← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(الباب الثالث في أحكم بناء في الدنيا) قيل قصر غمدان في الحصانة بصنعاء اليمن وقيل قبة أزدشير وسط فارس عظيمة مشرفة على البلاد بنيت بالحجارة الصخرة منها نحو ألف من وقيل حصن بيماس الشام والحجاز بناه سليمان ﵊ بالحجارة والكلس وقيل بناء اهرام مصر بنيت قبل الطوفان وفي ناحية صعيد مصر اهرام كثيرة بالحجارة، على رؤوس الجبال بناها الأوائل وجعلوا هرمين منها أرفعها كل هرم منها أربعمائة ذراع طولا في أربعمائة عرضا في سمكها ارتفاعا في الهواء؛ غلظ كل حجر طوله وعرضه اثنا عشر ذراعا الى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر منقور عليه اني بنيتها فمن كان يدعي قوّة في ملكه فليهدمها فان الهدم أيسر من البناء وبعض الخلفاء أراد هدمها فإذا خراج الدنيا لا يقوم به فتركها قال أبو معشر المنجم: بناها الأوائل ليعتصموا بها عن الطوفان والماء ويزعم اخوانه ان الطوفان لم يبلغ إليها فكذبوا قاتلهم الله فإن الله سبحانه لا يعجزه شيء في السموات والارض فله القدرة القاهرة تعالى الله علوّا كبيرا. (الباب الرابع في أطيب البلاد وأنزهها) قال النبي ﷺ البلاد بلاد الله فكل بلدة وجدت فيها

стр. 212

خيرا فأقم، وقال، الاطباء: أطيب البلاد ما لا يكون فيها البخارات من البحر ويهب فيها الريح وأطيب البلاد ما يكون على سمت ريح الشمال لان هذا الريح يسمن الأبدان ويصفي الوجوه وشر البلاد ما تهب فيه الجنوب وينبغي أن تكون البلد على هضبة مرتفعة وتهب فيه ريح الشمال ويكون ماؤه جاريا حتى يسمن الأبدان وقال بعض أهل التاريخ أطيب البلاد في جميع الدنيا أربع مواضع شعب بخارى وشعب بوان فارس وهراة في خراسان وغوطة دمشق المباركة فهذه أربعة لا خامس لها كما قال بعضهم خمسة لا سادس لهم عمر إذا ساس وأبو حنيفة إذا قاس والشافعي إذا حدث وأحمد إذا أسند وأبو عبيد إذا فسر قال أبو بكر الخوارزمي: رأيت هذه المواضع كلها فأطيبها وأحسنها غوطة دمشق بارك الله فيها. كتاب معالجة الذنوب وفيه ثمانية عشر بابا (الباب الاول في معالجة خوف الخاتمة) بسم الله الرحمن الرحيم. اعلم أن سوء الخاتمة محذور ولها تفتت أكباد الصديقين فإن الموت أمر عظيم ووداع الدنيا وجع أليم والفطام عن هذه المألوفات شديد وبين يدي كل بر

стр. 213

وفاجر عقبات صعاب فعندها يخشى نزع الايمان ولها أسباب كثيرة ولكن أخوفها وأصعبها شيئان اثنان أحدهما بدعة مترسخة في القلب متشبثة في جوانب الصدر ينقضي عليها طول الدهر ومدة العمر يعتقد أنها حق فإذا هي باطلة، فإذا كشف لصاحبها في وقت الموت وكشف له القناع تبين من بكى ممن تباكى ويظهر له أن ما اعتقده كان باطلا وان ما تركه وهجره كان حقا فيخشى عليه زوال الايمان والثاني أن يكون ايمانه ضعيفا ومحبة الدنيا غالبة على قلبه ومحبة الله ورسوله ضعيفة في قلبه فإذا رأى أنه مسكوب من جميع الشهوات ممنوع من سائر اللذات قهرا ويحمل الى دار لا رغبة له فيها ويذوق شرابا لم يذقه فيكره جميع ذلك ويكره الموت ويكره أمر الله وأمر رسوله ويكره مفارقة الدنيا والموت، فحينئذ يخاف عليه نزع الايمان فكيف يكون ضعيف الايمان يا أشعري؟ قلت الايمان كالشجرة وأغصانها الاعمال فإذا فسدت الاغصان وجفت تفسد الشجرة لا محالة، في الخبر ان جبريل وميكائيل بكيا بكاء شديدا عظيما فأوحى تعالى إليهما مالكما تبكيان أليس قد أمنتكما قالا بلى ولكنا لا نأمن مكرك فقال الله تعالى: هكذا كونا لا تأمنا مكرى يا هذا ومن الذي أعطى له الأمان، هذا عزازيل بعد عبادة سبعة آلاف سنة قد لعن وهجر وهذا هاروت وماروت قد علقا

стр. 214

يعذبان وهذا عزير عوتب فقيل لو راجعت في سر القدر لأمحون اسمك من ديوان الانبياء، وهذا سليمان ابتلى وهذا عيسى قد افتتن بسببه وهذا داوود قد ابتلي وبلعام وبرصيصا قد أشتهر شأنهما وهذا محمد ﷺ قد عوتب فالعبد إذا عشق الدنيا وأعرض عن أمر الله صفحا فإذا دعى إلى فراق الدنيا يكره رؤية داعي الله ويكره الموت فتغلب عليه الشقوة فيخسر خسرانا مبينا والله الموفق. (الباب الثاني في معالجة حب الدنيا) إعلم أن حب الدنيا ينبعث من طول الامل فإن الانسان يقول الأيام بين يدي وأفعل غدا وسأفعل بعد غد وأتمتع بالدنيا، ثم أتوب وأبني هذا القصر وأجمع الأموال وأجازي وأكافىء فلانا وأتولى أمرا ورياسة وأستنفذ فيه عنفوان شبابي ثم إذا جاء الهرم أتوب وأرجع الى الله وأكون جامعا بين الدنيا والآخرة وهو كل يوم يتمنى هذا والأجل يضحك على الأمل والتقدير على التدبير والمنى رأس أموال المعايش. يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليلة ولا يعلم المسكين ان دون طلباته القتاد والخرط وكم من

стр. 215

مؤمل يوم لا يستكمله، وكم من مخترم في عنفوان شبابه وكم من حسرة تحت التراب فالآدمي خطاء وسنان لا يذكر الموت البتة فإن كان شابا يقول أهييء أمر المعاد في الكبر، وإن كان شيخا فيقول الأيام بين يدي. (علاج ذلك) أن يقول: الموت ليس بيدي فكيف أعتمد على الحياة فربنا تعالى قضى والموت لا يتأخر بكراهيتي ولا يقف بارادتي فكيف أسوف نفسي بالتوبة ويقول لذة الدنيا تنقطع بالموت لا محالة، وهي أيام معدودات وأتجر في أيام غير معدودات وأبيع الذهب بالخزف ولذة الدنيا مكدرة ولذات الآخرة صافية مخلدة ومن باع الآخرة بالدنيا فيكون مثاله مثال من يكون درهم واحد أحب إليه في المنام من دينار في اليقظة والدنيا أضغاث أحلام. (علاج آخر) يقول هبني جمعت الدنيا من كيت وكيت، أليس عند الموت يؤخذ الكل منى وأسأل عن الكل فأي مسكين أحوج مني، أجمع الدنيا للاولاد وأبوء بحسابها وسخط ربي تلك إذا قسمة ضيزى ذلك هو الخسران المبين أجمع الدنيا للوارث فيكون له مناه وعليّ وباله هذا هو الضلال المبين. (علاج آخر) ان من كان دنياه أكثر فنزعه وحسرته لدى الموت أشد ومن كان دنياه أخف فأمره أسهل وصاحب الدرهمين أشد، حسابا من صاحب الدرهم ويتذكر قوله حلالها حساب وحرامها عقاب، ومن ترك درهما فقد ترك

стр. 216

كية. (علاج آخر) ينظر في نفسه فيرى أن عمره ينقص وماله يزداد وكل نفس يخرج منه لا بد له من عداد وكل يوم هو قريب الى الآخرة بعيد من الدنيا وهو مترقب أن يخطف في كل لحظة فالتوى قبل. فالموت آت والنفوس نفائس ... والمستعز بما لديه الأحمق وان على رأسه ملكين موكلين يقولان: الرحيل، الرحيل. (علاج آخر) يزور أهل القبور وينظر في مصارع الآباء والأمهات ويتفكر أنهم كانوا في مثل مقامه وموضعه ومثل شبابه وآماله فاحترموا ولم يبلغوا ما أملوا وحيل بينهم وبين ما يشتهون فهم اليوم في حسرات وزفرات يقولون يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وينظر الى موت الاخوان والقرناء فلو كان عاقلا فموت الرجل موت قرنائه وينظر إلى نفسه واختلال قوّته وضعفه واشتعال الشيب الذي هو بريد الموت فان لم يعتبر بهذا يعتبر بالذين هم أصل له وهو فرع لهم فما بقاء الفرع مع ذهاب الأصل، وإن لم يتعظ بهذا فقد مات آدم صفي الله ومات نوح ومات ابراهيم خليل الله ومات موسى كليم الله، ومات عيسى روح الله ومات محمد حبيب الله فكيف البقاء بعدهم!؟ ومن يأمن على نفسه فإن لم يعتبر بهذا فاعلم أنه مطبوع على قلبه ما في عالم الله أجهل منه.

стр. 217

(الباب الثالث في علاج الغفلة) إعلم أن الغفلة ستر الله العظيم وهو حجاب الآخرة ولولا الغفلة لرأى كل مؤمن عيب النفس ولاشتغل كل أحد بشأنه وما تهنى بالعيش والحياة، ولكن الله رحمهم بالغفلة، فلا جرم أصبحوا غافلين فمن كل مائة رجل ترى فيهم رجلا مستيقظا يتناحرون أنفسهم ويتكالبون على الدنيا للغفلة ويتخاصمون للدنيا. (علاج ذلك) أن تقول: الموت يقين، والحياة شك فكيف نترك اليقين بالشك ونحن أقرب الى الموت والقبر منا الى الحياة فان الله سبحانه قدم الموت على الحياة فقال: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ويقول ان العمر قليل فالجمع والمنع لأي شيء ولأي طلب؟ وإذا انتقص العمر وازداد المال فلأي شيء أحرق نفسي. (علاج آخر) تقول الانبياء والاولياء كانوا أعلم مني قنعوا بالقوت ورضوا بالكفاف وما طلبوا الدنيا فلماذا أحرق نفسي بنار الحرص ومن ساعة إلى ساعة فرج وأين الملوك وأعوانهم وأين الجبابرة وقرناؤهم وأين الاخوان والمعارف أين هم أين هم؟ فرق الدهر بينهم. (علاج آخر) تقول هب انك ملكت الدنيا بأسرها وصفالك عذبها وزلالها وأدركت الاماني أليس آخر ذلك الموت وعاقبته الفوت فكم أصبح غافلا وأمسي جاهلا. (علاج آخر) ينظر الى مصارع الآباء والامهات

стр. 218

ويجلس بين قبرين. ويقول لنفسه انها القبر الثالث كأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل. كأنك بالحياة لم تحضر وبالممات لم تغب، انتبه فان العيش أضغاث أحلام يا ابن التراب، ومأكول التراب، ما هذا الغرور بالغرور، انظر إلى حسرات اخوانك وانظر إلى أيتامهم المساكين وأموالهم المبددة وأزواجهم المتروكة. (علاج آخر) تنظر في المحاريب وقد خلت عن المتهجدين والدور وقد خلت عن اخوانه وقراباته كأن لم يولدوا ولم يعرفوا ذهبوا ودرجوا فيقول لنفسه إنتبه قبل أن يكون حالي مثل حالهم. (حكاية) مر عيسى صلوات الله تعالى عليه فرأى شيخا هرما في يده مسحاة فتعجب من طول أمله قال: يا رب انزع عنه أمله، فإذا بالشيخ قد طرح المسحاة واستلقى يعاتب نفسه ويقول يا شقي الى متى تقتل نفسك وتخرب آخرتك، وغدا تموت فقال: يا رب اردد إليه أمله فما تم الدعاء حتى وثب الشيخ الى عمله ويقول: لا بد من القوت مهما تعش، فتعجب فسأله فقال: خطر لي خاطر انك قد أكلت الدنيا وقد شخت فإلى متى تعمل؟ فتركت العمل، ثم خطر لي أن القوت لا بد منه فقمت وعملت ليعلم أن بقاء الدنيا بالأمل وان الغفلة رحمة للعالمين.

стр. 219

(الباب الرابع في علاج شهوة الفرج) وقد ركب في الآدمي هذه الشهوة ليكون متقاضيا لالقاء البذر في الارض وفيه تبقية النسل، ويكون أنموذجا للذة الآخرة وآفة هذه الشهوة عظيمة وقد يشتهي الرجل الى حد يلقي جلباب الحياء فلا يستحي من الله ولا من الخلق ويبيع ماله، ودينه ودنياه وحرمته بسببها فيصبح شيطانا مريدا. (علاج ذلك) أن يكسر سورة هذه الشهوة بالصوم فإن لم تنكسر فيتزوّج ويحفظ عينه فان فتنة ذلك كله للشهوة وفتنة داود ﵊ كانت من النظر، وقال لقمان لابنه، اتبع الاسود والاسد ولا تتبع المرأة فإن لم يمكنه أن يتزوّج فليحفظ العين. (الباب الخامس في علاج نظر العين) كل من استقبله أمرد أو امرأة فإن الشيطان يزينه في عينه ويصبح متقاضيا بأمره بالنظر فيه، والعاقل يناظر الشيطان ويقول لماذا أنظر فإن كان قبيحا أغتم وأتأسف وآثم بالقصد الى النظر وإن كان حسنا فكيف أنظر وليس بحلال فأبوء بعاجل الإثم والحسرة وإذا مشيت خلفه وطلبته فربما أنال بغيتي فقد جاء الإثم ونكبات الدين. (في الخبر) أن رسول الله ﷺ وقع نظره في الطريق على امرأة حسناء

стр. 220

فذهب الى بيته وجامع بعض نسائه ثم خرج وقال: ان المرأة إذا أقبلت، أقبلت في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها. (حكاية) اجتمع بعض الشطار، في دار ملك الأمر فخاضوا في بحار الاماني فقال أحدهم: ليت خزائنه لي وقال الآخر ليت أملاكه لي، وقال الآخر ليت امرأته كانت لي، والملك يسمع تناجيهم وكان عاقلا فاتخذ دعوة وطبخ عشر قدور من السكباج ووضعه بين أيديهم وقال: يا فلان تذوّق من هذا، وتناول من هذا وتطعم من هذا حتى ذاق الكل وقال: كيف وجدت طعمه قال: أبقى الله الملك الكل في طعم واحد فقال يا فلان النساء كلهن بمنزلة واحدة وطعم واحد فأخجله. (الباب السادس في علاج فضول القول) من كان مهذارا مكثارا لا يطيق السكوت فيجلس طول اليوم ويذكر حكاية سفره وخدمته وشبابه ومطبخه وزوجته وصفة بلده ونقوش حيطانه، كل هذا مما لا يعنيه فيتضرر به دينا ودنيا ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. (دليل) ذلك أن يعلم ان الموت قريب منه وفي كل تسبيح وتهليل كنز من كنوز الجنة فأي عاقل يضيع الكنز ويشتغل بالترهات،

стр. 221

وعلاج العمل أن يعتزل عن الناس فإن السلامة في العزلة، أو يمسك حجرا تحت لسانه، واستشهد شاب من الصحابة ﵃ فنظروا فإذا بحجر مربوط في وسطه من الجوع فجاءت والدته تنقض التراب عن وجهه وتقول: هنيئا لك الجنة فقال ﷺ : ما يدريك لعله بخل بشيء ولا حاجة له إليه أو تكلم بما لا يعنيه؛ ومعنى الحديث انه يطلب منه حساب ذلك، ومن علم ان كل ما يقول ويفعل يكتب عليه، يراقب ألفاظه؛ وقال ﷺ : كفارة كل لجاجة مع أحد أن يصلي ركعتين وكل من عادته الفحش فإنه يحشر يوم القيامة في صورة كلب، والفرق بين الفحش والشتم ان الفحش أن يعبر عن المباشرة بعبارة قبيحة والشتم أن ينسب واحدا إلى ذلك. (الباب السابع في علاج الكذب) قال النبي ﷺ : ان الكذب باب من أبواب النفاق، وقال: ان الكذب ينقص في الرزق، وقال عبد الله: يا رسول الله أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، قال: أيزني المؤمن؟ قال: نعم، قال: أيكذب المؤمن؟ قال: لا إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وقال بعض الحكماء: ان لم يكن الكذب حراما أو قبيحا لكانت الحرية تقضي أن لا يكذب أحد.

стр. 222

(علاج ذلك) أن يشترط مع النفس أن يصوم لكل كذبة يوما فان صبرت النفس على ذلك فيشترط أن يتصدق عن كل كذبة بطوسج فإنه يشق ذلك عليه ولا يكذب أبدا. (علاج ذلك) أيضا أن يتذكر أن بكل كذبة يقولها يهدي طاعته الى الخصم ويسود جريدته ويحسب المسكين انه في استرباح وهو في خسران فوق كل خسران فإن لم يكن له طاعة يضع ذنوب خصمه على عاتقه وهذه شقاوة عظيمة ومن هذا قيل إن السارق أحسن من الكاذب فإن السارق يحمل شيئا إلى بيته والكذوب يبوء باثم ولعنة، نعوذ بالله من ذلك. (الباب الثامن في علاج الغيبة) إعلم أن الله تعالى جعل الغيبة في القرآن بمنزلة أن يأكل لحم أخيه ميتا وقال ﷺ : الغيبة أشد من الزنى وحقيقة ذلك أن التوبة تقبل من الزاني ولا تقبل في الغيبة حتى يستحل المغتاب صاحبه. أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أن كل من تاب من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات قبل أن يتوب من الغيبة فهو أول من يدخل النار، وفي الحديث أن النبي ﷺ مر على ميتة ملقاة فقال لأصحابه: كلوا من هذه فقالوا: يا رسول الله كيف نأكلها وهي ميتة منتنة؟ فقال: ما أكلتم من لحم أخيكم أنتن من هذا (فصل) إن

стр. 223

حقيقة الغيبة أن يحدّث الرجل حديث رجل في الغيبة أن لو سمعه يكره ذلك فإن صدقت فهي غيبة وإن كذبت يكون ذلك بهتانا، والبهتان أثقل من السموات والأرض فكل ما يقول ينقصان رجل يكون غيبة سواء كان في نسبه أو ثوبه أو داره أو فرشه أو أفعاله (فصل) أما علاج الغيبة فأن يقرأ الأحاديث الواردة في الغيبة ويعلم أن بكل غيبة ينقل حسنة من ديوانه إلى ديوان صاحبه حتى يصبح المغتاب مفلسا وتزيد سيئاته بهذه الغيبة ويساق إلى النار (والثاني) أن ينظر في نفسه فإن وجد ذلك العيب في ذاته فيستحي من الله أن يرمي أحدا بما هو فيه. لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم بل يجب أن يعذر غيره بعيب هو فيه وإن لم يعلم من نفسه مثل ذلك العيب فالجهل بعيب نفسه أعظم وأشد وإن كان صادقا فأي عيب أعظم من أكل الميتة فلأي معنى يلوث نفسه الطاهرة فيشتغل بشكر نعمة الله تعالى وأي عبد يخلو عن عيب وتقصير!! (وأي عبد لك لا ألما) وأي عبد يستقيم على حد الشرع ولو كان في الصغائر فإذا لم يطق مع نفسه ولا يسلم في نفسه، فماذا يتعجب من غيره، وإن كان يغتابه لتشوه خلقه فذاك عيب على الصانع ونعوذ بالله (والثالث) أن يعلم

стр. 224

سبب غيبته فإن كان قد غضب منه بسبب ما فأي حمق أعظم من أن يدخل نفسه النار بسبب غيره فإن صلاحه مع نفسه (والرابع) أن يغتابه لأجل موافقة الناس (علاج ذلك) أن يعلم أن التعرض لسخط الله لأجل رضا المخلوق جهل عظيم وحماقة كبيرة (الخامس) أن يغتابه لأجل الحسد فعلاجه أن يعلم أن هذا اللجاج مع نفسه لأنه يكون في الدنيا في عذاب الحسد وفي الآخرة في عذاب الغيبة فيكون محروما من نعمة الدنيا والآخرة (السادس) أن يقوم يوم القيامة تحمل عليه أوزار الخصم ويساق إلى النار كما يساق الحمار في سوقه، ومن كان حاله هذا يرجى نفسه بالهذيان. (الباب التاسع في علاج الغضب) إعلم أن أصل الغضب من النار وله نسبة مرتبطة بالشيطان وأنه مخلوق من النار وصفة النار التحرك والإضطراب فلهذا كل من الغضب يضطرب ويتحرك بحيث لا يملك نفسه، ولقد خلق الله الغضب في الآدمي ليكون له سلاحا في دفع ما يضره عما ينفعه كما خلق فيه الشهوة لتكون آلة له في حذب ما ينفعه ولا بد له من هذين الجنسين الغضب والشهوة، ولكن إذا كان مسرفا في ذلك يضره فإذا فهمت أن الغضب لله فلا يجوز أن يتولى عليه حتى يسلب

стр. 225

اختياره، ولا يجوز أن يقلعه بالرياضة وأنى له التناوش من مكان بعيد ولم يخل عنه رسول ﷺ ، فقال: إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر. علاج الغضب فريضة فان أكثر الخلق انما يدخل النار بسببه، وعلاجه من وجهين أحدهما أن ينظر في سبب الغضب في باطنه فيقع في هاتيك الاسباب، وأسباب ذلك خمسة. (الاول) الكبر تكسره بالتواضع وتعلم أنه من جنس العذاب والناس كاسنان المشط وإنما يتفاضلون بالاخلاق. (والثاني) العجب وتفسير العجب استعظام نفسه وهو أن يرى نفسه عظيما بين الخلق أعطي شيئا لم يعط لأحد من الخلق وعلاج ذلك أن يعلم نفسه بأنه نطفة قذرة وآخره جيفة مذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة. (الثالث) المزاح فيشتغل بقول الجد والاعمال المهمة. (والرابع) الملامة والتعيير وعلاجه أن يعلم أن كل أحد لا يخلو عن عيب والذي لا عيب له هو الله تعالى فليس لأحد أن يعيب أحدا. (والخامس) الحرص في طلب الجاه والمال فإن البخيل يغضب في حبة واحدة وإذا غضب السوقي فالحبة ترضيه وعلاج الغضب علمي وعملي. (أما العلمي) فإن يعلم آفة ذلك في دينه ودنياه فيقوم بمخالفة هذه الصفات فروح العلاج في كل باب هو المخالفة إذ بضدها تتبين الاشياء. (الثاني) أن يقرأ الآيات والاخبار الواردة في ذلك التي وردت من كظم

стр. 226

الغيظ والعفو عن الناس ويقول في نفسه الله أقدر عليك منك على غيرك فان غضب عليك فما يؤمنك منه ومخالفتك مع الله أكبر من مخالفة هذا المسكين معك. (والثالث) يقول لنفسه إنما تغضب عليه لجريان أمر جرى على خلاف محبتك وهواك وقد أراد الله أن يكون ذلك فأنت لا تريد ولا تحب ارادة الله تعالى فأنت منازع مع الربوبية. (الرابع) أن يقول لنفسه ان شفيت غيظك فيتصدى هو ويقول عن واحدة عشرا ويسقط حرمتك فقد قيل: عظموا أنفسكم بالتغافل، أو يكايد معك بأمر لا تطيقه فتبقى حقيرا مهينا عند الناس فتقول لا عز في عالم الله فوق رضا الله والاقتداء بأنبياء الله فاحلم. (وأما العلاج العملي) فأن يقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن يجلس ان كان غضبه في حالة القيام أو يضطجع ان كان في حالة الجلوس فإن لم يسكن بهذا فالماء البارد يتوضأ به يسكنه بفتوى الرسول ﷺ فان الغضب من النار وإنما يسكن بالماء: وقيل يسجد على التراب فيذكر أنه مخلوق من التراب لا يستحق الغضب. (الباب العاشر في علاج الحسد) فليعلم أولا أن الحقد نتيجة الغضب، والحسد نتيجة الحقد، والحسد من المهلكات قال النبي ﷺ : ان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقال: ثلاثة أشياء لا

стр. 227

يخلو منها أحد: ظن السوء، والطيرة، والحسد. (فصل) وحقيقة الحسد أن يكون لواحد نعمة فيحب زوال نعمته وهذا حرام لانه كراهية الله سبحانه وهذا دليل خبث الباطن لان نعمته لا تكون لك ولا هي منتقلة إليك، فمحبة زوالها عن صاحبها لا تكون إلا من الخبث أما الغبطة وهي أن تريد أن يكون لك مثل تيك النعمة والدولة والجاه ولا تكره ذلك على صاحبه فلا يكون حسدا بل غبطة ومنافسة، (علاج الحسد) أمران اثنان علمي وعملي. أما العلمي فأن يعلم الرجل الحاسد أن الحسد يضره دنيا وآخرة ومضرّة الحاسد في الدنيا أن يكون مغموما ذا عذاب وحسرة لا يخلو عنه أبد الدهر، فيكون بصفة يهواها عدوّه وخصمه فلا غم ولا هم أعظم من الحسد فأي حمق أعظم من أن يشتغل بقتل نفسه ولا يشعر، وان ظن أحمق أن تزول نعمة المحسود بحسده فالخسارة أيضا ترجع عليه فتزول منه نعمة الايمان بسبب حسد الكفار، وأما مضرة الآخرة فان يعلم ان حسده في قضاء الله وانكاره في قسمة الله وأحب للمسلمين السوء والخسارة وشارك إبليس في استغواء الناس. (فصل) أما الذي ينفع المحسود في الدنيا فهو أن يتمنى طول الدهر أن يرى عدوه في العذاب والحسرة وقد رأى ما أحبه فيه من العذاب الأليم، والكرب العظيم فالذي لم يتيسر له في عسكر قد

стр. 228

تعاطاه الحسد وفعل بنفسه وكفى الله المؤمنين القتال، وأما منفعة الدين للمحسود فانه أصبح مظلوما من جهة الحاسد وقد يتعدى الحسد إلى اللسان والمعاملة فتؤخذ حسناته غدا وتعطى للمحسود، أو تنقل سيئات المحسود فتوضع في رقبة الحاسد، فانظروا يا معاشر الرؤساء إلى هذه المعاملة التي هي السوأة السوأى أراد الحاسد أن يضر المحسود ويزيل نعمته فقد أضر بنفسه وأصبح ذليلا مهينا فقيرا مفلسا كحمار يطلب قوته فجدعت أذناه، أراد أن يضربه فضرب نفسه أو أن يبطش به فأخذ بإذن نفسه، هو في راحة وهذا في عذاب، وقد ظن في نفسه انه عدو المحسود وصديق نفسه فإذا هو صديق عدوه وعدو نفسه (تبت يدا صفقة قد خاب شاربها) ومثال الحاسد مثال من يرمي حجرا الى عدوه فينكسر الحجر فأصاب العين اليمنى من الرامي فاشتد غضبا فرمى ثانيا فعاد إلى عينه اليسرى فعمي بسبب نفسه فرمى ثالثا فعاد وشج نفسه هكذا يرمي ويعود إليه والمرمى إليه جالس بالسلامة يضحك عليه. أما العلاج العملي فان يقلع عن نفسه أسباب الحسد من الكبر والعجب والعداوة ومحبة الجاه والمال ويقوم بمخالفة الحسد ويثني على المحسود في غيبته وهذا مركب شنيع لا يستعمله إلا العظماء ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

стр. 229

(الباب الحادي عشر في علاج البخل) إعلم أن محبة المال فتنة عظيمة ولهذا سماه الله عقبة وما من عقبة من العقبات أصعب من هذه فيه قضاء الشهوة وفيه زاد الآخرة إذ لا بد من القوت واللباس والمسكن، ولا يتيسر هذا إلا بالمال فليس في اعوازه وعدمه صبر ولا في وجوده وحصوله سلامة فليتعجب العقلاء من هذه الداهية الدهياء، فإن أعوزه وافتقر ينادي الشرع كاد الفقر أن يكون كفرا، وان وجده وحفظه يعاتبه القرآن وربنا سبحانه يقول سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ويقول ان مال البخلاء الاشقياء يصور بصورة أفعى ويطوق ذلك في عنقه حتى يلتوى في صفحات عنقه فيلدغه لدغا وينهشه نهشا وينادي مناد ذق أيها الطاعم الكاسي ذق انك أنت العزيز الكريم وتجعل كنوزه وذخائره سفود او سبائك يكوى به جبينه وجنبه وظهره، مسكين البخيل يظن أنه شيء وما هو شيء فما في عالم الله أشقى منه، قال ﷺ : البخيل لا يدخل الجنة وقد قابل الله سبحانه البخل بالكفر في كتابه فقال وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ورأى رسول الله ﷺ بخيلا قد أخذ بحلقة الكعبة يدعو فقال: تنح لئلا يصيبني شؤمك وحريقك فمن لم يؤمن بهذه الآيات فهو إذا دهري فليستأنف الايمان. (علاج آخر) يقول ان الموت حق

стр. 230

وهو آت لا محالة والعمر يذهب كالخيال فما ينفعني أن أموت والمال في الجراب والصرر تحت الأرض وأنا مسؤول عنها. (علاج آخر) أن يتصدق ويهب لينال بكل درهم أجرا عظيما. (علاج آخر) يتأمل في عاقبة البخلاء كيف ماتوا في الحانات والطرقات مدامير مناحيس، وأخذ ما لهم سلطان ظالم أو عدوهم، جمعه ذليلا مهينا وأكله الوارث هنيئا مريئا من يشتري مني ما ترك عاد وثمود بدرهمين. (علاج آخر) ان البخل نتيجة طول الامل فان البخيل لو علم أن عمره قصير لأنفق ماله فيعالج طول الأمل بالنظر الى اخوانه وأقرانه كيف جمعوا المال وغفلوا عن هازم اللذات فقد جاءتهم المنية فماتوا متحسرين وأكل أموالهم أعداؤهم بالهزء والسخرية وإن كان بخله لأجل حاجة أولاده فيقول: الذي خلقهم يرزقهم ويعطيهم فان قدّر عليهم الفقر فلا يستغنون ببخله وشقاوته وان قدّر لهم الغنى فيستخرج ذلك من وجه آخر، فكم من غني لم يرث من أبيه فلسا واحدا وكم من فقير ورث من أبيه ألوفا وضيع. (الباب الثاني عشر في علاج الحرص والطمع) وذلك من خمسة أوجه بضع يمسكه من العيش بلباس خشن وخبز بحت ومسكن مختصر فإذا اختصر على ذلك،

стр. 231

فقد قال ﷺ : نجا المخفون، وان أراد التجمل والتمرغ في الدنيا فقد جاءت الاشغال والاهوال. (الثاني) إذا وجد الكفاية فلا ينظر إلى مجيء الغد فإن الشيطان يوسوسه ويقول ماذا تفعل غدا وبعد غد ويجره الى طول الامل، يريد الشيطان أن يوقعه في تعب عاجل مخافة أن يقع في تعب آجل، فقد لا يجيء الغد في حقه، وان جاء فلا يكون تعبه فوق التعب الذي هو فيه، والعلاج الكلي أن يعلم أن الرزق لا يزيد بسبب الحرص. (علاج آخر) أن يعلم انه ان صبر وقنع يعز في ذلك وان طمع ولا يصبر فيصير ذليلا متعبا فمع حيازه أجر هو أولى ممن يكون في خطر العقاب فان التعب مع عز النفس أولى من كنز معه مذلة ومهانة. (علاج آخر) أن يتأمل في هذا الحرص ما سببه وما داعيته فان كان حرصه لاجل شهوة الفرج فالدب والخنزير أكثر نكاحا منه، فلماذا يقتل نفسه لاجل بنيه وبناته فكم من يهودي ونصراني أحسن ثيابا منه وأثاثا فان قنع وارتضى باليسير فنظيره الانبياء والاولياء، فإن كان عاقلا فيقتدي بالانبياء والصالحين دون الكفرة والاشقياء. (علاج آخر) أن يخاف من فتنة المال فإن المال إذا كثر يكون في الدنيا في خطر وفي الآخرة يدخل الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام فلينظر الانسان الى من دونه في الدنيا ولا ينظر الى أثاث المترفين

стр. 232

كي لا يزدري نعمة الله عليه. (الباب الثالث عشر في علاج الجاه والحشمة) أعلم أن حقيقة الجاه ملك القلوب، وصاحب الجاه هو الذي تكون قلوب الناس مسخرة له وإذا ملك أزمة القلوب، فالمال تبع لذلك ولا تصير القلوب مسخرة له إلا بخصلة من الخصال المحمودة إما العلم أو العبادات أو الشجاعة أو خلق حسن فتنطاع له الألسنة بالمدح والثناء والابدان بالطاعة والخدمة حتى يبذل ماله في هوى من يحبه، والفرق بين ملك المال وملك الجاه ان معنى المال ملك الاعيان ومعنى الجاه ملك القلوب أما علاج الجاه فصعب شديد لانها مشربة بالنفاق والرياء والكذب والتلبيس والعداوة والحسد وعلاج هذا المرض فريضة وينقسم الى علمي وعملي: أما العلمي فان يتأمل في آفة الجاه في الدين والدنيا فان صاحب الجاه يصبح في غم ويمسي في هم لانه يلزمه مراعات القلوب، ورضا الناس غاية لا تدرك ويقصده الحساد والأعداء، فيكون أبدا في التعب والعذاب في دفع ذلك إذ لا يكون آمنا من مكر الله تعالى ولان الجاه يتعلق بالقلوب وهي كاسمها تتقلب كثيرا كالموج في البحر وأخسس بعز ودولة يكون بناؤه على قلوب جماعة من المرائين وحالة

стр. 233

خاصة وولاية قابلة للعزل وبعزلها ركض البريد فيعزل في لحظة وتبطل ولايته وتزول حشمته فينحل من هذا. ان صاحب الجاه أبدا في تعب ونصب وقد عرف العقلاء قاطبة شارقة وغاربة ان لو تيسرت مملكة الدنيا والرياسة العظمى لوجدانه لا يهنأ عيشه ولا يصفو عن الكدورات والحوادث ولا يسوي جميع ذلك الفرح واللذة حسرة الفوت فإنه إذا مات تقطع قلبه حسرات وعن قريب لا يبقي الخادم والمخدوم ولا الراكب والمركوب. ومن يك ذا باب منيع وحاجب ... فعما قليل يهجر الباب حاجبه فأي قدر لولاية ومملكة في أيام معدودة هي عرضة الزوال والابطال، وأي عاقل يبيع ولاية الآخرة بولاية أيام معدودة. وأما العملي فأمران أحدهما أن يهرب من الموضوع الذي فيه جاهه فيذهب الى موضع لا يعرف ليسلم من عاقبة ذلك والآخر أن يسلك طريق الملامتية فيتعاطى أمرا يسقط من أعين الناس جاهه وحشمته لا على وجه يأكل الحرام ويفعل الزنى والفساد وينهمك في الشهوات كقوم يسمون أنفسهم الملامتية مثال ذلك كان زاهد رباني زاره ملك من الملوك فتعلل باسقاط حرمة نفسه فكان يأكل البقل والسمك بالشره والحرص ففسد اعتقاد الامير فيه وانصرف عن

стр. 234

زيارته وآخر كان قد ركب على قصبة مثل الصبيان وطاف في البلد حتى سقط الجاه عن نفسه وآخر جعل في القدح شرابا على لون الخمر حتى يظن أنه خمر فيهجرونه ويعرضون عنه. (الباب الرابع عشر في علاج الكبر والعجب) أما الكبر فاستعظام النفس واستكبار حالة نفسه وينظر الى غيره بعين الاحتقار وعلامته على اللسان أنا وأنا وهو خصومة مع الله تعالى، فالكبرياء ردائي والعظمة ازاري، قال ﷺ : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر والذنب الذي لا ينفع معه طاعة الكبر وهو خلق من أخلاق القلب ينتفخ صاحبه بريح النشاط فينظر الى الناس نظرة البهائم وقيل: يا رسول الله ما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمط الناس، وتفسيره أن لا يقبل الحق فينظر إلى الناس بعين الحقارة والازدراء، ومن استولى عليه الكبر وشره النفس فيرضى لنفسه ما لا يرضى للمسلمين ولا يمكنه أن يقلع عن الحسد والحقد ولا يمكنه كظم الغيظ فيكون أبد الدهر في عبادة نفسه واصلاح أمره ولا يستغنى عن الكذب والنفاق، ومثال المتكبر مثال غلام لبس قلنسوة الامير وجلس على سرير الملك فانظر إليه كيف استحق ضرب الرقبة ثم

стр. 235

أعلم ان التكبر على أنواع فمن متكبر بالمال ومتكبر بالقوة ومتكبر بالعلم فلا يخلو متكبر عن هذه الأشياء. (علاج ذلك) أمران اثنان علمي وعملي أما العلمي فان يعرف الله سبحانه بالذات والصفات حتى يعلم أن الكبرياء والعظمة تليق بجلال الله دون العبد الحقير. (والثاني) أن يعرف نفسه حتى يعرف أنه أرذل عباد الله تعالى وأحقر وأضعف الخلق ويتفكر في هذه الآية قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ، فَقَدَّرَهُ فإن الله قد عرف الآدمي حالة نفسه ويعلم أنه أقل شيء وأحقر شيء كان عدما محضا لم يكن له إسم ولا جسد ثم خلق من التراب الذي هو أخس الأشياء والنطفة والعلقة قطعة ماء ودم خلقه منها ولا شيء أخس منه فأصله التراب الذليل، والماء المنتن والدم النجس، وكانت قطعة لحم لا نطق ولا سمع ولا بصر، ولا يسمع ولا يبصر ولا يغني من جوع ثم خلق تفضلا منه سمعه وبصره ونطقه، ورزقه وسوى أعضاءه من اليد والرجل فانظر في أول أمره ثم اعطف في آخره حتى يتساهل الكبر والحقد وهو محتاج الى أن يستنكف من نفسه وأحمد أمره أن الله تعالى أدخله في هذا العالم ودفع عنه آفات الجوع والعطش والمرض والبرد والألم والتعب ودفع عنه المحن المختلفة وقضي عليه من البلايا ما تهون عنده المنايا من

стр. 236

العمى والخرس والبكم والجنون والجذام والبرص والصرع والحر والبرد والفقر والفاقة حتى لا يأمن على نفسه ساعة فيخاف أن يموت أو يعمى ويجعل منفعته في الادوية المرة حتى لو استروح في ثاني الحال يتعذب ويتألم في الحال، وجعل مضرته في الاشياء اللذيذة حتى لو استلذ وتنعم في الحال يتألم بمنفعة ذلك في ثاني الحال، وآخره أن يموت وينتن وينتفخ في ساعة يفر منه ابنه وزوجته ووالده، فلا يبقى له سمع ولا بصر ولا قوة ولا جمال فيكون جيفة منتنة ويصير نجاسة في الأرض في بطون الحشرات والهوام ويصير ترابا ذليلا مهينا، ولو بقي على هذا الحال لكان أنفع له وفي هذا المقام يكون مساويا للبهائم ولم توجد هذه الدولة، بل يحشر غدا وينشر ديوانه ثم الى الجنة أو إلى النار بعد أن يسأل عن أعماله حرفا حرفا، فيقال له: لم فعلت ولم قلت ولم جلست ولم نظرت فان لم يخرج عن عهدة ذلك فيقول ليتني كنت كلبا او خنزيرا أو ترابا فإن هؤلاء قد سلموا من عذاب النار. (الباب الخامس عشر في علاج الرياء) وحقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الخلق يفعل العبد عبادة ويبنى مسجدا أو رباطا، ويتصدق بصدقة ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه ويكون مقصده رؤية الخلق دون

стр. 237

رضا الرب فإن كان مقصده محمدة الخلق فقط فهو مشرك والرياء كبيرة عظيمة قال ﷺ : لا أخاف على أمتي شيئا كما أخاف من الشرك الخفي ألا وهو الرياء. (علاج ذلك) شديد لامتزاجه بقلب الآدمي وترسخه فيه وسبب صعوبته أن الآدمي منذ كبر ونشأ بين الناس رآهم يتراؤون فيما بينهم، ويزين بعضهم بعضا ويمدح بعضهم بعضا، وعلاجه علمي وعملي أما العلمي فأن يعلم ضرورة أن كل ما يفعله الآدمي انما يفعله لوصول لذة إليه في الوقت أو في ثاني الوقت فإذا علم أن العاقبة وخيمة وجب أن يترك تلك اللذة في الحال كما إذا خلط السم في العسل وإن كان حريصا عليه ولكن في الحال يحترز عنه، وأصل الرياء ثلاثة أشياء. (الاول) محبة الثناء. (والثاني) خوف المذمة. (والثالث) الطمع في الناس أما ثناء الخلق فيكسره بالفضيحة على رؤوس الملأ وينادي مناديا مرائي يا فاجر أما استحيت مني انك بعت طاعة ربك بثناء الناس حفظت قلوب الناس ولم تبال بغضبي اخترت رضا الخلق على رضا ربك وتباعدت من ربك وتقربت الى الخلق مثلك، فالعاقل إذا تأمل في شيء من ذلك يعلم أن ثناء الخلق لا يساوي هذا والآخر يتفكر ويقول لو لم يكن رياء لكنت رفيق الأنبياء والأولياء في الجنة فتأخرت بسبب الرياء إلى منزلة الشياطين

стр. 238

ورضا الخلق لا يحصل، وما الذي بيد الخلق؟ لا الرزق ولا العمر ولا سعادة ولا كرامة، فمن الجهل أن أشتري غضب الله برضا هؤلاء القوم. (الباب السادس عشر في علاج مذمة الخلق) فنقول ان كان الله معي فلا يضرني ملامة الخلق، فان كنت مقبولا عند الله فلا يضرني رد الخلق، وان كنت محبوبا عنده فكيف يضرني بعضهم وإن كنت مبغوضا عنده فلا ينفعني ثناء الخلق، فان كنت مخلصا في طاعة الله فيسخر الله القلوب لاجلي، وإن كنت مرائيا فسيفضحني فما أضمر أحد شيئا الا سيظهره على صفحات وجهه يوما. (الباب السابع عشر في علاج المذموم) من أراد أن يصلح خلقا من أخلاقه فليس له إلا علاج واحد، فكل ما يأمره الخلق يخالفه ويفعل ضده، مثلا لو كان بخيلا فيجود على خلاف نفسه ليتعود ويتمرن عليه، والشهوة يكسرها بالمخالفة فإن كل شيء ينكسر بضده، مثلا علة الحرارة تنكسر بالبرودة فعلة الغضب تعالج بالحلم وعلة التكبر تعالج بالتواضع والبخل بالسخاء، فمن تعود الأعمال الحسنة وتخلق بأخلاق الكرام يحسن خلقه فالخير عادة والشر

стр. 239

لجاجة، وكل ما يفعله الآدمي تكلفا يصير طبعا له فإن الصبي يهرب من المكتب والمعلم يضر به حتى يصير ذلك التعليم طبعا له، فإذا بلغ فتكون همته ونهمته العلم فترى القوم المشغوفين بالشطرنج والحمام والقمار يتعودون ذلك حتى تزول لذة الدنيا فيها، ومن تعود أكل الطين يعتقد أنه من طيبات الدنيا. (الباب الثامن عشر في أحضار القلب في الصلاة) وغفلة القلب في الصلاة لوجهين أحدهما ظاهر والآخر باطن، أما الظاهر فان يصلي في موضع لا يبصر فيه شيئا أو يسمع فيه شيئا فيشتغل قلبه بذلك فعلاجه أن يصلي في الخلوة بحيث لا يسمع شيئا ولا يكون فيها نقش ولا كتابة واتخذت العباد الزوايا في بيوتهم حفظا لقلوبهم. وكان ابن عمر ﵄ إذا أراد أن يصلي يخرج السيف والمصحف والمتاع، عن بيته فإن كان له شغل فالتدبير أن يقدم ذلك الامر حتى يفرغ قلبه للصلاة ولهذه الدقيقة قال ﷺ : إذا حضر العشاء والعشاء، فابدأوا بالعشاء ليدخل في الصلاة على بصيرة فارغ القلب ويحضر قلبه للذكر أيضا وقراءة القرآن، فإن غلب أمر على قلبه فليشغل قلبه بالذكر فإن لم يندفع فالعلة صعبة فلا بد من تناول مسهل،

стр. 240

والمسهل ترك ذلك الأمر بالكلية فإن لم يطق ذلك فلا يبرأ عن هذا المرض أبدا فيكون مثاله مثال من جلس تحت شجرة تأوي إليها العصافير ويصوتون فيعد حصا لينفر به العصافير كي لا يسمع أصواتهم فهو سوداء وماليخوليا فإنهم يطيرون وعن قريب يعودون فإن أراد أن يتخلص منهم، فالتدبير أن يقطع الشجرة حتى ينجو منهم، شاتان وخروف والمعنى معروف، تم الكتاب. كتاب حقيقة الدنيا وآفاتها وفيه تسعة أبواب (الباب الاول في صورة الدنيا وأخلاقها) إعلم يا أمجد الامجاد وأجود الاجواد ان الدنيا معيوبة، وهي رأس الفتن وشجرة المحن أم الخبائث كما قال ﷺ : حب الدنيا رأس كل خطيئة وتسمى والدة الموت تقتل أولادها بنفسها تهب ثم تسترجع تعدو ولا تفي تنادي كل يوم أنا المركب القموس أنا الفتنة الدهياء، أنا بيت الافاعي أنا حية الوادي أنا أهين من أكرمني وأكرم من أهانني وأخذل من توكل علي فالدنيا جيفة وبنوها مثل الكلاب يتكالبون ويتهارشون على جيفها تهارش الكلاب على الجيف فما رؤى في عالم الله تعالى أخلف وأكذب من الدنيا ولقد كان نبي الله عيسى ﵊ تمنى أن يرى صورتها

стр. 241

وخلقتها حتى كان يوما في ساحل البحر فرأى شخصا على صورة عجوز شمطاء شوهاء محدودبة الظهر منحنية الكتف إحدى يديها ملطخة بالدم، والاخرى مختضبة بالحناء وأنيابها كأنياب الفيل وعليها ثياب معصفرة، وقد عطرت نفسها وعليها برقع قد سترت وجهها به فتعجب عيسى من ذلك فقال من أنت قالت أنا الدنيا التي كنت تسأل من الله أن تراني فقال عيسى ﵇ ما الذي حدب ظهرك قالت، كر الايام والليالي فقال ما هذا الثوب المزعفر قالت حتى يغتر بي الاعداء ويقبلوا علي فلو رأوا باطني ما التفتوا إلي فقال، ما هذا البرقع والنقاب قالت حتى لا ترى عيني فلو أن أحدا رأى صورتي لما نظر إلي فقال لم خضبت هذا الكف قالت أخطب زوجا قال ما هذا الكف الملطخ بالدم قالت قتلت البارحة زوجا فقال هل لزوجك المقتول قود قالت لا ولقد قتلت مثله ألفا وما باليت بذلك ولا أبالي وسأقتل هذا ولا أبالي فالويل لمن اغتر بالدنيا ثم الويل له يا هذا الغمر من اغتر بالعمر وقف رسول الله ﷺ على مزبلة فقال: هلموا إلى الدنيا وأخذ رقعة قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال: هذه الدنيا في الخبر ان ابليس كل يوم يبيع الدنيا ويقول، من يشتري من يضره ولا ينفعه ويهمه ولا يسره فقال: بنو الدنيا نحن نشتريها فقال لا

стр. 242

تعجلوا فإنها معيوبة فقالوا لا بأس فيقول حتى أعلمكم عيبها هي غدارة غرارة وسارقة منغصة لا عهد لها فيقولون لا بأس فيقول حتى أعلمكم ثمنها ان ثمنها ليست الدراهم، لكن ثمنها نصيبكم من الجنة فإني اشتريتها بنصيبي من الجنة ولعنة الابد فيقولون لا بأس فيقول بئست التجارة اذهبوا فقد أحرقتم أنفسكم، وقال الشافعي ﵁ لو أن الدنيا علق يباع في السوق لما اشتريته برغيف لما أعلم فيها من الآفات وصورة الدنيا وحقيقتها تفصح بهذا فقد روى أن غلاما في بني أسرائيل كان ابن ملك فتوفي أبوه وخلف له مالا كثيرا فأنفق الجميع وخرج إلى البادية فأتى على قوم زرعوا زرعا حتى إذا استحصد زرعهم غرقوه ثم مشى فإذا برجل يحاول صخرة ليحملها فثقلت عليه فلم يقدر على حملها فجاء بصخرة ثانية فوضعها عليها فخفت عليه فحملها ثم رأى شاة قد اكتنفها خمسة رجال فرجل راكب عليها وهي راكبة على رجل وآخر قد أخذ بذنبها وآخر قد أخذ بقرنيها وآخر يحلبها، ثم مشى فإذا بكلبه في بطنها جراء يعوون فقال ما أعجب ما رأيت ثم دخل المدينة فإذا شيخ بيده عصا فقال يا شيخ رأيت في طريقي عجائب، قال كيف قال رأيت قوما زرعوا زرعا من صفتهم، كيت، وكيت يزرعون ويغرقون قال هذا مثل أراد الله تعالى أن يريك قوما ما عملوا

стр. 243

الصالحات ثم ختموا بالمعاصي فأحبط الله أعمالهم وأما الذي لا يطيق حمل صخرة فيضم إليها ثانية فيحملها هذا مثل رجل عمل خطيئة عظمت عنده وكبرت لديه فلم يقدر على حملها فإذا عمل خطيئة أخرى هانت عليه، فإذا عمل ثالثا تعود ذلك واسود قلبه فلا يشعر بالختم والطبع وأما الشاة فهذا مثل الدنيا فالراكبون عليها ملوك الزمان والراكبة عليهم هم المساكين والفقراء الذين يتكففون الناس والذي قد أخذ بذنبها هو الذي قصر عمره وأجله ولم يبق منه إلا القليل وهو لا يدري والذي أخذ بقرنيها فالذي لا يصيب المعيشة إلا بالتعب والكد، وأما الحالبون من ضرعها فالتجار وأصحاب الارباح. وأما الكلبة فهو الذي يتكلم في غير أوانه قال الغلام ها قد فهمت فأين منزل الفاجرة قال: الشيخ أف لك قد وعظت فلم تتعظ وزجرت فلم تنزجر أنا ملك الموت فقبض روحه وعجله إلى النار فهذه صورة الدنيا يا معشر العقلاء فمن يرغب في شرائها. (الباب الثاني في أمثلة الدنيا) في الأثر أن أربعين رجلا من الحكماء جلسوا يتفاوضون في أمثلة الدنيا فاستقر رأيهم في الاخير ان أشبه شيء في الدنيا أضغاث أحلام وقد قيل مثل الدنيا كالرباط يحل قوم

стр. 244

ويرحل قوم. وقال العلماء الليل والنهار أربع وعشرون ساعة في كل ساعة ستمائة ألف نفس يموتون وستمائة ألف يولدون ويعز ستمائة ألف ويذل ستمائة ألف. (مثال آخر) هي كالحية لين لمسها قاتل سمها. (مثال آخر) هي كالنائحة كل يوم تنوح في دار. (مثال آخر) هي كالمرأة الفاجرة يوما عند بيطار ويوما عند عطار. (مثال آخر) هي كالثوب يشق من أوله إلى آخره فيبقى معلقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع، مثال الانسان والامل والاجل كمثل شخص وراءه الاجل وأمامه الامل فبينما هو يطلب الامل إذ أتاه الاجل فاحتبسه. (مثال آخر) هي كالمرأة الساحرة تريك من نفسها انها عاشقة لك وهي هاربة منك وأنت تظن أنها موافقة وهي مفارقة كظل الشمس يعتقد الانسان انه ساكن وهو متحرك على الدوام، وهذا يا معشر العقلاء مثال العمر ينقص في كل ساعة وأنتم لا تشعرون. (مثال آخر) هي كالمرأة الفاجرة تغمز الناس بعينها وترى انها تقضي حوائجهم ثم تحملهم الى بيتها فتهلكهم. (مثال آخر) هي كالمرأة الحسنة وتحت ثيابها سرقين ظاهرها عامر وباطنها خراب، فظاهر الدنيا عيش وجمال وتمتع وأنس وباطنها محن وإحن وفتن ومصائب وشدائد، غم في غم وهم في هم. (مثال آخر) هي كطريق المسافر فأول منزله المهد وآخره اللحد فكل سنة منزل وكل

стр. 245

شهر فرسخ وكل يوم ميل وكل نفس خطوة وهن يمرون على الدوام والناس مسافرون فمن مسافر في المنزلة وآخر بقي له فرسخ وآخر بقي له ميل وآخر خطوة في دار الغرور. (مثال آخر) وكمن أكل طعاما شهيا وأسرف في أكله حتى أتخمه وأفسد معدته ثم جلس خذلان نادما يوبخ نفسه فيما فعل ويقول ذهبت اللذة وبقيت التبعة بذلك فكل طعام يكون أطيب وأشهى، فتفله يكون أنتن وأفضح فكل من كانت لذته في الدنيا أكثر وماله أوفر وعيشه أهنأ فحسرته أعظم ممن دون ذلك، وكل من كانت ضياعة وأملاكه وخدمه وحشمه ودرهمه وديناره أكثر تكون له الغمرات أعظم. (مثال آخر) مثل أبناء الدنيا كقوم نزلوا دار قوم ضيافة فرأوا دارا مزخرفة وأواني موضوعة وفرشا مبثوثة فمن كان عاقلا يكون همه الانصراف عاجلا ومن كان أحمق يستطيب المكان ويلزم الموضع لا يبرح منه وينسى أنه مدعو وانه ضيف، والضيف مرتحل فكل من طمع في مال المضيف يكون مغموما أبدا وكل من يتبلغ ويخرج يكون مريحا مستريحا فكذلك صاحب الدنيا أمر بالتزود فإذا طمع في الخلود والمقام فقد طمع في غير مطمع والطمع يهدي الى طبع أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ . (مثال آخر) الدنيا كمثل قوم نزلوا في سفينة

стр. 246

فاقتسموا المواضع فبلغوا جزيرة فنزلوا لقضاء حاجة وصاحب السفينة ينادي أنا النذير والموت الموت المغير ألا عجّلوا عجّلوا فقد أزف الرحيل فتفرقوا ثلاثة فرق: فرقة كانوا أعقل الناس تطهروا ورجعوا فوجدوا مكانهم خاليا فجلسوا واستراحوا، وفرقة اشتغلوا بنضارة الجزيرة والنظر الى مزخرفاتها وأعاجيبها من أفانين الطيور والأصوات فلما انصرفوا وجدوها قد امتلأت بالقوم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت فجلسوا على التعب الشديد، وفرقة أخرى كانوا أحمق الناس وأجهلهم اشتغلوا بالنضارة والحديث وجمع آلات الجزيرة وأخذها حتى سيقت السفينة ولم يسمعوا نفير صاحبها فبقوا في الجزيرة مقيمين متحيرين حتى هلك بعضهم بالجوع وبعضهم بافتراس السباع، فالفرقة الاولى مثال المؤمنين المتقين، والفرقة المتخلفة مثال الكافرين المتخلفين، والفرقة المتوسطة مثال العاصين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فهذه أمثلة الدنيا ولو طولناها لطالت ولكن خير الكلام ما قل فدل ولم يطل فيمل والله تعالى أعلم. (الباب الثالث في شدائد الدنيا) قال النبي ﷺ : ارحموا ثلاثة عزيز قوم ذل وغنيا افتقر وعالما تلاعب به الجهال، وتذاكر بعض الصحابة شدائد

стр. 247

الدنيا فقال بعضهم الفقر، وقال آخرون السفر مع الفقر، وقال آخرون الغربة مع المرض والفقر، ثم قال أشدها أن يترك خادم المريض صاحبه على ظهر الطريق ويهرب منه قال الحسن: جهد البلاء أربعة كثرة العيال وقلة المال وجار السوء وزوجة تخونك. وقال الإمام الشافعي ﵁: الذل في الدنيا أربعة أشياء تذلل الشريف للدنيء لينال منه شيئا، وتذلل الرجل للمرأة لينال من مالها شيئا، وتعير المعير بلا فسحة وحضور المجلس بلا نسخة، وقيل ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة، الحماقة الطاعون والهرم. وقيل أشد شيء في الدنيا فراق الأحبة، والدليل على أن ألم الفراق أعظم أن زليخا ما قطعت يدها والنساء قطعن أيديهن لما علمن من فراق يوسف ﵇، وزليخا علمت أنه مقيم عندها، وقيل أشد شيء في الدنيا الفقر والمرض والهرم. وقيل الهم مع العيال، وقيل الغربة مع العلة، وقيل أشد شيء سؤال اللئام، وقيل رفيق يرافقك ولا يوافقك ولا يفارقك. وقيل أشد شيء مجالسة الأضداد ومعاشرة الأعداء، وقيل أشدها أن ينظر بعينه إلى زوال نعمته، وقيل أشده سوء الخلق فإن صاحبه يكون في جهد البلاء، وقيل جهد البلاء كثرة العيال مع قلة المال والأشياء التي تقتل سراج لا يضيء، ورسول يبطىء وبيت يكشف ودمدمة الخادم (حكاية) لما خلق الله

стр. 248

الأرض كانت ملساء متزلزلة، فأمر جبريل ﵇ أن يسكنها بقدميه فلم يقدر، فخلق الله الجبال الراسيات مسامير الأرض، فاستقرت فقالت الملائكة: يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الجبال؟ قال نعم الحديد يكسر الجبال فقالت: يا رب هل خلقت خلقا أشد من الحديد، قال نعم: النار تذيب الحديد. قالت يا رب هل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال نعم: التراب قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من التراب.. قال نعم: الريح يدفع التراب. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الريح.. قال: نعم الآدمي يحترس من الريح. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الآدمي.. قال: نعم النوم يصرع الآدمى. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من النوم.. قال: نعم الغم يذهب النوم. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الغم.. قال نعم: الموت يبطل الغم والنوم ويبطل كل حركة فلا شيء أشد وأعظم من الموت. ويقال خوف الهموم والهرم أشد من خوف الموت لأن في الممات راحة من كل شدة والشدائد كلها في الهموم والله أعلم. (الباب الرابع في المبكيات) قال النبي ﷺ : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء ولخرجتم إلى الصعداء

стр. 249

تجأرون إلى الله ورسوله. وقال لو تكاشفتم لما تدافنتم. وقال لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أبلاه، وعن شبابه فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه فيم عمل فيه. وقال: من اكتسب مالا من حرام لم تقبل له صدقة، ولا عتق ولا حج ولا عمرة. وكتب الله عليها أوزارها وما بقي بعد موته كان زاده إلى النار. مسكين إبن آدم يؤخذ عن الكل ويسأل عن الكل. وقال: من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منّا ويحشر يوم القيامة مع اليهود والنصارى، فكيف بمن يأخذ ماله ويريق دمه، وإياك وشرب الخمر، فقال ﷺ : شارب الخمر كعابد وثن، من مات ممن شربها لقى الله سكران ويدخل القبر سكران، ويدخل النار سكران، فإن ابتليت بذلك فتدارك التوبة والكفّارة والإحسان إلى العلماء وكرامة الفقراء. ومن يعلق سوطا بين يدي سلطان جائر جعله الله حية طولها سبعون ألف ذراع، فتسلط عليه في نار جهنم خالدا فيها، ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوؤه، فإن مات وهو كذلك كات كالمستحل لما حرّم الله ومن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سمّ الأوساد وسمّ العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء، ويؤمر به إلى النار. وإن الله حرّم الجنة على المنان والبخيل والمختال والقتات ومدمن

стр. 250

الخمر والله تعالى أعلم. (الباب الخامس في حقيقة الدنيا) قال النبي ﷺ : الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلّا ما كان لله فليعلم أن جميع ما في الدنيا ثلاثة أقسام قسم ظاهره وباطنه من الدنيا ولا يجوز أن يكون من الآخرة وذلك مثل المعاصي والمقاصد السيئة وكذلك التنعم في المباحات والتمرغ في الشهوات كل ذلك من الدنيا المحضة والقسم الثاني في أشياء هي بصورها لله تعالى ولكن لا يجوز أن تكون بمعناها من جملة الدنيا، وذلك ثلاثة أنواع الذّكر والفكر في آلاء الله ، ومخالفة الشهوات، فإن كانت هذه الأشياء بنية لله فهي سبب الآخرة فتكون لله تعالى وإن كانت بنية أن ينظر الناس إليه بعين الوقار، ويشهدوا له بالصلاح أو مقصوده من الذكر طلب العلم ليكتسب به جاها ومالا أو يترك الدنيا لطمع أن يقال زاهد وورع فهذا كله من الدنيا الملعونة المذمومة. والقسم الثالث ما هو بصورته وظاهره من حظ النفس وحقيقة الدنيا، ويجوز أن يكون بقصده لله تعالى ونيّته مثل أكل الطعام يستعين به على عبادة الله تعالى، ويطلب النكاح على قصد أن يكون له ولد يعبد الله تعالى ويطلب المال بنية أن يستغني به عن الحرام، وعن الحاجة
следующие страницы →