← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

علمه جبريل ﵊ للنبي ﷺ لدفع العين عن الحسن والحسين ﵄: اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم والوجه الكريم والكلمات التامات والدعوات المستجابات عاف فلانا من شر أعين الجن والانس برحمتك يا أرحم الراحيمن، وان أراد سفرا فليقرأ هذا الدعاء اللهم بك سافرت وعليك توكلت وبك اعتصمت وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي ورجائي زودني التقوى واغفر لي ذنبي، وإن قام من موضع اللهو والغيبة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت، وان دخل السوق يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ففي الخبر: يكتب لقائلها ألف ألف حسنة ويمحي عنه ألف ألف ويرفع له ألف ألف درجة وإن باشر أهله أو أمته يقول: اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان عني واحفظنا من كيده ومكره وإن نام يقول باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه هذه نفسي لك مطيعة وان استيقظ من نومه يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور.

стр. 177

(الباب التاسع في أوراد الاولياء والسلف الصالحين) إعلم أن رجال الآخرة علموا أن الدنيا سفر إلى الآخرة وتجارة ربحها اما الجنة أو النار فشمروا عن ساق الجد بالجهد والاستطاعة فأقبلوا على الآخرة بكنه الهمة فكانوا أشح على أوقاتهم من المتاجرين على درهمهم لا جرم فازوا فوزا عظيما، ومن تخلف عنهم فقد خسر خسرانا مبينا وفي الخبر أن من واظب على هذه الكلمات، فكأنما أعتق أربعة من ولد اسماعيل ﵊، ويكون له ثواب سبعين نبيا ويكرمه الله بعشرة أشياء. (الاول) يمحو الله عنه جميع ذنوبه ويزيده درجات. (والثاني) يوسع الله في رزقه ويحفظ عليه الايمان. (والثالث) يعتقه من النار. (والرابع) يبني له قصرا في الجنة. (والخامس) يتوب عليه. (والسادس) يدفع الله عنه شر الخلق والسلاطين ويعصمه عن الآفات. (والسابع) يعصمه عن قضاء السوء. (والثامن) يستجيب دعاءه. (والتاسع) يكتب اسمه في ديوان السعداء. (والعاشر) يرضى عنه. وهي عشر كلمات: (فالاولى) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. (والثانية) لا إله إلا الله الملك الحق المبين. (والثالثة) سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (والرابعة)

стр. 178

سبحان الله وبحمده. (والخامسة) سبوح قدوس رب الملائكة والروح. (والسادسة) أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة. والسابعة) يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث لا تكلني الى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله. (والثامنة) اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. (والتاسعة) اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. (والعاشرة) بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. (الباب العاشر في أوراد السفر) فالسنة لمن يريد سفرا أن يصلي أربع ركعات قبل الخروج من منزله يقرأ فيها ما شاء الله ثم يقول: اللهم اني استودعتك واستحفظتك أهلي وأولادي ومنزلي وأموالي اللهم أنت الخليفة والحافظ في الاهل والولد، وفي الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: لا حافظ ولا خليفة أكرم عند الله من أربع ركعات يصليها العبد عند سفره، وإذا ركب على دابته يقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإذا عزم على السفر يقرأ الدعاء المتقدم ذكره، اللهم بك سافرت وان أبعد بضاعة واستصحب مالا فليكتب هذا الدعاء ويجعله وسط المتاع: اللهم أنت الحافظ في السفر والناصر على العدو أستحفظك ديني ودنياي وعرضي وأموالي بما

стр. 179

استحفظت به كتابك المنزل على رسولك المرسل أنت قلت وقولك الحق إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وإذا مر بهضبة أو جبل أو حجر أو مدر يذكر الله تعالى ويجتهد أن يتصدق كل يوم ولو برغيف ليكون حارس نفسه وان طرقه وعرض له منزل معور في طريق فليدلج بالليل فإن الارض تطوى بالليل للمسافر ولا يجوز أن يرتحل في أول الليل ولكن في وسطه ويستحب أن يستصحب المسافر ستة أشياء، قدحا، ومقراضا، ومشطا، وابرة، ودواة، وسيفا وان ضل عن الطريق فليتيامن بقدر طاقته. (الباب الحادي عشر في الصلاة على النبي ﷺ قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ من أفضل الطاعات وأعلى القربات والدعاء، محجوب بين السماء والارض ما لم يصل على النبي ﷺ والصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء وقال: رجل يا رسول الله أرأيت ان جعلت صلاتي كلها عليك قال: إذن يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك وقال: حجوا حجة الفرض فإنها تعدل عشرين غزوة وإن غزوة بعد حجة تعدل عشرين حجة وإن

стр. 180

الصلاة علي تعدل هذا كله فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وسلم وقال: ان أحبكم الي وأقربكم مني منزلة يوم القيامة، أكثركم علي صلاة فمن صلى علي ليلة الجمعة، ويوم الجمعة مائة صلاة قضى الله له مائة حاجة سبعين حاجة من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ويوكل الله له بذلك ملكا يدخله قبره كما تدخل عليكم الهدايا على الاطباق حتى يسمى باسمه واسم أبيه، وقال: إن لله ملكا من تحت العرش اسمه أومائيل عليه من الرؤوس بعدد الخلائق كل رأس منه أكبر من السموات وله من الأجنحة مثل ألوان الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، وان الله لم يطلعه على الدنيا فلم ينظر إلى خلق حبسه الله إلى يوم القيامة فإذا مد الصراط على جهنم بسط أجنحته ليجوز عليها من قال في الدنيا صلى الله على محمد وقال: ما من مؤمن يصلي عليّ الا فتح الله عليه بابا من العافية. (حكاية) سافر رجل مع ابن له فمات الأب في الطريق ورأسه في حجر ابنه، بعد موته فإذا قد تحول رأسه رأس خنزير فبهت ولده وخاف الفضيحة في الدنيا وأخذ في الصلاة والبكاء فذهب به النوم فرأى كأن قائلا يقول: لا عليك قد رددنا على والدك صورته التي كان عليها فقال: وما باله؟ قال: إنه كان آكل ربا فكان هذا جزاؤه منا إلا أن محمدا ﷺ تشفع فيه

стр. 181

لانه ما سمع من يذكر رسولنا الا صلى عليه ﷺ . (الباب الثاني عشر في أوراد الملك والحراث) عن أنس عن النبي ﷺ ان فيما خلق الله ملكا له ألف ألف رأس في كل رأس ألف ألف وجه في كل وجه ألف ألف فم في كل فم ألف ألف لسان يسبح الله في كل لسان ألف ألف لغة فقال: يا رب هل خلقت خلقا هو أعبد مني؟ فقال: نعم رجل من بني آدم قال: يا رب ائذن لي في زيارته فأذن له فرأى رجلا حراثا يسوق ثورا له فقال: يا عبد الله هل من مبيت الليلة؟ قال: نعم وليالي قال: فاقام عنده حتى فرغ من حرثه ثم انصرف معه وحضر عشاءه فقال: إدن فكل قال: لا أشتهي ثم نام على فراشه حتى أصبح ثم قام فتوضأ وصلى صلاة خفيفة ثم جلس جلسة فأقام عنده الملك ثلاثا ولا يراه يعمل شيئا غير ذلك فقال: يا عبد الله هل من عمل تسره غير ما أرى؟ قال: لا إلّا هذه الجلسة قال: فما تقول فيها؟ قال: أقول الحمد لله أضعاف ما حمده جميع خلقه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجه ربنا عز جلاله وسبحان الله أضعاف ما سبحه جميع خلقه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجه ربنا جل وعلا ولا إله إلا الله أضعاف ما هلله جميع خلقه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجه ربنا عز جلاله والله أكبر

стр. 182

أضعاف ما كبره جميع خلقه وكما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجه ربنا جل وعلا قال بهذا أدركت فضل عملك والله الملهم. (الباب الثالث عشر في أمانة الله قال غالب القطان: كنت في جوار الأعمش فسمعته بالليل يقرأ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلما فرغ قال: أنا أشهد مثل هذه الشهادة ومثل ما شهد الله والملائكة وأولو العلم وأستودعها إلى وقت الحاجة الى أن قالها مرارا فقلت في نفسي هذا شيء عجيب فلما أصبحت غدوت إليه فقلت أمله علي قال: لا أملي عليك الى سنة فمكثت سنة ثم ذهبت إليه قال: أنت ههنا قد عرفت حق العلم أخبرني فلان عن فلان عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : من قرأ هذه الآية في التطوع بعد صلاة العشاء يقول الله تعالى يوم القيامة: ملائكتي ان لعبدي عندي عهدا فأنا أولى بإيفاء العهود أدخلوه الجنة فنعم الأمين رب العزة. (الباب الرابع عشر في الاستعاذة) كان النبي ﷺ يتعوذ من ثمان: من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن البخل والجبن، وغلبة الدين، وغلبة

стр. 183

العدو، والهرم وقال: أعوذ بك من الهم والغرق والحرق وأن أموت لديغا وأعوذ بك من المأثم والمغرم وقال: ان الله تعالى يبغض الرجل إذا غرم ولم يوف وحدث فكذب أو وعد فأخلف. كتاب المناظرات وفيه تسعة أبواب (الباب الأول مناظرة الله مع العبيد) يروى ان الله تعالى يخاطب عبده ويقول: ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والابل فيقول: بلى يا رب فيقول: أظننت أنك ملاقيّ فيقول: لا فيقول: اني أنساك كما نسيتني وقال النبي ﷺ : ان الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى تقع عليه الهيبة فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا فيقول: نعم أي رب حتى اذا قرره بذنوبه، ورأى العبد في نفسه أنه قد هلك فيقول اني قد سترتها عليك في الدنيا وقد غفر بها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه وقال الله تعالى وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ يا موسى بن عمران قل لعبادي اعملوا ما شئتم، فان مع اليوم غدا يا عبادي أنتم رفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أضع أنسابكم وأرفع نسبي

стр. 184

أين المتقون، وقال: يا موسى أشكو إليك جفاء عبادي استقرضتهم فلم يقرضوني ودعوتهم فلم يجيبوني وأعطيتهم فلم يشكروني يا ابن آدم خلقتك لتربح عليّ ولم أخلقك لأربح عليك فاتخذني بدلا من كل شيء يا ابن آدم لو يعلم الناس منك ما أعلم لنبذوك ولكن سأغفر لك، ما لم تشرك بي. (الباب الثاني في مناظرة النبي ﷺ مع النصارى) جاء وفد نجران إلى النبي ﷺ وقالوا: إذا لم يكن عيسى ولد الله تعالى فمن أبوه فقال: النبي ﷺ ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيوم على كل شيء، يحفظه ويرزقه قالوا بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل، ولا يشرب ولا يموت قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته وغذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث قالوا بلى قال: فكيف يكون ربنا؟ فسكتوا وانقطعوا. (الباب الثالث في مناظرة الروح) قال ابن عباس ﵄: لم تزل الخصومة دائمة

стр. 185

الى يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فيقول الجسد أي رب خلقتني كالجبة ولم تجعل لي يدا أبطش بها ولا رجلا أمشي بها ولا عينا أبصر بها حتى دخل هذا عليّ كالشهاب فبه نطق لساني وسمعت أذني وأبصرت عيني وبطشت يدي فأحل عليه العذاب ونجني من النار، فتقول الروح يا رب خلقتني كالريح، ولم تجعل لي يدا ولا رجلا وعينا وسمعا فلم أتحرك الا بحركته ولم أسكن الا بسكونه فما ذنبي وما جرمي يا رب أحل عليه العذاب ونجني قال: فيضرب الله تعالى لهما مثلا كالأعمى والمقعد يصطحبان أما الاعمى فلا يبصر والمقعد لا يقدر على المشي فبلغا إلى بستان فجلسا وتشاورا وطلبا حيلة فقال الأعمى أنا لا أبصر فمر أنت وائت بالعنب وقال المقعد: بل مر أنت فإني لا أقدر على المشي، ثم تناظرا وتناصفا وقالا هذا أمر لا يتم بأمر دون الآخر، يا أعمى، قم أنت فارفعني حتى أتسلق الحائط وأقطف العنب فلما توافقا قطعا العنب وأكلاه وقال المقعد: لولا أنت يا أعمى لما أكلت وقال الأعمى لولا أنت لما أكلت فكل واحد، محتاج إلى صاحبه لولا الروح لكان القالب خشبا مسندة ولولا القالب لما كان روح فكل واحد فاعل وعامل من وجه فيكون الخطاب والثواب والعقاب لهما جميعا فافهم واعلم.

стр. 186

(الباب الرابع في مناظرة إبليس لعنه الله) في الخبر أنه جاء إبليس الى النبي ﷺ وهو شيخ أعور كوسج ليس في وجهه غير تسع شعرات مشقوق طولا بخلاف الآدمي وله نابان خارجان، فقال النبي ﷺ : من أبغض الناس إليك؟ قال: أنت يا محمد قال: ثم من؟ قال: شاب تقي قال: ثم من؟ قال: عالم ورع قال: ثم من؟ قال: سلطان عادل والمقيم على الطهارة قال: ما تقول في أبي بكر؟ قال: لم يطعني في الجاهلية بكذبة فكيف في الاسلام، قال: فمن ضيفك من أمتي؟ قال: مبغض أبي بكر وعمر قال: فمن خازنك؟ قال: مانع الزكاة قال: فمن خليلك؟ قال: آكل الربا قال: فمن جليسك؟ قال: تارك الصلاة قال: فمن ضجيعك؟ قال: السكران والسارق قال: فمن صهرك؟ قال: الزاني قال: فمن رسولك؟ قال: الساحر قال: فمن قرة عينك؟ قال: الذي يحلف بالطلاق قال: فما يكسر ظهرك؟ قال: صهيل الفرس في سبيل الله قال: فما يذيب جسمك؟ قال: توبة التائب قال: فما يخزى وجهك؟ قال: صدقة السر قال: فما يطمس عينك؟ قال: صلاة السحر قال: فأي الناس أشقى عندك؟ قال: الاسخياء، والقدرية اخواني والأكراد والأعجام يعملون ما أحب من غير تعب والعلماء والفقهاء يغلبونا مرة ونغلبهم أخرى واني نصحت نوحا فأمره الله

стр. 187

تعالى أن يعمل بنصيحتي فقلت له: إياك والعجلة فان قابيل عجل قتل هابيل، فأصبح من النادمين وإياك والعجب فاني أول من أعجب بنفسه وإياك والحسد، فإني أول من حسد وإياك والكذب فاني أول من حلف بالله كاذبا، ثم قال: والذي بعثك بالحق اني ألعب بثلثي أمتك كما تلعب الصبيان بالاكرة، ثم قال: ما حبائلك؟ قال: النساء، قال: وأين بيتك؟ قال: الحمامات قال: وأين مسكنك؟ قال: الأسواق قال: وما قرآنك؟ قال: الشعر والهجاء قال: وما غناؤك؟ قال: الاوتار والعود والطنبور، قال: ومن رسولك؟ قال: الكهان والمنجمون قال: ومن أمتك؟ قال: الشياطين ثم قال رسول الله ﷺ : هل لك أن تتوب يا أبا مرة وأضمن لك الجنة؟ قال: لو أراد مني التوبة لتبت ولكن قضاؤه غلب توبتي. (الباب الخامس في مناظرة أهل القبور مع أهل القصور) واعلموا أنهم مناظرون أهل القصور بلسان الحال ولسان الحال أعدل من لسان المقال فيقولون يا أهل القصور لا تنسوا أهل القبور وارحموا ضعفنا ومسكنتنا، يا معشر الاخوان ارحمونا يرحمكم الله فقد أكلنا التراب وقد سالت العيون وتفرقت الخدود وتمزقت القدود مساكين أهل القبور عن يمينهم التراب وعن يسارهم التراب ومن خلفهم التراب ومن

стр. 188

أمامهم التراب، كنا أهل القصور فصرنا أهل القبور كنا أهل النعمة، فصرنا أهل الوحشة والمحنة قد سالت العيون وصدئت الجفون وانقطعت الاوصال وبطلت الآمال. صار الضحك بكاء والصحة داء والبقاء فناء والشهوة حسرات والتبعات زفرات فما بيدنا إلا البكاء والحسرات نفدت الأعمار وبقيت الأوزار، هيهات هيهات ولات حين مناص حسرتنا أن ندرك وقتا نصلي فيه ركعتين ولا نقدر وأنتم تقدرون فاغتنموا معشر اخواننا نحن قوم محرومون وحيل بينهم وبين ما يشتهون فاذكرونا بالخير وواسونا بالصدقة فانا مساكين وأنتم أغنياء ميامين مساكين أهل القبور ما أشد بلاءهم وأعظم حسراتهم، لنا الويل الطويل والحسرة والزفير وأنتم تفعلون ما تشتهون ونحن كما قال الله تعالى وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ، يا معشر الاصحاب الغياث من التراب، وان نمنا فعلى التراب، وإن استيقظنا فعلى التراب، وان اضطجعنا فعلى التراب، على اليمين تراب، وعلى الشمال تراب، واحسرتاه من التراب، وا وحدتاه من التراب، فكم من حسرة تحت التراب يا حسرة ما أكاد أحملها آخرها مزعج وأولها لنا ما قدمنا وعلينا ما خلفنا تبا للجاه والمال، وتعسا للدنيا وسوء الحال.

стр. 189

أنوح على نفسي وأبكي خطيئة ... نقود خطايا يا أثقلت مني الظهرا فيا لذة كانت قليلا بقاؤها ... ويا حسرة دامت ولم تبق لي عذرا غيره اني أرى هذه الدنيا وزخرفها ... خضاب غانية أو حلم وسنان غيره وان امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور غيره اني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وان حرصت غرور غيره ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب غيره عجبا عجبت لغفلة الانسان ... قطع الحياة بغرة وتوان

стр. 190

فكرت في الدنيا فكانت منزلا ... عندي كبعض منازل الركبان أبغي الكثير على الكثير تضاعفا ... ولو اقتصرت على القليل كفاني مجرى جميع الخلق فيها واحد ... وكثيرها وقليلها سيان لله در الوارثين كأنني ... بأخصهم متبرم بمكاني يا معشر الاخوان لا تنسونا من الدعاء والصدقة فكنا زمانا أحياء بمنزلتكم فصرنا أسراء تحت صدقتكم اخبرونا كيف أيتامنا، انشدكم الله كيف آباؤنا وأبناؤنا كيف معارفنا وأصدقاؤنا أين الآباء والاخوان أين الاصدقاء والولدان. أبكي فراقهم عيني وأرقها ... ان التفرق للاحباب بكاء أخبرونا ما حال أزواجنا وما عاقبة أصدقائنا وما عاقبة أموالنا ارحموا أيتامنا وأعطفوا على أطفالنا، هيهات أن يرجع ما قد فات يا أيها المغرور بزهرة الدنيا وسلامة الوقت هلا اعتبرت بتغير الازمان وموت الاخوان هذا والله غاية الظلم والعدوان أصحاب القصور ابكوا علينا يا مالك ليقض

стр. 191

علينا ربك اشتقنا الى أولادنا وسئمنا طول مقامنا وطال حسابنا وعذابنا فما هذه العلل وحتام هذا المهل، يا أهل القصور الأعمال قد انقطعت والحسرات قد بقيت والاموال قد فنيت والازواج قد نكحت والدور قد خربت، فيا أهل القصور: الاعتبار الاعتبار، ويا أهل الدور: الاعتذار، الاعتذار، كل يوم يأتينا خطاب الجبار كيف أنتم يا عبادي كيف أنتم أيها المحبوسون، كيف أنتم يا أهل القبور والسجون أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة. (دخل أمير المؤمنين ﵁ المقبرة) وقال: السلام عليكم ان دياركم قد سكنت، وإن أزواجكم قد نكحت وأموالكم قد قسمت هذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم فهتف به هاتف: عليكم السلام يا ابن أبي طالب خبرنا ما عملنا ربحنا وما قدمنا وجدنا وما خلفنا خسرنا، فأقبل علي على أصحابه وقال: يا أصحابي تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ. (الباب السادس في مناظرة الاغنياء مع الفقراء ومناظرة الفقراء مع الاغنياء) وطالت مناظرتهم فقال الفقراء: نحن أفضل منكم فإن محمدا ﷺ اختار الفقر على الغنى وقال الاغنياء: بل نحن

стр. 192

أفضل منكم فان الغني صفة الرب والله الغني وأنتم الفقراء قال الفقراء: نحن أفضل فان حسابنا أقل ومن قل شيئه قل حسابه ومن كثر شيئه كثر حسابه ومن طال حسابه طال عذابه ومن نوقش الحساب عذب على قدر جرم الفيل تبنى قوائمه وقال الاغنياء: بل نحن أفضل لان صدقاتنا وزكواتنا أكثر فيكون ثوابنا أكثر قال الفقراء يموت أحدنا وحاجته في صدره ولم تقض ويموت أحدكم وقد قضى منها وطرا فكيف يستويان يقال لكم أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قال الاغنياء: لا تتهيأ لكم شرائع الاسلام والايمان فلا تحجون ولا تزكون ولنا فضول أموال نحج ونزكي ونغزوا والحسنة بعشر أمثالها وويل لمن غلبت آحاده عشراته فنحن أفضل منكم فقال: الفقراء إذا لم يجب علينا لا نطالب بقضائها وأدائها وأما أنتم فتسألون عن كل ذرة وحبة حرفا حرفا، وتحاسبون ألفا ألفا، وقد قال النبي ﷺ : لا تزول قدما عبد عن الصراط حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه فنحن أفضل منكم فقال الاغنياء: نحن أفضل منكم نشتري بالمال الاسرى ونتصدق على المساكين ونسر المسلمين والمال سبب لادخال السرور على الاخ المؤمن، قال الفقراء: ان كنتم اكتسبتم بها الاجر والثواب وإدخال السرور فأنا قد استفدنا بالفقر

стр. 193

الراحة والقناعة وقلة الهم والغم، فإن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن والرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن قال الأغنياء: المال عدة الزمان وعدة الانسان والغنى قرة العين به يتقرب العبد إلى طاعة الله تعالى والنفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت واما الفقير فحي كميت لا عيش له ولا قرار، قال الفقراء: عرفتم شيئا وغابت عنكم أشياء فإن المال سبب الحرص والحسد والكبر والعجب والفتنة والخصومة وأهل الدنيا يتقاتلون عليها ويتناحرون وهذه الآفات بمنزلة العقارب والحيات، فمن سلم من الحيات لدغته العقارب وأما الفقراء فلا حرص ولا حسد ولا كبر ولا عجب طرحوا وفرحوا قال الاغنياء: أخطأتم شتان بين من قدر فترك وبين من لا يقدر فيعجز فأنتم أصحاب العجز ونحن أصحاب القدرة فكيف يتفقان انا وجدنا الاموال واشترينا بها الجنان والثواب وعجزتم عن ذلك فانظروا إلى هذا البيان والبرهان قال الفقراء: المال روح الدنيا والدنيا يبغضها الله أما الفقر فهو غنى والغنى يحبه الله فإن الله موجود حقيقي ومن سواه فموجود مجازي قال الاغنياء: تأملوا ما تقولون فخلق المال من حكمة الله وتخصيص المال من كرامة الله قال الفقراء: إن فرعون كان من الاغنياء المسرفين فهو عند الله من الكافرين وكم من كافر منعم عليه وكم من مؤمن مقتر عليه قال

стр. 194

الاغنياء: هذا القياس ينتقض ولا يصح إلا بقياس فإن سليمان كان من المرسلين وقد ملك الدنيا سنين وهذا داود كان له ثلاثة وثلاثون ألف حارس وكراسي من ذهب وفضة وهذا عثمان وعبد الرحمن وغيرهما، قال الفقراء: القياس صحيح فإن المال كان لهم ولم يكونوا هم للاموال فشتان بين من يكون للمال وبين من يملك المال قال الاغنياء: أهل الجنة أغنياء فرحون وإنهم على أطيب عيش وأعدل حال وأهل النار فقراء مغمومون فنحن أفضل، قال الفقراء: امسكوا فإن آلة المعصية ما أطغى وما أبغى ولم يتبع الهوى الا كل ذي مال وأما الفقراء فحسبهم الخمول والسكون يطيعون ربهم شاؤا أم أبوا قال الاغنياء: غلطتم فإن التقوى مركوزة في طباع المرء أفتقر أو استغنى قال الفقراء: أتسلمون لنا أن قلب المرء مع ماله فالغني قط لا يحب الموت ويكره مفارقة الدنيا وأما الفقير فلم ير خيرا إلا من ربه فيقدم عليه كالغائب. غدا نلقى الاحبة محمدا وحزبه. والفقير قلبه الى ربه فشتان بين من يميل الى ربه وبين من يميل الى الدنيا فلما أورد على الاغنياء هذه الحجة كادوا أن يتقطعوا فقالوا: لا نسلم هذا هواجس وترهات دسائس بل الغني صفة الرب والله الغني وقال رسول الله ﷺ : من تخلق بخلق من أخلاق الله أو كما قال ونحن أفضل فصاحوا وتهارشوا وقالوا أما غنى

стр. 195

الرب فوصف ذاتي لا يتعدد ولا يتبدل هو واجب الوجود غني بذاته لا بالمال والحال وغناكم عرضي، يزول في حال فهذا قياس الملائكة بالحدادين فتحاكموا الى قاضي العقل فنظر واعتبر وطول وهول ثم قال قد تحيرت فيما بينكم إن قلت الفقر أفضل فيناديني الشرع كاد الفقر أن يكون كفرا وإن قلت الغنى أفضل سمعت القرآن أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ فبعثوا رسولا الى النبي ﷺ في مأثور الأخبار ان الفقراء شكوا إلى رسول الله ﷺ الاغنياء وقالوا فازوا بخيري الدنيا والآخرة يزكون ويتصدقون ويحجون ويغزون ولهم فضول أموال ينفقونها ولا نجد شيئا فحالنا أفضل أم حالهم فرحب النبي ﷺ برسول الفقراء وقال جئت من عند أكرم قوم على الله قل لهم ان من صبر على الفقر لأجل الله يكون له ثلاث خصال لا تكون لأحد من الاغنياء إحداها أن في الجنة قصورا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ولا يسكنها الا الانبياء والفقراء والشهداء، والثانية أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام، والثالثة إذا قال الفقير مرة واحدة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ويقول الغني مثل ذلك فلا يبلغ درجة الفقراء أبدا فقالت الفقراء رضينا فهذه مناظرة الفقراء مع الاغنياء ولا شك ولا خفاء أن الفقراء

стр. 196

أفضل من الأغنياء قطعا. (الباب السابع في مناظرة العافية مع النعمة) قالت العافية أنا أفضل فليس لي نظير في الدنيا كل أحد يحتاج إلي وأنا لا أحتاج إلى أحد، وأنا التي قالوا في حقي لو سألت من الله شيئا ما سألت سوى العافية وأنا التي قال رسول الله ﷺ : سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة، قالت النعمة: كل من أصبح في عالم الله يطلبني ويذكرني الناس في المحاريب والمنابر يقولون نسألك الغنى عن الناس قالت العافية: كل العالمين يسألون من الله العافية، فقالت النعمة: ولكنهم يسألون الغنى عن الناس قالت العافية: إذا حضرت في موضع جاء الملك او الرياسة أجابت النعمة: إذا حضرت فقد جاء الفرح والسيادة قالت العافية: لا تتهيأ أمور الخلق الا. معي فقالت النعمة: أنا أكون معك ثم قالت النعمة: والله الغني وأنتم الفقراء ولا يقال والله صاحب العافية فبهتت العافية ثم قالت: تضرب في حديد بارد غنى الله صفة ذاته وهي قديمة وأنت محدثة فالمشاركة في الاسماء لا يوجب المشاركة في المعاني وخصي يفتخر بزب مولاه فمن أنت وهذه الدعوى ثم قالت العافية: ان كان يقنعك التعلق بالأسماء فأنا الذي لا عيب لي ولا قدح في والله بريء من

стр. 197

العيوب، فقالت النعمة: ان صحبت واحدا ألف سنة فما لم أحضر لا يطيب عيشكما ان الجنة تطيب بحضوري وشهودي فقالت العافية: ان الحياة لا تطيب إلا معي وبي فأطنبا الكلام وأطالا المقام فتحاكما الى قاضي العقل الذي لا يحيف فقضى بينهما وقال: أنتما اخوان ورضيعا لبان وفرسا رهان لا يستغني أحدكما عن الآخر فيا صاحب العافية لك البشرى ويا صاحب النعمة لا تقل بشرى ولكن بشريان. (الباب الثامن في مناظرة السخاء والبخل) وتناظرا يوما فقال البخل: أنا أفضل فإني سبب الغنى وأنت سبب الفقر فصاحبي يمسكني فيصبح غنيا وصاحبك ينفقك فيصبح فقيرا فأنا قوة القلب وأنا حارس العرض وأنا قائد الغنى وبشير العلا وسائق الجيش وأنا أورث المال والفرج وأحفظ البيوت والدنيا وأغنى عن القرض وأذب عن العرض وأغنى عن الناس والغنى عن الناس هو الغنيمة العظمى والدولة الكبرى وأنا وأنا؛ واحتج عليه السخاء فقال: يا فل ابن فل يا ملوما بكل لسان يا مذموما عند كل إنسان أتتكلم في هذا الزمان أما تستحي يا ابن الزانية والزاني وأنا ممدوح بكل لسان محمود عند كل إنسان أنا سبب المحبة أنا سبب الذكر الجميل أنا ساتر العيوب أنا الذي اذا عثرت

стр. 198

أخذ بيدي ربي أنا الذي يشار إليّ بالاصابع أنا الذي يحبني كل أحد أنا أنفع في الدنيا والآخرة أنا الذي وجودي للمنفعة وأنت الذي وجودك للمضرة والله جواد كريم وإبليس شحيح بخيل وكل سخي في الجنة وكل بخيل في النار وأنا شجرة في الجنة وأنت شجرة في النار وأنا قريب من الله وأنت بعيد من الله قريب إلى النار وأنا يحبني كل أحد وأنت يبغضك كل أحد وأنا أكون مع المؤمنين وأنت تصبح مع الكافرين ولي منشور توقيعه هذا دين أرتضيه لنفسي ولن يصلحه الا السخاء ولك منشور توقيعه سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وأنا مع الانبياء وكل نبي وولي سخي وأنت مع اليهود والنصارى. فلما حاجّة بهذه الدلائل فكأنه ألقمه الحجر فهرب البخل إلى ديار الكفر خجلا وجلا نادما سادما منقطعا فأمر الشرع حتى ينادي ألا فاسمعوا وعوا خلق الله الايمان وحفه بالسخاء وخلق الكفر وحفه بالبخل والبخل دهليز الكفر كما أن الرفض دهليز الالحاد والطعن في الصحابة قاعدة الزندقة ومسألة قتل الحسين شجرة الفتنة وكل سخي فيه شعب وخصال من الايمان وكل بخيل فيه خصلة من الكفر فإن قلت حاتم كان سخيا وكان من الكافرين فأقول حاتم قد نفعه السخاء فورب السماء قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم: ان الله تعالى أمر أن يبنى بيت في

стр. 199

النار من الطين لأجل أبيك ظاهره عذاب وباطنة راحة جزاء على سخاوته فالقاعدة صحيحة فافهم ذلك. (الباب التاسع في مناظرة الدولة مع العقل) إعلم أن الدولة سماوية والعقل رباني ولا حظ للعقل بدون الدولة، والدولة قد تصحب من لا عقل له فإذا أقبلت الدولة أعطته محاسن غيره وإذا أدبرت الدولة سلبته محاسن نفسه فمن أقبلت عليه الدولة يصير خطأه صوابا وكذبه يعد صدقا ويجتني من الشجرة اليابسة ثمرا وتبيض الدجاجة على رأس الوتد فإذا أدبرت فقد جاءت المحن والفاقة بحيث لا طاقة له. في الاثر: لما نزل الايمان من السماء استقبلته جميع الطاعات فيقول كل انزل في بيتي فقال أنا أعرف بيتي فنزل في دار السخاء، وكل سخي صاحب إيمان أو فيه خصلة منه ولما نزل الكفر استقبلته جميع المعاصي فقال كل انزل بنا، فقال أنا أعرف بمكاني منكم ثم نزل في بيت البخلاء فلهذا قيل البخل أخو الكفر، وتناظر العقل والدولة فقال العقل: معي الخطاب وقالت الدولة: لعيش معي وفي ناصيتي الجد والبخت، فقال العقل: بني الاسلام على أساسي فقالت الدولة: بقاء الدين والدنيا في ناصيتي فقال العقل: وقع على منشوري بك أخاطب وبك آمر، فقالت الدولة: وأعطاني تشريفا بقوله وتلك الأيام تداولها بين الناس فقال العقل

стр. 200

أنا حجة الله فقالت الدولة: أنا عطاء الله فقال العقل: أنا أصحب الانبياء فقالت الدولة: ولا أخلو عن صحبتهم قال العقل: فمن عدمني فمثل البهيمة، فقالت الدولة: من عدمني فهو حي كميت فقال العقل: لقد ذكرني الله في القرآن بقوله: فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ لمن كان له قلب أي عقل فقالت الدولة: اسمي في القرآن دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وقوله تعالى: نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ فقال العقل: الدولة تفاقات حسنة فقالت الدولة: هذا من كلام الفلاسفة أنا عطية الله وهدية الله قالت الدولة للعقل: أنت صاحب الحرمان لأن عقل الرجل محسوب من جملة رزقه وأنا صاحب النعمة والكرامة، يا عقل أنت صاحب الهموم والأحزان فإنه ما رؤى عاقل مسرورا، فقال: يا دولة عرفت شيئا وغابت عنك أشياء لا تعيرني بامارة خمسة أيام فالدنيا لعب ولهو والولاية وراءها العدل فقالت الدولة: أنا أجعل الخسيس شريفا والفقير غنيا وإذا حضرت وكشفت البرقع فملوك العالم يتبعوني ويعطلون التخوت والسرر، فقال العقل: أنت تجالسين الكفار فإن القرين بالقرين يقتدي، فقالت الدولة: أتشركني في العقل وتفردني باللائمة فقال عقل الملوك: صحبت أياما مع فرعون فأخرت عنه

стр. 201

الصداع والعذاب أربعمائة سنة وصحبت أيام حاتم الطائي فبنيت له بيتا في النار باطنه الرحمة وأنا القوال الفعال وأنا لا أخطىء وما ضاع عرف بين الله والناس فطال بينهما القيل والقال فتحاكما إلى سليمان النبي ﵊، فقال: وحق الله لأفصلن بينكما بحكم الله لا يحسن أحدكما إلا مع الآخر رب هب لي ملكا، فإن العقل لا يطيب الا مع الدولة فمثالكما مثال الروح والنفس لا يحسن أحدهما إلا مع الآخر يا عقل إذا لم تكن مع الرجل فآخرته خراب ويا دولة ان لم تكوني مع الرجل فدنياه مكدرة ومن كل شيء خلقنا زوجين ان ازدواجكما لحسن وإن اجتماعكما لغاية النظام والتمام والفرد هو الله فلم ينطاعا له وتطاولا وتناغصا فحلفت الدولة أنها لا تسكن الارض ولا تحصل بكسب الآدمي فذهبت الى السماء فالدولة سماوية والعقل نور رباني فهذه مناظرتهما ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. كتاب معرفة الجواهر وفيه ثلاثة أبواب (الباب الاول في معادنها) معدن الياقوت في جبال المشرق في عين الشمس ومعدن الزبرجد جبال المشرق ومعدن اللعا جبال خراسان ومعدن الماس بئر استخرج منه حمل بالحيلة بوادي عين الشمس

стр. 202

ومعدن المغناطيس ساحل بحر الهند ومعدن اللآلىء البحر ومعدن الفيروزج يتغير بتغير الهواء ويتكدر بكدورة الهواء والقطران والزرنيخ والكبريت لها معادن. (الباب الثاني في خاصيتها) إعلم أن أشرف الجواهر وأكرمها الياقوت وهو على أنواع أبيض وأصفر، وأزرق، ورماني وطبع الياقوت حار يابس وخاصيته أن كل جوهر ينماع ويذوب في النار سوى الياقوت فإنه لا تعمل النار فيه وكلما كان في النار أطول يكون لونه حسن وإذا جعل في الفرج يذهب السوداء ويزيد في الحرارة وإذا استصحب الياقوت ووصل إلى بلدة فيها وباء لا يضره الوباء بإذن الله تعالى وخاصة أخرى لا يعمل فيه شيء سوى الماس. (فصل) والزبرجد والزمرد نوع واحد وإنما العوام يسمونه بإسمين وطبعه بارد رطب ومعدنه جبال المشرق واختلفوا في عينه فقيل إنه بخار الذهب يتصعد من المعدن فإذا كثر ذلك يتحجر وله خاصية واحدة في دفع السموم فإذا سم إنسان، فيؤخذ شعيرة منه تسحق ويسقى المسموم يخرج السم من أعضائه، وإذا جعل الزمرد حذاء عين الافعى تنشق عيناها بإذن الله تعالى وخاصية أخرى لو لدغ العقرب أو الزنبور إنسانا فيؤخذ الزبرجد ويسحق مع

стр. 203

الرائب ويطلى عليه، فيجذب السم بإذن الله تعالى. (فصل في خاصية اللآلىء) إذا بلغت الشمس رأس الحمل وبلغ نيسان يخرج الصدف من البحر المحيط الى بحر عمان ويفتح فاه وتجذب قطرات المطر إلى فيها، ثم يغيب أربعين يوما حتى تبلغ الشمس الجوزاء فتخرج وتدور مع الشمس تذهب وتجيء الى إستكمال أربعين يوما فتصير القطرات في جوفها لآلىء بإذن الله تعالى ومن كان به بهق فيأخذ اللآلىء ويسحقها مع الخل ويطلي على البهق يبرأ بإذن الله تعالى، فتفكروا معشر الأمراء والعلماء في الفيروزج يصفو بصفاء الهواء ويتكدر بكدورة الهواء، فإن كان الهواء صافيا فيكون لونه صافيا وإن كان كدرا فيكون لونه كدرا ذلك تقدير العزيز العليم، فإن تغير الهواء في الساعة مائة مرة يتغير الفيروزج ومتى لقي الدهن يلين ويصفو ولو بقي عشرة أيام في الدهن يزيد وزنه. (خاصية الفيروزج) من أصبح من النوم ووقعت عينه على الفيروزج لا يرى في يومه إلا الفرح والسرور ولا يغتم في ذلك اليوم والحكماء يسمونه المفرح. (خاصية أخرى) من استصحبه إذا نام لا يرى رؤيا مخوفة وإذا استعمل في الاكحال يزيد في نور البصر. (في خاصية البادزهر) وهو على أنواع أصفر، وأبيض ومعدنه جبال خراسان وخاصيته أن يدفع السموم إذا سحق مع الرائب

стр. 204

وسقي المسموم لان السم يقصد دم القلب المعقود فيحلله. (وخاصية أخرى) يطلى على الملدوغ بعد ما يسحق مع الرائب. (فصل في خاصية الماس) هو حجر ليس في عالم الله شيء يكسره سوى الآنك فإن الله تعالى جعل كل عزيز مقهورا بذليل خسيس وكل قوي أسيرا بضعيف وأول من استخرج الماس من معدنه اسكندر في حالة اجتيازه إلى المشرق فنزل بوادي عين الشمس وفيه حيات وعقارب وفيه حية عظيمة ارتعد عسكر الاسكندر من هيئتها فعمل مرآة مثل المجن، وجعلها على رأس رمح ووقفه على مقابلة الحية فلما نظرت الحية إلى نفسها ماتت مكانها، ثم ضرب فيها النار ثم بلغ إلى شفير البئر وأرسل الحبال والاطناب فاسترسل في البئر زهاء على خمسة آلاف ذراع ولم يبلغ إلى قعرها ثم جوّع النسور أياما وشوى الاغنام والقاها في البئر بين أيديهن وكانت النسور تدخل وتخرج الشياه من البئر فيلصق بلحومهن شيء مثل النشادر فأقام هناك شهرا حتى استخرج منها وقرا والذي هو في العالم اليوم وقر واحد. (فصل) وحجر المغناطيس حار يابس في بحر الهند ومتى مرت سفينة في بحر الهند مقابل الجبل على عشرة فراسخ يتناثر الحديد والمسامير التي في السفينة ويطير منه مثل الطير، وقيل إنه يقلع النعل من حافر الفرس وخاصيته إذا وقف الحديد في

стр. 205

مقابلته يضرب الحديد ويمشي وان طلي بالثوم تبطل خاصيته ولا يجذب الحديد، انظر الى صنع الله العجيب فإذا غسل بالخل أو بالدم تعود خاصيته ولو سحق وطلي على السموم يجذب السم ولو انحبس النبل والحديد في جراحه ولم يخرج فيوقف على مقابلته يخرج النصل والحديد. (فصل) وحقيقة البلور ما يتحجر في تموز بإذن الله تعالى كما ان الملح في شهر تموز ينحل بإذن الله تعالى وإذا جعل مثل الأكرة ويقابل به الشمس ويوقف القطن مقابل ذلك ينعكس الشعاع عليه فيقع الحريق في القطن ويحترق. (الباب الثالث في خير ذخائر الملوك) واختلف الملوك في خير ما يقتنيه المرء فمن قائل كنوز الذهب والفضة فقيل ان في ذلك صيانة العرض وقضاء الحقوق وصلة الرحم، ومعونة على المعيشة غير أنهما حجران ان أمسكا بطل نفعهما، وقال بعض الملوك خير الذخائر الضياع، وقال بعضهم صولة العدو غير مأمونة وأصحابها رهائن لها لا يستطيعون أن يزيلوها وقال آخرون الغنم فإنها كثيرة الدر لخلالها وأوصافها غير أنها تقبل مع الخصب وتدبر مع الجدب وقال بعض الملوك الابل فإنها لتؤدي رحالك وتحمل أثقالك أنسالها مال وألبانها عصمة غير أن ربها ان

стр. 206

حضرها شم بها، وإن غاب عنها ضيعها وقال بعض الملوك الخيل فإنها حصون عند البلاء وزينة في حال السراء لكنها عيال ومال يحتاج الى مال، وقال بعض الملوك خيرها الجواهر فقيل إنها رزينة الأثمان ثقيلة المحمل لا تتغير في طباعها غير أن عليها لاعدائك عيونا وصيتا يضر انتشاره عنك لانفاق لها الا على الملوك تكسد بكسادهم وتنفق بنفاقهم وقال بعض الملوك خير الذخائر الرقيق قوة العضد وزيادة في العدد غير انهم مال يأكل بعضهم بعضا، ثم يعود آخره حرصا إن أحسنت إليهم استنقذوك وان قصرت بهم حاربوك فلما أفسد هذه القواعد والاقوال قالوا: أفدنا قال: خير القنية العلم واعتقاد الاخوان الصالحين. كتاب الأقاليم وفيه أربعة أبواب (الباب الأول في أقاليم الارض) أعلم أن الارض من مشرقها إلى مغربها سبع أقاليم منها سبعمائة فرسخ عامر فالأول اقليم الهند والثاني اقليم الحجاز والثالث اقليم البصرة، والرابع اقليم العراق والشام الى نهر بلخ والخامس الروم ونواحي ارمينية والسادس يأجوج ومأجوج، والسابع نواحي الصين والترك، وقيل عمر الدنيا

стр. 207

سبعة آلاف سنة وقيل خمسون وقال بعضهم الاقليم يبتدىء من المشرق الى أقصى بلاد الصين مما يلي الجنوب وفيه مدينة ملك الصين ثم تمر على سواحل البحر والجنوب من بلاد السند وتقطع البحر الى جزيرة العرب ومدائنه المعروفة ظفار وعمان وحضرموت وعدن وصنعاء وما وراء تبالة وجرش وسيناء، ثم يقطع الاقليم القلزم فيمر في بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر ومدينة نوبة وينتهي الى بحر المغرب عرضه مسافة أربعمائة وأربعون ميلا. (الاقليم الثاني) ابتداؤه من المشرق، فيمر على بلاد الصين ثم يمر على بلاد الهند وفيه المنصورة والدمل وتمر في بحر البصرة وتقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة ومدائنها اليمامة والبحرين أو الطائف ومكة وجدة ومدينة الرسول ﷺ ثم تقطع بحر القلزم وتمر بصعيد مصر فتقطع النيل ومدائنها قوص واخميم واسوان وتمر في أرض المغرب على وسط افريقية إلى بحر المغرب ومسافة عرضه أربعمائة ميل. (الأقليم الثالث) يبتدىء من المشرق فيمر على شمال الصين ثم يمر على بلاد الهند وفيه مدينة العبد هار ثم يمر على كابل ومكران وسبحستان وجيرفت وشركان، ثم على سواحل بحر البصرة ومدينة اصطخر وخوزستان وشيراز وشيران وحسانة ويمر بكور الأهواز والعراق ومدائنها بصرة وواسط وبغداد والكوفة وهيت

стр. 208

حتى يمر على بلاد الشام ومدائنها الكبار سلمية وحمص ودمشق وصور وعكة وطبرية وقيسارية وأسوف وبيت المقدس ورملة وعسقلان وغزة والمدائن وقلزم ثم يقطع أرض مصر وفيه الفرما ودمياط وفسطاط ومصر والفيوم والاسكندرية ويمر على بلاد أفريقية ومدائنها قيروان وينتهي الى نحو المغرب عرضه ثلاثمائة وخمسون ميلا. (الاقليم الرابع) يبتدىء من المشرق فيمر ببلاد الست وخراسان ومدائنها فرغانة وحجيل وأشروسنة وسمرقند وبخارى وبلخ وأبو وهرة ومرو ومروزوذ وسرخس وطرمس ونيسابور وفرمس ودباوندوري وقزوين وأصفهان وقم وهمدان ونهاوند ودينوه وحلوان وشهرزور وسر من رأى وموصل ونصيبين وآمد ورأس العين والحرار والرقة وقرقيسيا يمر على شمال الشام ومدائنها لس وسميشاط وملطية ووادي بطن وحلب وانطاكية وطرابلس ومصيصة والكسة السوداء وأدنة وطرطوس ولاذقية وعمورية ثم يمر في بحر الشام وينتهي الى بحر المغرب عرضه ثلاثمائة ميل. (الاقليم الخامس) يبتدىء من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج ثم من بلاد خراسان ومدائنها الطراز وتبوكيد واسيجب وشاش وطرايند وخوارزم وذهبان وجرجان وطبرستان والديلم والاذربيجان وبردعة وشروان وأردن واخلاط ويمر في بلاد الروم على الرومية الكبيرة

стр. 209

وبلاد الاندلس وينتهي الى بحر المغرب وعرضه مائتان وخمسة وخمسون ميلا. (الاقليم السادس) يبتدىء من المشرق ويمر على يأجوج ومأجوج ثم يمر على الحوز فيقطع وسط بحر طبرستان إلى بلاد الروم فيمر على جوزران وأماسيار هرقلة وحلفيذون وقسطنطينية وبلاد برحان فعرضه مائتان وعشرة أميال. (الاقليم السابع) يبتدىء من المشرق من شمال يأجوج ومأجوج ويمر على بلاد الترك ثم على سواحل بحر طبرستان مما يلي الشمال ثم يقطع خليج الروم المتصل ببحر طبرستان فيمر ببلاد بلحسان والصقالبة وينتهي الى بحر المغرب، عرضه مائة وخمسة وثلاثون ميلا فهذا موضع العمران الذي وصل إليه الناس من كل مكان واقليم العراق خلاصة الاقاليم واعتدل ماؤها وهواؤها، وسلم أهلها من شقرة الروم وسواد الحبشة وفي الاتراك غلظة وخشونة وفي أهل الصين دمامة وقال قتادة مسافة الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ فاثنا عشر ألف فرسخ للهند وثمانية آلاف فرسخ للروم وثلاثة آلاف فرسخ للترك وألف فرسخ للعرب والله تعالى أعلم. (الباب الثاني في هيئة الأرض) قال قائلون الأرض كرة مدوّرة وقال آخرون مسطحة

стр. 210

وأصحها أن الأرض مدوّرة مسيرة خمسمائة عام كأنها نصف كرة مدوّرة فيكون سطحها أرفع ولذلك كانت الجزيرة التي وسط الارض أعلى الارض وأقطارها أعمق وعمق ذلك سبعة آلاف ميل وستمائة وثلاثون ميلا يحيط به البحر الأعظم المسمى أو قيانوس فيه ماء غليظ متين لا يجري فيه المركب وحول هذا البحر جبل قاف خلق من زمرد أخضر وسماء الدنيا مقبية عليه ومنه خضرتها وهذه الأرض قد عمرت من ناحية المشرق الى قريب من نصفها والنصف الآخر مقسوم بنصفين فأحد الربعين يقابل القطب الجنوبي الذي يدور حول سهيل وهذا الربع خراب لا يسكنه خلق ولا يصبر على شدة حرّه أحد والربع الآخر يقابل القطب الشمالي يدور حوله بنات نعش والخلائق كلهم في هذا الربع وهي كالمثلثة لأنها ربع الدائرة والقطبان للفلك كأنهما محوران لدائرة الفلك تدويرتها الثانية أعظم من الاولى وأوسع ويحيط من حولها البحر وحول ذلك البحر جبل قاف الثاني محيط به السماء الثانية مقبية عليه والأرض الثالثة أسفل من الثانية بخمسمائة عام والبحر الثالث محيط بها والسماء الثالثة مقبية عليه وعلى هذا صفة الأرضين السبع فأوسع الأرض سفلاهن وأوسع السماء أعلاهن خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ.

стр. 211

(الباب الثالث في أحكم بناء في الدنيا) قيل قصر غمدان في الحصانة بصنعاء اليمن وقيل قبة أزدشير وسط فارس عظيمة مشرفة على البلاد بنيت بالحجارة الصخرة منها نحو ألف من وقيل حصن بيماس الشام والحجاز بناه سليمان ﵊ بالحجارة والكلس وقيل بناء اهرام مصر بنيت قبل الطوفان وفي ناحية صعيد مصر اهرام كثيرة بالحجارة، على رؤوس الجبال بناها الأوائل وجعلوا هرمين منها أرفعها كل هرم منها أربعمائة ذراع طولا في أربعمائة عرضا في سمكها ارتفاعا في الهواء؛ غلظ كل حجر طوله وعرضه اثنا عشر ذراعا الى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر منقور عليه اني بنيتها فمن كان يدعي قوّة في ملكه فليهدمها فان الهدم أيسر من البناء وبعض الخلفاء أراد هدمها فإذا خراج الدنيا لا يقوم به فتركها قال أبو معشر المنجم: بناها الأوائل ليعتصموا بها عن الطوفان والماء ويزعم اخوانه ان الطوفان لم يبلغ إليها فكذبوا قاتلهم الله فإن الله سبحانه لا يعجزه شيء في السموات والارض فله القدرة القاهرة تعالى الله علوّا كبيرا. (الباب الرابع في أطيب البلاد وأنزهها) قال النبي ﷺ البلاد بلاد الله فكل بلدة وجدت فيها

стр. 212

خيرا فأقم، وقال، الاطباء: أطيب البلاد ما لا يكون فيها البخارات من البحر ويهب فيها الريح وأطيب البلاد ما يكون على سمت ريح الشمال لان هذا الريح يسمن الأبدان ويصفي الوجوه وشر البلاد ما تهب فيه الجنوب وينبغي أن تكون البلد على هضبة مرتفعة وتهب فيه ريح الشمال ويكون ماؤه جاريا حتى يسمن الأبدان وقال بعض أهل التاريخ أطيب البلاد في جميع الدنيا أربع مواضع شعب بخارى وشعب بوان فارس وهراة في خراسان وغوطة دمشق المباركة فهذه أربعة لا خامس لها كما قال بعضهم خمسة لا سادس لهم عمر إذا ساس وأبو حنيفة إذا قاس والشافعي إذا حدث وأحمد إذا أسند وأبو عبيد إذا فسر قال أبو بكر الخوارزمي: رأيت هذه المواضع كلها فأطيبها وأحسنها غوطة دمشق بارك الله فيها. كتاب معالجة الذنوب وفيه ثمانية عشر بابا (الباب الاول في معالجة خوف الخاتمة) بسم الله الرحمن الرحيم. اعلم أن سوء الخاتمة محذور ولها تفتت أكباد الصديقين فإن الموت أمر عظيم ووداع الدنيا وجع أليم والفطام عن هذه المألوفات شديد وبين يدي كل بر

стр. 213

وفاجر عقبات صعاب فعندها يخشى نزع الايمان ولها أسباب كثيرة ولكن أخوفها وأصعبها شيئان اثنان أحدهما بدعة مترسخة في القلب متشبثة في جوانب الصدر ينقضي عليها طول الدهر ومدة العمر يعتقد أنها حق فإذا هي باطلة، فإذا كشف لصاحبها في وقت الموت وكشف له القناع تبين من بكى ممن تباكى ويظهر له أن ما اعتقده كان باطلا وان ما تركه وهجره كان حقا فيخشى عليه زوال الايمان والثاني أن يكون ايمانه ضعيفا ومحبة الدنيا غالبة على قلبه ومحبة الله ورسوله ضعيفة في قلبه فإذا رأى أنه مسكوب من جميع الشهوات ممنوع من سائر اللذات قهرا ويحمل الى دار لا رغبة له فيها ويذوق شرابا لم يذقه فيكره جميع ذلك ويكره الموت ويكره أمر الله وأمر رسوله ويكره مفارقة الدنيا والموت، فحينئذ يخاف عليه نزع الايمان فكيف يكون ضعيف الايمان يا أشعري؟ قلت الايمان كالشجرة وأغصانها الاعمال فإذا فسدت الاغصان وجفت تفسد الشجرة لا محالة، في الخبر ان جبريل وميكائيل بكيا بكاء شديدا عظيما فأوحى تعالى إليهما مالكما تبكيان أليس قد أمنتكما قالا بلى ولكنا لا نأمن مكرك فقال الله تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكرى يا هذا ومن الذي أعطى له الأمان، هذا عزازيل بعد عبادة سبعة آلاف سنة قد لعن وهجر وهذا هاروت وماروت قد علقا

стр. 214

يعذبان وهذا عزير عوتب فقيل لو راجعت في سر القدر لأمحون اسمك من ديوان الانبياء، وهذا سليمان ابتلى وهذا عيسى قد افتتن بسببه وهذا داوود قد ابتلي وبلعام وبرصيصا قد أشتهر شأنهما وهذا محمد ﷺ قد عوتب فالعبد إذا عشق الدنيا وأعرض عن أمر الله صفحا فإذا دعى إلى فراق الدنيا يكره رؤية داعي الله ويكره الموت فتغلب عليه الشقوة فيخسر خسرانا مبينا والله الموفق. (الباب الثاني في معالجة حب الدنيا) إعلم أن حب الدنيا ينبعث من طول الامل فإن الانسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدا وسأفعل بعد غد وأتمتع بالدنيا، ثم أتوب وأبني هذا القصر وأجمع الأموال وأجازي وأكافىء فلانا وأتولى أمرا ورياسة وأستنفذ فيه عنفوان شبابي ثم إذا جاء الهرم أتوب وأرجع الى الله وأكون جامعا بين الدنيا والآخرة وهو كل يوم يتمنى هذا والأجل يضحك على الأمل والتقدير على التدبير والمنى رأس أموال المعايش. يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليلة ولا يعلم المسكين ان دون طلباته القتاد والخرط وكم من

стр. 215

مؤمل يوم لا يستكمله، وكم من مخترم في عنفوان شبابه وكم من حسرة تحت التراب فالآدمي خطاء وسنان لا يذكر الموت البتة فإن كان شابا يقول أهييء أمر المعاد في الكبر، وإن كان شيخا فيقول الأيام بين يدي. (علاج ذلك) أن يقول: الموت ليس بيدي فكيف أعتمد على الحياة فربنا تعالى قضى والموت لا يتأخر بكراهيتي ولا يقف بارادتي فكيف أسوف نفسي بالتوبة ويقول لذة الدنيا تنقطع بالموت لا محالة، وهي أيام معدودات وأتجر في أيام غير معدودات وأبيع الذهب بالخزف ولذة الدنيا مكدرة ولذات الآخرة صافية مخلدة ومن باع الآخرة بالدنيا فيكون مثاله مثال من يكون درهم واحد أحب إليه في المنام من دينار في اليقظة والدنيا أضغاث أحلام. (علاج آخر) يقول هبني جمعت الدنيا من كيت وكيت، أليس عند الموت يؤخذ الكل منى وأسأل عن الكل فأي مسكين أحوج مني، أجمع الدنيا للاولاد وأبوء بحسابها وسخط ربي تلك إذا قسمة ضيزى ذلك هو الخسران المبين أجمع الدنيا للوارث فيكون له مناه وعليّ وباله هذا هو الضلال المبين. (علاج آخر) ان من كان دنياه أكثر فنزعه وحسرته لدى الموت أشد ومن كان دنياه أخف فأمره أسهل وصاحب الدرهمين أشد، حسابا من صاحب الدرهم ويتذكر قوله حلالها حساب وحرامها عقاب، ومن ترك درهما فقد ترك
следующие страницы →