← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فاقتسموا المواضع فبلغوا جزيرة فنزلوا لقضاء حاجة وصاحب السفينة ينادي أنا النذير والموت الموت المغير ألا عجّلوا عجّلوا فقد أزف الرحيل فتفرقوا ثلاثة فرق: فرقة كانوا أعقل الناس تطهروا ورجعوا فوجدوا مكانهم خاليا فجلسوا واستراحوا، وفرقة اشتغلوا بنضارة الجزيرة والنظر الى مزخرفاتها وأعاجيبها من أفانين الطيور والأصوات فلما انصرفوا وجدوها قد امتلأت بالقوم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت فجلسوا على التعب الشديد، وفرقة أخرى كانوا أحمق الناس وأجهلهم اشتغلوا بالنضارة والحديث وجمع آلات الجزيرة وأخذها حتى سيقت السفينة ولم يسمعوا نفير صاحبها فبقوا في الجزيرة مقيمين متحيرين حتى هلك بعضهم بالجوع وبعضهم بافتراس السباع، فالفرقة الاولى مثال المؤمنين المتقين، والفرقة المتخلفة مثال الكافرين المتخلفين، والفرقة المتوسطة مثال العاصين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فهذه أمثلة الدنيا ولو طولناها لطالت ولكن خير الكلام ما قل فدل ولم يطل فيمل والله تعالى أعلم. (الباب الثالث في شدائد الدنيا) قال النبي ﷺ : ارحموا ثلاثة عزيز قوم ذل وغنيا افتقر وعالما تلاعب به الجهال، وتذاكر بعض الصحابة شدائد

стр. 247

الدنيا فقال بعضهم الفقر، وقال آخرون السفر مع الفقر، وقال آخرون الغربة مع المرض والفقر، ثم قال أشدها أن يترك خادم المريض صاحبه على ظهر الطريق ويهرب منه قال الحسن: جهد البلاء أربعة كثرة العيال وقلة المال وجار السوء وزوجة تخونك. وقال الإمام الشافعي ﵁: الذل في الدنيا أربعة أشياء تذلل الشريف للدنيء لينال منه شيئا، وتذلل الرجل للمرأة لينال من مالها شيئا، وتعير المعير بلا فسحة وحضور المجلس بلا نسخة، وقيل ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة، الحماقة الطاعون والهرم. وقيل أشد شيء في الدنيا فراق الأحبة، والدليل على أن ألم الفراق أعظم أن زليخا ما قطعت يدها والنساء قطعن أيديهن لما علمن من فراق يوسف ﵇، وزليخا علمت أنه مقيم عندها، وقيل أشد شيء في الدنيا الفقر والمرض والهرم. وقيل الهم مع العيال، وقيل الغربة مع العلة، وقيل أشد شيء سؤال اللئام، وقيل رفيق يرافقك ولا يوافقك ولا يفارقك. وقيل أشد شيء مجالسة الأضداد ومعاشرة الأعداء، وقيل أشدها أن ينظر بعينه إلى زوال نعمته، وقيل أشده سوء الخلق فإن صاحبه يكون في جهد البلاء، وقيل جهد البلاء كثرة العيال مع قلة المال والأشياء التي تقتل سراج لا يضيء، ورسول يبطىء وبيت يكشف ودمدمة الخادم (حكاية) لما خلق الله

стр. 248

الأرض كانت ملساء متزلزلة، فأمر جبريل ﵇ أن يسكنها بقدميه فلم يقدر، فخلق الله الجبال الراسيات مسامير الأرض، فاستقرت فقالت الملائكة: يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الجبال؟ قال نعم الحديد يكسر الجبال فقالت: يا رب هل خلقت خلقا أشد من الحديد، قال نعم: النار تذيب الحديد. قالت يا رب هل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال نعم: التراب قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من التراب.. قال نعم: الريح يدفع التراب. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الريح.. قال: نعم الآدمي يحترس من الريح. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الآدمي.. قال: نعم النوم يصرع الآدمى. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من النوم.. قال: نعم الغم يذهب النوم. قالت يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الغم.. قال نعم: الموت يبطل الغم والنوم ويبطل كل حركة فلا شيء أشد وأعظم من الموت. ويقال خوف الهموم والهرم أشد من خوف الموت لأن في الممات راحة من كل شدة والشدائد كلها في الهموم والله أعلم. (الباب الرابع في المبكيات) قال النبي ﷺ : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء ولخرجتم إلى الصعداء

стр. 249

تجأرون إلى الله ورسوله. وقال لو تكاشفتم لما تدافنتم. وقال لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أبلاه، وعن شبابه فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه فيم عمل فيه. وقال: من اكتسب مالا من حرام لم تقبل له صدقة، ولا عتق ولا حج ولا عمرة. وكتب الله عليها أوزارها وما بقي بعد موته كان زاده إلى النار. مسكين إبن آدم يؤخذ عن الكل ويسأل عن الكل. وقال: من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منّا ويحشر يوم القيامة مع اليهود والنصارى، فكيف بمن يأخذ ماله ويريق دمه، وإياك وشرب الخمر، فقال ﷺ : شارب الخمر كعابد وثن، من مات ممن شربها لقى الله سكران ويدخل القبر سكران، ويدخل النار سكران، فإن ابتليت بذلك فتدارك التوبة والكفّارة والإحسان إلى العلماء وكرامة الفقراء. ومن يعلق سوطا بين يدي سلطان جائر جعله الله حية طولها سبعون ألف ذراع، فتسلط عليه في نار جهنم خالدا فيها، ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوؤه، فإن مات وهو كذلك كات كالمستحل لما حرّم الله ومن شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سمّ الأوساد وسمّ العقارب شربة يتساقط لحم وجهه في الإناء، ويؤمر به إلى النار. وإن الله حرّم الجنة على المنان والبخيل والمختال والقتات ومدمن

стр. 250

الخمر والله تعالى أعلم. (الباب الخامس في حقيقة الدنيا) قال النبي ﷺ : الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلّا ما كان لله فليعلم أن جميع ما في الدنيا ثلاثة أقسام قسم ظاهره وباطنه من الدنيا ولا يجوز أن يكون من الآخرة وذلك مثل المعاصي والمقاصد السيئة وكذلك التنعم في المباحات والتمرغ في الشهوات كل ذلك من الدنيا المحضة والقسم الثاني في أشياء هي بصورها لله تعالى ولكن لا يجوز أن تكون بمعناها من جملة الدنيا، وذلك ثلاثة أنواع الذّكر والفكر في آلاء الله ، ومخالفة الشهوات، فإن كانت هذه الأشياء بنية لله فهي سبب الآخرة فتكون لله تعالى وإن كانت بنية أن ينظر الناس إليه بعين الوقار، ويشهدوا له بالصلاح أو مقصوده من الذكر طلب العلم ليكتسب به جاها ومالا أو يترك الدنيا لطمع أن يقال زاهد وورع فهذا كله من الدنيا الملعونة المذمومة. والقسم الثالث ما هو بصورته وظاهره من حظ النفس وحقيقة الدنيا، ويجوز أن يكون بقصده لله تعالى ونيّته مثل أكل الطعام يستعين به على عبادة الله تعالى، ويطلب النكاح على قصد أن يكون له ولد يعبد الله تعالى ويطلب المال بنية أن يستغني به عن الحرام، وعن الحاجة

стр. 251

والسؤال وفراغ القلب. فالدقيقة في الباب أن حقيقة الدنيا ما هو حظ النفس في الحال ومجرد ذلك شهوة ونهمة لا تعلق له بالآخرة أصلا، وكل ما هو عمل الآخرة ومهمات أمرها كعلف الدابة في طريق الحاج. وإعداد الطعام لأجل الافطار، فليس من الدنيا لأن الله بيّن الدنيا وبيّن حقيقتها في خمسة أشياء نص عليها في قوله تعالى: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ فكل ما هو من الآخرة فليس من الدنيا، وما هو لأجل الدنيا وحظ النفس فذلك للدنيا المذمومة فاحذرها فليس للآخرة والسلام. (الباب السادس في الزهد في الدنيا) إعلم أنّ الله توعد على الرغبة في الدنيا بعظائم لم نجده أوعد في شيء غيره في قوله وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ثم قال فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال العلماء يعذبهم بجمعها وتزهق أنفسهم بحفظها وماتوا وهم كافرون بمنع الحق منها ثم أخبر الله تعالى أن فتنة الدنيا لا يعلمون حقيقتها حتى يتوسدوا في قبورهم على التراب كلّا سوف تعلمون في القبر؛ وقال ابن عباس في

стр. 252

تفسير قوله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا أصحاب الدراهم الذين يضعون الدرهم على الدرهم والدينار على الدينار وقال ﷺ : صلاح هذه الأمة الزهد واليقين وآخر فسادها البخل والأمل. وقال ﷺ : إنّ الله يبغض كل جموع منوع أكول ضروط شروب وقال: إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم دعوا الدنيا لأهلها ثلاث مرات، فمن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه ولا يشعر وقال: إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت هيبة الاسلام منهم وإذا تركت أمتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي. وقال: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج (فصل) إن الرغبة في الدنيا تورث حب المال، وحب المال يورث استحلال محارم الله ، واستحلال محارم الله يورث غضبه وغضب الله تعالى داء لا شفاء له فإن الخلق في الدنيا بين الحسنات والسيئات والشهوات واللذات والتمتعات وفي الآخرة بين الحساب والدرجات والدركات وغير ذلك فاترك السيئات حتى تنجو من الدركات واترك اللذات والشهوات حتى تنجو من الحساب، واعمل الحسنات حتى تبلغ الدرجات. قال القفال الشاشي رحمه الله تعالى ورحم أمواتنا وأموات المسلمين كافة: دخلت بغداد فرأيت الشبلي فقلت في

стр. 253

الدنيا الأشغال وفي الآخرة الأهوال فأين الراحة؟ قال: دع أشغالها تنج من أهوالها فعلمت أنه فاضل فقلت: القسام إذا قسم يتفاوت بين المقسوم فقال إن كان تصرفه في ملكه فيقسم كيف شاء، أشار إلى أنه مالك متصرف في ملكه أغنى قوما وأفقر آخرين وأعز طائفة وأذل قوما، وجاء رجل فقال: يا رسول الله ما الدنيا..؟ قال: حلم المنام وأهلها مجازون معاقبون، قال: كيف يكون الرجل فيها؟ قال: بمقدار التخلف عن القافلة، فقال: كم بين الدنيا والآخرة؟ قال: غمضة عين. فدخل فلم يره، وقال: هذا جبريل أتاكم يزهدكم في الدنيا فعليكم بالزهد في الدنيا. وكتب إلى أخ له فقال صف لي أمر الدارين فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم.. يا سائلي عن الدارين أما الدنيا فأحلام وأمّا الآخرة فيقظة والمتوسط بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام. لما توعد الدنيا به من شرورها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد. وقيل: الدنيا فرصة والناس حمالون فقوم يحملون أعمالهم إلى الجنة وقوم إلى النار فإن قيل ما العلة في رغبة الناس في الدنيا مع كثرة غمومها، فالجواب قلة معرفتهم بعيوبها فلو كشف الغطاء لهربوا منها، فإن قلت ما علة زهد الأمراء في

стр. 254

أبواب العلماء ورغبة العلماء في أبواب الأمراء فأقول أما زهد الأمراء فلقلة معرفتهم بفضيلة العلم، وأمّا رغبة العلماء فلمعرفتهم بفضيلة المال، وقيل من جمع المال وأقبلت عليه الدنيا، ثم منع المستحقين حقهم وادعى حقيقة أمره وزعم أنه عبد الله كان من المستهزئين بنفسه والله غفور رحيم. (الباب السابع في سبب رغبة الناس في الدنيا) اعلم أن سبب ذلك قلة اليقين واستيلاء الغفلة فلو تيقنوا أنّ دار الآخرة هي الحياة، وأن العيش عيش الآخرة وأن الأنبياء أفطن منهم حيث تركوا الدنيا وآثروا الآخرة عليها لزهدوا فيها، ولكنهم اغتروا بعاجل الدنيا يقينا واعتقدوا أن الآخرة خير وأبقى تقليدا. اللهم إلّا رجال الصدق فإنهم كوشفوا تحقيقا فلو كشف الغطاء ما ازدادوا يقينا، قيل الناس عمروا الدنيا وخربوا الآخرة فيكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قول آخر: ان الروح ألف الجسد وتعود صحبته وأشد شيء في الدنيا الفراق وفي رغبة الدنيا الصحبة والاجتماع، وفي رغبة الآخرة التفرق والإفتراق. فلهذا يرغبون في الدنيا. قول آخر: غرهم في ذلك طول امهال الله تعالى واستدراجه لذوي المعاصي فلو عاجلهم عند عظائم الأمور لزهدوا فيها ولكنهم أمهلوا حتى ظنوا أنهم

стр. 255

أهملوا. قول آخر: إنما رغبوا في الدنيا اغترارا بسعة رحمة الله تعالى وتوكلوا على عظم عفو الله، فقالوا هو لا يعذبنا مع قلة عددنا في جنب الكفار ولو عذبنا بذنوبنا فأي الناس ليس له عيوب؟ (وأي عبد لك لا ألما) المصيبة إذا عمت هانت (قول آخر) الأرض أمهم لأنهم خلقوا منها فيكرهون مفارقة الأم والله ذو الفضل العظيم. (الباب الثامن في حكايات الناس في الدنيا) رأى سليمان ﵇ بلبلا يغرد على شجرة فضحك، ثم قال أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ قالوا: أنت أعلم يا رسول الله فقال يقول: أكلت نصف ثمرة فشبعت منها: فعلى الدنيا السلام (حكاية) روي أن يهوديا صحب عيسى ﵇ فأعطاه ثلاثة أرغفة فأكل اليهودي أحدها فقال له عيسى ﵇ من أكل الرغيف؟ فقال: لا أدري، فذهب حتى استقبله ظبي فدعاه عيسى فجاء إليه فذبحه وشواه وأكلوا ثمّ قال: قم بإذن الله تعالى فقام فتعجب اليهودي. فقال عيسى: بحق الذي أراك هذه المعجزة ألا صدقتني من أكل الرغيف قال: لا أدري، فمرا حتى وصلا إلى البحر فأخذ عيسى ﵇ يده ومر به على الماء فقال اليهودي: هذا أعجب فأقسم عيسى عليه بذلك من أكل الرغيف. قال: لا

стр. 256

أدري. فانطلقا حتى وصلا إلى أرض رمل فجمع عيسى ﵇ بعض الرمل ثم قال: كن ذهبا بإذن الله تعالى فكان فقسمه ثلاثة أقسام، فقال: قسم لي وقسم لك وقسم لمن أكل الرغيف. فقال اليهودي من محبة الدنيا: أنا أكلت الرغيف يا رسول الله. فقال عيسى ﵇: يا عدّو الله رأيت عدة آيات فلم تقر فلما رأيت الدنيا أقررت يا مشؤوم دنياك هذه كلها لك. ومر عيسى ﵇ فجاء رجلان فرأيا اليهودي فأرادا قتله فقال: لا تقتلاني نحن ثلاثة فلكل ثلث. ثم قالوا: نبعث واحدا ليشتري لنا طعاما فذهب واحد فاشترى الطعام وخلطه بالسم وقال في نفسه يأكلان فيموتان ويكون المال كله لي، والرجلان عزما على قتله إذا أتى بالطعام ليكون المال بينهما، فلما رجع شدا عليه وقتلاه ثم جلسا وأكلا الطعام فاستلقى كل واحد ميتا فمر عيسى ﵇ عليهم فرآهم على تلك الحالة والمال موضوع بينهم فقال: أف لك يا دنيا ما أشأمك. (حكاية) مات رجل في بني اسرائيل وخلف إبنين فاختصما في قسمة جدار فسمعا صوتا: لا تختصما فإني كنت كذا وكذا سنة ملكا، وكذا كذا سنة أميرا وكذا وكذا صاحب مملكة ثم مت وخلطت بالتراب ثم صنع مني فخارة فبقيت كذا كذا سنة ثم كسرت فبقيت كذا كذا سنة. ثمّ عملوا مني لبنة فلم تتخاصمان، لأجل الدنيا المذمومة

стр. 257

والسلام. اللهم ارزقنا رزقا طيبا بغير تعب عليه في الدنيا ولا حساب ولا عقاب عليه في العقبى آمين والله أعلم. (الباب التاسع في مقالات الناس في الدنيا) قال الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه: لو كانت لي الدنيا بعتها برغيف وذلك لما أعلم من عيوبها وآفاتها، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه الدنيا أحدوثة فكن أنت من أحسن أحاديثها. وقال أحمد رضي الله تعالى عنه: من أراد أن يكون عزيزا في الدارين فليزهد في الدنيا. وقال مالك ﵁: ما رغب أحد في الدنيا إلّا إنصرف عنها بندم وخجل وحسرة وقال سفيان الثوري: وجدت الراحة والأنس في الخلوة والزهد في الدنيا، ووجدت الغموم والأحزان في مخالطة الناس، والرغبة في الدنيا. وقال داوود الأصفهاني: من رغب في الدنيا حرم الحكمة، وقال الأشعري: من رغب في الدنيا فقد أحب ما أبغضه الله تعالى وأنبياؤه وخالف الأنبياء والصالحين. وقال علي ﵁: من هوان الدنيا وحقارتها أن الله أخرج أطايبها من خسائسها فالدنيا سبعة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومنكوح ومسموع، ومبصر. أما المأكولات فأشرفها العسل وهو لعاب ذباب وأطيب المشروبات الماء، ويستوي في شربه

стр. 258

الآدمي والكلب، والخنزير. وأفضل الملبوسات الابريسم وهو لعاب دودة. وأشرف المناكح النساء وحقيقتها مبال في مبال وأشرف المشمومات المسك وهو دم غزال. والمسموع والمبصر مشترك بينك وبين البهائم. اللهم ارزقنا من عندك رزقا ولا تجعله استدراجا علينا يا الله. كتاب في سلوة العقلاء وفيه ثمانية أبواب (الباب الأول في تسلية العقلاء بالحوادث) إعلم يا أمجد الأمجاد وأجود الأجواد، يا صاحب المكارم والمعاني، يا من هو نظام المباني، إن الدنيا دار بلاء ومحنة واحن وبلايا وفتن لا تخلو عن الشوائب والكوارث لأنها دار الحوادث. طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار وكيف تصفو والخطاب الأزلي مع الرسول القرشي صريح في ذلك، قال الله تعالى: يا محمد بعثتك لأبتليك وأبتلي بك فمعلوم أن الله يستحيل أن يتغير وقال الحكماء: من قال لأخيه صرف الله عنك المكاره فكأنه دعا عليه بالموت إذ صاحب الدنيا لا بد له من مقاساة المكاره،

стр. 259

وقال آخر: دخلنا الدنيا مضطرين، وعشنا متحيرين، وخرجنا كارهين. ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب فالدار دار قلعة ومنزل رحله فمقاساة المكاره في الدنيا ضروري. ومن عادة الأيام أن صروفها ... إذا سر منها جانب ساء جانب هي الضلع العوجاء لست تقيمها. وكيف لا، والآدمي مذ دخلها في هدم عمره ونقصان رزقه لا يتنفس فيها نفسا إلّا بنقصان من بدنه، رؤي بعض الكبار وفي يده كاس دواء يتجرعها فقيل: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت في دار البليات أدفع الآفات بالآفات من الذي أذاقته الدنيا كاس حلاوة ولم تجرعه كاسات هموم وغموم؟ وفي الخبر أن طينة آدم ﵊، أمطر عليها تسعا وثلاثين سنة من المحن والبليات وسنة واحدة من الرحمة، فذلك إشارة وتنبيه أن أولاده ما لم يتجرعوا أربعين غصة لم يروا راحة. يا ساداتي واخواني أوائل العمر مرّة وآخره عبرة، ولما أراد موسى كليم الله أن يودع الخضر فقال: يا أخي أوصني فقال: يا موسى في كل شيء خلقه الله بركة سوى خلة واحدة لا

стр. 260

بركة فيها البتة وهي أعمار العباد في كل ساعة تنقضي وتنقص حتى تتلاشى. فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمستعز بما لديه الأحمق غيره فالعيش حلم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري فيجب على العاقل أن يوطن نفسه على مصائبها ولا ينافس في زخارفها ويداري أهلها ويماري قومها. دنيا تغر فكن منها على حذر ... فالعمر مأوى مخافات وآفات فإن نالته محنة فيقول ذلك تقدير العزيز العليم، وإن أصابته بلية فيقول سنة الله التي قد خلت في عباده، وإن أحاطت به المكاره فيقول قد بلى فيها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن سليمان أعطى فشكر، وأن أيوب إبتلى فصبر، وأن محمدا ﷺ أوذى فغفر. ويعلم أنه مسجون والعافية من السجون عارية والسلامة منه بعيدة والدنيا سجن المؤمن فالأحمق من طلب الرفاهية والعيش في السجن والعافية للمسجون محال والسلامة معدومة. ثم إن ابتليت

стр. 261

بكريهة فتذكر محنة الله فوق ذلك فيهنأ عيشك واشكر الله تعالى على ذلك فما من بلاء إلّا وفوقه أعظم وأطم، وما يدفع الله أكبر فتذكر حال المرضى والزمنى المجذومين والمفلوجين وأصحاب العلل والعاهات. واشكر الله تعالى. وقال ﷺ : لو لم يكن لإبن آدم إلّا الصحة والسلامة لكفاه بهما داء قاتلا للجسد. ويقول إن ابتليت أنا فقد ابتلى الصالحون قبلي. ويقول لو لم تكن الدنيا دار محنة لما كانت الجنة التي أعدت للمتقين. فإن ابتلى في نفسه فيقول قد ابتلى الأنبياء. وإن مرض فيقول المرض يذكر الموت ويغفر الذنب. وإن ابتلى بأخذ مال، فيقول الحمد لله على سلامة النفس. لا بارك الله بعد العرض في المال. وإن ابتلى في الأهل والأولاد فيقول قد قدمت إلى الآخرة شفيعا واحتسبت أولادي عند الله. وإن ابتلى في ماله فيقول إذا سلم الدين فالحوادث جبار وإن أصابته بلية من السلطان فيقول الحمد لله الذي أصبح أعدائي بين يدي الله وأكون عبد الله المظلوم، ولم أكن عبد الله الظالم. وإن انكشف عيبه فيقول الحمد لله فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. وإن كفرت صنائعه فيقول الحمد لله ما ضاع عرف صنع بين الله والناس وإن لم يكن هو أهله فأنا أهله، وإن أصيب إخوانه فيقول غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه، وإن مات قريبه فيقول قد مات

стр. 262

رسول الله ﷺ وما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن الله كتابا مؤجلا. وإن مات خادمه فيقول الله باق وتوكلت على الحي الذي لا يموت. وإن عزل عن ولاية فيقول: الحمد لله الذي لم يعزلني عن الايمان والعز الأبدي في الايمان والسلطنة الكبرى والمملكة العظمى في الاسلام. وإن أكره على مال فيقول قرت ورب الكعبة عيني وثقلت موازيني يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. وإن شاخ وضعفت قوته فيقول من شاب شيبة في الاسلام كان له نورا يوم القيامة يا نفس أبشري فالشيب نوري وأنا أستحي أن أحرق نوري بناري. وإن نقصت دوابه فيقول وفىّ الله للبار المطيع طلبه وإن جاءه سائل فيقول هدية الله إلى المؤمن. وإن جاءه عالم فيقول هذا من كرامة الله تعالى علي. فمن أكرم عالما فقد أكرم الله تعالى وإن سمع شيئا في أهل بيته فيثب وثبة الأسد إذ لا دين لمن لا حمية له، وإن أصيب في دينه فيولول ويصيح ويبكي ويستغيث ويقول: فكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران (الباب الثاني في مخاطبة النفس) إن أصابه شدة أو مرض أولاد فيقول: يا نفس إصبري

стр. 263

فقد قال ﷺ : لا خير في بدن لا يمرض، ولا في مال لا يصاب. ويقول: أنين المريض تسبيح وحنينه تهليل كم قد نعمت وسلمت، يا نفس، فاصبري وتصبري فقد عشت خمسين سنة أو تسعين في عافية ونعمة فاصبري في هذه الأيام لتنالي أجر الصابرين، فإن صبرت فمأجورة، وإن لم تصبري فجبورة فاشكري الله تعالى اذ لم يجعل سقمك أكثر من صحتك فلو أسقمك جميع عمرك ما كنت تصنعين؟ قولي لي: أتخاصمينه أم تحاربينه، العبد عبده والأمر أمره. وقد قال ﷺ ما أصاب المسلم شيء إلّا كان كفارة له. يا نفس اصبري فلعل هذا المرض يكون نصيبك من الدنيا أو من العذاب فقد فسر أبي بن كعب ﵁ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال: المصيبة في الدنيا. ثم يسلي نفسه بعزاء الله تعالى فيقول أما قال إبن عباس ﵄ في قوله تعالى جل وعلا وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ قال أخبر الله عباده أن الدنيا دار بلاء وإنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر، فقال وبشر الصابرين ثمّ أخبرهم انه هكذا فعل بأنبيائه وأوليائه وصفوته تطييبا لقلوبهم فقال مستهم البأساء والضراء، فالبأساء الفقر، والضراء المرض، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم فعلى العاقل أن يسلي نفسه لدى المصيبة والمرض حتى يجد ثواب الصابرين. قال رسول الله ﷺ : من

стр. 264

استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلقا صالحا يرضاه؛ وفي الخبر أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون وأصيب من المهاجرين ستة منهم حمزة وقال لصبر: أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الاسلام خير من عبادته خاليا أربعين سنة قال ﷺ من يرد الله به خيرا يصب منه. قال صاحب الغرتين ومعنى ذلك ابتلاه بالمصائب ليثيبه عليها والله أعلم وإن أعرضت عنه الدنيا ينشد شيئا من الشعر في معنى ذلك. غدرت وقد عزمت على أن قد تفي ... لا سر من بوصال عهدك يوثق فتنفست أسفا وعضت كفها ... غضبا وقالت لست ممن يعشق وتعلقت يوم الوداع بخصمها ... مثل الغريق بمن يجد يتعلق يا ليت حماه كانت مضاعفة ... يوما بشهر وأن الله عافاه غيره قد قلت للسقم كم ذا قد لهجت به ... فقال لي مثل ما تهواه أهواه

стр. 265

حلفت للسقم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه غيره لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات اني أحيى عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر البشر للانسان أبغضه ... كأنه قد ملا قلبي مسرات ولست أسلم ممن لست أعرفه ... فكيف أسلم من أهل المودات الناس داء، دواء الناس تركهم ... وفي الجفاء لهم قطع الاخوات فخالق الناس واصبر ما بقيت لهم ... أصم أبكم أعمى ذا تقيات وإن جفاك اخوانك وكفروا نعمتك وأنكروا صنعك ورأيت ممن أحسنت له سيئة أو مرضت فلم يعدك أو قدمت فلم يزرك أو تشفعت فلم يقبلوا فلا تغتم وتسل بهذه الابيات التي لابي بكر الصديق ﵁:

стр. 266

تغيرت الاحبة والاخاء ... وقلّ الصدق وانقطع الرجاء وأسلمني الزمان الى صديق ... كثير الغدر ليس له وفاء يديمون المودة ما رأوني ... ويبقوا الود ما بقي اللقاء وكل مودة لله تصفو ... ولا يصفو على الخلق الاخاء وكل جراحة فلها دواء ... وخلق السوء ليس له دواء وان ضيع عمره فيمن لا يعرف حقه وجمع علوما فلم ينتفع بها دنيا وأخرى فليرث نفسه بهذه الابيات: جمعت كنوزا من دنانير حكمة ... بقالب فكر لي مقيما على الذكر فسر هوى نفسي ستضحك عن غنى ... وعين صفاء الناس تبكي من الفقر ربحت على علمي كنوز مدائحي ... وإني لمن صدق الحقائق في خسر فأصبحت مغبوطا بظاهر ما أرى ... وأصبحت مغموما بباطن ما أدري

стр. 267

وخصمي جبار أقر له بما ... فعلت ولا يخفى على علمه أمري عسى هو بالاقرار يعفو بفضله ... والا فلا يزداد بالجحد في وزري فأغسل كالقصار ثوبي بحكمتي ... وان مياه البحر تعجز عن طهري ان قحطت فقل يا نفس الشبع يكنى أبا الكفر جوعي لتشبعي واشبعي لتقنعي واخشي لترفعي إلى ربك وإن عمرت الى الشيخوخة وأنت بعيد في خدمة السلطان فاعلم أنه مصيبة عظيمة أعظم بها من مصيبة، ثم أعظم، فمن لم يتفرغ إلى ربه في آخر عمره متى يتفرغ ومن لم ينته بعد سبعين حجة فمتى ينتهي!؟ وينبغي أن يعاقب نفسه ويقول: أياذا الشيب مالك لا تتوب ... وقد عالى عوارضك المشيب أبعد الشيب تعصى ذا المعالي ... جواد ماجد رب قريب يجود بعفوه والشيخ لاهي ... فأمر الشيخ ويحكمو عجيب أسكان القبور متى التلاقي ... وقد أودى بشمسكم الغروب

стр. 268

وأعلم أن النفس ما حملتها تتحمل فإذا هذبتها وأدبتها تهون عليك مصائب الدنيا، وإن استرسلتها عقرتك وآذتك فتصبح في هم وتمسي في غم فالجهاد الاكبر معالجة النفس والله أعلم، وأنشد الشبلي ﵀. يمينا صادقا حقا ... برب العرش والكرسي فما عالجت في عسر ... كمثل العسر في النفس فإن صارعتها ويل ... وإن صارعتها عرسي مع الابليس إبليس ... وما الابليس في النفس فمن يطيق رياضة النفس!؟ وخلق الانسان على خلقة لا سبيل إلى نقضها، خلق عجولا ضعيفا شهوانيا كارها للمصائب نفورا عن الفقر، فخوف الفقر من جبلة النفس والامتناع منها، ولكن أرشدكم الى دقيقة لطيفة تميزون بها بين ما هو لله تعالى وبين ما هو حظ النفس والشيطان، مثاله إنسان صائم قد أجهده العطش فنظر إلى ماء بارد فلا شك انه يشتهيه، فاشتهاؤه من فعل الجبلة وامتناعه من فعل الايمان، ورجل نظر إلى امرأة حسناء فلا يقدر أن لا يشتهيها، ولكن غض

стр. 269

بصره من فعل الايمان، وحب الرئاسة من طبيعة الانسان وكف النفس عن الحرام وسفك الدماء وأخذ المال من الايمان فافهم ذلك وقس عليه، وفي الجملة أفعال الخير تدل على السعادة وأفعال الشر تدل على الشقاوة والعاقبة مخفية والأعمال بخواتيمها والسلام. (حكاية) عن مجاهد رحمه الله تعالى يؤتى بثلاثة يوم القيامة بالغني والمريض والعبد المملوك فيقال للغني: ما شغلك عن عبادتي؟ فيقول: يا رب أكثرت مالي فطغيت، قال: فيؤتى بسليمان ﵊ في ملكه فيقول: أنت أكثر شغلا من هذا؟ فيقول: لا، فيقول: ان هذا لم يشغله ذلك عن عبادتي، ثم يؤتى بالمريض فيقول: ما منعك عن عبادتي؟ فيقول: شغلت بجسدي فيؤتى بأيوب ﵊ في ضره فيقول: أنت كنت أشد ضرا من هذا أم هذا قال: بل هذا، فيقال: إن هذا لم يمنعه عن عبادتي، ثم يؤتى بالمملوك فيقال: ما منعك عن عبادتي؟ قال: جعلت عليّ ربا فيؤتى بيوسف ﵊ فيفعل معه مثل ما تقدم فنسأل الله تعالى العافية مع القبول. (الباب الثالث في تسلية الله عباده) قال الله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فأخبر الله ان سبب

стр. 270

الحوادث وزوال النعمة، إنما حدث بسبب شؤم فعل الآدمي اما بترك الشكر وإما بارتكاب المعصية، ويجوز أن يكون معناه في الأغلب والأكثر فإن الانبياء والاولياء تصيبهم البلايا واللأواء ولا تكون لهم سيئة فارجعوا على أنفسكم باللوم والتوبيخ لكيلا تأسوا على ما فاتكم، يعني أعلموا أن العطية كانت مقدرة بالوقت الذي جاورتكم فيه ومن أعطى شيئا فلا ينله إلا في الوقت المعين، فلا ينبغي له إذا استرجع منه أن يحزن، ولا تفرحوا بما آتاكم أي لا تأشروا ولا تبطروا ولا تتكبروا على من لم يؤت مثل ما أوتيتم لانه عارية عندكم وليس بملك وان حقيقة الملك لله، وليس للمستعير أن يتبجّح بالعارية لانه لا يأمن في كل وقت أن يسترجعها منه صاحبها فيا معشر الفضلاء تفكروا ويا جمهور العقلاء تذكروا فجميع أنواع الدنيا وأملاكها من النفوس والاملاك والاموال والاولاد والجاه والحشمة كلها عوار مردودة فانتفعوا بها قبل أوان استرجاعها، وغير هذا قال العلماء الانبياء لا يورثون مالا وإنما يورثون الاقتداء بهم لانه لا مال لهم حقيقة بل كانت عوار فلما قبضوا استردت لصلابة يقينهم وجوز للأمة القسمة والتوارث لضعف يقينهم ومساس حاجتهم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ قال: ليس لأحد أن يفرح

стр. 271

ويحزن ولكن إذا أصابته مصيبة صبر وإن أصابه خير جعله شكرا ويسلي نفسه ويقول: فيا نفس صبرا لست أول وامق ... ورفقا فإن الحب فيه عجائب كريم أصابته من الدهر نكبة ... وأي كريم لم تصبه النوائب وإن عوفي من مرضه أو نكبته فلا يأخذه الا شر والبطر فيقول تخلصت واسترحت فالدار دار حوادث وأن القضاء بالمرصاد فهب أنه نجا من النفس والهوى فكيف ينجو من الحكم والقضاء؟ مات رسول الله ﷺ وما خلف الا قميصه الذي توفي فيه، ومات أبو بكر ﵁ وما خلف لا درهما ولا دينارا، وأبو ذر في النزع وأهله تقول: تموت وليس عندك أحد من الرجال وليس عندنا ما يكفنك فمن لم يتسل بالنبي وأصحابه فاعلم أنه مطبوع على قلبه ولم يرد الله به خيرا قط، فرحم الله امرأ قصد النبي ﷺ وأصحابه واقتدى بهم ﵃ فلو كانت الدنيا خيرا لسبق إليها رسول الله ﷺ ، ويروى أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: أدع الله لي فقال: أكثر الله مالك وأطال عمرك وأصح جسمك وبدنك وقال: الاكثرون هم الاقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وقليل ما هم، قال الضحاك: الاكثرون

стр. 272

هم أصحاب عشرة آلاف دينار، وأعلم انك لو أردت أن تجرب نفسك في ترك ولاية أو نجرع غصص واختيار عزلة لعصت ولو تشفعت إليها بجبريل وميكائيل وكل ولي وزاهد لم تجب حتى تتشفع إليها بالجوع فحينئذ تطيعك وتتسلى عن الشهوات واللذات وتتذكر الأبيات: أراك على البطالة لا تبالي ... حلالا كان كسبك أم حراما وتقطع طول عمرك بالتمني ... وبالتسويف عاما ثم عاما ولو علم الخلائق سوء فعلي ... لما ردوا على مثلي سلاما وأعظم مصيبة تنزل بالانسان عبادة نفسه فمن ابتلى به قسا قلبه ولم يخرج عن متابعة الهوى ومن كان متابعا للهوى كانت النار له مأوى ومن جزع في المصائب فقد أرغم القضاء والقدر، كما قيل: لا أرضى بالقسمة ولا أشكر على النعمة ولا أستغفر من المعصية ولا أصبر على المحنة فأين حقيقة العبودية؟ قال: الشعبي اني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها وأحمده إذ وفقني الاسترجاع لما أرجو فيه

стр. 273

من الثواب وأحمده إذ لم يجعلها في ديني. وجيء بنصراني يطبب أبا بكر بن عياش فولى وجهه إلى الحائط وقال: بعد أن صرفت عني ما فيه فاصنع بي ما شئت، وأصاب الربيع ابن خيثم الفالج فقال: والله ما اختاره عن هذا الذي بي أن يعطيني الله الديلم، وقيل له: لو تداويت قال قد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس كانت لهم أطباء فما بقي المداوي ولا المداوى ثم أنشد يقول: ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبري مثله فيما مضى هلك المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى قال أخ لابراهيم التيمي وهو في البلاء: لو دعوت الله أن يفرج عنك قال: اني لأستحي أن أسأله أن يفرّج عني فيما فيه أجر. وعظ واعظ هارون الرشيد فقال: ما أخلف الليل والنهار ولا دارت نجوم في فلك إلا تنقل النعيم عن ملك قد انقضى ملكه إلى ملك. (الباب الرابع في بيان أي الناس أشد بلاء) فإن أصابك وخشيت بلاء فليكن لك في رسول الله أسوة

стр. 274

حسنة فإن أشد الناس بلاء الانبياء، ثم الاولياء، عن سويد بن عبد الله قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكا شديدا فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا قال: إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم قلت: ذاك بان لك أجرين قال: أجل، وما من رجل مسلم يصيبه أذى من مرض وما سواه إلا حط الله عنه سيئاته كما تحط الشجرة ورقها وقال: أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء ذلك لعلمهم أن الدنيا لا بقاء لها وأن المبتلي يكاشفهم. وأما نحن فقد قست قلوبنا وطبع على قلوبنا وصدورنا فقد ابتلينا ببلاء كدنا أن نرمي من السماء أولئك الرجال ونحن المتخلفون المبتلون بالبطن والفرج، شتان بين قوي وضعيف وجاء في رواية: يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان صلب الدين اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب ذلك فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الارض وما عليه خطيئة، وقال: مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الارز لا تزال قائمة حتى تستحصد: وأصاب رسول الله ﷺ وجع فجعل يشتكي ويتقلب على

стр. 275

فراشه فقالت له عائشة ﵂: لو فعل هذا بعضنا وجدت عليه، فقال: ان المؤمنين ليشدد عليهم وقال إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط وفي رواية فمن حبه إياه يمسه البلاء حتى يدعوه فيسمع دعاءه، في رواية: وهو يحبه ليسمع تضرعه، وقال: لو كان المؤمن في جحر لقيض الله له فيه من يؤذيه، وعن الحسن: ما من مؤمن إلا له جار منافق، قال قتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين ملقى على كناسة بيت المقدس حتى قالت امرأته فو الله قد نزل بي الجهد والفاقة حتى إني بعت قرني برغيف فأطعمتك فادع الله أن يشفيك، قال: ويحك كنا في النعمة تسعين عاما فنحن في البلاء سبع سنين، وعن الحسن إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ قال: يذكر المصيبات وينسى النعم ما بين كان فلان وبين كان فلان إلا بمقدار ما ينقضي النفسان قيل للعتبي: مات محمد بن عباد فقال: نحن متنا بفقده وهو حي بمجده، أتى ملك الموت داود ﵊ وهو يصعد في محرابه فقال: جئت لقبض روحك فقال: دعني حتى أرتقي وأنزل فقال نفدت الايام والشهور والارزاق فما إلى هذا سبيل فقبض روحه.

стр. 276

(الباب الخامس في كفارات الذنوب) قال الصديق ﵁: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فكل سوء عملناه جزينا به، فقال رسول الله ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ألست تمرض ألست تنصب ألست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى قال: فذاك ما تجزون عنه، وفي رواية: هذا ما يناله الله من العبد مما يصيبه من الحر والحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيصرع لها، وقال: ما من مسلم يصاب بمصيبة إلا كفر الله عنه بها حتى الشوكة يشاكها، وفي رواية: حط الله عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة، وقال ﷺ : وصب المؤمن كفارة لخطاياه وقال: إنما مثل المريض إذا برىء أو صح من مرضه كمثل بردة تقع من السماء في ضيائها ولونها وقال: الحمى كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة وقال: من ابتلاه الله ببلاء جسده فهو له حظه، وقال: أيكم يحب أن يصح فلا يسقم قالوا: كلنا يا رسول الله قال: أتحبون أن تكونوا كالخمر الضالة ألا تحبون أن تكونوا أصحاب كفارات والذي نفسي بيده ان العبد تكون له الدرجة في الجنة لا يبلغها بعمله حتى يبتليه الله بالبلاء ليبلغ به تلك

стр. 277

الدرجة في الجنة لا يبلغها بشيء من عمله. (قوله: الحمر الضالة) أراد به حمر الوحش وقال ﷺ : ان الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة، وقال ﷺ : الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله وقال: لا تكرهوا أربعة فإنها لاربعة، لا تكرهوا الرمد فإنه يقطع عروق العمى، ولا تكرهوا الزكام فإنه يقطع عروق الجذام، ولا تكرهوا السعال فإنه يقطع عروق الفالج، ولا تكرهوا الدماميل فإنه يقطع عروق البرص وقيل لابي ذر: إنا نحب أن نصح ولا نمرض فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الصداع والمليلة لا يزالان بالمؤمن وإن كان ذنبه مثل أحد حتى لا يدعان عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل. ودخل اعرابي على أبي الدرداء ﵁ وهو أمير، فقال: ماله؟ قلنا: هو شاك قال: والله ما شكيت قط أو قال: ما صدعت قط فقال أبو الدرداء: أخرجوه عني ليمت بخطاياه ما أحب ان لي بكل وصب حمر النعم، إن وصب المؤمن يكفر خطاياه، وقال رسول الله ﷺ لاعرابي: هل أخذتك أم ملدم؟ فقال: وما هي؟ قال حرّ بين الجلد واللحم، قال: فما وجدت هذا قط قال: فهل أخذك الصداع؟ قال: لا فلما ولى قال ﷺ : من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر الى هذا، وقال رجل: ما رزئت

стр. 278

في مال ولا ولد فقال ﷺ : أن أبغض العباد إلى الله العقربة الذين لم يرزؤا في مال ولا ولد قال فبايعه بأطراف أصابعه وقال: إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه لا يدري فيم عقلوه ولا فيم أطلقوه، فقال رجل: يا رسول الله ما الاسقام؟ قال: أو ما سقمت قط؟ قال: لا، قال: فقم عنا فلست منا، وطلق خالد بن الوليد ﵁ امرأته ثم أحسن عنها الثناء فقيل يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟ قال: ما طلقتها لأمر رابني ولا ساءني ولكن لم يصبها عندي بلاء، وكان الرجل منهم إذا مرّ به عام لم يصب في نفسه ولا في ولده ولا في ماله، قال: مالنا وعدنا الله لنا. (الباب السادس في المريض الذي يكتب ثواب عمله) قال ﷺ ما من أحد من المسلمين يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه أن اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة مثل ما كان يعمل من الخير ما دام محبوسا في وثاقي، وقال: وكل الله بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله فإذا مات قال الملكان اللذان وكلا به يكتبان عمله: قد مات فتأذن لنا فنصعد الى السماء فيقول الله عز

стр. 279

وجل: سمائي مملوءة بملائكتي يسبحوني، فيقولون: أنقيم في الارض؟ فيقول الله: أرضي مملوءة بخلقي، قوما على قبر عبدي فسبّحاني واحمداني وكبراني وهللاني واكتبا هذا لعبدي إلى يوم القيامة، وفي رواية إذا مرض العبد المسلم نودي صاحب اليمنى ان أجر على عبدي صالح ما كان يعمل ولصاحب الشمال اقصر عن عبدي ما كان في وثاقي عن أنس قال حدثنا رسول الله ﷺ بشيء ما فرحنا مذ عرفنا الاسلام بشيء فرحنا به قال إن المؤمن يؤجر في هداية السبيل واماطة الاذى عن الطريق وفي تعبيره بلسانه عن الاعجمي وانه يؤجر في اتيانه أهله، واعلم يا سيد الوزراء ان الله تعالى حكيم فإذا أنزل بعبده بلاء أنزل عليه الصبر ثم يعينه عليه، قال رسول الله ﷺ ان الله أنزل المعونة مع المؤنة وأنزل الصبر عند البلاء وقال الله تعالى يا داود اصبر على المؤنة تأتك المعونة. (الباب السابع في تسلية النفس بموت الاقارب) أعظم مصيبة الآدمي مصيبته في نفسه فإن نفسه مطية إلى ربه وفي كل خلف سوى نفسه فلا خلف له فنفس تنجيها خير من امارة لا تحصيها فإذا بقيت نفسه تمكنه نجاتها اما بتوبة عما سلف أو بطاعة تؤتنف فبقية عمر المرء لا قيمة له

стр. 280

أما إذا بلغت نفسه فقد طويت صحيفته وانقطع عمله الا ما استثنى الشرع وهو ولد صالح يدعو له ثم أعظم مصيبة بعد نفسه في ولده فإنه فلذة كبده وبضعة من نفسه به يحيا اسمه وبولده يبقى بيته وهو البناء المخلد والحياة الثانية وإليه اشارة قوله ﷺ ما ولد في أهل بيت ذكر إلا أصبح لهم عز لم يكن، سئل قتادة ما أعظم المصيبة قال مصيبة الرجل في دينه. قال ليس عن هذا أسألك قال فموت الاب قاصمة الظهر وموت الولد صدع في الفؤاد وموت الاخ قص الجناح وموت المرأة حزن ساعة قال من قصر عمره رأى الفجيعة في نفسه ومن طال عمره رأى الفجيعة في أعزته وقال ﷺ إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب. اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بان المرء غير مخلد وإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد ولما مات ابراهيم بن رسول الله ﷺ فجعلت عيناه تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله فقال يا ابن عوف إنها رحمة وقال يا ابن عوف ان العين لتدمع وان القلب ليخشع ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وانا بفراقك يا

стр. 281

ابراهيم لمحزونون. ولما احتضر سعد بن عباده عاده رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ثم بكى وبكوا فقال ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ويعذب بهذا وأشار الى لسانه، ونظر عليّ بن أبي طالب ﵁ الى عدي بن حاتم وهو كئيب حزين فقال مالي أراك كئيبا حزينا فقال وما يمنعني يا أمير المؤمنين وقد قتل ابني وفقئت عيني فقال يا عدي بن حاتم انه من رضي بقضاء جرى عليه كان له أجر ومن لم يرض بقضاء جرى عليه حبط عمله، وتوفى ابن الجعفر الصادق فخشي عليه الجزع فخرج هادئا سالما فقال له قائل وخشينا عليك فقال إنا ندعو الله فيما نحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما نحب، عن قتادة قال: فرح صاحبا موسى بالغلام حين ولد لهما وجزعا عليه حين مات ولو عاش لكان فيه هلاكهما، وعزي عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك فقال ان الموت أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه فلما وقع لم ننكره، كان خالد بن أشيم يأكل فجاءه رجل فقال مات أخوك فقال هيهات نعي اليّ اجلس فكل فقال ما سبقني إليك أحد فقال قال الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون. (كتب عمر بن عبد العزيز) الى عون بن عبد الله يعزيه أما بعد فانا أهل الآخرة سكنا الدنيا أمواتا والعجب من ميت كتب إلى ميت يعزيه

стр. 282

بميت، جزع ابن مهدي على ابن له مات حتى امتنع من الطعام فكتب إليه المطلبي الشافعي ﵁، أما بعد فعز نفسك بما تعزي به غيرك واستقبح من فعلك ما تستقبح من فعل غيرك وأعلم أن أغص المصائب فقد سرور مع حرمان أجر فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر وأنشد: أني أعزيك لا أني على طمع ... من الخلود ولكن سنة الدين فما المعزي بباق بعد صاحبه ... ولا المعزى وان عاشا الى حين (وأنشد لابن المعتز) هو الدهر قد جربته وعرفته ... فصبرا على مكروهه وتجلدا وما الناس الا سابق ثم لاحق ... وآبق موت سوف يلحقه غدا (الباب الثامن في بيان العسر واليسر) خرج النبي ﷺ يوما مسرورا فرحا وهو يضحك ويقول لن يغلب عسر يسرين ان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا، وعن أنس ﵁. كان النبي ﷺ جالسا وحياله جحر فقال لو جاء العسر ودخل هذا الجحر

стр. 283

لجاء اليسر فدخل عليه فأخرجه قال فأنزل الله تعالى فان مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وقال ابن مسعود ﵁ لو أن العسر دخل في جحر لجاء اليسر حتى يدخل معه ثم قال، قال الله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً وحصر أبو عبيدة فكتب إليه عمر ﵁ مهما ينزل بامرىء شدة يجعل بعدها فرج، فإنه لن يغلب عسر يسرين وأنشد محمود بن عامر: يا فارج الهمّ عن نوح وأسرته ... وصاحب الحوت مولى كل مكروب وفالق البحر عن موسى وشيعته ... ومذهب الحزن عن ذي البث يعقوب وجاعل النار لابراهيم باردة ... ورافع السقم عن أوصال أيوب ان الاطباء لا يغنون عن وصب ... أنت الطبيب طبيب غير مغلوب (وأنشد غيره) مفتاح باب الفرج الصبر ... وكل عسر معه يسر والدهر لا يبقى على حالة ... والأمر يأتي بعده الامر

стр. 284

والدهر تفنيه الليالي التي ... يأتي عليها الحشر والنشر وكيف يبقى حال من حاله ... يسرع فيها اليوم والشهر (وأنشد آخر) إذا لاح عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر (وأنشد البستي) إذا عز أمر فاستعن أنت بالذي ... قدير على تيسير كل عسير فبين ترقي جوزة وانحدارها ... فكاك أسير وانجبار كسير قال أبو عمرو بن العلاء: كنا نقرأ أيام الحجاج بصنعاء فسمعت منشدا يقول: ربما تجزع النفوس من الامر ... لها فرجة كحل العقال فاستظرفت قوله فرجة فسمعت قائلا يقول: مات الحجاج فما أدري بأي الامرين كنت أشد فرحا بموت الحجاج أم بذلك البيت؛ قال بعضهم: رأيت مجنونا قد ألجأه الصبيان

стр. 285

إلى مسجد فقعد في زاويته حتى تفرقوا فقام وهو يقول: إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأصعب الأمر أدناه من الفرج وبعض الوزراء كفاه الملك لموجدة وجدها عليه فاغتم لذلك غما شديدا، وفيما هو ذات ليلة في مسيرة إذ أنشده رجل كان معه: أحسن الظن برب عودك ... حسنا أمسى وسوى أودك ان ربّا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك فسر عنه وأمر له بعشرة آلاف درهم. غيره عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله النائي الغريب ويروى لأمير المؤمنين كرّم الله وجهه: كم فرجة مطوّية ... لك بين أثناء النوائب
следующие страницы →