← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يريد أن يئد ابنته إلا اشتريتها بالقوحين فعمل حتى جاء الاسلام وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ يا هذا استحي من الله ﵎ من ايراد هذه المكارم. هل من بني زمانك أو من سلطانك واحدة مما عددتها يا عجبا ودهرنا عجائب هذا كافر يأتي بالمكارم والمنتمون إلى الإسلام بمعزل، أين الرجال يا نساء الرجال وربات الحجال قل للوزراء حتى يطالعوا وقل للرؤساء حتى يتهيؤا فقد غاض الكرام ونبغ اللئام وتكدرت الأيام. مكرمة غالب بن صعصعة أبو الفرزدق أقرى مائة ضيف احتمل عشر ديات وهو لا يعرف من هم. مكرمة فقير كان يمشي في شوارع بغداد فنظر إلى جارية الخليفة فشغف بها حتى عجز عن الصبر فكتب قصته ودفعها إليه فقال اطلبوا صاحبها فأحضر، فقال أي شيء حملك على هذا فقال ثقة بكرمك واعتمادا على تفضلك. فقال لا نخالف ظنك فأعتقها وزوجها منه. بعث عبد الله بن جعفر إلى وليمة بخمسمائة دينار واعتذر من حضوره وسأله أن يحلله من ذلك. عطش عبيد الله بن أبي بكر فاستسقى في طريقه من منزل امرأة فأخرجت كوزا وقالت إني امرأة من العرب مات صاحبي منذ أيام فشرب وقال لغلامه احمل اليها عشرة آلاف درهم فقال سبحان الله أتسخر بي فقال أعطها عشرين ألفا قالت أسأل الله العافية. قال يا غلام احمل

стр. 352

اليها ثلاثين ألفا فردت الباب فأعطاها ثلاثين ألف درهم فما مضى الشهر حتى كثر خطابها. مكرمة مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ اخوانه في العيادة فقيل إنهم يستحيون من الدّين الذي لك فقال أخزى الله الدين ثم أمر مناديا من كان لقيس عليه مال فهو في حل فكسرت عتبته بالزحام. مكرمة خرج عبد الله بن جعفر ﵄ إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود فدخل كلب النخيل فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى بالثاني والثالث وعبد الله ينظر فقال يا غلام كم قوتك قال ثلاثة أرغفة قال فلم آثرت هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب فعلمت أنه جاء من مسافة بعيدة فكرهت رده، قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي فقال عبد الله أمدح بالسخاء وإن هذا لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وأعتقه ووهبها له. أين أصحاب الدعاوى فيعتبرون هذه المكارم لا قعبان من لبن. مكرمة أتى رجل صديقا له فدق الباب فخرج فقال لماذا جئتني قال لأربعمائة درهم ركبتني فدخل ووزن أربعمائة درهم ودفعها إليه ودخل الدار باكيا فقالت له امرأته هلا تعللت حين شق عليك فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي به. مكرمة أراد رجل عبد الله بن العباس فأتى وجوه البلد وقال يقول لكم فلان تغدوا عندي اليوم فأتوه

стр. 353

فملؤا الدار فقال ما هذا فأخبر الخبر فأمر بشراء الفواكه والطبيخ فلما فرغوا قال لوكلائه أموجود لنا كل يوم هذا قالوا نعم قال فليتغد هؤلاء عندنا كل يوم. مكرمة أبي سهل الصعلوكي سأله انسان شيئا فلم يحضره فقال اصبر حتى أفرغ من الوضوء فلما فرغ من الوضوء قال خذ القمقمة واخرج ووهب جبته من انسان في الشتاء وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس ولم يكن له جبة. مكرمة عبيد الله بن العباس أرعى رجلا إبلا له فأسمنها وردها فقال كيف تراها، قال تسر الناظرين وتخصب الزائرين قال فإنها لك ولك أجرها فبكى الإعرابي، فقال ما يبكيك قال أبكي ضنا بهذا الوجه أن يعفر في التراب قال هذا القول أكرم من هذا الفعل. مكرمة جاء رجل إلى زياد فقال إن لي حرمة أفأذكرها؟ قال ما هي؟ قال رأيتك بالطائف وأنت صغير ذو ذؤابة أحاط بك جماعة من الغلمان وأنت تركض هذا برجلك وتنطح هذا برأسك وتكدم هذا بأنيابك حتى كاثروك فأخرجتك من بينهم وأنت سليم وكلهم جريح فضحك وقال كأني أنظر إلى ما تصف ولقد ذكرتني حالا وددتها بباقي عمري كله ولكن ما حاجتك قال اكفني عن الطلب فدعا خازنه وقال اعطه كل صفراء وبيضاء عندك فبلغت قيمة جميعها أربعة وخمسين ألف دينار. والله إني

стр. 354

لأستحي من رواية هذه المكارم وارتمض في زمان يتباهى فيه باللؤم ويتبجح فيه بالسخف. مكرمة عدي بن حاتم الطائي خطب ابنته عمر فقال أزوجكها على حكمي فخاف عمر أن يميل في الحكم فأمسك وشاور فقيل تزوج على حكمه فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال زوجتك على السنة على أربعمائة درهم فبعث اليه بكرامة ابنته أربعين ألفا وغلمانا وثيابا فقسمها بين جلسائه وجهز ابنته من عنده. (الباب الثالث في حكايات أهل الفتوة) (حكاية) كانت امرأة بنيسابور حملت زوجها إلى القاضي تدعي عليه خمسمائة دينار فأنكر الرجل، فاستدعى القاضي منها إحضار الشهود فأحضرتهم فقالوا حتى نكشف عن وجهها ثم نشهد فهمّت أن تسفر عن وجهها فصاح الرجل وأدركته الغيرة وقال أنتم تريدون أن تنظروا إلى وجه زوجتي أيها القاضي أشهد أن لها عليّ حقا واجبا ستمائة دينار فتعجب القاضي والحاضرون من حميته وغيرته فقالت المرأة أيها القاضي أشهدك أنه بريء من حقي وإني قد أحللته من ذلك فتعجبوا غاية العجب ثم قال القاضي اكتبوه وضعوه في باب الفتوة (حكاية) رجل همداني ضيع كيسا به دنانير بمكة فدهش وتعلق بجعفر بن محمد الصادق وقال أنت أخذت

стр. 355

دنانيري وكان لم يعرفه فقال جعفر كم كان فيها قال مائة دينار فحمله إلى بيته وأعطاه من ماله وقال انتفع بها ليقضي الله أمرا كان مفعولا فاتفق أنه وجد ضالته وعرف منزلة جعفر بين الناس فجاء إليه بالدنانير معتذرا فقال جعفر كلا ليس من المروءة أن يرجع الرجل في شيء قد وهبه ولم يأخذه (حكاية) كان رجل نيسابوري يدعي الفتوة فاجتاز يوما بمفرق الطرق فرأى شابا مريضا يتأوّه ويستغيث فتقدم إليه وقال ما تشتهي قال أشتهي رؤية أمي والرجوع إلى وطني قال أين منزلك؟ قال ببلخ، فأخذ الرجل بمجامع لحيته ولطم نفسه وكان اسمه أبا الحسن فقال يا أبا الحسن كنت أظن أنه يشتهي فقاعا أو قصعة هريسة ادعيت الفتوة فهات المعنى فرجع إلى بيته وباع داره واكترى راوية وحمولة وأتى وحمل الرجل وأوصله إلى منزله فرأى عجوزا تبكي وتستغيث وتقول متى ألقاك قرة عيني. فلما رأته غشي عليها من الفرح، فلما أفاقت قالت رضي الله عنك وأدخلك الجنة فرأى الشاب في المنام أن هاتفا يهتف به ابشر فقد رضي الله عنك وكتب اسمك في جريدة السعداء (حكاية) كان أبو حسان الزيادي ببغداد يسعى في مصالح المسلمين فجاءه ذات يوم رجل صالح، فقال إن بيته قد تهدم وأطفاله جلوس في السوق ولا شيء بيدي أنفق عليهم فأدركني، فرق أبو حسان

стр. 356

وحمله إلى أبي غسان بن عباد وأجلسه في ناحية من الدار. وقص على أبي غسان القصة وكان رجلا كريما مفضالا جوادا قال أوه قد أحرقت كبدي أين الرجل أيها القاضي قد أحزنتني فهناك خمسة آلاف درهم عجل بها إليه ليصرفها إلى وجه النفقة والعمارة وأخبره أنني ما دمت حيا فنفقته وكفايته عليّ فأخبر القاضي أبو حسان الرجل ففرح بذلك فرأى القاضي تلك الليلة في المنام أن ملكا أخذ بيده وأدخله الجنة وأراه قصرا عجيبا مكللا بالدر والياقوت ووراءه قصر أحسن منه، فقال له الملك يا أبا حسان ان الله تعالى خلق هذا القصر وأسسه من ياقوت أحمر لأجلك بسبب سعيك في أمر ذلك الفقير وادخال السرور في قلبه وخلق ذلك القصر باسم أبي غسان واحسانه الذي صنع مع ذلك الرجل. فليعلم أن ادخال السرور في قلب الرجل المسلم من أعظم العبادات وإقامة الكرم والإحسان من شيم أهل المروآت طوبى لمن جرت على يديه الأمور الصالحات. (الباب التاسع في مكارم الأخلاق) قال النبي ﷺ : مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه وتكون في الابن ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في السيد، ويقسمها لمن أراد به

стр. 357

السعادة: صدق الحديث وصدق الناس واعطاء السائل والمكافأة بالصنائع وحفظ الأمانة وصلة الرحم والتذلل للصاحب واقراء الضيف ورأسهن الحياء. وكان فيه ﷺ حلم ابراهيم وزهد عيسى وغلظة موسى وشدة نوح وصبر أيوب وسعة سليمان فجمع من مكارم الأخلاق ما كان متفرقا في الأنبياء صلوات الله عليهم فسماه الله تعالى عظيما. قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ثم دعا عباده إلى الإقتداء به والتخلق بأخلاقه، فقال تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. (الباب العاشر في الفرق بين الفتوة والمروءة) إعلم أن أمر الدين موضوع على شيئين ديانة تصحبها ومروءة تحفظها وذلك قوله تعالى وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ فمن قصد أن يوطن نفسه على صلة من قطعه وإعطاء من حرمه والعفو عمن ظلمه فلا يستمر على ذلك إلا بالصبر، والدين أساس كل خير ومن لا دين له لا مروءة له، ومن لا دين له لا فتوة له، ومن لا دين له لا صبر له ومن لا دين له لا عقل له، ومن لا دين له لا عفة له، ومن كان له دين وعقل ومروءة وصبر ولم يكن له خلق حسن فلا شيء معه. قال معاوية: المروءة في أربع: العفاف في الإسلام

стр. 358

واستصلاح المال وحفظ الأخوان وعون الجار فالفتى صاحب المروءة إذا حدث يحسن، ويحسن الإستماع إذا حدث، ويحسن بشره إذا لقى وييسر المؤنة إذا خولف ويترك ممازحة من لا يثق بعقله وقال: العافية الشباب والصحة والمروءة والصبر على الرجال (سؤال) ما الفرق بين المروءة والفتوة؟ فأقول الفتوة تخالف المروءة في أمر واحد، وهو أن المروءة اصلاح الظاهر من آفات دنيء الأخلاق وسفاسفها ليرتفع بها عند الناس ويحظى عندهم والفتوة اصلاح الباطن من آفات دنيء الأخلاق ليرتفع بها عند الله ويحظى لديه. قال اتخذ لأمير المؤمنين ﵁ حيس فحضره مسكين فأعطاه إياه فقيل يا أمير المؤمنين ما تدري ما هذا المسكين، فقال: رب المسكين يدري، وغلا بالمدينة السعر فجعل عمر يأكل خبز الشعير فجعل جوفه يصوت فيضرب بطنه ويقول والله مالك إلا هذا حتى يوسع الله على المسلمين. واشتهى يوما شربة من عسل فأتى به فجعل يديره ويقول أشر بها فتذهب حلاوتها ويبقى نقمها فدفعها إلى فقير وقال من جاع واحتاج فكتمه الناس وأفضى إلى الله بحاجته كان حقا على الله أن يعين له رزق سنة من حلال؛ وليس من الفتوة الفسق والفجور ولكن بشر مقبول ونائل مبذول وعفاف معروف وأذى مكفوف. قال هرون الرشيد: المروءة ثلاثة أثلاث فثلثها الفطنة وثلثاها

стр. 359

التغافل. قال رجل للأحنف دلني على مروءة بلا مؤنة فقال عليك بالخلق الفسيح والكف عن القبيح واعلم أن الداء الذي أعيا الأطباء اللسان البذيء والفعل الرديء والله أعلم وأحكم. (الباب الحادي عشر في حديث نعمان) أنبأنا هشام بن عمرو عن أبيه قال: أقبل اعرابي على ناقة له حتى أناخ بباب المسجد فدخل على النبي ﷺ وحمزة بن عبد المطلب جالس في نفر من المهاجرين والانصار فيهم نعيمان فقالوا له: ويحك ان ناقته سمينة وقد قرمنا الى اللحم فلو نحرتها لغرمها رسول الله ﷺ وأكلنا لحما فقال اني ان فعلت ذلك وأخبرتموه بما صنعت وجد على رسول الله ﷺ قالوا: لا نفعل فضرب لبنها ومر بالمقداد بن عمرو وقد حفر حفيرة فقال: يا مقداد غيبني في هذه الحفيرة وأطبق عليّ ولا تخبر أحدا فإني قد أحدثت حدثا ففعل فلما خرج الأعرابي رأى ناقته فصرخ فخرج النبي ﷺ وقال من فعل هذا قالوا: نعيمان قال: وأين توجه قالوا: ههنا فتبعه رسول الله ﷺ ومعه حمزة وأصحابه حتى أتوا على المقداد فقال: هل رأيت نعيمان؟ فصمت فقال: لتخبرني به أين هو فقال: مالي به علم وأشار بيده الى مكانه فكشف رسول الله ﷺ وقال: أي

стр. 360

عدو نفسه ما حملك على ما صنعت قال: والذي بعثك بالحق لأمرني به حمزة وأصحابه وقالوا كيت وكيت فأرضى رسول الله ﷺ الأعرابي عن ناقته وقال: شأنكم بها فكلوها فكان رسول الله ﷺ اذا ذكر صنعه يضحك حتى تبدو نواجذه. ولما كان رسول الله ﷺ يصف شرور الدجال وان معه جبلا من خبز وجبلا من لحم، فقال نعيمان: أترى يا رسول الله نحن لا نأكل من خبزه ولحمه فضحك النبي ﵇. تم كتاب المكارم والمفاخر والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله. (كتاب غرور الانسان وعاقبة الزمان وفيه ثلاثة عشر بابا (مقدمة الكتاب) اعلموا يا معشر الكرماء وقاكم الله الأسواء أن الآدمي خلق خطّاء نسّاء جزوعا منوعا يبصر طرق النجاة فلا يقصدها ويرى مهاوي الهلاك فيوقع نفسه فيها ويزعم أنه أكيس الناس والحيوان، لعمري أن الرأي منه بعيد، نذكر بيتا من الشعر: فكل يسلي النفس عند خلوه ... بزهد ولكن متى تصح العزائم

стр. 361

ويعتقد أن النجاة فيما يفعله والصلاح فيما هو بصدده وكل حزب بما لديهم فرحون وأنا أبين في هذا الكتاب جماع أنواع الغرور ومعالجاته بعون الله تعالى مرتبا على أبواب. (الباب الاول في غرور العلماء ويتبعه علاجه) قوم منهم يغترون بكثرة الرواية وحسن الحفظ مع تضييع واجب حقوق الله تعالى تخيل نفس أحدهم إليه أن مثله لا يعذب لانه من العلماء أئمة العباد الحافظين على المسلمين دينهم ويعتقد أن نجاة العباد متعلقة بشفاعته ولولاه لاختل نظام الاسلام وانقطع عرى اليقين وان مثله لا يتكبر ولا يحسد ولا يعجب وانما يفعل ذلك الجاهل فيقل خوفه وحذره من عذاب الله فلا يتهم نفسه بخلق دني فإذا لم يتهمها لم يتفقدها ولم يحذرها فتراه يغتاب ويهمز ويلمز ويتكبر على العباد ويسيء الظن بالمصائب وهو يرى أنه بريء من جميع ذلك ويظن أنه عند الله تعالى من الورعين وهيهات هيهات إنه من الممقوتين (علاج هذا المرض العظيم) وهو أن يعلم أن العلم حجة عليه وأن الله قد حمله ما أعظم به عليه حجته وشدد به يوم القيامة مسألته، فان ضيع العمل فلم يقم بواجب حق الله تعالى في ظاهره وباطنه فيكون أشد عذابا من الجاهل وانما آتاه الله العلم ليعمل به وينزجر عن الحرام

стр. 362

ويعرف به جزيل الثواب ووبيل العقاب فاذا لم ينهه عن الحرام فقد وضع الشيء في غير موضعه فهو ظالم قد ظلم نفسه والقرآن يقول أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ والعالم هو الخائف من الله تعالى ومن لم يخف منه فهو جاهل في العلم لأن الله تعالى وصف العلماء بذلك فقال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (تفسيره) أعلمهم بالله أشدهم له خشية وقد شبه الله تعالى من أحكم العلم وضيع العمل بالحمار الذي يحمل العلم فقال كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً فالجاهل هو الذي يجترىء على الله فلو كان هذا عالما لما اجترأ بأعظم من جراءة الجاهل قال أبو الدرداء: ويل للذي لا يعلم مرة ولو شاء الله علمه وويل للذي يعلم سبع مرات أي الحجة عليه أصعب ويعتقد أن حفظه العلم لا يجزئه حتى يعمل به، فالمقصود من العلم هو القيام بما أحب الله وترك ما كره الله تعالى، والله أعلم. (الباب الثاني في غرور الفقهاء والقضاة ويتبعه علاجه) يغترون بمعرفة الحلال والحرام والفتيا وانه العالم للامة بدينها ومفزعها اليه ولولا مثله لضاع الدين وما عرف حلال من حرام ويحتقر الوعاظ والمحدثين والمفسرين، اذ لم يفهموا الحلال والحرام فهو عند نفسه العالم بالدين دون غيره وان الله تعالى لا يعذب مثله وأنه لا يعتقد مكر الله تعالى به

стр. 363

(علاج ذلك) أن يعرف أن الفقه عن الله فيما عظم نفسه وأخبر به من حلاله وحرامه وهيبته ونفاذ قدرته وما وعد به من ثوابه وتوعد به من عقابه أعظم الفقه ولن ينتفع الفقيه في الحلال والحرام الا بالفقه في ذلك لان من فقه عن الله تعالى فيما أخبر به من عظمته وهيبته ونفاذ أمره وملكه الاشياء في الضر والنفع دون غيره هاب الله تعالى واستحياه فكأنه شاهد الجنة والنار بقلبه فيشتد خوفه من الله تعالى بما عاين بقلبه من أليم عذابه ويشتد شوقه الى جواره من عظيم ثوابه فيتحمل كل مكروه في القيام بحقه في الدنيا لينال به جزيل ثوابه فالفقيه من فقه عن الله تعالى فعظمه بقلبه وأيقن أنه لا نافع ولا ضار غيره فهان عليه شأن الخلق فلم يخفهم ومطالبة الله اياهم أشد منه على الجهال لان الله تعالى أخذ عليهم الميثاق فيما علمهم أن يبينوه للناس، ولا يكتموه فاذا علم ذلك زال الاغترار باذن الله تعالى. (الباب الثالث في غرور الزهاد وأهل الصوامع ويتبعه علاجه) فقوم يتزيون بزي العباد ويكثرون عمل الطاعات ومقصودهم الخلق دون الحق ولا يخلصون الاعمال من الكبر والعجب والغيبة والنميمة ومن أخلص منهم العمل فيعتقد

стр. 364

أنه قد تخلق بأخلاق الله واجتنب كل خلق مذموم فيرى أنه من الخائفين وهو من الآمنين ومن المتوكلين عليه (علاج ذلك) هو أن يبلو نفسه عند العمل بذلك فيتبين له أنه مغتر فيترك الاخلاق المذمومة وينهج سبل الاخلاق الممدوحة وأن الله هو الخالق الضار النافع وأن الخلق في قدرته حيارى وفي كنه ارادته أسارى ومن خاف غير الله مع الله فقد أشرك وانه لو طالبه بالاخلاص لهلك. (الباب الرابع في غرور الوعاظ ويتبعه علاجه) فقوم حبب إليهم أحاديث الزهد وذم الدنيا ولا يعرف معنى ما يقول ويرى أنه من العاملين لله تعالى وان مثله لا يعذب وانه غير مراء ولا يذنب وانما يفعل ذلك العوام (علاج ذلك) أن ينظر في قلبه كيف خوفه من الله تعالى وكف جوارحه فيما نهى الله وأنه أمر بترك الدنيا وهو يؤثرها على الاخرى فكيف تصح له الدعوى فيعلم أنه وصاف للخوف والمحبة غير عامل بهما وينهي عن الدنيا بقوله ويدعو إليها بفعله فهو على شفا جرف هار وعلى خطر عظيم والله تعالى أعلم. (الباب الخامس في غرور السلطان والامراء ويتبعه علاجه) اذا رشح أحدهم للسلطنة يعتقد أن الله خصه بذلك

стр. 365

لكرامته عليه وأنه بمنزلة صاحب الوحي وأن بقاء الدين ببقائه وأن الله تعالى أحبه وأمره على العالمين فيلقب نفسه حافظ بلاد الله وفي الحقيقة هو مخرب بلاد الله نهّاب للأموال سفاك للدماء محب للاعداء مضيع للدين والدنيا ولا يدري أنه مستدرج يملى ليزداد دائما فكم من عدو منعم عليه والله تعالى أعلم (علاج ذلك) أن يعتقد أن الله تعالى يحاسبه على القليل والكثير والنقير والقطمير ويسأله حقوق رعيته حرفا، حرفا وانه يؤتى به يوم القيامة مغلولة يداه أطلقه عدله أو أوثقه جوره وكل مسؤول عن رعيته فإن عدل وأخذ عن الحق وأنفق في الحق فذاك، والا فهو أول هالك. فإن لم يؤمن بهذا فليستأنف الايمان ويذكر معه دلائل الايمان وان آمن بهذا الا أنه يقول والله غفور رحيم فتلك أمنية الحمقى إن المنى رأس مال المفاليس، وأيضا فإن الامهال لا يدل على الاهمال فإن الله تعالى أمهل الكافرين في الدنيا ولكنهم في الآخرة أصحاب النار وفرعون كان مستدرجا أربعمائة سنة لم يصدع فيها يوما واحدا وكان كافرا لعينا ممقوتا وان اغتروا بالمال فملك الموت لا يقبل الرشا وعند الموت لا ينفع الفداء وكل من كان ماله أكثر كان موته أشد وحسرته أكثر وكل من كان ماله أكثر كان خصماؤه أكثر أما من يأخذ من حرام وينفق في حرام فعقابه أشد أو يأخذ من

стр. 366

حلال فحسابه أشد وان اغتر بكثرة التمتع والشهوات فالخنزير والبهائم أكثر تمتعا منه فأي فضيلة له؟ وأنه مطالب بحقوق الله تعالى وحقوق الرعية وحق الفقراء وحق المماليك وحق البلاد فان ظلم في هذا فمعذب في القبر بمنكر ونكير ويجعل ماله حية مطوقة في عنقه ويعذب كل يوم بأنواع العذاب ويسمع في قبره الصياح فهذه تجارة رابحة وصفقة معجبة من يرغب فيها. (الباب السادس في غرور الوزراء والرؤساء ويتبعه علاجه) ترى الواحد منهم يحرق الناس، يظلم هذا ويغصب مال هذا ويضع الدرهم على الدرهم والدينار على الدينار وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا يتفاخرون بكثرة الدنانير والضياع وتنفيذ الامر وسلامة الوقت دون العواقب البتة، وآخر يقول أجمعها لنوائب الدهر، وآخر يقول أورثها وارثي، وآخر يقول لروعة السلطان وآخر يقول أنتفع بها في آخر العمر دون عليات الشباب والحرص فالماسكون يشقون بجمعها ويأكلها الوارثون عفوا صفوا لهم الهناء وعليهم الوبال فيرضى من الدنيا بأن يقال انه كريم وله بيت قديم وله صيت وحشمة عند الترك والسلطان ويعتقد أن الله أعطاه المال لمحبته وكرامته ولا يقرأ قوله تعالى فَأَمَّا الْإِنْسانُ

стр. 367

إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وأنه مع قبح فعاله فوق ذوي الاحسان في الآخرة وأن الله حيث أعطاه المال لا يعذبه ولا يحاسبه ولا يعزله البتة (علاج ذلك) أن يعلم أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولكن لا يعطي الدين الا من يحب وأنه أعطى من حكمته الكافرين وحرم المؤمنين ولا يدل ذلك على كرامة الكافرين وهو ان المؤمنين وربما يكون مستدرجا وعند الموت ينزل الايمان فإن أدركه سابق القدر فيصبح حيران لا دنيا ولا آخرة خسر الدنيا والآخرة وأنه من أهل الشقاوة وأهل بلدته ورعيته يوم القيامة شفعاؤه ان عدل وخصماؤه ان فجر ويتفكر أن الوالي لا يمكنه العدل في القضية والحكم بالسوية فيمسي والايتام يدعون عليه ويصبح والناس يبكون بين يديه ويوم القيامة تؤخذ حسناته وتعطى لخصمائه فإن لم يكن له حسنات تلقى عليه سيئات الخصوم وأي عاقل يرضى بذهاب العمر وازدياد المال ودخول النار. لا بارك الله بعد العرض في المال. اذا مت عطشانا فلا نزل القطر. (الباب السابع في غرور الأغنياء ويتبعه علاجه) ترى أحدهم يفتخر بالمال ويرى العزة بالمال وأنه خير من الفقير ومنزلته عند الله خير وفوق منزلة الفقراء فتراه

стр. 368

صلفا معجبا بماله (علاجه) أن تلك والله نكالة فالانبياء خصوا بالفقر والكفار خصوا بالغنى ولا يدل ذلك على هوانهم وكرامة أولئك ثم إن الغنى عرضة الفتن فحلالها حساب وحرامها عقاب فأول عقبة أن زوجاته وأولاده يخاصمونه في القيامة، وعقبة أخرى، الفقراء يخاصمونه في الزكاة والصدقة فان تخلص من هذه العقبة فيقال من أين اكتسبت وفيم أنفقت فان تخلص من هذا فيقال لم جمعت وفيم غرمت فان تخلص فيقال كل ذرة عنها اثنان وسبعون سؤالا ثم الذي يدخره لاولاده قد يكون سبب هلاكهم ينفقونه في معصية الله أو يتهمون بكثرة المال فيؤخذ منهم ويضربون عليه. (الباب الثامن في غرور العوام ويتبعه علاجه) أما العوام فكالأنعام يأكلون ويتمتعون ويفعلون ما يشتهون ويقولون ان الله غفور رحيم وان جنته أوسع وكرمه أكثر من أن يعذبنا ولم يحرمنا الايمان فكيف يحرمنا الجنان ومعاصينا لا تضره وطاعتنا لا تنفعه فكيف يعذبنا وهذا منتهى غرورهم (علاج ذلك) أن يقال كما أنه غفور رحيم كذلك بطشه أليم شديد ورحمته وسعت كل شيء ولكن بشرط التقوى ووعدها للمتقين فقال فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ

стр. 369

ولم يقل للذين يشربون الخمر ويزنون ويضيعون الصلاة ويمنعون الزكاة ثم الغفور الرحيم أمر بقطع يد قيمتها خمسمائة دينار بربع دينار فما يؤمنك أن يعذبك في النار بسبب الكبائر فان كنت تصدقه في غفران الذنوب فلم لا تصدقه في باب الرزق وقد قسم ذلك فلزمك أن تغلق باب الحانوت وتجلس في حضن أمك فيأتيك رزقك ولا تشتغل بالتجارة والحراثة وطلب الرزق فانه كريم يبعث اليك رزقك ودراهمك من ظهر البيوت فان لم تؤمن بالكرم فلم لا تؤمن بقوله وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى فمثال العوام مثال رجل يشتهي الولد وجلس يسترزق الله الولد ولا يتزوج ولا ينكح، أو يطمع في الربح من غير رأس مال وتجارة فيكون أحمق أبله، فالنكتة فيه أن من ألقى البذر في الارض وجلس يتوكل على الله في دفع الآفات عنه ووصول الريع اليه يكون كيسا عاقلا ومن أمسك البذر في بيته وجلس في بيته ويطمع بوصول الغلات اليه فهو الاحمق المأيوس من عقله كذلك من أطاع الله ورسوله وحفظ حدود الله وانتهى عما حرم الله عليه فهو العاقل السابق ومن لا يفعل ذلك وأتبع نفسه مناها فلا يحزنك دم أهرقه أهله والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 370

(الباب التاسع في غرور المتنسكين والزهاد ويتبعه علاجه) هو أن قوما لا ترى من الورع في أعمالهم شيئا الا في المطعم والملبس فظنت أنها إذا بلغت أصغر الدرجات من الورع فقد أحكمت التقوى (علاج ذلك) أن يعلم أن الله تعالى لم يرض منه بالحلال وحده وأنه يعذب من طاب مطعمه اذا لم يخف الله تعالى. (الباب العاشر في غرور أهل العزلة ويتبعه علاجه) فرقة قد غلب عليها الاستيحاش من الناس والخلوة فتراهم يضيعون الفرائض ويحبون الشهرة به وثناء الناس وإجتماع الناس لديهم ويعجبون بأعمالهم ويفرحون بإجتماع العوام عليهم (علاج ذلك) أن يفكر في حق الله وأنه مطلع عليه يفضح المرائين ويمقتهم وأن قليل الرياء والعجب والكبر والحسد يحبط العمل فيكون من جملة من قال الله فيهم وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً فإذا سمع الناس بعمله سمع الله به أسامع خلقه وفضحه وقال النبي ﷺ : من ترك صلاة العصر حبط عمله فمن يأمن أن يحبط عمله بتضييع ما أوجب الله. عن ابن عباس ﵄: لا يقبل الله صلاة من رجل في بطنه لقمة من حرام والله تعالى أعلم.

стр. 371

(الباب الحادي عشر في غرور الحجاج والغزاة ويتبعه علاجه) وفرقة اغترت بالغزو والحج فتخيل إليه نفسه أنه من المقربين وأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويعتقد أنه أصبح آمنا من عذاب الله بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ولا يعرف الجاهل أن هذا خبر والمراد منه الامر يعني أمنوه مما كانت العرب تفعله من النهب والغارة، ولا يعرف المسكين أن من حج واعتمر بمال حرام لا يقبل منه، ومن حج مرائيا معتديا في مطعمه وملبسه فإذا قال لبيك يقال له لا لبيك ولا سعديك، ولا يعرف المسكين أنه في حجته ضيع الفرائض لتحصيل النوافل مثال ذلك صداق زوجته واجب عليه وإرضاء غرمائه واستحلال معامليه ورد مظلمته كل ذلك واجب عليه فقد ترك الواجب عليه واشتغل بالنفل فيلوح في سفره وعزمه أنه يحج للسمعة ويغزو لطلب الثناء فيكون ممقوتا عند الله وعند رسوله والله تعالى أعلم (علاج ذلك) ما ذكرت أن الله تعالى لا يقبل النوافل لمضيع الفرائض وأن فساد هذا الدين بتضييع الفرائض وتحصيل الفضائل وان من ضيع الفرائض وترك أمر الله فأمره على خطر ولا ينجيه الا الاخلاص.

стр. 372

(الباب الثاني عشر في غرور المستدرجين الظالمين ويتبعه علاجه) يطول إمهال الله تعالى فترى الظالمين يغترون بطول ستر الله وإمهاله لهم. كما قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال علماء التفسير: كلما أحدثوا معصية جددنا لهم نعمة ويرون أن ذلك لكرامتهم على الله وما يدريهم أن الله سبحانه قلاهم وأقصاهم منا وحرمهم التوبة وشكر النعمة وحجبهم عن خدمته وطردهم عن بابه وكتب أسماءهم في جريدة أهل الشقاوة فينزع عنهم إيمانهم لدى الموت في ساعة الحسرة والفوت فيصبحون حيارى لا مسلمون ولا نصارى خسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وكم قد فعل ذلك ممن كان عند الناس أنه من الاولياء وخواص الاصفياء فالخاتمة مبهمة والامر مشكل والخطب عظيم والبطش شديد (علاج ذلك) إسبال الستر عليه حجة من الله تعالى عليه ليعلمه أنه لم يعجل عليه ولم يهتك ستره ولو أظهر الله للناس ما يعلم منه لابغضه الناس ولهجروه فربما اطلع الله منه على ذنب فمقته فقال له افعل ما شئت فلست مني ولست منك فقد شقي شقاوة لا يسعد بعدها فما يؤمنه ذلك وقد فعل

стр. 373

بالملائكة المقربين عزازيل وهاروت وماروت وخواص الناس بلعم وبرصيصا وجريج الراهب فيجب على العبد أن يكون خائفا من الله سبحانه في كل حال فان الخوف شرط الايمان قال الله تعالى: وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. (الباب الثالث عشر في غرور العلوية من أهل الانساب ويتبعه علاجه) يقولون انا من أولاد علي بن أبي طالب ﵁ ولنا شرف على كل الناس وأنا فلان بن فلان وكان أبي ملكا وكانت الوزارة في بيتنا والرئاسة في آبائنا كخصي يفتخر بزب مولاه (علاج ذلك) يقال يا مسكين لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعز من التقوى فما في عالم الله تعالى أشرف من محمد ﵇ ولم ينفع شرفه أبويه وحذر عمه العباس وابنته عن النظر الى النسب فقال يا فاطمة بنت محمد اشترى نفسك من الله فإني لا أغنى عنك من الله شيئا ويا عباس عم الرسول ﷺ اني لا أغنى عنك من الله شيئا وإن كنعان لم ينفعه نسبه وكونه ابن نوح وأبو طالب لم ينفعه شرف ابنه وأهله فمن ينسج على منوال أبيه يكون ابن أبيه ومن خالف أباه في مذهبه وسيرته فأبوه خصمه يوم القيامة وهو منه بريء، وأنشدت لبعض أهل العلم.

стр. 374

لعمرك ما الانسان الا بدينه ... فلا تدع التقوى اتكالا على النسب فقد زين الاسلام سلمان فارس ... وقد هجر الشرك الشريف أبا لهب وقال النبي ﷺ : ليدعنّ قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا فحما في جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان الذي يدحرج بأنفه القذر. وتفاخر رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما أنا ابن فلان فمن أنت لا أم لك؟ فقال النبي ﷺ : افتخر رجلان عند موسى صلوات الله عليه فقال أحدهما أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فأوحى الله الى موسى صلوات الله عليه قل للذي افتخر تسعة آبائك في النار وأنت عاشرهم، تم غرور الانسان والله المستعان وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتاب نوادر العلماء وفيه سبعة أبواب (الباب الأول في نوادر الصحابة رحمهم الله تعالى) قال ابن عباس ﵄ أربعة لا أجد لهم مكافأة رجل اغبرت قدماه للتسليم عليّ ورجل ضاق مجلسي فوسع عليّ ورجل ظمئت فسقاني ورجل وهو الرابع لا يكافئه عني

стр. 375

إلا الله : رجل طرقه أمر فبات أرقا لحاجته فوجدني لها أهلا. وقال محمد بن الحنفية: لا تلم من لا قوت له على طلب قوته فبعدمه عدم عقله وضجر نفسه وملّه أهله وكان أكثر كلامه عليه لا له فإن كان عاقلا جهلوه وإن كان دينا سفهوه وإن كان أديبا نبذوه وفندوه ولا يسمع كلامه ولا يعرف مقامه ويبغضه أهله وجيرانه. وقال الصديق ﵁ إياكم والفخر فما فخر شيء خلق من التراب ومصيره الى التراب وهو اليوم حي وغدا ميت. وقال ابن عباس ﵄ وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً يعني العاشر صالحا فإن الله يحفظ الرجل الصالح في ولده ثمانين عاما، وقال كعب إن الله يحفظ العبد الصالح في ولده ثمانين عاما، وقال عبد الله بن جعفر ان الله عودني أن يتفضل عليّ وعودته ان أتفضّل على عباده فأخاف ان قطعت العادة أن يقطع عني المادة، وقال أبو الدرداء أضلّ الضلال من يزيد ماله وينقص عمره، وقال ابن عباس اذا غضب الله على خلق من خلقه فلم يعجل لهم مثل سائر الامم قيض الله لهم خلقا يعذبهم بهم لا يعرفون الله، وقال أبو الدرداء لبعض ملوك الشام وقد بنى دارا وزخرفها ما أحكم ما تبنون وأطول ما تؤملون وأقرب ما تموتون، وقال ما بال أحدكم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يمطر عليه من السماء دنانير ولا دراهم وإنما يرزق بعضكم من بعض

стр. 376

فمن أعطي شيئا فليقبله فإن كان غنيا فليضعه في ذي الحاجة من إخوانه، وقال أمير المؤمنين على كرم الله وجهه جد على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين، وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ لا تحقرن شيئا من الخير وان كان صغيرا فإنك اذا عدمته سرك مكانه، وقال على كرم الله وجهه ارحم من البلاء أخاك واحمد الذي عافاك، وقال من بالغ في الخصومة ظلم ومن قصر فيها ظلم ولا يستطيع من يتقي الله أن يخاصم، وقال كدر الجماعة خير من صفاء الفرقة، وقال اذا أقبلت الدنيا على أحدكم أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، وقال عمر ﵁ تكثروا من العيال فإنكم لا تدرون بمن ترزقون، وعن النبي ﷺ ما لح رجل باللواط الا أورثه الله الابنة، وكتب أمير المؤمنين على كرم الله وجهه الى معاوية غرك عزك فصار ذلك ذلّك فاخش فاحس فعلك فلعلّك بهذا تهدي والسلام وقال ﷺ ليس الأعمى من تعمى عيناه ولكن الاعمى من تعمى بصيرته عن الآخرة، وقال علي ﵁ لا خير في الدنيا الا لرجلين رجل أذنب ذنبا فتدارك ذلك بتوبة ورجل سارع في الخيرات ولا يقل عمله مع التقوى فكيف يقول ما لا يتقبل، وقال ﷺ اذا وضع الخير فارتعوا وخير مراعيكم الخير وكل شيء له مرعى ومرعى بني آدم الخير،

стр. 377

وقال أكرموا البقرة سيدة البهائم فإنها لم ترفع رأسها الى السماء مذ عبد العجل حياء من الله تعالى، وقال علي ﵁ ما أسأت الى أحد ولا أحسنت اليه لان الله تعالى يقول مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وقال (من قوي فليقو على طاعة الله ومن ضعف فليضعف عن محارم الله) فليجتهد البلغاء أن يزيدوا في هذا حرفا وسأل النبي ﷺ عن الاثم الذي ليس بعده إثم قال عقوق الوالدين وهو دخول النار وقال من كان في بيته حرام لا تنزل عليه الرحمة ولا يدخل في بيته ملك الخير وقال إنك لا تدع شيئا اتقاء الله تعالى الا أعطاك الله تعالى خيرا منه، وقال النبي ﵇: اثنتان هما في الناس كفر، نياحة على الميت وطعن في النسب، وقال: لا يبغى على الناس الا ولد بغي أو فيه عرق منه، وقال: خوفوا المؤمنين بالله والمنافقين بالسلطان والمرائين بالناس، وسأل ابن عباس عن رجل كثير العمل كثير الذنوب وآخر قليل العمل قليل الذنوب أيهما خير قال لا أعدل بالسلامة شيئا وقال اذا ظهر السوء في الارض أنزل الله بأهل الارض بأسه قلت يا رسول الله وفيهم أهل طاعته!؟ قال نعم ثم يصيرون الى رحمة الله تعالى، وقال ﷺ : اللهم لا يدركني زمان قوم لا يبتغون التعليم ولا يستحيون من الحكيم قلوبهم قلوب الأعجم وألسنتهم ألسنة العرب، (الاعجم الدواب) وتفسيره قوله ﷺ جرح العجماء

стр. 378

جبار، وقال أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية، والله تعالى أعلم. (الباب الثاني في نوادر التابعين) عن قتادة إنما خلق الله الموت ليعز به نفسه ويذل به عباده، وقال عبد الله بن سعيد بن العاص موطنان لا أستحي من العي فيهما اذا خاطبت جاهلا أو طلبت حاجة لنفسي وقال ميمون بن مهران: لا تطلب من بخيل حاجة وإذا طلبت فأجله حتى يروض نفسه، وقال الزهري: الزهد كف النفس عن محظورات الشهوات، ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حكيم من أحمق، وبر من فاجر، وشريف من دنيء. قال عبد الله بن الحسن لابنه: إياك وعداوة الرجال فإنه لن يعدمك مكر حكيم أو مفاجأة لئيم، ولما رأى إياس بن قتادة في لحيته شيبا قال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته أعوذ بالله من فجأة الامور، يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا الى شيبي ولزم بيته فقال أهله تموت هزالا فقال لان أموت مؤمنا مهزولا ولا أحب اليّ من أن أموت منافقا سمينا وقال هرم بن حيّان: ما عصى الله كريم ولا آثر الدنيا على الآخرة حكيم وقال أبو عمرو بن العلاء من عرف فضل من فوقه عرف فضله من دونه، وقال أبو حازم الاعرج أما إبليس فقد عصى فما ضر

стр. 379

وأطيع فما نفع وقال الحسن من لم يكن كلامه حكما فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو ومن لم يكن فكره اعتبارا فهو لهو ومن لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء، وقال جعفر بن محمد كفاك بالنصرة من الله أن ترى عدوك يعصي الله فيك. وقال الحسن بن علي: المؤمن أخذ من الله تعالى أدبا حسنا اذا وسع عليه وسع وإذا أمسك عليه أمسك وقال إذا أردتم أن تعلموا من أين مال الرجل فانظروا فيم ينفقه فان الخبيث ينفق في السرف، وقال مسعر ما نصحت انسانا الا وجدته يفتش عن عيوبي، وقال مطرف عقول الناس على قدر زمانهم وقال الشعبي عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه، بعض الصالحين قال لمريض إن الله ذكرك فاذكره فلما بريء قال ان الله أطلقك فاشكره وقال شريح إني أصاب بالمصيبة فأحمد الله تعالى أربع مرات، أحمد اذ لم تكن أعظم منها وأحمد إذ رزقني الصبر عليها وأحمد إذ وفقني لاسترجاع ما أرجو فيه من الثواب وأحمد إذ لم يجعلها في ديني، سأل بعض العلماء عن القدر فقال شيء اختصمت فيه الظنون وغلافيه المحققون فالواجب علينا أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق في علمه، عجبت من ثلاثة رجال رجل يريد تناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره ورجل شغله هم غده عن غنيمة يومه وهو في شك من خبر غده ومن

стр. 380

عالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط، قال عطاء السلمي أجمع العلماء والحكماء والشعراء ان النعيم لا يطلب بالنعيم، وقال فضيل ليس الغريب من يمشي من بلد إلى بلد ولكن الغريب صالح بين فساق، عند تصحيح الضمائر يغفر الله الكبائر اذا عزم العبد على ترك الآثام أتاه من الله الفتوح، وقال الثوري أكرموا الناس على قدر تقواهم وتذللوا عند أهل الطاعة وتعززوا عند أهل المعصية، وكان الربيع بن خيثم لا يعطي السائل أقل من رغيف ويقول إني لأستحي أن أرى ميزاني غدا نصف رغيف، وقال داود الطائي اني لأستحي أن أخطو خطوة يكون لبدني فيها راحة والله تعالى أعلم. (الباب الثالث في نوادر أقوال الامام الشافعي رحمه الله تعالى) منها: لا تستشيروا أحدا لا يكون في بيته دقيق فان عقله زائل، وقال: لو كانت الدنيا كلها لي لبعتها برغيف لما أعرف من عيوبها وقال: من طلب الدنيا لزمه العبودية لاهلها وقال: ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك العبد والسفلة والنبطى وقال: عبد الله بن مسعود ما من أحد حل خوف الدين في قلبه الا ذهب من عقله ما لا يرجع اليه حتى يموت. وقال رسول الله ﷺ : اللهم أني أعوذ بك من الدين والكفر قال رجل: يا رسول الله

стр. 381

أتعدل الكفر بالدين قال نعم وقال من لم تعزه التقوى فلا عزّله، وقال: أظلم الظالمين من تواضع لمن لا يكرمه. ويرغب في مودة من لا ينفعه وقبل مدحة من لا يعرفه. وقال: لو أن رجلا سوى نفسه مثل القدح لكان له في الناس من يغمزه وقال: أفسد الناس ذوائب العلوية ومرقعات الصوفية يعني يغترون بهم وإذا شربت الخمر وزنيت وقتلت خير لك من الرفض والاعتزال. وقال: الطرب عقل وكرم فمن لم يطرب فليس بعاقل ولا كريم وقال الفقر في الاوطان غربة والمال في الغربة أوطان وقال سياسة الناس أشد من سياسة الدواب، من المعرفة بالزمان التحامق مع النسوان، الوقار في النزهة سخف، أصل كل عداوة الصنيعة الى الانذال، ان كنت تريد أن تعرف منزلة الدنيا عند الله تعالى فانظر عند من وضعها يعني اليهود والنصارى غرقوا في النعم، الكيس العاقل الفطن المتغافل، صحبة من لا يخاف العار عار، النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها التواضع، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه فيه العجب، وقال إن الله تعالى جعل البركة، في الصناعات كلها ما خلا الحياكة فإن الله نزع منها البركة وقال احذر كل أزرق وأحول وأعور وأحدب وأعرج فان لهم التواء.

стр. 382

(الباب الرابع في نوادر أقوال أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه) من كان فقيرا فليأت الي أعطه رأس مال يستغني بذاك ألا وهي الامانة، وقال إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها، وقال من لم يحترم العلماء ولم يعظم الكبراء فلا تلوموه ولوموا أمه، وقال كل ملك لا يكون له سخاء فلا يصلح لذلك الامر، وقال إذا جاء الحديث عن الصحابة وصغى له لم يخرج عن الدنيا حتى يعيش حياة طيبة، ولم يقل في مدة عمره شعرا سوى هذا البيت: كفى حزنا أن لا حياة لذيذة ... ولا عمل يرضى به الله صالح وقال المرأة الصالحة تشبه الوالدة والاخت والصديق، والمرأة السوء تشبه الربة والعدو والسارق، والعاقل من يداري زمانه مداراة السابح للماء المغرق، وقال إذا كان للدار ربتان بقيت غير مكنوسة، اذا كثر الطباخون لم تطب القدر، من لم يستظهر بالاخوان عضه ناب الزمان، بعض الشوك يثمر الترنجبين، معاشرة الاضداد تفتت الاكباد، حق على العاقل أن لا يستخف بثلاثة بالعلماء والسلطان والاخوان فمن استخف بالسلطان ذهبت دنياه ومن استخف بالاخوان

стр. 383

ذهبت مروءته، زر العلماء وجالس الفقهاء اطعمهم طعامك وانفق عليهم من مالك، ونظر بشر إلى أهل السجون فقال حبهم للشهوات أوردهم هذه الموارد، وقال الصادق: العافية موجودة مجهولة والعاقبة معدومة معروفة عجبت للتاجر كيف يسلم وهو بالنهار يحلف، بالليل يحسب، شرار الامراء أبعدهم من العلماء وشرار العلماء أقربهم من الامراء لا تمنع وارثك كدّك، وقال العاقل خادم الأحمق أبدا قيل كيف قال ان كان فوقه لم يجد بدا من مداراته وإن كان دونه لم يجد بدا من إحتماله والله تعالى أعلم. (الباب الخامس في نوادر مالك وأحمد ﵄ قال مالك ﵀: من ترك عيب أخيه نسي عيبه ومن أشتغل بعيب أخيه ظهرت له عيوب، وقال أستاذه كف من بخت خير من أوقار من علم، وقال عبادات المبتدعة كتكبير الحارس لا أجر ولا ثواب، وقال حب العلماء من الايمان، وقال من قال لفقيه أو عالم من أنت وما قدرك فقد استخف بالشريعة، وقال أحمد ﵀ لا أصحب الناس لخشية الفراق وقال لو كانت الدنيا دما عبيطا كان رزق المؤمن حلالا وقال فر من مساكنة الظالمين فرارك من الاسد، وقال سفيان الثوري: لولا هذه الدريهمات لتمندلوا بديننا وقيل

стр. 384

لمالك ما الداء العضال؟ قال: الخبث في الدين وقال: إذا كان الرجل صادقا في حديثه لا يكذب متع بعقله ولم تصبه خرافة الجاه زكاة الشرف والمعروف زكاة النعم، والمرض زكاة البدن فكلما أديت زكاته فقد أمنت الخسران فيه، ذم العقلاء أشد من ضرب السلطان فإن هذا خذلان وذلك تعزير، ينبغي للمسلم أن يقي روحه بجسده وأن يقي دينه بروحه ومن حزم الرجل أن لا يخادع أحدا وكمال عقله أن لا يخدعه أحد، قال الثوري اني لا تعجب ممن له عيال كيف لا يخرج على الناس بسيفه اذا لم يكن له شيء، وعن السدى لو احتجت الى مؤنة دجاجة لم آمن على نفسي أن أصبح شرطيا وفي مسند أحمد ﵁ قال رجل يا رسول الله ما أجر من علم ولده كتاب الله تعالى فقال كلام الله لا غاية له فجاء جبريل ﵇ فقال له النبي ﵇ يا أخي ما أجر من علم ولده كتاب الله فقال جبريل يا محمد القرآن كلام الله لا غاية له ثم ان الله تعالى أنزل جبريل على رسوله ﷺ فقال جبريل إن ربك يقرؤك السلام ويقول من علم ولده القرآن فكأنما حج البيت عشرة آلاف حجة وكأنما اعتمر عشرة آلاف عمرة وكأنما أعتق عشرة آلاف رقبة من ولد اسماعيل وكأنما غزا عشرة آلاف غزوة وكأنما أطعم عشرة آلاف مسلم جائع وكأنما كسا عشرة آلاف عار ويكتب الله له

стр. 385

بكل حرف من القرآن عشر حسنات ويمحو عنه عشر سيئات وقال ﵁ عجبت لمن يدخل الحمام قبل أن يأكل ثم يؤخر الاكل بعد ما يخرج كيف لا يموت وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الاكل كيف لا يموت قال الثوري عليك بعمل الابطال الكسب من الحلال والأنفاق على العيال، وقال سفيان إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي. (الباب السادس في نوادر المشايخ الصوفية) قال سرى السقطي ﵁ خمسة أشياء من جوهر النفس فقير يظهر الغنى وجائع يظهر الشبع ومحزون يظهر الفرح ورجل بينه وبين رجل عداوة فيظهر المحبة ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر الضعف، وقالوا الندامة أربعة ندامة يوم وندامة سنة وندامة عمر وندامة الأبد فندامة اليوم أن يخرج من المنزل قبل الغداء وندامة سنة الزارع يترك الزرع وندامة العمر أن يتزوج بامرأة غير موافقة فيبقى في الندامة إلى آخر العمر وندامة الأبد أن يترك أمر الله تعالى؛ وقال أبو بكر الواسطي الدول ثلاث دولة الحياة أن يعيش في طاعة الله تعالى ودولة عند الموت وهو أن يموت على الإسلام ودولة في القيامة وهو أن يموت وهو ناج من النار، قال شقيق سألت سبعمائة شيخ عن العاقل

стр. 386

فقالوا العاقل من لا يحب الدنيا وعن الكيس قالوا من لا تغره الدنيا وعن الغني فقالوا هو الراضي بما قسم الله تعالى له وعن الفقير فقالوا من أراد ما سوى الله وعن البخيل قالوا المضيع حق المال؛ ابن آدم مبتلى في أربعة أشياء ضعف البشرية وتكليف العبودية واخفاء السابقة وابهام العاقبة. وقال حاتم الأصم: مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا ولقد ماتت لي ابنة فعزاني أكثر من عشرة آلاف وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد، وقال أبو بكر الوراق قرأت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وأربعين صحيفة في الحكمة، فمحصول جميعها خلتان أحداهما اجلال أوامر الله تعالى ونواهيه والثانية الشفقة على خلق الله، وقال معاذ النّخشبي لم يصعد من الأرض ذنب أعظم من ثلاث الأول أن يقول العبد من يطيق أن يعمل ما يقول له العلماء الثاني من لم يكن له درهم لا يكون له قيمة الثالث من يطيق منع الشيطان. كل شيء له غاية ونهاية يمكن عدها إلا ثلاثة أشياء نعيم الجنة وطيبها والنار وعذابها والنفس وشرها. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: ابرار الدنيا الكذب وقلة الحياء، من طلب الدنيا بغيرهما فقد أخطأ الطريق وابرار الآخرة الحياء والصدق ومن طلب الآخرة بغيرهما فقد أخطأ. سئل بعضهم هل من أحد لا عيب فيه؟ قال لا لأنه لو كان من لا

стр. 387

عيب فيه لكان من لا يموت. وقيل لماذا يحب الإنسان سبطه أكثر مما يحب ولده قيل لأنه عدو عدوه فلهذا يحبه وولد الرجل عدوه. قال الله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وسبطه ليس عدوه، شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا، أعجب الأشياء نجح الجاهل واكداء العاقل. وقال يحيى بن معاذ جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم عمرك فيها مع قليل نصيبك منها، فساد الخلق من ثلاثة أشياء بطن شبعان من ألوان الطعام وقلب فرح مسرور وجوارح مستريحة عن العبادة. تعب في جمع الدنيا. وقال علي بن الموفق، قلت لذي النون بعرفات من أشد هؤلاء الخلق حالا، قال من ظن أن الله لا يغفر له،. وقال لقمان لابنه يا بنيّ استغن بالكسب عن الفقر فما افتقر أحد إلا أصابه ثلاثة خلال مكروهة: رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من هذه الثلاث استحقار الناس له. وسئل بعضهم عن قول النبي ﷺ إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت. فقال قوتها معرفة الله تعالى. وسئل عن الزاهدين فقال كلكم زاهدون في الله تعالى. وقال آخر لو أن الدنيا مملوءة حيات وعقارب وسباعا وأفاعي ما خفتها ولو بقي فيها واحد من البشر لخفته لأن البشر شر منها. وقالوا في قوله ﷺ إذا رأيتم أهل

стр. 388

البلاء فسلوا الله تعالى العافية هم أهل الغفلة عن ذكر الله. وقال: الجاهل ميت والناسي نائم والعاصي سكران والمصر هالك. وقال أبو حفص: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى رائد الموت. وقال فضيل إذا لم تستطع الصوم والصلاة فاعلم أنك مكبل بالذنوب، لا يغرنك طول النسيئة من الله تعالى فإن أخذه أليم شديد. (الباب السابع في نوادر الحكماء) ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب والتحاسد بين ذوي الأكفاء والركاكة في الملوك. وثلاث لا يشبع منهن الحياة والعافية والمال. احذر أربع غارات: ملك الموت على روحك وغارة الورثة على ملكك وغارة الدود في القبر وغارة الخصماء على حسناتك. العاقل للسانه عاقل، ومن سعادة الإنسان أن لا يكون عند فساد الزمان مدبر للزمان. الظفر لمن احتج لا لمن ضيع، الخير عند إمكانه يبقى لك حمده بعد زوال أيامه؛ وأحسن والدولة لك يحسن اليك والدولة عليك، إنما يستخرج ما عند الرعية ولاتها وما عند الجند قاداتها وما في الدين والتأويل علماؤه. وكتب سليمان بن داود ﵉ على كرسيه بعد ما رد إليه ملكه إذا صحت العافية نزل البلاء وإذا تمت السلامة نجم العطب

стр. 389

وإذا تم الأمن علن الخوف، وقال في منثور الحكم من فعل ما شاء لقي ما ساء. وفي حكم الفرس ما أضعف طمع صاحب السلطان في السلامة، ومن خير الإختيار صحبة الأخيار ومن شر الإختيار صحبة الأشرار، ضرر الجهر أعم من ضرر السر، لأن قانون السر معلوم وقانون الجهر غير معلوم. إذا هب المميز هلك المبرز، وفي أسفار بني اسرائيل الذي يحب الشهوات يبغض نفسه، يعد من البهائم، من كانت غايته نفسه، من كثر صوابه لم يطرح لقليل الخطأ، سوق النفاق دائم النفاق، في الصحف الأولى: القلب الضيق لا تحسن به الرياسة، والرجل الأثيم لا يحسن به الغني، الاغترار بالأعمال من شيم الأغمار، في الصحف الأولى احرص على الإسم الصالح وإلا يصحبك غيره، من ظلم يتيما ظلم أولاده، من لم يتعظ بموت ولد لم يتعظ بقول أحد، من أرضى سلطانا جائرا أغضب ربا قادرا، إذا لم يساعد الجد فالحركة خذلان، غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله. كثرة مال الميت تعزيهم عنه، الهم قيد الحواس، من زرع العدوان حصد الخسران، من قنع بالرزق استغنى عن الخلق، من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة. العيادة لحظة والزيارة ساعة والضيافة أكلة، فإذا طعمتم فانتشروا. قال دهقان لعبد الله بن جعفر احفظ عني ثلاثا

стр. 390

فإنك في ارض وبيئة: باكر الغداء وأكثر الأدام ولا تنم إلا وبينك وبين السماء سترة ورو قدميك بالدهن. قيل لحكيم لم تجمع المال وأنت حكيم قال: لأصون به عرضي وأؤدي منه الفرض وأستغني به عن القرض. ومن لم يتحرّز من علمه بعقله هلك من قبل علمه. قال الأحنف العجلة في خمسة أشياء محمودة: في الكريمة إذا خطبها الكفؤ. وفي الميت حتى يخرجه وفي عيادة المرضى، وفي الصلاة إذا دخلت حتى يؤديها. وفي الضيف إذا نزل حتى يقدم إليه الطعام، أشغلوا نساءكم فإن الدواهي في الفراغ، إذا اتسعت القدرة قلت الشهوة، أسد حطوم خير من سلطان ظلوم وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم، قبل يد عدوك إذا لم يمكنك قطعها. وقال يجب على من اصطنع معروفا أن يتناساه من ساعته ويجب على من أسدى إليه أن يكتب ذكره بين عينيه أبدا، جمع ملك الهند الحكماء وقال اجمعوا على خصلة واحدة تكفي الإنسان، فقيل الصبر وقيل القناعة. تمّ كتاب نوادر العلماء والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
следующие страницы →