرب فرآها بعض من يستقي من العدو فأنزل صاحب الجيش الرجال فدخلوا الحصن من النفق وأهله غارون فقتلوهم وافتتحوا الحصن وسمي الحصن براقش باسم الكلبة.
قال أبو عبيد: قال مؤرخ ومن هذا قولهم: " عير عاره وتده " عاره أهلكه. كما يقال: لا أدري أي الجراد عاره، أي ذهب به وأتلفه.
ع: قال غير أبي عبيد: قولهم " عاره وتده " هو من العور في العين. يقال: عرت عينه وعارها غيري، وهو أشبه بالمثل لأن الوتد قد يصيب العين فيعورها ولا وجه للإهلاك هنا.
стр. 473
٢١٦ -؟ باب دول الدهر الجالبة للمحبوب والمكروه
قال أبو عبيد: من أمثالهم [في دول الدهر] : " من ير يوماً ير به " وبعضهم يقول: " ير يوماً تر به ".
ع: أول من قاله (١) كلحب بن شؤبوب الأسدي، كان خباً خبيثاً يغير على طيء وحده، وإن حارثة بن لأم الطائي دعا رجلاً من قومه فقال له: أما تستطيع أن تكفيني هذا الخبيث؟ قال: نعم. ثم أرسل عشر عيون عليه فعلموا مكانه فانطلق عليه فاستيقظ فزعاً وقبض على حلق أحدهما (٢) فقتله، وبادر الباقون إليه فأخذوه وشدوه وثاقاً. وقال ابن المقتول واسمه حوذة: دعوني أقتله بأبي، قالوا: لا حتى نأتي به حارثة، فأتوه به فقال له حارثة: يا كلحب إن كنت أسيراً فطالما أسرت، فقال: " من ير يوماً ير به " وقال حوذة لحارثة: أعطنيه أقتله بأبي، قال: دونكه، وجعلوا يتكلمون وهو يعلك كتافه حتى انحل ثم وثب وهو يحاصرهم وتواثبوا على الخيل فأعجزهم على رجليه. وقال الراجز:
من ير يوماً ير به ... والدهر لا يغتر به ٢١٧؟ باب حؤول الدهر وتنقله بأهله
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: " كل ذاتن بعلٍ ستئيم "
стр. 474
ع: قال يزيد بن الحكم الثقفي (١) في قصيدته الأدبية الحكمية التي يعظ فيها ابنه بدراً ويوصيه (٢) :
كل امرئ ستئيم من ... هـ العرس أو منها يئيم (٣)
ما علم ذي ولد أيث ... كله أم الولد اليتيم قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: " أتى أبد على لبد " يعني نسر لقمان السابع، وفيه يقول النابغة الذبياني (٤) :
أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا ... (٥) أخنى عليها الذي أخنى على لبد وقد ذكره لبيد في شعره أيضاً.
ع: بيت لبيد هو قوله (٦) :
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل (٧) والعرب تزعم أن النسر يعيش خمسمائة عام ويزعمون أن لقمان بن عاد عاش عمر سبعة أنسر، كلما مضى عمر نسر منها أخذ فرخ نسر آخر، وأن آخرها (٨)
стр. 475
كان يسمى لبد وإنه لما استوفى سنيه فمات قال لقمان " أتى الأبد (١) على لبد: ثم مات لقمان بعده. ولقمان أحد وفد عاد، وكان قد خير بين عمر سبعة أظب عفر في بلد (٢) وعر، وبين عمر سبعة أنسر كلما مر نسر عاد عمره إلى نسر، فاختار عمر الأنسر في حديث طويل.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي في نحو منه: " انقطع السلى في البطن " أي فات الأمر وانقضى وكذلك: " انقطع قوى من قاويه " (٣)
ع: السلى للماشية وهو الوعاء الذي يكون فيه الولد وهو من الناس المشيمة. وقال أبو زيد: هما للناس وإذا انقطع السلى في البطن هلك الحامل والمحمول به، وأما قوله " انقطع قوى من قاويه " فقول يخالفه فيه أهل اللغة إنما هو " انقطع قوب من قائبة " يعنون فرخاً من بيضة. وكذلك يقولون في الدعاء لا والذي أخرج قوباً من قائبة، أي فرخاً من بيضة، سميت قائبة لتقوبها أي تفرقها عن الفرخ. ولذلك سميت القوباء لتقشر الجلد عنها على وزن " فعلاء " فإن قيل على وزن " فعلاء " ذكر وصرف (٤) .
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الذي ينزل به الأمر الشديد الذي يحتاج أن ينصب فيه ويتعني: " إحدى لياليك فهيسي هيسي ".
стр. 476
ع: هذه كلمة للعرب، يقولون للرجل: هيس هيس عند إمكان الأمر والإغراء به، قال رجل من طسم حين أوقعت بها جديس، وقد تقدم خبرهم موفى (١) :
يا طسم ما لاقيت من جديس ... إحدى لياليك فهيسي هيسي لا تنعمي الليلة بالتعريس (٢) ... يخاطب ناقته وهو فار من جديس. قال الأموي: الهيس يفتح الهاء: السير أي ضرب كان، وأنشد الشطر (٣) .
قال أبو عبيد: ومن ذلك قولهم: " عش رجباً تر عجباً "
ع: كان أهل الجاهلية يرفعون مظالمهم إلى رجب ثم يأتون فيه الكعبة فيدعون الله فلا تتأخر عقوبة الظالم، فكان المظلوم يقول للظالم: " عش رجباً تر عجباً "، فسئل عمر بن الخطاب ﵁ عن ذلك، وقيل نحن اليوم مع الإسلام ندعو على الظالم فلا نجاب في أكثر الأمر، فقال عمر ﵁: إن الله لم يعجل العقوبة لكفار هذه الأمة ولا لفساقها فإنه تعالى يقول ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ (القمر: ٤٦) . ويروى " عش رحباً " بالحاء المهملة أي وقتاً واسعاً.
قال أبو عبيد: ومن الشدائد قولهم " رأى فلان الكواكب مظهرا " أي أظلم عليه يومه حتى رأى الكواكب عند الظهر.
стр. 477
ع: قد ذكرت ذلك الشعراء وأكثرت، قال طرفة (١) :
إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر وأصل هذا أن اليوم الشديد العماس (٢) في الحرب يثور فيه النقع ويرتفع الغبار فإذا اتفق أن تجذبه الريح تلقاء الشمس وهي مشرقة أو مغربة ظهرت الكواكب في الأفق الآخر لأن الرهج (٣) يستر نور الشمس المانع من بدو الكواكب [فتظهر] (٤) في الأفق النائي عنها، وقد زعموا أن الكواكب ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلاً لكل شدة.
٢١٨ -؟ باب اصطلام الدهر الناس بالجوائح (٥)
قال أبو عبيد: فإذا كثر أمر الجوائح عليه وطال حتى يمرن عليه ويبسأ به قيل: " أساف حتى ما يشتكي السواف " والإسافة ذهاب امال، يقول: قد اعتاده حتى ليس يجزع.
ع: يقال: بسأت بالرجل أبسأ به بسأ وبسوءاً، وبهأت به أبها بهأ وبهوءاً وهما واحد، وهو استئناسك به، والسواف: الهلاك، عام في كل شيء. يقال: رماه الله بالسواف أي بالهلاك.
стр. 478
٢١٩ -؟ باب هلاك القوم بالحوادث
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في الهلاك قولهم: " وقع القوم في وادي جذبات " [قال] : وقد يقال ذلك فيهم أيضاً إذا جاروا عن القصد. قال الكسائي: ويقال أيضاً: " وقع القوم في وادي تضلل، وفي وادي تهلك وفي وادي تخيب " كله مثل المعنى الأول.
ع: أما قولهم في وادي تجذب فإنه الذي يجذبهم هكذا وهكذا بضلاله لا يهتدون فيه لوجهة فطوراً يشرقون وطوراً يغربون، وتارة يأخذون ذات الجنوب وتارة ذات الشمال. وأما قولهم: وادي تهلك ووادي تضلل ووادي تخيب فذلك من الضلال والهلاك والخيبة. وفي " البارع " عن أبي الصقر: سلك فلان في وادي تضلل؟ بكسر التاء والضاد؟ إذا تكلم فأخطأ أو عمل شيئاً فلم يصب وجهه وجار (١) عنه.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي ومنه قولهم: " أخذوا طريق العيصين " (٢)
ع: هكذا رواه أبو عمر ابن احباب وغيره عن أبي علي العيصين؟ بالياء أخت الواو؟ كأنه تثنية عيص وهو الشجر املتف. ووقع في كتاب قاسم بن سعدان أخذوا طريق العبصين بالباء المعجمة بواحدة وكذلك قال علي بن عبد العزيز.
قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن قولهم سلك طريق العنصلين، إذا أخطأ الطريق، والصاد مفتوحة ولا تكون مضمومة؟ وقد حكى غيره فيها الضم كما قال:
стр. 479
عنصل وعنصل ومنصل؟ فقال الأصمعي: ذكر الفرزدق إنساناً في شعره فقال (١) :
أراد طريق العنصلين فياسرت ... به العيس في نائي الصوى متشائم فظنت العامة أن كل من ضل ينبغي أن يقال له هذا. وطريق العنصلين حق وهو طريق مستقيم والفرزدق وضعه على الصواب (٢) .
وقال الزبير أو غيره من الرواة: طريق العنصلين طريق كثيراً ما يقتل فيه من سكله، وطريق العنصلين هو المعروف عند اللغويين، وأما طريق العيصين فلا أذكره إلا في كتاب أبي عبيد هذا.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الهلاك: " أوت بهم عقاب ملاع " يقال ذلك في الواحد وفي الجميع.
ع: يعني أنه لا يقال عقابا ملاع وعقبان ملاع. وقال الزبير: ملاع موضع وقال اللغويون في قول امرئ القيس (٣) :
كأن دثاراً حلقت بلبونه ... عقاب ملاع لا عقاب القواعل (٤)
стр. 480
إن تفسير عقاب ملاع: سريع لأن الملع السرعة [يقال] : ناقة ملوع ومليع أي سريعة، فمعنى عقاب ملاع أن كلما علت في الجبل كان أسرع لانقضاضها يقول: فهذه عقاب ملاع، أي العالي، أي تهوي من علو، وليس بعقاب القواعل وهي الجبال القصار. هذا قول أبي بكر وروايته (١) ، وكذلك رواه محمد بن حبيب وغيرهما. وزعم قوم أن ملاع؟ لا يجرى؟ اسم للصحراء. وإنما قالوا ذلك لأن عقاب الصحراء أسرع وأبصر من عقاب الجبال. ورواه الأصمعي عقاب تنوفى، وهي ثنية من جبل طيء مشرفة.
قال أبو عبيد: وهذا مثل قولهم: " في الدهيم " أن أصلها كان إخوة قتلوا فحملوا على ناقة يقال لها الدهيم فجعلتها العرب مثلاً في البلايا العظام.
ع: كان من خبر الدهيم أن مالك بن كومة الشيباني لقي كنيف بن عمرو، وكان مالك نحيفاً وكان كنيف ضخماً، فلما أراد مالك أسر كنيف اقتحم عن فرسه لينزل إليه مالك فيبطش به فأوجره مالك السنان وقال: والله لتستأسرن أو لأقتلنك، فأدركهما عمرو بن الريان (٢) فاحتق فيه هو ومالك بن كومة؟ أي اختصما؟ فقالا: قد حكمنا كنيفاً، من أسرك يا كنيف؟ فقال: لولا مالك بن كومة لكنت في أهلي. فلطمه عمرو بن الريان فغضب مالك بن كومة وقال: أتلطم أسيري. إن فداك يا كنيف مائة بعير وقد وهبتها لك بلطمة عمرو وجهك، وجز ناصيته وأطلقه (٣) . ول يزل كنيف يطلب عمراً باللطمة حتى دله عليه رجل من عقيلة وقد ندت له إبل فخرج عمرو وإخوته في طلبها فأدركوها وذبحوا حواراً
стр. 481
واشتووه وجعلوا يأكلون فغشيهم كنيف في ضعف عددهم، فلما حسر كنيف عن وجهه قال له عمرو: يا كنيف إن في خدي وفاء من خدك (١) وما في بكر بن وائل أكرم من خدي فلا تشبب الحرب بيننا وبينك. قال: كلا أو أقتلك وأقتل إخوتك، فقتلهم وجعل رؤوسهم في مخال وعلقها على ناقة لهم يقال لها الدهيم، فجاءت الناقة إلى الحي والريان جالس أمام بيته حتى بركت فقال: يا جارية هذه ناقة عمرو وقد أمطى (٢) هو وإخوته، فقامت الجارية. فجست مخلاة فقالت: أصاب بنوك بيض نعام فأدخلت يدها، فأخرجت رأس عمرو أول ما أخرجت ثم رؤوس إخوته (٣) فضرب حمل الدهيم مثلاً في البلايا العظام.
قال أبو عبيد: وقد روي هذا المثل عن حذيفة حين ذكر الفتن فقال:
أتتكم الدهيم ترمي بالنشف، والتي بعدها ترمي بالرضف (٤) ... ع: النشف: هي الحجارة التي يقذف بها البركان، وهي التي تحك بها الأقدام واحدتها نشفة، ويقال لها أيضاً نسفة؟ بالسين مهملة مفتوحة؟ لأنها تنسف ما على الأقدام من الدرن أي تسقطه ولذلك سمي أثر رجل الراكب من مركوبه النسيف لسقوط الشعر عنه، قال العبدي (٥) :
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفاً كأفحوص القطاة المطرق
стр. 482
والرضف: الحجارة المحماة.
قال أبو عبيد: وفي حديث آخر عن حذيفة " الدهيما " وفي بعضه: " الرقطاء ".
ع: روى الشعبي عن صلة عن حذيفة: تكون أربع فتن آخرها الرقطاء المظلمة تسوقهم إلى الدجال. قال الحربي: أي شهرت في الفتن كشهرة الدجاجة الرقطاء في الدجاج.
٢٢٠ -؟ باب بلوغ الشدة ومنتهى غايتها في الجهد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " عدا القارص فحزر " أي تفاقم الأمر واشتد.
ع: أصل هذا المثل قول الراجز؟ والراجز معلوم لكني لا أذكره الآن (١) -
يا عمر بن معرم لا منتظر ... بعد الذي عدا القروص فحزر يقول: لا منتظر بعد أن بلغ الأمر هذا المبلغ من الشدة. يقال: حزر اللبن والنبيذ، إذا بلغ الغاية من الحمضة.
стр. 483
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " هذا أجل من الحرش " وأصله في احتراش الضباب.
ع: تزعم العرب أن الضب بينا هو يوماً يوصي ولده ويقول: يا بني إذا أتاك الحارش فافعل كذا، فإن فعل الحارش كذا فافعل كذا، إذا بحافر يحفر عنه جحره، فلما سمع ولد الضب وقع المحفار، قال: يا أبتي أهذا الحرش؟ قال: يا بني " هذا أجل من الحرش " والحرش صيد الضباب خاصة على وجه معروف عندهم. يضربونه مثلاً لكل من كان يخشى شيئاً فوقع فيما هو أشد منه.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشدة قولهم: " القوم في أمر لا ينادى وليده " أي بلغ من الجهد أن يذهل المرأة عن صبيها أن تدعوه.
ع: الذي ذكره قول الأصمعي. وقال غيره: معناه أن هذا الأمر لعظمه لا ينادى فيه الصغار وإنما ينادى فيه الكبار الجلة. هذا قول أبي عبيدة. وقال غير هؤلاء: هذا المثل يضرب في موضع الكثرة والسعة أي متى أهوى الوليد بيده إلى أخذ شيء لم يزجر لكثرة الشيء عندهم، هذا قول الكلبي، قال: ثم جعلوا ذلك مثلاً لكل خصب وسعة. قال الشاعر (١) :
فأقصرت عن ذكر الغواني بتوبةٍ (٢) ... إلى الله مني لا ينادى وليدها ونحو منه قولهم: " هم في خير لا يطير غرابه " يقول: يقع الغراب ولا ينفر لكثرة ما عندهم.
стр. 484
وقال أبو العميثل الأعرابي (١) : الصبيان إذا رأوا عجباص تحشدوا له مثل القرد والحاوي فلا ينادون ولكن يتركون يفرحون والمعنى أنهم في أمر عجب. وقال الفراء: هذه لفظة تستعملها العرب إذا أردت الغاية وأنشد:
لقد شرعت كفا يزيد من مزيد ... شرائع جود (٢) لا ينادى وليدها وقال ابن الأعرابي: معناه أمر كامل ليس فيه خلل ولا اضطراب قد قام فيه الكبار واستغني بهم (٣) عن نداء الصغار.
قا أبو عبيد: وقد روينا قولهم: " قد بلغ الماء الزبى، وقد تجاوز الحزام الطبيين " عن عثمان بن عفان ﵁ كتب بهما إلى علي ﵁ وكان غائباً، وعثمان محصور في كلام قد ذكرناه في غريب الحديث.
ع: كتب عثمان إلى علي ﵄: أما بعد قد بلغ الماء الزبى وتجاوز الحزام الطبيين وطمع في من كان لا يدفع عن نفسه:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق وقد فسر أبو عبيد معنى المثلين. وقد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب هذا البيت وقائله وما اتصل بمعنى ذلك (٤) .
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأمر إذا انتهى فساده: " كدابغة وقد حلم الأديم " ثم قال: وقال المفضل إن المثل الخالد بن معاوية السعدي.
стр. 485
ع: قد ذكرنا خبره كاملاً عند ذكر أبي عبيد: " هم خير قويس سهماً " وهو خبر يجمع أمثالاً فأنظره هناك (١) .
٢٢١ -؟ باب الغيبة التي لا يرجى لها إياب
قال أبو عبيد: قال ابن الكلبي من أمثالهم في هذا قولهم: " إذا ما القارظ العنزي آبا " (٢) . قال: وهما قارظان كلاهما من عنزة، فالأكبر منهما هو يذكر (ابن عنزة والأصغر هو رهم بن عامر من عنزة) وذكر أبو عبيد خبره وأنشد في الخبر لخزيمة بن نهد (٣) :
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا ع: وهذا بيت يحتاج إلى تفسير وتبيين معناه. وقوله أردفت: صارت ردفاً لها، يقال: ردفت الرجل وأردفته، أي صرت له ردفاً، فإن أردت أنك أركبته خلفك قلت: ارتدفته، يقول: إذا أردفت الجوزاء الثريا: [أي] إذا طلعت
стр. 486
الجوزاء إثر الثريا عند الفجر ثم لم يردفها نجم آخر لغلبة نور الشمس على النجوم فلذلك خص اجوزاء بالارداف دون غيرها. فإذا كان في ذلك الوقت رجع أهل البوادي إلى مياههم لانقطاع الحر وحاجتهم إلى المياه، قال: فعند ذلك أظن بآل فاطمة الظنون لأني لا أدري أين ينزلون معنا أم مع غيرنا، وقال قوم أراد بقوله: إذا الجوزاء أردفت الثريا جعلتها خلفها، وهذا لا يكون لأن الجوزاء لا تتقدم الثريا، فهذا كقولهم " حتى يشيب الغراب " و " حتى يبيض القار "، يقول: أنا لا أظن الشر بآل فاطمة أبداً. ذكر هذا المعنى الآخر محمد بن يزيد وصلة بيت خزيمة وهو أول الشعر:
ظننت بهم وظن المرء حوب ... وإن أوفى وإن سكن الحجونا (١)
وحالت دون ذلك من همومي ... هموم تخرج الشجن الدفينا
أرى ابنة يذكر رحلت فحلت ... جنوب الحزن يا شحطاً مبينا ٢٢٢؟ باب الإسراف في القتل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " صمت حصاة بدم " وذكر معناه (٢) .
ع: فأما قولهم: " صمي صمام " و " صمي ابنة الجبل " فإن أبا عبيدة قال: ابنة الجبل هي الحصاة فهو مثل قولهم " صمت حصاة بدم " ويقال: بنت الجبل الحية، فيقال صمي صمام أي لا تجيبي الرقاة، ولذلك يقال في الداهية:
стр. 487
صمي صمام تشبيهاً بالحية. قال القتبي: يقال صمي ابنة الجبل عند الأمر يستفظع. قال امرؤ القيس (١) :
بدلت من وائل وكندة عدوان وفهماً صمي ابنة الجبل ... وقال الكميت:
فإياكم إياكم وملمةً ... يقول لها الكانون صمي ابنة الجبل الكانون: الذين يكنون عنها، وقال ابن أحمر (٢) :
وردوا ما لديكم من ركابي ... ولما يأتيكم صمي صمام
стр. 488
فراغ
стр. 489
الباب الثامن عشر
ذكر الأمثال في الجنايات
٢٣ -؟ باب الدواهي العظام يجنيها الرجل
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ويقال: " جاء بأم الربيق على أريق " و " جاء بإحدى بنات طبق " وأصلها من الحيات.
ع: أم الربيق: اسم من أسماء الدواهي، وقولهم على أريق: قال الأصمعي: تزعم العرب أن رجلاً رأى الغول على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق. وأريق تصغير أورق، وكان أصله أن يقال: أويرق فحذف الواو وإن كانت أصلية لما كانت من حروف الزيادة ليزدوج الكلام. وقيل لابنة الخس أي الجمال شر؟ قالت الأورق؛ ويقال أيضاً للداهية أم أريق. وأم طبق ضرب من الحيات وهو حية صفراء بين السلحفاة والهرهير (١) . ومن طبعه أن ينام ستة أيام ثم ينتبه فلا ينفخ شيئاً
стр. 490
إلا أهلكه قبل أن يتحرك. وربما مر به الرجل وهو نائم فيأخذه كأنه سوار ذهب فإن اسيقظ في كفه خر الرجل ميتاً.
وذكر أبو عبيد في هذا الباب بعض أسماء الدواهي وهي كثيرة؛ قال بعض اللغويين: جمع أسماء الدواهي من الدواهي، ومن كناها خمس عشرة كنية. وذكر أبو عبيد منها أم الربيق وأم جندب لا غير. وأم جندب أيضاً الظلم والغشم، قال الشاعر (١) :
سيصلى بها القوم الذي صلوا بها ... وإلا فمعكود لنا أم جندب يعني الظلم، ومعكود مهيأ لنا مأخوذ من عكدة اللسان وهو أصله وكذلك عكدة الذنب وهو عكوته. وباقي كناها: " أم قشعم وأم خشاف، وأم خنشفير، وأم الرقوب، وأم الرقم، وأم أريق، وأم الربيس، وأم حبو كرى، وأم حبو كر، وأم أدراص، وأم نآد " وقد مضى القول في صمي صمام وصمي ابنة الجبل.
٢٢٤ -؟ باب جناية الجاني التي لا دواء لها
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه " أي لا دواء له.
ع: قال ابن الكلبي في كتاب " النسب ": أول من نطق بهذا المثل جندلة بنت فهر (٢) بن مالك بن النضر وكانت بجيلة الخلق (٣) وكان زوجها حنظلة بن مالك
стр. 491
ابن زيد مناة بن تميم شيخاً كبيراً فأصابتهم ليلة ريح ومطر وبرق فخرجت تصلح طنب بيتها وعليها صدار فأكبت على الطنب وبرقت السماء برقة فأبصرها مالك بن عمرو بن تميم وهي مجبية (١) فشد عليها فخالطها فقالت (٢) :
يا حنظلة بن مالك لحرها ... شفى بها من ليلة وقرها فأقبل بنوها (٣) وزوجها فقالوا لها: مالك؟ فقالت: لدغت، قالوا: أينه؟ قالت: " حيث لا يضع الراقي أنفه "؟ فذهبت مثلاً؟ ومات حنظلة بن مالك فتزوجها مالك بن تميم صاحب اللدغة فولدت له نفراً.
٢٢٥ -؟ باب العداوة بين القوم وصفات الأعداء
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في نعت العدو قولهم: " هو أزرق العين " وكذلك قولهم: " هو أسود الكبد " (٤) قال الشاعر:
وما حاولت من أضغان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود وقال ابن قيس الرقيات: " ونزالي في القوم صهب السبال ".
стр. 492
ع: البيت الذي أنشده محال مغير عن وجهه، وهو للأعشى يخاطب امرأة قال (١) :
وما أجشمت من إتيان قومٍ ... هم الأعداء والأكباد سود
فإن فارقتني فاستبدلي بي ... فتىً يعطي الجزيل ويستفيد هكذا صحة إنشاده ورواه أبو عبيد وما حاولت بضم التاء يعني نفسه وذلك هم. وإنما قيل للأعداء سود الأكباد كناية كأن العداوة ونيران الأحقاد قد أحرقت أكبادهم كما قال يزيد بن الحكم الثقفي (٢) :
تملأت من غيظ علي فلم يزل ... بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تشتوي وتمام بيت ابن قيس:
فظلال السيوف شيبن راسي ... ونزالي في الحرب صهب السبال هكذا صحة إنشاده: ونزالي في الحرب لا في القوم كما أنشده أبو عبيد، وقال ذو الرمة في معناه (٣) :
تسمي امرؤ القيس ابن سعد إذا اعتزت ... وتأبى السبال الصهب والآنف الحمر
ولكنما أهل امرئ القيس معشر ... يحل لهم الخنازير والخمر يقول: يعتزون إلى سعد بن زيد مناة وهم عجم ولذلك جعلهم صهب السبال حمر الآنف.
٢٢٦ -؟ باب إظهار العداوة وكشفها
قال أبو عبيد: من أمثالهم هذا قولهم: " لبست له جلد النمر "
стр. 493
ع: العرب تكني بلبس هذه الجلود عن أحوال السباع التي هي عليها فإذا أرادوا الشدة والجرأة قالوا: جلد النمر لأنه أجرأ السباع وأعداها وأخفها وثباً وأذكاها قلباً وهو يقتل الأسد لأنه يجمع جراميزه فيثب على ظهره فينتهشه ويأكل لحمه وهي حي حتى يسقط لفيه، قال أوس بن حجر (١) :
كأن جلود النمر جيبت عليهم ... إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس (٢) وإذا أرادوا الروغان والنكوص عن الأقران قالوا: " جلد ثعلب "، قال الشاعر (٣) :
أبينا أبينا أن تغنوا بعامرٍ ... كما قلتم زبان في مسك ثعلب (٤) يعني كما قلتم إن زبان رواغ، وقال آخر:
فطوراً ترانا في مسوك جيادنا ... وطوراً ترانا في مسوك الثعالب يقول: طوراً ترانا كجيادنا أي كخيلنا في الجرأة والإقدام إذا رأينا مقدماً، وطوراً ترانا كالثعالب في الروغان إذا رأينا أن الإحجام حزم والنكوص سياسة (٥) كما قال زيد الخيل:
стр. 494
أقاتل ما كان القتال حزامة ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العداوة: " هو يعض عليه الأرم " قال: يعني أصابعه. وقال مؤرخ: هو يحرق عليه الأرم، قال: وفي تفسيرها ثلاثة أقوال: يقال الحصى، والأضراس، ويقال: الأسنان وهي أبعدها، ولو كانت الأسنان لكانت بالزاي الأزم وإنما هي بالراء.
ع: الأرم بالراء الأسنان هو قول ابن السكيت، وأما قول أبي عبيد: لو كانت الأسنان لكانت الأزم ابن قتيبة ذهب إلى الأزم وهو العض وأغفل الأرم وهو الأكل، يقال: أرم البعير يأرم أرماً، ومن قال الأرم: الأصابع فإنما سميت بذلك لأن الأكل يكون بها ومثله " فلان يكسر عليه أرعاظ النبل غضبا " والرعظ مدخل النصل في السهم.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشدة: " لقيت من فلان عرق القربة "، قال: ومعناه الشدة ولا أدري ما أصلها. قال أبو عبيد: وقد فسرناه في غريب الحديث.
ع: ولعل قارئ كتابه هذا لم ير قط شرح الحديث له ولا هو في ملكه ولا في بلده. ومعنى المثل على ما ذكره هو وغيره، قال الكسائي في قول عمر بن الخطاب ﵁: لا تغالوا صدق النساء فإن الرجل يقالي بصداق المرأة حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوة، يقول " جشمت إليك عرق القربة " يقول: نصبت وتكلفت حتى عرقت كعرق القربة، وعرقها: سيلان مائها. وقال أبو عبيدة: عرق القربة، يقول تكلفت إليك ما لم يبلغه أحد حتى تجشمت ما لا يكون لأن القربة لا تعرق، يذهب أبو عبيدة إلى مثل قول الناس " حتى يشيب الغراب "
стр. 495
و " حتى يبيض القار "
وقال الأصمعي: عرق القربة كلمة معناها الشدة ولا أدري ما أصلها. ويروى عن أبي الخطاب الأخفش أنه قال: العرقة السفيفة التي يجعلها الرجل على صدره إذا حمل القربة تسمى عرقة لأنها منسوجة. وقال غيره: عرق القربة نقعها وهو ماؤها يعني في السفار، وأنشد للحارث بن زهير العبسي حين قتل حمل بن بدر وأخذ منه ذا النون سيف مالك (١) بن زهير الذي كان أخذه منه حمل يوم قتله (٢) :
سأجعله (٣) مكان النون مني ... وما أعطيته عرق الخلال أي لم يعرق لي به عن مودة، يقال: خاللته مخالةً وخلالاً.
٢٢٧ -؟ باب فساد ذات البين وتأريث الشر في القوم
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: يقال للقوم إذا أوفوا على الشر والفاد: " ثار حابلهم على نابلهم ".
ع: قد مضى القول في الحابل والنابل في المثل المتقدم " هم بين حابل ونابل "
قال أبو عبيد: وإذا نشب الشر بينهم وشملهم قيل: " شرق ما بينهم بشر "