← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذلك وأخبرنا الصادق ﷺ بوقوع ذلك فآمنا وصدقنا فمن أنت يا فضولي يا خبيث يا زنديق ان المسلمين تقلدوا قول النبي ﷺ مع ألف معجزة ولا يقبلون قول رسولك الدهري أفلاطون اليوناني وجروين وسروين يقلدون من خرافاتك هذا بادر علم الله ومن قدر على إنشاء شيء لم يكن له ابتداء قدر على اعادته، والجنة والنار عرفنا حقيقتهما من قول الله سبحانه وقول رسوله المعصوم وأقام ألف معجزة حتى قبلنا قوله فأنت يا زنديق بأي دليل تقبل قوله. ومن فضائحهم يستحلون تحريف المصاحف والمساجد وقتل الذراري والصبيان فنقول يا ملاعين الانبياء ما قتلوا الناس ابتداء بل دعوهم الى الحجة والبرهان وأنتم تزعمون أنكم على ملة الانبياء وتفعلون أفعال المجانين فإن كان لكم حجة فأظهروها والا فالكلب خير منكم. ومن فضائحهم شتم الانبياء ولقب أحدهم نفسه رب العزة ويزعمون أن شريعة الرسول وحاش الله أن تتغير منسوخة بمحمد بن اسماعيل والله تعالى يقول وخاتم النبيين وقال ﷺ لا نبي بعدي، وختم الشيء آخره الكيس إذا ختم لا يخرج منه شيء وقال النسابون ان محمد بن اسماعيل مات ولا عقب له فكم أحصى ولا أخير له ولقد صنفت كتابا يا معشر الوزراء في الرد عليهم قريبا من خمسين طباقة كاغد فلنقتصر ههنا فلا كلام معهم إلا المشرفي الجام

стр. 107

وقد انقطع الكلام. (الباب السابع في الرد على الطبائعيين) قال الطبائعيون سقراط وأفلاطون أئمة الكفر أصل العالم أربعة أشياء هن طبائع العالم الحرارة والبرودة وهما فاعلتان والرطوبة واليبوسة وهما منفعلتان فمن قائل تركيب هذه الاشياء الاربعة من غير صانع ومن قائل هذه الطبائع فاعلات تدبر العالم بطبعها قالوا الطباع تتغالب في الاجسام فربما تغلب الحرارة على البرودة ولا يعلم الطبيب قدر الغلبة فيموت الجسم لجهل الطبيب ولولا تغالب الطباع لم يمت أحد فالقواطع على هؤلاء الزنادقة أن تقول أتقرون بالصانع وإن الصنع لا بد له من صانع أم تشكون فيه فإن أقررتم بذلك فالعالم صنع فلا بد له من صانع وذلك الصانع لا بد أن يكون عالما قادرا مريدا ليتأتى منه الفعل ومن جوّز أن يكون صنعا من غير صانع فلنجوز أن يكون قصرا مشيدا وقلعة حصينة تظهر في برية من غير صانع ولا شك في أن الآدميين يبنون من الارض والزرع ينبت من غير بذر ومن جوّز هذا فلا يكون إنسانا يكون أحمق مجنونا محتاجا من يأتيه بمارستان (دليل آخر) ذو مقدار وأقطار فلا بد من مقدر قدّره ودبّره (دليل آخر) ان الطبائع كانت متفرقة فما الذي جمع بينها

стр. 108

فإن أجابوا إنها اجتمعت بنفسها لا بجامع فهذا محال لما بينا أن الصنع لا بد له من صانع فإن قالوا جمعها جامع فقد نزلت الرحمة ولا جامع إلا الله. (دليل آخر) إن اجتماع الطبائعيين بأولى من الافتراق فلا بد من مخصص وأيضا فإن أحد هذه الطبائع إذا غلب على ضده يفنيه ألا ترى النار تغلب الحطب فتفنيه وأنت تقول تجتمع الطبائع المتنافرة في شخص واحد مع تضادها. (دليل آخر) الطبع إما أن يكون معدوما فيوجد أو موجود فيعدم وكلاهما محال لان المعدوم محال أن يكون له طبع حتى يوجد شيئا إذ لو كان له طبع لم يكن معدوما ومحال أن يكون الطبع موجودا فيوجد العالم بطبع في العالم فكان يجب أن تكون الحوادث كلها على وفق الطبع من جميع الوجوه فلما رأينا الابريسم يحصل من الدود والعسل من النحل، ومن الآدمي الذي يأكل الطيب العذرة المستقذرة عرفتا ان الطبع باطل فتتعجب العقلاء من إلقاء السماء في الارض وخروج الفواكه الطيبة وطيب رائحتها وفي الربيع الذي يشتد الجو وتبلغ الشمس كبد السماء ينزل البرد الصلب أشد من الجليد وفي الشتاء ينزل الثلج مع برودة الهواء فيشتد فسبحان رب العالمين فإن قال يضم شيء إلى الطبع فيوجب تركيب الجو قلنا ذاك الانضمام ما يوجبه ان قلت موجبه الطبع الثاني

стр. 109

يحتاج إلى ثالث وإلى رابع وإلى ما لا يتناهى. (الباب السابع في الرد على المنجمين) قال بطليموس الفلك بما فيه من السيارات قديمة أزلية وهذه السيارات مدبرات للعالم كما قال الله تعالى فالمدبرات أمرا وهي زحل والمريخ والمشترى والشمس والزهرة وعطارد والقمر وهن موجبات للسعد والنحس ثم اختلفوا في تأثيرها فمن قائل إنها تفعل بطبعها عند محدثات ومقارنات ومن قائل إنها أحياء عالمون قادرون بفعل الاختيار وقيل السيارات لا تفعل شيئا لكنها دلالات على هذه الحوادث والله هو المستبد بالخلق والاختراع، واختلف المسلمون في النجوم فمن قائل لا أحيل على النجوم شيئا فليست بسبب ولا فاعل البتة ومن قائل يجوز أن يقال سير هذه الكواكب سبب كالصيف أجرى الله السنة فيه بحرارة الهواء وفي الشتاء ببرد الهواء فلو أراد قلب الحر والبرد فلا الصيف موجبه ولا الشتاء لكنها أسباب وأوقات وعبارات والله هو المختص بالخلق والايجاد. والدليل عليهم أن نقول هذا النجم هل هو حي عالم قادر أم لا فإن قال ليس بحي لكن يفعل الشيء بطبعه لا باختيار قلنا هذا محال لان الجماد لا يقع منه الفعل ألا ترى الميت والجماد يستحيل وقوع الفعل منه وأيضا

стр. 110

فإنما يؤثر الطبع عند الاتصال لا عند الانفصال والبعد كالنار تحرق القريب لا البعيد فكذلك النجم وجب أن لا يؤثر ولا يعمل شيئا عند البعد وبزعمك ان زحل في السماء السابعة فكيف يعمل بطبعه بمن هو على وجه الارض؟ (دليل آخر) من ذا الذي أوجد الفلك والسيارات أبنفسها وجدت أم بصانع؟ فإن قلت بنفسها فمحال وإن قلت بصانع فذلك ما تقول بأن النجم حادث فيستدعي نجما آخر إلى ما لا يتناهى فإن قيل أنتم تثبتون صانعا وتقولون لا نهاية له وذلك لا يقتضي نفيا. الجواب نحن نثبت صانعا للعالم على خلاف العالم حيا قادرا لا يشبه العالم وأنت تثبت الحوادث بحادث مثله وهو محال وإن قال الفلك قديم بسياراته فمحال لان السيارات تدور والفلك دوّار من حال إلى حال والقديم كيف يتغير لان الصفة الطارئة حادثة والقديم لا أول له وكما أن ذاته لا أول لها فصفاته كذلك. (دليل آخر) نرى جماعة في سفينة يغرقون مع اختلاف طبائعهم فعلمت أن لا فعل للطالع وإن قالوا السيارات أحياء نقول هذا رد للمشاهدة فان النجم هو مضيء لا علم له وهو مسخر لا علم له بما يعقل من الحركة والسكون والسير فأين الحياة والمعرفة. (جواب) ان قلت النجم حي عالم فاعل باختياره فقد ارتفع الخلاف لاني أثبت الصانع الحي العالم القادر الا انك تسميه نجما وإنما

стр. 111

أسميه ربا وصانعا وأما الله تعالى فموجد ولم يرد التوقف بتسميته نجما وأيضا فإن الصانع واحد وأنت تثبت سبعا فقد أشركت والله تعالى أعلم. (الباب الثامن في الرد على اليهود لعنهم الله) واليهود أشد الناس عداوة للمسلمين وأبخل الناس وأنتن الناس وقيل سبب نتنهم أنهم ولدوا من قوم أميتوا ثم أحيوا قال الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ وفي الخبر: ما خلا يهودي بمسلم إلا وهم بقتله وقد ادعوا بمعتقدهم أمرا فاسدا ولهم فيه شبهتان (الاولى) أنهم لا يجيزون نسخ الشرائع وهم عميان فكيف يجوز أن يأمر بشيء ثم ينهي عنه لان هذا يوجب البذاء والله لا يجوز عليه البذاء (الجواب) أليس الله نهى أن نعتقد نبوة موسى قبل أن يجعله نبيا ثم أمر أن نعتقد نبوته ولم يوجب ذلك بداء وأرسله بعد ان لم يكن رسولا ولم يكن بدأه وكذلك يأمر بشريعة ثم ينسخها ولا يكون بداء وكذلك يخلق الحياة في الانسان بعد ان كان ميتا ثم يحييه ولا يكون بداء وكذلك أمر آدم بتزويج الاخوة من الاخوات ثم نهاه ولم يكن بداء وكذلك أباح العمل في السبت ثم حرمه في أيام موسى ولم يكن بداء فكذلك اليوم ولا

стр. 112

جواب لهم بل علم أن المصلحة في ذلك الزمان كذا واليوم كذا، كما إذا خرج الرجل الى السوق يغلق الباب ثم يرجع إلى الدار ويفتحها. (الشبهة الثانية) قالوا: قال موسى صلوات الله عليه شريعتي عليكم مؤبدة ما دامت السموات والارض فمن دعاكم الى نسخها فاقتلوه. (الجواب) هل قال مؤبدة في كل وقت ما دمتم أحياء وموتى وأطفالا؟ قالوا لا لأن الدليل قام أن من لا عقل له ولا حياة له لا تكليف عليه قلنا قد قام الدليل عقلا أن المعجزة دليل على صدق المتحدي بالنبوة فلما وجب صحة نبوة موسى وجبت نبوة نبينا محمد ﷺ ومعنى قوله دعاكم الى تركها فاقتلوه ممن لا يقيم الدليل على صدقه لان شريعة موسى تصديق الانبياء لا تكذيبهم وقوله تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والارض لم يصح بل هو من وضع ابن الراوندي ولو صح لادعاء علماء اليهود في عهد النبي ﷺ قالوا إنه مبعوث الى العرب دون العجم قلنا قال الله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً فتناول العرب والعجم وكان نبيا صادقا فقال: بعثت الى الأحمر والأسود فبطلت دعواهم والحمد لله رب العالمين.

стр. 113

(الباب التاسع في الرد على عبدة الأوثان وعبدة البقر والكواكب) من أصحابنا من قال هؤلاء لا يناظرون مجانين ولا كلام ولا جواب ولا ضرب الرقاب ثم نقول: يا معشر الحمير أما تستحيون تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون مالكم عقل وحياء!؟ كيف أطعتم الشيطان؟ هذا حجر وذاك بقر وذاك كواكب لا يضرون ولا ينفعون ولا يفهمون صم بكم عمى فهم لا يعقلون، ويلكم لأي معنى تعبدون فبأي حديث بعده يؤمنون فان ابليس يغركم وأنتم لا تشعرون، هذه الأصنام لا ترزقكم ولا تضركم ولا تحفظكم من النوائب ما معنى عبادتها أئفكا آلهة دون الله تريدون!؟ فما ظنكم برب العالمين، هذه البقر لم تكن في العالم ولم تكن معبود كم ثم تخرج من جوف أمها وصارت معبودكم والحجر الذي تنحتون كيف يصير إلها!؟ والبقر كيف تكون آلهة والكواكب جرم مضيء مسخر مهور كيف يصير إلها فالجماد الذي لا روح فيه ولا قدرة ولا إرادة ولا خير ولا شر كيف يكون إلها تالله ان ابليس يضحك بلحاهم ولقد أغواهم وأرداهم، ولقد بلغني أنهم يعبدون حجرا ثم يرون حجرا أحسن منه فيرمون الأول ويستنجون به ثم يأخذون الثاني وهذا ضلال عظيم، وبلغني أن بني حنيفة كان لهم صنم عملوه من التمر والدقيق وركبوا

стр. 114

فيه الجواهر فأصابهم مخمصة فأكلوه فهل رأيت قوما أكلوا إلههم فأصبحوا والعرب يضحكون بهم وإن بعضهم كان يعبد صنما فوضعه ثم ذهب الى أمر له فإذا بثعلب جاء وبال عليه فأدركه التوفيق فكسره وقال أنت لم تحفظ نفسك فكيف تحفظني وأنشد: ورب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب فلعن الله العزى والمناة ومن يؤمن بهما إلى يوم القيامة فلنا العزيز الجبار ولهم العزى والنار، قالوا هي بنات الله وشفعاؤنا الى الله ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. الجواب: قلنا لهم يا حمير إن كانت بنات الله فمن أمهن وكيف ولدن وأي نسبة بين القديم والحجر!؟ الله تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير وهن أحجار لا تضر ولا تنفع أسلموا كي تسلموا فإن ذلك برهان الدسائس ويضيع العمر بكلب حي خير من حجر منحوت فهل لا يتخذون الكلب إلها لعنهم الله أنى يؤفكون فابشروا بالاسلام يا معاشر المسلمين واحمدوا الله على سلامة الدين فأهل الأوثان فداؤكم من النار يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون.

стр. 115

(الباب العاشر في الرد على اخوانهم المجوس) أعلم أنهم يقولون بإلهين اثنين نور وظلمة ويسمون النور يزدان والظلمة الشيطان وهو أهرمن. فالنور لا يكون منه إلا الخير، والشيطان لا يكون منه الا الشر فجميع ما يجري في العالم من الخير من فعال النور وجميع ما يجري من الشر فهو فعل الظلمة وهو الشيطان فنقول يا معشر المجوس من أحدث الشيطان؟ فان قالوا أحدثه يزدان قيل فقد أحدث الشيطان الذي هو أعظم الشرور فما أنكرتم أن يحدث سائر الشرور وان قالوا لا يحدث قيل فما أنكرتم أن تكون الحوادث كلها لا محدث لها. (دليل آخر) إذا جاز قدم الباري وهو نور وضياء فما أنكرتم قدم الشيطان الذي هو ظلمة فكل علة أوجبوا بها حدوث الظلام أوجبنا عليهم بمثلها حدوث النور. (دليل آخر) من خلق الظلام؟ فان قالوا النور قلنا فقد علم أنه يفعل الشر أم لا إن قالوا لم يعلم فهو جاهل وإن قالوا علم خلقه للشر يجوز أن يخلق الظالم والجائر والسباع والعقارب وإن قالوا حدث بنفسه فيلزمهم أن تحدث جميع الحوادث بنفسها وذواتها ولا يحتاج فعل إلى فاعل وصنع إلى صانع، وهو محال ثم نقول رجل قتل رجلا ظلما ثم ندم أليس القتل شرا قالوا بلى قلنا أليس الندم خيرا قالوا بلى قلنا فعندكم الذي يفعل الشر لا يفعل الخير فكيف هذا.

стр. 116

(دليل آخر) إن الظلام لا يخلو إما أن يكون موجودا حقيقة أو لم يكن فإن كان وجوده وجودا حقيقيا فقد ساوى النور في الوجود وبطل الامتياز من كل وجه وكذلك ساواه في القدم والوجدة ثم الوجود من حيث هو موجود خير لا محالة فلم يكن الظلام شرا فبطل مذهبهم وإن لم يكن موجودا حقيقة فما ليس بموجود أو كيف يكون قديما وكيف يساوي ضده وكيف يحصل فيه امتزاج فكل ما ذكره باطل لا أصل له. (الباب الحادي عشر في الرد على البراهمة) وهم قوم في بلاد الهند منكرون إرسال الرسل ويقولون لا يجوز في العقل إرسال الانبياء الى الخلق ومنهم من قال كان آدم نبيا فقط وقال قوم إبراهيم صلوات الله عليه، وقيل من هذا سموا براهمة، ثم من العجب انهم يعبدون الأوثان ولا يأكلون اللحوم وأبو العلاء المعرّي لعنه الله كان منهم فنقول ان الدليل على جواز بعثة الرسل أن العقل يجوز ذلك فصانع العالم يعلم من مصالح عباده وما لهم في فعله من النفع وفي تركه من الضرر ما لا يعلمه أحد فيرسل الانبياء فيرشدونهم إلى مصالحهم فلا إستحالة في ذلك فمن قال إنه مستحيل فهو كافر معاند فإن المريض يحتاج إلى الطبيب

стр. 117

فمعرفة صلاحهم وفسادهم من قبل الله بمنزلة المريض المحتاج إلى معرفة الطبيب ليرشده إلى المصالح. (دليل آخر) نعلم ضرورة أن الناس يتفاضلون في العلم والادراك ويدرك بعض الناس من العلوم ما لو بقي غيره طول الاعمار لم يبلغه فمن ذا الذي ينكر ان القديم يعلم من ذلك ما لا يعلم مع كون معلوماته لا نهاية لها فيحتاج إليه في معرفة المصالح من المفاسد ونحن لا نشاهد الله عيانا ولا نكلمه كفاحا فنحتاج إلى سفير يخبرنا عنه فقد أرسل إلينا الرسل وأخبرنا بالشرائع فان الجاهل يحتاج إلى معلم والعاقل يحتاج الى منبه فدل على أن ارسال الرسل غير مستحيل ولا يهولنك قول الباطنية لعنهم الله تعالى انا نقول لا بد من نبي أو امام معصوم فلم يتعقلوا فإنهم لا يعتقدون وجوب الصانع فكيف الرسل، والرسل قد جاءت وأظهرت الحجج والعلماء باقون كثرهم الله تعالى. والكتاب والسنة وأحكام الشريعة كلها منظمة بحمد الله ومنه وهم يريدون بزعمهم ومقصودهم انسلاخ الناس من دين الله وفتح باب الاباحة وإذا ثبت أن انبعاث الرسل جائز فلا بد للرسول من علم ينبيء به من بين سائر الخلق إذا كانت بينة النبي كبينة المتنبيء والصورة كالصورة والدعوى كالدعوى والعدة بالعدة والثمرة بالثمرة وذلك العلم المعجز فلا يجوز أن يكون مما يقدر عليه

стр. 118

البشر ولا يقدر عليه بالتفرد إلا الله تعالى إذ مقامه مقام الشهادة بالتصديق، فإن قالوا نحن نعرف ذلك بالعقل فلا حاجة الى الرسل. (الجواب) كذبتم بالاحكام الشرعية من الحلال والحرام والواجب والمحظور والمندوب والمكروه ولا يمكن معرفة إلا من جهة الرسل فامسكوا عن هذيانكم ولا تقدرون على ذلك أبدا. (الباب الثاني عشر في الرد على النصارى لعنهم الله) فلم قلتم أن المسيح إله؟ فالملكانية قالت: ان الله حل في بطن مريم فحدث عيسى من حوله فهو ابن له ومريم أمه زوجة إلههم وقالت النسطورية لعنهم الله: شخصه محدث وروحه قديم، وقالت اليعقوبية: ناسوت ولاهوت اجتمعا في شخص عيسى قلنا فقد كفرتم فالاله كيف تجوز عليه الولادة والشرف والهرب والقتل؟ قالوا العجب مولده وكثرة آياته قلنا مولد آدم أعجب لا أم ولا أب وكذا الملائكة فيجب أن يكون آدم والملائكة آلهة فالروم والهند وفارس يسمون ملوكهم آلهة وما يقوم به الحوادث أو ما يقوم بالحوادث فمحدث فثبت بها أنه ليس باله ولم قلتم ان الباري جوهر؟ قالوا لانه ليس بعرض فهو جوهر قلنا الباري إما أن يكون عرضا أو قابلا للأعراض فلا جواب ثم نقول إذا أثبتم أربعة

стр. 119

أبا وإبنا وحياة وقدرة فلم لم يلزمكم أن تثبتوا اقنوما خامسا هو سمع وسادسا هو بصر وإرادة وبقاء ولا جواب له. (الباب الثالث عشر في جوابات الروم) الأول؛ قالوا عيسى أفضل من محمد وقوم قالوا هو إله الجواب: من أحمق ممن يقول هو إله ثم إنه قتل وصلب هل رأيت في عالم الله أحمق من النصارى عيسى يقول أنا عبد الله وهم يقولون كذبت أنت إله وعليّ بن أبي طالب ﵁ يقول أبو بكر: خير الناس بعد رسول الله ﷺ والروافض تقول كذبت أنت خير الناس ثم تقول إذا كان عيسى إلها فلم كان يصلي ويصوم فان قالوا ليعلم الناس ذلك قلنا أو ليس رأى الناس يصلون ويصومون ثم نقول إذا كان إلهكم المسيح وهو ابن مريم فوجب أن يكون عمران أبو مريم جده والجد قبل الولد وزعمتم أن مريم امرأة يوسف النجار فيجب أن يكون يوسف تزوّج أم إلهكم ثم نقول أليس زعمتم انه كان ثلاثين سنة على شريعة التوراة ودين اليهودية فيدخل الكنيسة ويحرم السبت، فيجب أن يكون المسيح الاله يهوديا ثلاثين سنة ثم نقول هل كان ينام، فان قالوا نعم قلنا النوم يزيل التدبير وينقضه فكيف يدبر العالم من هو نائم وإن قالوا لا ينام قلنا إذا جاز أن يقتل فلم لا يجوز أن

стр. 120

ينام ثم نقول هل كان في حال قتلهم له حيا، فإن قالوا نعم فما أقروا بقتله وإن قالوا قتلوه من عند أنفسهم قلنا فقولوا صلبوه من عند أنفسهم ومريم ولدت من عند نفسها. (شبهة) كان يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص وعن الغيب ينبئكم بما تأكلون وما تدخرون. (الجواب) هذا لا يصح لان البشر لا يقدر على إحياء الموتى ولا إبراء الأكمة بل كل ذلك محض فعل الله تعالى لا يقدر البشر عليه بل الله يفعل ذلك عند إدعاء عيسى النبوة تصديقا له وقد أنزل على نبينا قرآنا يحيي به القلوب وقد نسخ شريعته بشريعة محمد ﷺ وهو مبشر بمحمد ﷺ ثم السر فيه انه كان مبعوثا في زمن الاطباء فاحتاج الى معجزة يعجز أهل زمانه عن مثلها ونبينا كان مبعوثا في زمن الفصاحة فلهذا أيد بالقبول (جواب) موسى جعل خشبا مصمتا ثعبانا ذا رؤوس ولم يكن أفضل عندك من عيسى ثم الفضل انما يكون بتفضيل الله تعالى يعني أن ثوابه أكثر بكثرة منافعه وفوائده ومحمد ﷺ مبعوث إلى الجن والانس والشرق والغرب وعيسى مبعوث الى طائفة وأن محمدا انسخ شريعته والناسخ أدخل من المنسوخ مثاله السلطان إذا قطع بلدة من غلام ثم بعد ذلك عزله وخص به غيره يعلم أن الثاني عنده أفضل من الاول ثم الانبياء كانوا يأتون بالمعجزات الخوارق فيلزم أن

стр. 121

يكونوا لاهوتا وآلهة ومن حمق النصارى إنهم يجوزون النسخ لعيسى دون محمد ﷺ فلو قال تائل لم جاز لعيسى أن ينسخ شريعة موسى ولم يجز لمحمد ﷺ أن ينسخ شريعة عيسى ولا يجدون له جوابا ومحمد ﷺ أفضل لأن شريعته باقية الى يوم القيامة وشريعة عيسى صلوات الله عليه منسوخة لان عيسى يكون في آخر الزمان على مذهب محمد ﷺ ويموت على ملته وأخبرنا المعصوم أن آدم ومن دونه تحت لوائي وهذه الامة أعلم من سائر الامم ولهذا قيل في وصف الامة علماء وحكماء. (شبهة أخرى) قالوا عيسى حي ومحمد ﷺ ميت والحي أفضل من الميت. (الجواب) حاشا لنبينا ﷺ أن يكون ميتا بل هو حي في أحكام الآخرة عالم بشأن الامة مترقب لمجيء القيامة. (جواب آخر) أبم رفع عيسى لأنكم معشر الروم تقتلونه ومحمد ﷺ خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة. (جواب آخر) إنما رفع ليكون مبشرا لنبينا ﷺ . (جواب آخر) الفضل لا يكون بالحياة والممات فإن ابليس حي ومريم ميتة ولا يدل ذلك على أن ابليس لعنه الله خير منها وحاش لله بل هي صديقة وهو لعين وآدم عمر ألف سنة ونيفا وعمر إبليس مائة ألف سنة ولا يكون ابليس أفضل منه والتفضيل بكثرة الثواب والدرجة ولا خلاف أن درجة محمد ﷺ أرفع من درجات النبيين.

стр. 122

(إلزام آخر) لما وضعت مريم حملها انفصل اللاهوت أم الناسوت فإن قالوا انفصل منها اللاهوت فنعوذ بالله ونبرأ من إله يخرج من فرج امرأة وكفاهم هذه فضيحة أن إلههم يخرج من فرج وإن قالوا انفصل منها ناسوت ثم اتصل بها اللاهوت فالتغير والحدوث والانفصال والاتصال من علامات الحوادث والآن هذه مناقضة عظيمة قالوا انه قديم ثم يقولون إن اليهود قتلوه وصلبوه. (شبهة أخرى) قالوا سماه الله تعالى في الانجيل ولدا قال يا عيسى. أنت ابني وأنا ولدتك وقال عيسى أنا ذاهب الى أبي فنحن ندعوه ابن الله على وجه التشريف كما يقولون محمد حبيب الله وابراهيم خليل الله. (والجواب) روايتكم لا تصح لان كتابكم محرف وكلامكم كذب وإن صح ذلك فأنتم تدعونه في الانجيل أنت ابني أو أنا ولدتك أي ربيتك، ولهذا قيل احكموا العربية فان النصارى كفرت بنقطة واحدة ويجوز أن يقال محمد حبيب الله وابراهيم خليل الله ولا يجوز أن يقال عيسى ابن الله لدقيقة أن المحبة والصداقة لا توجد المجانسة فلا يصح أن يقال هذا الفرس ابني ولا مجانسة بين القديم والمحدث فافهم. (الباب الرابع عشر في الرد على الاباحية) ولهم شبه (الاولى) قالت قال الله تعالى

стр. 123

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ذم قوما اجتنبوا أكل الطيبات، والطيبات في لغة العرب الأكل والجماع وقال الله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ فنعرف ان جميع الطيبات مخلوقة لعباده فقد أعطانا الله تعالى التحرم على أنفسنا فلا ندع كتاب ربنا بقول اعرابي بوال يروي خبرا لا ندري صحته وقال تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا رفع الاثم عمن يتناول الطعام والمباشرة في معناه فدل ان كل من فعل فعلا تشتهيه نفسه ويدعو إليه طبعه يحل له. (الجواب) هذه خطبة الزندقة وتحرك سلسلة الالحاد فقوله خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً خطاب لآدم وبنيه وكانوا مؤمنين فلا يتناولكم الخطاب لانكم كفار وهذا لان الله أباح الطيبات للذين آمنوا ولستم بمؤمنين فلا نصيب لكم فيها لان المؤمن من يصدق الله ورسوله وأنتم لا تصدقونه فانه يقول الخمر رجس وأنت تقول هي طيبات الدنيا ثم هو معارض بقوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ وقال تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ الآية وقال تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ فمن استحل شريعة واحدة وخصلة واحدة يكفر فما ظنك بنفسك وقد استحللت سبعين

стр. 124

شريعة أفلا تكون زنديقا!؟ ثم يقول هل يعتقد أن محمدا رسول الله فإنه لا يعتقد حتى يقيم عليك دلائل النبوّة وإن اعتقد أنه رسول فقال ان الله تعالى حرّم الخمر وثمنها وقال من ترك الصلاة فقد كفر ولا يخلون أحدكم بامرأة فمن خالفه في هذه النصوص فقد كفر ثم يكفيك هذه أولا. (قاعدة) اعلم ان التربية بدل الاباحة على ان بعض الناس يأخذ بعضهم ويقول أنت أختي ويقول للمرد أنتم أصحابي نقلة ووسيلة الى النظر والشهوة وهو بذر الاباحة فانها تدعو الى النظر والنظر يدعو إلى الخلوة والخلوة تدعو الى الوقاع وهو حرام. (الشبهة الثانية) قالوا ليس بحكيم من يصنع الطعام المشتهى ويضعه بين يدي الجائع ويمنعه من التناول أو الشعير بين يدي الحمار والنفس بمنزلة الكلب أترى من طرح الطعام إليه ثم يمنعه من ذلك هل يكون حكيما أو هل يطيعه الكلب وهو يقاوم نفسه؟ فكذا خلق النساء للرجال فيجوز مباشرتهن ومن الذي يملك نفسه عند الشهوة نحن لا نتمالك والحكيم عرف ذلك منا، خلق اللذيذة الشهية والنفوس تشتاق إليها ولا نتمالك لأنفسنا التدبير، وما الحكمة في الخلق ثم الخطور وهذا كما قلتم ان الاشياء قبل ورود الشرع حكمها الاباحة ونحن نتضرر بتركها والله لا يتضرر بفعلنا فوجب أن يباح. (الجواب) عن صبوح يرفعون ان هذا سؤال وخطبة الزندقة

стр. 125

ويلزمكم أن يكون الكفر مباحا فان الباري لا يتضرر بذلك ثم نقول هو حكيم طرح الى البهيمة الشعير المنقى دون المغشوش وأمسك عن الكلب الطعام المسموم لئلا يقتله رحمة وشفقة كالطبيب المشفق يحمي المريض عن الشهوات لئلا تقتله وكذلك أباح لك السكر والعسل وحرّم عليك الخمر لئلا يزيل عقلك فيجعلك بمنزلة الحمار وأباح لك التصرف في ملكك دون ملك غيرك وأباح لك أربعة مهائر وقال لا تطمع في زوجة جارك فإنه يقبح أن تأكل خبزه وتلطخ فراشه، يجتمع عشرة على امرأة فيكون ولد فكل واحد ينازعه هذا يقول لفلان وهذا يقول لفلان فيضيع الولد ويختلط النسب فلا يعرف ابنه من ابن غيره وتبقى المرأة بلا مهر ولا نفقة أجيبوني يا حمير أيها أحسن؟ قال لنا حكيم هذا داء وسم وهذا دواء وترياق ان تناولت السم يقتلك وان تناولت هذا يسمنك فأيهما خير. (الشبهة الثالثة) العبد لا بد أن يكون فقيرا مفلسا لتحقق عبوديته لان الله تعالى وصف العبيد بكونهم فقراء الله تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ والطاعات دعاوى وشرك فالعبد ينبغي أن يكون له شيء والله الغني وأنتم الفقراء فلا يجوز أن يكون غنيا بالصلاة والزكاة. (والجواب) يلزمكم أن تتبرؤا عن الايمان ومعرفة الله تعالى فان من عرف الله تعالى فهو غني

стр. 126

بالله بل هو أغنى الاغنياء أجيبوا يا مخاذيل ولا جواب لهم أبدا، ثم نقول هذا خلاف العقل والشرع والعرف فان العقلاء يتقربون الى الله بالطاعات وأنتم تقولون الطاعة حجاب والعقلاء يغارون على العيال وأنتم تجلسونهم مع الاجانب والعقلاء يحترزون عن العيب والعار وأنتم لا تتحاشون والعاقل اذا رأى أهله مع أجنبي يضربها وأنتم تقولون يا زوجي قد وقفتك على إخواني فأنتم مجانين وقد رددتم الانبياء والكتاب والسنة ونفوسكم بمنزلة الكلاب إذ لا يعتقدون الشريعة. قوله لا يقدر على شيء. (قلنا) شيء بملكه والعباد والبلاد لله وكيف نتصرف في ملكه بغير اذنه والله يقول لا تدفع إليه شيئا فان أعطيته عبدك وأهلك وأنت تخالف ربك فأنت كافر، ان قيل فمن المباحي. (قلنا) من استحل شرب الخمر وترك الصلاة والخلوة مع النساء الاجانب ونعوذ بالله من ذلك فهو مباحي يجب قتله فان قيل لا أحد يقول بأن الخمر حلال والخلوة بهن جائزة فكيف نعرفهم؟ (الجواب) قلنا نعرفهم بلحن القول كما نعرف المنافقين ويتكرر منهم ذلك.

стр. 127

كتاب فوائد الدين وهو ستة عشر بابا (الباب الأول في فوائد المال) وهي أربع (أحدها) دنيوي وهو الأكل والشرب والتمتع والاستغناء عن الناس وصيانة النفس وقوة العين فان الفقير حي كالميت. (الثاني) الانفاق على نفسه واستنفاده في وجوه العبادات كالحج والغزو والرباط والمساجد واقراء الضيف، وكل ما لا يوصل الى العبادة الا به فهو عين العبادة بقدر القوت والكفاية فمن لم يكن له كفاية فيصبح مشغولا بطلبها متحيرا في وجهها فأين يتفرغ الى العبادة. (حكاية الشيخ أبي القاسم كركان) كان فريغ عمره في الزهد وكان له ضيعة منها كفايته فأخذ يوما حفنة من الغلة وقال ترون هذا أحب إلي من توكل المتوكلين يعني فراغ قلبه ذكر سلطان العارفين أبو علي الفارمدي قدس الله روحه وهي اشارة صحيحة ان النفس لا تطمئن ما لم تحرز قوتها. (الثالثة) يتصدق وينفق على الفقراء والغرباء ويستغنم دعاءهم وينفق في وجوه المروآت والحرمات ويسترق الاحرار بالهدايا والمواساة ويستجلب به قلوب العلماء ويدخر به ذكر الجميل والثناء الجزيل ويصون به عرضه باعطائه الشعراء ولهذا قال النبي ﷺ اقطع عني لسانه يعني بذلك الشاعر الذي مدحه

стр. 128

يعني اعطه شيئا يرضى به. (الفائدة الرابعة) يصرفه الى الخدم والحشم يستميل به قلوبهم ويشتري به أعراضهم فإنهم يكفونه كل خدمة ومؤنة من الغسل والطبخ والكنس والبيع والشراء فلو احتاج أن يتولى ذلك بنفسه لذهب عمره في آحادها دون البلوغ الى كلياتها فاذا تولوا ذلك يتفرغ الى عبادة الله وذلك حظ الآخرة، وأيضا المال يحيى ذكر الرجال ويبقى بناء الناس فانهم إذا وقفوا على الفقراء والعلماء واتخذوا المساجد والرباطات وسائر الخيرات فلا يخفى فائدتها كما قيل الدنيا بالاموال والآخرة بالاعمال. (الباب الثاني في آفات المال) وهي ثلاثة. (الآفة الاولى) ان المال سبب المعصية يسهل على صاحبه طريق الفسق والفجور فيبعث الشهوات من صميم قلبه ويتبع الخطرات من سويداء فؤاده فتتلاطم دواعي الفساد من كل جانب اذ يده متسعة وأمواله مجتمعة والنفس أمارة بالسوء فبطلت الرياسة، ومن كان جليس المسجد وينافس الرؤساء ومن كان مخمولا ويباري الاغنياء ومن كان معدودا في جملة الفقراء فيكون ذلك سبب هلاكه. (الآفة الثانية) من لم يجد المال يمكنه التصبر والقناعة، أيا من استغنى فقد طغى وبغى كما قال الله تعالى

стр. 129

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى فلا يمكنه أن يحفظ دينه ونفسه فيمرغ في نعيم الدنيا فيأكل حلوا ويلبس ناعما يغدو ببلدة ويروح بأخرى فتصير دنياه جنته فينسى الآخرة ويكره الموت وذكره، لا يتهيأ لأحد أسباب التنعم في الدوام من وجه حلال فان المال غاد ورائح والدنيا اقبال وادبار والايام دول يوم لنا ويوم علينا فتغير الاحوال ولا يمكنه كسب الحلال فيقع في الشبهة ثم في الحرام فيحتاج الى خدمة الاتراك وخدمة السلاطين الشياطين فيداهنهم في الدين خوفا على دنياه ويمازحهم رياء ونفاقا وكذبا فيصبح مرائيا مداهنا ليس ورعا قنوعا وتتشعب به الهموم فمن شغل واحد من أشغال الدنيا تنبعث عدة أشغال فإذا فرغ من واد وقع في واد آخر وجعل الله الفقر بين عينيه فلا يتفرغ من محاسبة الفلاحين والاكارين والبقالين الى نفسه فكيف الى ربه، ولا يتفرغ من دنياه فكيف الى آخرته فيصبح حيران ويمسي سكران جيفة بالليل بطال بالنهار سكارى حيارى لا مسلمون ولا نصارى، وأيضا تكثر خصماؤه وحساده فواحد يحسده وآخر يجرد عليه فيفتح عليه أبواب المعاصي من الكذب والغيبة والطعن والحسد لانه آدمي يقوم بمجازاتهم فيضيع وقته وفي ضياع وقته ضياع عمره فان كنت في ريب من هذا فتأمل في حال السلاطين والامراء والرؤساء فان موتهم أكبر وهمومهم أعظم

стр. 130

على قدر أهل العزم تأتي العزائم والهموم بقدر الهمم وهذا سر قوله ﷺ حب الدنيا رأس كل خطيئة، فان شأن الدنيا هاوية لا قعر لها في كلمة منها تنبعث خصومات وأمور لا حصر لها فتأمل في خامل يكثر أشغاله كيف يتمنى الموت في كل ساعة لازدحام الآفات والخصومات وأعوذ بالله من تفرقة القلب. (الآفة الثالثة) ان لم ينفق في المعصية ولم يتمرغ في نعيمها ويكسب من الحلال وينفق من الحلال وهيهات دون عليات العبادة والخرط أليس يحتاج الى حفظه وحرزه فيشتغل قلبه عن ذكر الله فلا يتفرغ الى الله قصيره عن طويله صاحب المال يضيع عمره في محاسبة الوكلاء والغرماء والخراج والحساب فيتنغص عيشه، قرأت في بعض التفاسير في قوله تعالى كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ إنما شبه الحياة الدنيا والمقام فيها بالماء لمعنى دقيق وهو أن في البيت إذا كان بقدر الحاجة ينتفع به صاحب البيت فإذا كثر وغلب على البيت أهلك صاحب البيت كذلك صاحب بيت الدنيا اذا قنع بقدر الكفاية ينتفع بها وإذا تمرغ فيها هلك وأهلك، قال بعض ظرفاء بغداد: الكفر خير من المال فقيل له في ذلك فقال لان من يتهم بالكفر إذا تاب تقبل توبته ومن اتهم بالمال لا تقبل توبته بل يضرب عليه ضربا بعد ضرب حتى يموت فقد علم العلماء أن قدر الكفاية ترياق وما سواه وبال دعاق

стр. 131

ولهذه الآفات قال النبي ﷺ : الدنيا رأس كل خطيئة. (الباب الثالث في رقية المال) إعلم أن المال كالسم القاتل وهو كالحية ليّن لمسها قاتل سمها ومن لم يحسن الرقية فأخلق به أن يهلك ويهلك، ورقية المال خمسة أشياء. (الاول) أن يعلم أن المال خلق ليكون آلة المسافة الى الآخرة وليكون زادا لعقبى وأنه غير مقصود في نفسه فإنه حجر لا يضر ولا ينفع ولا يؤكل ولا يشرب وان من اتخذه ورصده فهو من الذين قال الله هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا وقال ﷺ : تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم فخلق المال لاجل قوت البيت وترتيبه وخلق الحواس والعقل لاجل القلب وخلق القلب لمعرفة الدين فلا ينوط قلبه به ولا يراه مقصودا في نفسه فيكون عابدا ومعبودا. (والثاني) أن يحفظ وجوه الدخل حتى لا يكون من الحرام والشبهة والرشا. (والثالث) أن يكتفي بمقدار الحاجة فلا يجمع أكثر من ذلك فيكون من الذين قال الله تعالى في حقهم وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ . (والرابع) أن يضبط وجوه اخراجاته حتى لا ينفقه في معصية. (والخامس) أن يصحح نيته في الدخل والخرج فيمسك ما يمسك بنية فراغ

стр. 132

القلب الى العبادات وينفق ما ينفق بنية الزهد والاستهانة بالدنيا ويحفظ لنوائب الدين وحوادث الاسلام دون مقابلة المسلمين وطلب عمل الشيطان فمن جمع بهذه النية فلا يضره جمع المال بحال من الأحوال. (دقيقة) تفتت أكباد الرجال وهي ان جمعه لمهمات الاسلام فعلامته أن يكون الانفاق أحب إليه من الامساك فمن كان صادقا في هذه الدعوى فأكثر الله في الاخوان مثله وإن كان بخلافه فدع ذكر اللئام من الحساب والله تعالى أعلم. (الباب الرابع في أنه هل يجوز لعنة الظالمين أم لا) إعلم أن اللعنة في قضية اللغة الطرد ولا يدري أحد أن واحدا مطرود عن رحمة الله أو عن بابه أو عن كرامته ان هذا حكم الغيب عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً أما اذا أطلق فيجوز لعنة الله على الظالمين والفاسقين والمبتدعين فيجوز، وحيث ورد الشرع بلعن قوم معينين فيجوز لعنتهم ومن مات على الكفر فيجوز لعنتهم مثل فرعون وأبي جهل وإذا عين واحدا من الظالمين. واليهود فيقول عليه لعنة الله ففيه خطر عظيم فربما أسلم ويموت على الاسلام فيكون لاعنا مسلما. فان قيل بهذا يجوز على مذهب أهل السنة لعنة يزيد فأقول يجوز أن يقال لعنة الله على قاتل الحسين ان مات قبل

стр. 133

التوبة فان قتل الأولياء والاوصياء والاصفياء لا يكون أعظم من الكفر، والكافر إذا أسلم لا يجوز لعنته فإن وحشيا قتل حمزة ﵁ ثم أسلم فسقطت عنه اللعنة وأما حال يزيد الشقي فلا يتبين انه قتله أو أمر بقتله. فمن قائل انه قتله ومن قائل أنه أمر به وفي التاريخ انه قتل شمرا وشتم ابن زياد فقال لعن الله ابن مرجانة لقد بغضني الى الناس الى يوم القيامة، وكان قتله بسبب هذه الدنيا الميشومة ومدة خلافته ثلاث سنين ولقد ذهب من الدنيا بخزى عظيم وشأن قبيح وقد صدق جرير حيث قال: وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا واعلم أن لعنة إبليس في المعرض الخطر فإنه يقال يوم القيامة: لم لعنته وماذا أردت به وابن آدم مستغن عن هذا لو لزم سعادته فلو لم يلعن إبليس في مدة عمره يقال له لم لم تلعنه ولو لعنه يقال له لم لعنته وما قصدك فيه والاشتغال فيه والاشتغال بالتسبيح أولى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا. (الباب الخامس في الترخيص بالكذب) أعلم أن الكذب حرام، لكن ان وقعت الحاجة إليه

стр. 134

وقصد به مصلحة لا يكون حراما لأنه إذا أراد به الخير والصلاح فلا يسود قلبه ولا ينكت فيه نكتة سوداء؛ انعند اجماع أمة محمد ﷺ أن مسلما لو هرب من ظالم يريد سفك دمه وسأل عن مكانه فلا يجوز أن يصدق بل يجب عليه أن يكذب وقد رخص الشارع في الكذب في ثلاثة مواضع. فقال: ليس بكذاب من أصلح بين اثنين، وفي الحرب إذ الحرب خدعة، ومن كان له امرأتان، ومن فعل أمرا قبيحا لا يجوز له أن يصدق ويقول فقلت كذا وإن سئل عنه يستره ويخفيه ولقد ستره الله بستره ان لم يهتك على نفسه ستره فان الشرع يستر الامور القبيحة وإذا نشزت امرأته فيجوز أن يعدها بمواعيد كاذبة وإن لم يكن قادرا عليها، والسر فيه أن الكذب قبيح منهي عنه ولكن إذا توالد من الصدق ضرر وشرور فترك هذا بشر هذا بمعيار العقل وميزان الشرع فكل من يرجح جانبه يأخذ به ان صدقا فصدقا وان كذبا فكذبا، ومثاله الخصومة بين اثنين ووقوع الوحشة بين الزوجين وضياع المال وظهور الشر والافتضاح بسبب المعصية فلا خلاف أن الكذب يباح وكذلك الوزراء والرؤساء الذين هم السفراء بين الملوك والرعية مهما اطلعوا على سفك الدماء ونهب الاموال ورفع الحرمة لأقوام أو لامر يرجع إلى الدين والاعتقاد فيجوز لهم الكذب في ذلك

стр. 135

ويجري الاصلح فيه فافهم. (الباب السادس في بيان أن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر) اختلف العلماء في ذلك والصحيح أن الفقير الصابر أفضل وتفسير قولنا أفضل أعني درجته فوق درجته وثوابه أكبر والسر فيه أن كل ما يشغلك عن ذكر الله تعالى وعبادته فهو مذموم لان الفقير حسابه أقل وكذا شغله ويتألم قلبه بكل شهوة يهواها فلا يدركها ويتمناها فلا يصل إليها ويكون نفورا عن الدنيا فتكون دنياه سجنه وفي حالة الموت تهون عليه سكراته ولا يلتفت الى الدنيا، الفقير يقل حرصه وحسده وكبره والمال آلة المعصية فإذا عدم الآلة فلا يعصي الله تعالى وأما الغني فهو بضد جميع ذلك لأنه استأنس بالدنيا فشق عليه فراقها ويكره الموت وتكثر حسرته ويعظم حسابه فحلالها حساب وحرامها عقاب فيكون قلبه متعلقا بالدنيا ويكون قلبه إلى ماله وحسن حاله والفقير قلبه إلى ربه وشتان بين من يميل إلى الدنيا ومن يميل الى الدين. (الباب السابع في رسالة الفقراء الى النبي ﷺ في الخبر أن الفقراء شكوا الى رسول الله ﷺ فقالوا:

стр. 136

الاغنياء فازوا بخيرى الدنيا والآخرة يزكون ويتصدقون ويحجون ويغزون ولهم فضول أموال ينفقونها ولا نجد ذلك فرحب رسول الله ﷺ برسول الفقراء وقال جئت من عند أكرم قوم إلى الله تعالى قل لهم ان من صبر على الفقر لاجل الله يكون له ثلاث خصال لا يكون لاحد من الاغنياء مثلها. (احدها) أن في الجنة قصورا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ولا يسكنها الا الانبياء والفقراء والشهداء. (والثانية) أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخسمائة عام. (والثالثة) اذا قال الفقير مرة واحدة سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله ويقول الغني ذلك فلا يبلغ درجة الفقراء أبدا، فقال الفقراء: رضينا رضينا. (سئل) أبو حنيفة ﵀ عن هذا الخبر فقال عنى به النبي ﷺ الاغنياء من هذه الامة لتكون على موافقة العقل فانا نعلم قطعا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ كانا من الاغنياء ولا يدخل الفقراء قبلهم الجنة. (الباب الثامن في مزاح النبي ﷺ كان النبي ﷺ يمزح واستدبر رجلا من ورائه وأخذ بعينه وقال من يشتري مني العبد ووقف على وفد الحبشة ينظر إليهم وهم يدفون وعلى أصحاب الدركة وهم يلعبون ثم

стр. 137

قال ما أنا من دد ولا الددمنى والدد هو اللهو، يقول: بعثت بالحنيفية السمحة ووضع عني الاصر والاغلال التي كانت على بني اسرائيل، وما من أحد الا وفيه غريزة والغرائز لا تملك وان ملكها المرء بمغالبة النفس فترجع الى الطبع ويقال الطبع أملك وقد قيل: ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس ختمها غيره كل امرىء راجع يوما لشيمته ... وان تخلق أخلاقا الى حين والناس يؤنسون به فأراد ان يوهم أن ليس فيه نظر وعبوس فلو ترك طريق الهشاشة والدماثة لانفضوا من حوله فمزح ليمزحوا ووقف ليقفوا على أصحاب الدركة وهم يلعبون فقال خذوا يا بني أرفدة لتعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة يريد ما يكون في الاعراس لإعلان النكاح وفي المآدب واللهو لاظهار السرور ولا يناقض قوله ما أنا من دد لان الدد هو الباطل وكان يمزح ولا يقول الا حقا. (الباب التاسع في محبة الفرس) إعلم أن الخير معقود بنواصي الخيل وأن الله خلق

стр. 138

الفرس من الريح ثم قال كتبت الخير على ناصيتك وقويتك حتى تطير من غير جناح فأنت تصلح للطلب والهرب وقال ما من امرىء مسلم ينقى لفرسه شعيرا ثم يعلقه عليه الا كتب له بكل حبة حسنة وقالت عائشة ﵂ رأيت رسول الله ﷺ يمسح وجه فرسه بطرف ردائه فقلت أكل هذا يا رسول الله فقال ان جبريل عاتبني آنفا في حق الخيل يا عائشة من علق مخلاة على فرس في سبيل الله كتب الله له حجة مبرورة وعمرة متقبلة وقال: الفرس ثلاثة فرس للرحمن وفرس للانسان وفرس للشيطان فأما الذي للرحمن فما اتخذ في سبيل الله وأمنا من أعدائه وأما الذي للانسان فما استطرق عليه طلبا لنتاجها ونمائها ودرها ونسلها وأما الذي للشيطان فما روهن عليه والمنفق عليها كالمتصدق وان الله أقسم بآثارها في سورة وَالْعادِياتِ. (الباب العاشر في كيفية أكل الشيطان) قال ﷺ الشيطان يأكل بشماله وهو روحاني كيف يأكل ويشرب فنقول أكله تشمم واسترواح لا مضغا ولا بلعا ففي الحديث ان طعامه الرمة وهي العظام وشرابه القذف وهي الرغوة والزبد وليس ينال من ذلك إلا الروائح فيقوم له مقام المضغ والبلع لذوي الجثث ويكون بذلك مشاركته ما لم

стр. 139

يسم على الطعام ولم يغسل يده أو وضع طعاما مكشوفا فتذهب بركة الطعام وقيل هذا مجاز فان الشيطان لا يأكل وهو كما قال: الحمرة زينة الشيطان لا يراد أنه يلبس وإنما المراد أنها الزينة التي يخيل بها. (الباب الحادي عشر في حكم الشراب على المذهبين) الخمر حرام بإجماع الامة، والخمر هو عصير العنب والدليل على تحريمه قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الى قوله فَاجْتَنِبُوهُ وهذا تهديد وفيه دلائل أحدها أنه جعله رجسا وهو العين المحرم وجعله من عمل الشيطان وعمل الشيطان حرام وأشار الى العلة في قوله إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وقال (أبو حنيفة) : الانبذة كلها حلال والمسكر حرام وكذا العصير اذا طبخ حلال، ثم اختلفوا فمن قائل إذا عرض على النار وان قل فهو نبيذ وقيل يجب أن يذهب ثلثه وقيل نصفه وقيل ثلثاه فيقول شراب مسكر فيحرم كالخمر. (فرع) شافعي المذهب إذا شرب النبيذ يفسق به ويجب عليه الحد حنفي المذهب يجب عليه الحد ولا ترد شهادته وقال المزني: كيف يحد ولا ترد شهادته؟ فقيل الفرق بينهما ان الحد شرع ردعا لما يميل الطبع إليه ولما يدعو قليله الى كثيره فاحتجنا

стр. 140

الى الحد أمّا الشهادة فترد لأجل التهمة لخبث عقيدته، فإذا كان لا يبالي بارتكاب المحظور عنده لا يبالي بالكذب أيضا فإذا كان اعتقاده اباحته فليس في شيء يشغله عن المبالاة وما يستدل به على خبث اعتقاده لانه يستحله وان أكره على شرب الخمر بالسيف يحل له شربه ولا يأثم إذ ليس فيه سفك دم مسلم فان الخمر جائز للضرورة ولتسكين العطش والمداواة وان غص بلقمة وليس عنده الا الخمر حل له أن يسيغها به وإن كان به علة فشهد طبيبان أمينان مسلمان أن علته تزول بشرب الخمر هل يحل شربه وجهان أحدهما وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى يجوز للضرورة كأكل الميتة والثاني لا يجوز لقوله: ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. (الباب الثاني عشر في بيان طعام المرذكية من الحشيش والكثيرية) إعلم أن طعام الملحدين والمرذكية حرام لا يجوز أكله ولا تحل ذبيحتهم ولا مناكحتهم فكل سلطان ووزير ينزل بساحتهم ويأتونه بطعام ينبغي أن لا يأكل منه لانه نجس حرام كذبائح المرتدين لانهم مرتدون يستحلون أكل الميتات ويقولون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله فيقولون بئس قياس الناس بالمقياس نأكل ما ذبحنا بأمر الله ونترك ما ذبحه

стр. 141

الله وأماته بقوله وأمره، فمن اضطر إلى طعامهم يجوز تناوله كالميتة، ومن أراق ذلك الطعام فلا قيمة له وقيل إنهم يخلطون النجاسة به ويطعمون الغرباء ويجوز أكل ثمارهم لانها لا تطبخ. (الباب الثالث عشر في نظر الخادمين إلى النساء) أعلم أن النبي ﷺ أتى بغلام من بعض الغزوات وكان جميلا فلما نظر إليه أجلسه وراءه وأنهضه من بين يديه لأنه لا يخشى الفتنة لكن تأديبا لأمته لنقتدي به، فلو تجرد رجل في بيت مظلم أو في جوف الليل بحيث لا يراه أحد هل يجوز؟ وجهان: أحدهما يجوز لانه لا أحد ينظر إليه والثاني لا يجوز لأن الهواء لا يخلو من الملك والجن ومعه ملكاه قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام الا بالمئزر فقال أبو بكر يا رسول الله اني أدخل أحيانا ولا يكون معي أحد فأدخل بلا إزار فقال الله اولى أن يستحيا، منه والمرأة اذا اشترت عبدا هل يصير محرما لها على قولين. (الاول) في الجديد انه يصير محرما لقوله تعالى إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ولا يجوز حمله على الأمة لانه يجوز النظر إليها من غير ملك. (والثاني) وهو مذهب الكوفى وهو الاحوط لا يصير محرما لانه ينقل هذه المحرمية بالعتق

стр. 142

ولانه يخشى الفتنة فصار كالاجنبي وقوله تعالى غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ فمن قائل أراد به الصبيان وقيل أراد به الخصيان، ثم الخصى لا يخلو إمّا أن يكون ممسوحا سلت خصيتاه وذكره أو قطع أنثياه أو على عكسه، لا يجوز لها التجرد عن ثيابها بين يديه لانه يخشى منه الفتنة كما قيل أشد جماع جماع الخصيان، وكذلك إذا سل ذكره دون خصيتيه لانه يمسح ويحتلم وينزل فأما إذا كان ممسوحا فالصحيح من المذهب يجوز لها التجرد عن ثيابها، ومن أصحابنا من قال، على حالين ان مسح في الصغر فيجوز وإن مسح في الكبر لا يجوز، وكل خادم بقي ذكره لا يجوز له الدخول على النساء وينظر إليهن ولا يجوز للرجل أن ينظر إلى أخت زوجته إذ لا محرمية فإنها حرمت إذا طلقها تزوجها ولا يجوز للمرأة أن تنظر الى الأعمى لقوله ﷺ أفعمياوان أنتما. (الباب الرابع عشر في حكم ما نعي الزكاة) الشافعي رحمه الله تعالى يسميهم مرتدين لا أنهم كفرة ولكن امتنعوا من أداء الزكاة وأعرضوا عنه، والعرب. تقول لمن كان يفعل شيئا ثم صرف عنه وتركه ارتد عنه يقال ارتد فلان عن الطريق إذا حاد عنه والدليل عليه أنه لما قصد أبو بكر ﵁ قتالهم فقال عمر ﵁ تقاتل قوما

стр. 143

قالوا لا اله إلا الله وقد قال رسول الله ﷺ (أمرت أن أقاتل ... ) الخبر؛ وذلك بين في أشعار يقول: ألا صبحونا قبل نائرة الفجر ... لعل منايانا قريب ولا ندري أطعنا رسول الله ما دام بيننا ... فواعجبا ما بال ملك أبي بكر فلما ظفر بهم قالوا ما ارتددنا ولكنا شححنا بأموالنا قال الشافعي ﵀ أن من وجب عليه حق وامتنع من أدائه مع القدرة عليه فللامام أن يأخذها منه قهرا فمن امتنع عن أداء الزكاة فاذا استحل منعها يكفر وان منعها بخلا يقاتله الامام ويأخذها منه كرها. (الباب الخامس عشر في حقوق المؤمن) قال النبي ﷺ : للمسلم على المسلم ثلاثون حقا يعفو عنه ويغفر زلته ويرحم ضعفه ويستر عورته، ويقيل عثرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويشمت عطسته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد ميتته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويرشد ضالته ويصدق أقسامه ويجيب لدعوته ويغتم لمصيبته يواليه ولا يعاديه وينصره ظالما ومظلوما ولا يثلمه ولا يخذله ويحب له من

стр. 144

الخير ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه ثم قال إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه الله به فيقضي له عليه. (الباب السادس عشر في اكرام الشّعر) قال النبي ﷺ من ربى منكم شعرا فليكرمه قيل يا رسول الله وما اكرامه قال: تدهنه وتمشطه كل يوم قاله لابي قتادة في وفرة له وكان النبي ﷺ في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج فأصلح رأسك ولحيتك ففعل ثم رجع فقال أليس خيرا من أن تلقى أخاك ثائر الرأس كأنه شيطان أو كما قال، وعن أنس كان النبي ﷺ يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته والحمد لله رب العالمين. كتاب آداب الاسلام وفيه سبعة عشر بابا (الباب الأول في آداب المريد) يجب على المريد وكل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يراقب أوقاته ويكون على عمره أشح منه على درهمه فقد قيل شيئان صامتان ناطقان الوقت والقبر، وصدق من قال:

стр. 145

الوقت سيف فحقيق لكل عاقل أن يقسم أوقاته ويراقب أنفاسه فالانفاس معدودة والآجال محدودة والأماني ممدودة ومنادي الشرع ينادي: يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر فالليل هادي والقمر بادي والرب ينادي الىّ الىّ عبادي فاشتغلوا معاشر الوزراء وواظبوا أعيان الكبراء واتعظوا بمواعظ الله يا أعلام الرؤساء وبما أنزل الله تعالى في صحف ابراهيم ﵊ على العاقل ما لم يكن مغلوبا أن يكون له ثلاث ساعات ساعة منها يحاسب فيها نفسه وساعة يناجي فيها ربه وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال وان هذه الساعة عون على هذه الساعات واستجماع للقلوب، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث مرمة لمعاش وتزوّد لمعاد وتلذذ في غير محرم. (الباب الثاني في آداب ما بعد طلوع الشمس) ينبغي أن يصلى ركعتين وإذا أضحى النهار، ومضى منه قريب من ربعه فيصلى صلاة الضحى أربعا أو ستا أو ثمانيا مثنى مثنى ثم اشتغل باصلاح شأنك وقم لله وامش لله واسمع لله وأبصر لله وخذ لله وأعط لله وكل واشرب لله ان كنت عبد الله ولتكن همتك الآخرة التي أنت منتقل إليها دون
следующие страницы →