← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فقالوا العاقل من لا يحب الدنيا وعن الكيس قالوا من لا تغره الدنيا وعن الغني فقالوا هو الراضي بما قسم الله تعالى له وعن الفقير فقالوا من أراد ما سوى الله وعن البخيل قالوا المضيع حق المال؛ ابن آدم مبتلى في أربعة أشياء ضعف البشرية وتكليف العبودية واخفاء السابقة وابهام العاقبة. وقال حاتم الأصم: مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا ولقد ماتت لي ابنة فعزاني أكثر من عشرة آلاف وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد، وقال أبو بكر الوراق قرأت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وأربعين صحيفة في الحكمة، فمحصول جميعها خلتان أحداهما اجلال أوامر الله تعالى ونواهيه والثانية الشفقة على خلق الله، وقال معاذ النّخشبي لم يصعد من الأرض ذنب أعظم من ثلاث الأول أن يقول العبد من يطيق أن يعمل ما يقول له العلماء الثاني من لم يكن له درهم لا يكون له قيمة الثالث من يطيق منع الشيطان. كل شيء له غاية ونهاية يمكن عدها إلا ثلاثة أشياء نعيم الجنة وطيبها والنار وعذابها والنفس وشرها. وقال عبد العزيز بن أبي رواد: ابرار الدنيا الكذب وقلة الحياء، من طلب الدنيا بغيرهما فقد أخطأ الطريق وابرار الآخرة الحياء والصدق ومن طلب الآخرة بغيرهما فقد أخطأ. سئل بعضهم هل من أحد لا عيب فيه؟ قال لا لأنه لو كان من لا

стр. 387

عيب فيه لكان من لا يموت. وقيل لماذا يحب الإنسان سبطه أكثر مما يحب ولده قيل لأنه عدو عدوه فلهذا يحبه وولد الرجل عدوه. قال الله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وسبطه ليس عدوه، شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا، أعجب الأشياء نجح الجاهل واكداء العاقل. وقال يحيى بن معاذ جميع الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم عمرك فيها مع قليل نصيبك منها، فساد الخلق من ثلاثة أشياء بطن شبعان من ألوان الطعام وقلب فرح مسرور وجوارح مستريحة عن العبادة. تعب في جمع الدنيا. وقال علي بن الموفق، قلت لذي النون بعرفات من أشد هؤلاء الخلق حالا، قال من ظن أن الله لا يغفر له،. وقال لقمان لابنه يا بنيّ استغن بالكسب عن الفقر فما افتقر أحد إلا أصابه ثلاثة خلال مكروهة: رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من هذه الثلاث استحقار الناس له. وسئل بعضهم عن قول النبي ﷺ إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت. فقال قوتها معرفة الله تعالى. وسئل عن الزاهدين فقال كلكم زاهدون في الله تعالى. وقال آخر لو أن الدنيا مملوءة حيات وعقارب وسباعا وأفاعي ما خفتها ولو بقي فيها واحد من البشر لخفته لأن البشر شر منها. وقالوا في قوله ﷺ إذا رأيتم أهل

стр. 388

البلاء فسلوا الله تعالى العافية هم أهل الغفلة عن ذكر الله. وقال: الجاهل ميت والناسي نائم والعاصي سكران والمصر هالك. وقال أبو حفص: المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى رائد الموت. وقال فضيل إذا لم تستطع الصوم والصلاة فاعلم أنك مكبل بالذنوب، لا يغرنك طول النسيئة من الله تعالى فإن أخذه أليم شديد. (الباب السابع في نوادر الحكماء) ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب والتحاسد بين ذوي الأكفاء والركاكة في الملوك. وثلاث لا يشبع منهن الحياة والعافية والمال. احذر أربع غارات: ملك الموت على روحك وغارة الورثة على ملكك وغارة الدود في القبر وغارة الخصماء على حسناتك. العاقل للسانه عاقل، ومن سعادة الإنسان أن لا يكون عند فساد الزمان مدبر للزمان. الظفر لمن احتج لا لمن ضيع، الخير عند إمكانه يبقى لك حمده بعد زوال أيامه؛ وأحسن والدولة لك يحسن اليك والدولة عليك، إنما يستخرج ما عند الرعية ولاتها وما عند الجند قاداتها وما في الدين والتأويل علماؤه. وكتب سليمان بن داود ﵉ على كرسيه بعد ما رد إليه ملكه إذا صحت العافية نزل البلاء وإذا تمت السلامة نجم العطب

стр. 389

وإذا تم الأمن علن الخوف، وقال في منثور الحكم من فعل ما شاء لقي ما ساء. وفي حكم الفرس ما أضعف طمع صاحب السلطان في السلامة، ومن خير الإختيار صحبة الأخيار ومن شر الإختيار صحبة الأشرار، ضرر الجهر أعم من ضرر السر، لأن قانون السر معلوم وقانون الجهر غير معلوم. إذا هب المميز هلك المبرز، وفي أسفار بني اسرائيل الذي يحب الشهوات يبغض نفسه، يعد من البهائم، من كانت غايته نفسه، من كثر صوابه لم يطرح لقليل الخطأ، سوق النفاق دائم النفاق، في الصحف الأولى: القلب الضيق لا تحسن به الرياسة، والرجل الأثيم لا يحسن به الغني، الاغترار بالأعمال من شيم الأغمار، في الصحف الأولى احرص على الإسم الصالح وإلا يصحبك غيره، من ظلم يتيما ظلم أولاده، من لم يتعظ بموت ولد لم يتعظ بقول أحد، من أرضى سلطانا جائرا أغضب ربا قادرا، إذا لم يساعد الجد فالحركة خذلان، غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله. كثرة مال الميت تعزيهم عنه، الهم قيد الحواس، من زرع العدوان حصد الخسران، من قنع بالرزق استغنى عن الخلق، من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة. العيادة لحظة والزيارة ساعة والضيافة أكلة، فإذا طعمتم فانتشروا. قال دهقان لعبد الله بن جعفر احفظ عني ثلاثا

стр. 390

فإنك في ارض وبيئة: باكر الغداء وأكثر الأدام ولا تنم إلا وبينك وبين السماء سترة ورو قدميك بالدهن. قيل لحكيم لم تجمع المال وأنت حكيم قال: لأصون به عرضي وأؤدي منه الفرض وأستغني به عن القرض. ومن لم يتحرّز من علمه بعقله هلك من قبل علمه. قال الأحنف العجلة في خمسة أشياء محمودة: في الكريمة إذا خطبها الكفؤ. وفي الميت حتى يخرجه وفي عيادة المرضى، وفي الصلاة إذا دخلت حتى يؤديها. وفي الضيف إذا نزل حتى يقدم إليه الطعام، أشغلوا نساءكم فإن الدواهي في الفراغ، إذا اتسعت القدرة قلت الشهوة، أسد حطوم خير من سلطان ظلوم وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم، قبل يد عدوك إذا لم يمكنك قطعها. وقال يجب على من اصطنع معروفا أن يتناساه من ساعته ويجب على من أسدى إليه أن يكتب ذكره بين عينيه أبدا، جمع ملك الهند الحكماء وقال اجمعوا على خصلة واحدة تكفي الإنسان، فقيل الصبر وقيل القناعة. تمّ كتاب نوادر العلماء والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 391

كتاب عشرة النساء وفيه سبعة أبواب (الباب الأول في اختبار النساء وصفة الجميلة منهن) إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر كبيرة العين بيضاء اللون محبة لزوجها قاصرة الطرف عليه، فهي على صورة الحور العين. فإن الله تعالى وصف نساء الجنة بهذه الصفة في قوله تعالى فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ أراد حسن الخلق عُرُباً أَتْراباً أراد العاشقة لزوجها المشتهية للوقاع وبه تتم اللذة والحور البياض والحوراء شديدة بياض العين شديدة سوادها، في سواد الشعر، والعيناء واسعة العين وحسن الوجه مطلوب واعلم يا سيد الوزراء والرؤساء أن حسن الوجه من عناية الله قول النبي ﷺ : عليك بذات الدين يريد بذاك النهي زجرا عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين. وسئل سليمان ﵇ وهو ابن سبع سنين عن تزويج النساء فقال عليك بالذهب الأحمر والفضة البيضاء. فسئل ثانيا فقال أما الذهب الأحمر فالبكر والفضة البيضاء الثيب الشابة، وإياك والعجوز ذات الأولاد. وقال رجل لموسى صلوات الله عليه سل ربك حتى يعجل لي الجنة في الدنيا، فذكر ذلك عند ربه فقال عز وجل

стр. 392

قد فعلت قد أعطيته امرأة جميلة حسناء موافقة. ويقال إن الله تعالى قرن ثلاثة بثلاثة قرن الشهوة بالتزويج فلولا الشهوة ما تزوج أحد ولولا الرياسة ما طلب أحد العلم ولولا الآمال ما عمرت الدنيا. وقال ينبغي للمرأة أن تكون دون الرجل بأربع أن لا تستحقره بالسن والطول والمال والحسب، وأن يكون فوقها بأربع بالمال والأدب والخلق والحسب. وقال فضلت النساء على الرجال بتسعة وتسعين من اللذة، وما خلق الله ألفة ومحبة بين الناس أعظم من محبة الزوجين لأن كل واحد يفاوض صاحبه في نيات صدره وكل ما خلق الله تعالى يمكن وصفه سوى لذة الجماع فإنه لا يمكن معرفتها إلا بالذوق وفي قول بعض العلماء نساء الدنيا أحسن من الحور العين. ومن دولة الرجل أن تكون له امرأة جميلة ودار فيحاء وله كفاية لا يعرف الناس ولا يعرفونه (تنبيه) خلق الله الرجل من الأرض فنهمته في الأرض والسعي فيها ولا يشبع إلا من التراب. وخلقت المرأة من الرجل فنهمتها في الرجل، وفي الخبر أربع لا تشبع من أربع عين من نظر وأذن من خبر وأرض من مطر وأنثى من ذكر. وخلق الله تعالى الحياء عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء في النساء وجزأ في الرجال وخلق الشهوة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزائها في النساء وجزء في الرجال وإن النساء لا يعجزن

стр. 393

عن حمل الحلى والذهب وحمل الرجل والصبي. وفي الخبر: كل من يكون أزهد فيكون إلى النساء أشوق وأشبق وما رأيت ناقصات عقل ودين أسلب لعقل الرجال منهن. قال عمر ﵁ والله ما استفاد الرجل بعد الإسلام خيرا من امرأة حسنة الخلق ودود ولود وما استفاد الرجل بعد الكفر بالله شرا من امرأة حديدة اللسان سيئة الخلق والله إن منهن لغلاما يفدى منه وغنما ما يجدى. ومن تزوج الغنية كان له منها خمس مغالاة في الصداق وتسويف الزفاف ووفور النفقة وفوت الخدمة ولم يقدر على طلاقها لذهاب المال معها. وقال بعضهم لم يبق في الدنيا شيء أستلذه إلا ملاقاة الأخوان وشم الصبيان والخلوة بالنسوان، وإن محل الزوج من المرأة محل ليس لأب ولا ولد. ويروى أن حمنة بنت جحش جاءها نعي أبيها فقالت: إنا لله، ثم جاءها نعي أخيها فقالت: إنا لله، ثم جاءها نعي ابنها فقالت: إنا لله، ثم جاءها نعي زوجها فقالت: واحزناه فبلغ ذلك إلى النبي ﷺ فقال إن للزوج من المرأة موقعا. وفي الخبر تزوّجوا النساء يأتوكم بالأموال وقال تزوجوا الشواب منهن فإنهن أشد ودّا وحياء، وشباب النساء ما بين خمس وعشرين إلى ثلاثين ومن الثلاثين إلى الأربعين مستمتع فإذا اقتحمت العقبة حسكت. وسئل لقمان عن النساء فقال عليك بالبادنة الحمراء يعني الجارية الحمراء

стр. 394

وإياك وما دنس وأحب الرجال إلى النساء أشبههن خدودا بالنساء يعني المرد. وقيل الشاب العروس ملك سبعة أيام وقال ﷺ ثلاث فاتنات: الوجه الحسن والشعر الحسن والصوت الحسن. وسئل ابن المهدي عن تسمين المرأة فقال لا بأس ما لم تفسد الطعام أو تتقيأ. وقيل إذا كان لأجل الزوج يجوز بإذنه وفي الخبر طعام العروس فيه مثقال من ريح الجنة والله تعالى أعلم. (الباب الثاني في صفات المذمومات منهن والعقيم) قال صبية سوداء ولود خير من حسناء عقيم وتقول العرب لا تنكحوا من النساء ستا: أنانة ولا منانة ولا حنانة ولا حداقة ولا براقة ولا شداقة. أما الأنانة فالتي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها فنكاح المتمرضة لا خير فيه والمنانة التي تمن على زوجها وتقول فعلت لأجلك كذا وكذا والحنانة التي تحن إلى زوج آخر أو إلى ولدها من زوج آخر والحداقة التي ترمي بحدقتها إلى كل شيء فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه والبراقة لها معنيان إحداهما إنها لا تزال طول النهار في تصقيل وجهها والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء، هذه لغة يمانية برقت المرأة إذا غضبت والشداقة كثيرة الكلام. وفي الخبر

стр. 395

لا تنكحوا أربعا: المختلعة والمبارية والعاهرة والناشزة. أما المختلعة فالتي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب والمبارية المباهية لغيرها والعاهرة الفاسقة المعاشرة لغير حليل وخدن والناشزة التي تعلو على زوجها في الفعال والمقال. وثلاث خصال في الرجال مذمومة وفي النساء محمودة: الكبر والجبن والبخل فإن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال زوجها وإذا كانت متكبرة استنكفت أن تكلم أحدا وإذا كانت جبانة خافت من كل شيء فلا تخرج من بيتها. وقال النبي ﷺ يستعيذ بالله من المرأة السوء فقال مثل صاحب المرأة السوء مثل رجل فوق قصر وعليه ثلج وبرد وليس له من سلم أن أقام عليه مات وإن وقع هلك ومثل امرأة السوء مثل حية في رقبتها طوق من ذهب. وقال لقمان لإبنه كيف وجدت أهلك قال خير النساء إلا أنها امرأة سيئة الخلق، فقال فارقها فإنها لا حيلة لها (فصل) اعلم أن المعتقدات لمذهب الإباحية لا يحل نكاحهن وكذلك معتقدة مذهب فاسد مثل المرتدة والباطنية والحلولية لا يحل نكاحها وقد نهى عن التزويج بالمرأة التي تريد الأمر إليها دون زوجها. وسأل النعمان طبيبه عن السوأة السوآء والداء العياء فقال المرأة التي تعجب من غير عجب وتغضب من غير غضب إن كان مكثرا لم ينفعه ماله وإن كان مقلا عيرته بالفقر. فتلك

стр. 396

التي أراح الله منها بعلها وضيق عليها قبرها. وأما الداء العياء فالشاب القليل الحيلة اللزوم للحليلة إن غضبت ترضاها وإن رضيت فداها فلا كان ذلك في الأحياء. وجاء حسان بن عطية إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن لي امرأة وإنها أحسن الناس وإنها لا ترد يد لامس قال طلقها قال فإني أحبها قال فإذا أمسكها؛ واختلفوا في معناه فقيل إنها كانت مسرفة تبذل ماله. وقيل كانت فاجرة وعليه يدل قوله صلوات الله عليه احفظها لئلا يتبعها قلبه فتتوق نفسه إلى حرام وكل من أحس من زوجته بمحظور يجب أن يزجرها وإن أطاق أن يطلقها فذلك الدين القويم وإن كان يحبها فليحفظها لئلا يقع في حرام بعد طلاقها. وقال ﷺ إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم، أي يؤلف من وقوع الأدمة على الأدمة وهي الجلدة الباطنة، وقال عمر ﵁ إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليطل النظر فإنما هو مشتر. وقيل كل نكاح من غير نظر فإنما آخره غم وحزن، وفي بعض الكتب كل من تزوج من غير هوى حزن إلى يوم القيامة. وقال رجل يا نبي الله إني أريد أن أتزوج فادع الله أن يرزقني زوجة صالحة، فقال لو دعا لك جبريل وميكائيل وأنا ما تزوجت إلا المرأة التي كتب الله لك أن تتزوجها، يقال البكر لك لا عليك وأما

стр. 397

الثيب فلك وعليك. وأما التي لها أولاد فعليك لا لك (حكاية) رجل من بني اسرائيل حلف أن لا يتزوج حتى يستشير مائة رجل فسأل تسعة وتسعين ثم قال غدا أسأل أول من لقيني فرأى رجلا راكبا على قصبة فاغتنم وقال: إنا لله!! مجنون كيف أسأله!؟ ثم قال: أسأله، فسأله فقال: البكر لك والثيب عليك وذات الولد فلا تقربها ثم قال ما أنا بأحمق ولكن تحامقت حتى أخلص من شرهم، والله تعالى أعلم. (الباب الثالث في وقت النكاح وعقده) سئل سفيان بن عيينة عن وقت النكاح فقال: الليل، ألم تسمع قول الله تعالى وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ووصف النهار بالنشور فقال تعالى وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً وقال ﷺ : زفوا بالسحر وأطعموا بالضحى، وقالت عائشة ﵂ تزوجني رسول الله ﷺ في شوال ودخل بي في شوال فأي نسائه أحظى عنده!؟ مني، وأما كراهة العامة النكاح في شوال فباطل من أخلاق الجاهلية يقولون إنه يشول بالمرأة فعافته الجهال. وقال ابن عباس يوم الأحد يوم عرس وبناء ويوم الأثنين يوم السفر ويوم الثلاثاء يوم الدم ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء ويوم الخميس يوم الدخول على الملوك ويوم الجمعة يوم تزويج ونكاح ويوم السبت مكر وخداع.

стр. 398

(الباب الرابع في آداب الجماع) الشهوة تنبعث من اللمس والنظر والمداعبة فينبغي له أن يداعبها ويجاذبها ويقبلها ويعانقها ثانيا ثم يباشرها ثالثا، وفي الخبر لا يقعن أحدكم على أهله كما تقع البهيمة ولكن يقدم رسولا يعني قبلة ولمسا وإذا قضى أحدكم حاجته منها فليصبر حتى تقضي حاجتها منه ويقول بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ويستر نفسه وزوجته بدثار ولا يجامع في ثلاث ليال في أول الشهر وفي ليلة النصف وفي آخر الشهر، قيل إن الشيطان يحضر جماعه وقيل إن الشياطين يجامعون في هذه الليالي، وأولى الأيام بالجماع يوم الجمعة ولا يجامع في أيام الحيض فإن فعل خاطئا يستغفر الله تعالى وإن فعل معتقدا جوازه كفر ولا يعود، ويستعمل الطيب والروائح الفائحة لئلا تصير المرأة نافرة ويقصر شاربه لئلا تتضرر به (فرع) والعزل ليس بحرام ومعنى العزل أن يحفظ ماءه عن الإنزال وقت المباشرة فإن ترك النكاح ليس بحرام فالعزل لا يزيد على عدم النكاح، ولا وطء في حالة الحيض لئلا يكون الولد مجذوما (قاعدة) يجوز للرجل النظر إلى جميع بدن المرأة وكذلك المرأة من الزوج ولكن يكره النظر إلى الفرج والله أعلم.

стр. 399

(الباب الخامس في قدر ما تصبر المرأة عن زوجها) اعلم أن غاية ما تصبر المرأة عن زوجها أربعة أشهر فما فوق ذلك ينفد صبرها وتخون زوجها. ولهذا ترى نساء الغائبين مائلات إلى الفسق لغيبة أزواجهن وتعطيلهن إياهن وأصل ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان يعس ذات ليلة فسمع امرأة تقول: ألا طال هذا الليل وازورّ جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فو الله لولا الله لا رب غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يكفني ... وأكرم زوجي أن تنال مراكبه فلما أصبح سأل عنها قالوا فلانة بنت فلان زوجها غائب فذهب إلى ابنته حفصة وقال يا بنية أنت زوج النبي ﷺ وأوثق نساء العالمين في نفسي وأني جئتك لأسألك عن مسألة من أمور المسلمين فلا تستحي مني وأصدقيني كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت أربعة أشهر، قال وخمسة؟ قالت وخمسة، قال وستة؟ قالت لا إلا بمشقة، فأرسل إلى المرأة القائلة

стр. 400

امرأة لتكون معها وكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يغيبوا رجلا فوق أربعة أشهر فينبغي لكل أمير أو وزير أن يحفظ هذه القاعدة والله أعلم. (الباب السادس في شكايات النساء والفرض لهن) جاءت امرأة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقالت يا أمير المؤمنين هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات بعل؟ فعلم ما تعني فقال لزوجها وهو شيخ أما تسمع ثم قال، ولا في السحر قالت لا قال هلكت وأهلكت، قالت ما تأمرني؟ قال آمرك بتقوى الله والصبر، لا أحب أن أفرق بينكما وجاءت امرأة أخرى إلى عمر ﵁ فقالت يا أمير المؤمنين ما تقل الأرض وما تظل السماء رجلا خيرا من بعلي يصوم النهار ويقوم الليل فقال عمر ﵁ لقد أحسنت الثناء فقال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين لقد اشتكت فأعرضت الشكاية ثم قضى بينهما؛ وجاءت امرأة رفاعة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإني تزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله ﷺ وفي رواية ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه وأخذت هدبة من ثوبها فقال كذبت يا

стр. 401

رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها تريد رفاعة؛ وشكت امرأة من زوجها إلى عمر ﵁ فقالت ما معه ما مع الرجال قال عمر اسمع ما تقول، قال يا أمير المؤمنين معي ما يمسك العائق ويحنك التائق قال ومن يعلم ذلك؟ قال عشيرتي، فسألهم فقالوا: ولد له، فقال انطلق بامرأتك قاتلك الله ما تريدين إلا أن يكون معه مثل العير. وفي رواية: يا أمير المؤمنين أما ما يكفي العائق ويفتق التائق فمعي وأما مثل العير فليس معي، قال انطلق فإن هذا أمر أحب إلى إحداهن من الجنة (شكاية) أتت امرأة إلى عبد الله بن الزبير ﵄ فقالت إن زوجي لا يدعني حائضا ولا طاهرا فقضى بينهما ابن الزبير أربعة بالليل وأربعة بالنهار فقال الرجل: تمنعني عما أحله الله لي؟ قال نعم إذا أسرفت. وفي رواية فرض عليها في كل يوم وليلة سبع مرات فلما انصرفت حاضت فلم تطهر إلا بعد سبعة أيام فأتاها في تلك تسعا وأربعين مرة فغدت على ابن الزبير فقالت أصلح الله الأمير إن زوجي جاوز فرض الأمير فأحضره، فقال استوفيت منها فرض الأمير فاستلقى ابن الزبير ضاحكا. وجاءت امرأة إلى أنس تشكو زوجها من كثرة الجماع ففرض له بستة، وفرض أبو حنيفة بأربعة في كل ليلة ويستحب أن يطأها في كل أربع ليال ومناسبة ذلك أنه

стр. 402

يملك أربعا من الحرائر فتنتهي نوبتهن في أربع ليال والله أعلم. (الباب السابع في الغيرة وحكم المقذوفة بالفجور) اعلم أن الغيرة من الإيمان ومن لا غيرة له لا دين له والديوث لا يدخل الجنة. الفرس يغار على جنسه فتبا للذي لا غيرة له ونكاحه مشوب ونسبه غير طاهر نعوذ بالله، ولا يجوز لأحد أن يدخل الأجانب على نسائه وبناته فإن خلون بهم مع علمه فهو الديوث المستحق للذم وأول باب من أبواب الإباحة عدم الغيرة. وإن الجنة حرام على الديوث والبخيل. قال وهب: الرجل إذا رأى على أهله سوأ فلم يغر على ذلك بعث الله طائرا فيقف على طرف بابه الأعلى أربعين يوما فإن غار وأنكر طار وإن لم يغر جاء يضر به بجناحه على عينه فلو رأى على بطن أهله رجلا لم ينكر ولم يغر على ذلك فذلك الفندع الديوث الذي لم ينظر الله إليه (فصل) المرأة إذا زنت لا يبطل النكاح بينها وبين زوجها عند جميع الفقهاء سوى مذهب عليّ كرم الله وجهه والحسن البصري ﵀ فإنهما قالا ينفسخ النكاح بينهما ولهما كلام لو ذكرته لطال الكتاب. فقلت أبشروا نساء الروافض (فائدة) لو وجد رجلا أجنبيا مع زوجته يفجر بها فإن قتله

стр. 403

يقتله الشرع وإن سكت يسكت على غيظ وإن ذهب في طلب الشهود فيفرغ اللكع ويذهب. فما حيلة المسكين (وسئل) ﵁ عن هذه المسألة فقال عليه البينة وإلا فليغط برمته وهذه رحمة لأمة محمد ﷺ فإنه لو جوّز قتله من غير بينة لقتل كل من شاء ما شاء من حميمه وعدوّه من الناس ويتعلل بالزنا ويجني عليه بالفجور فيؤدي إلى الهرج والفساد (سئل) الأوزاعي في رجل اطلع على امرأته بالزنا أيصلح له امساكها قال: لا يحرم امساكها. وقال أبو قلابة إذا اطلع الرجل من امرأته على الزنا أيصلح له امساكها على فاحشة؟ قال لا بأس أن يضاروها ويشق عليها حتى تختلع منه تم الكتاب بحمد الله تعالى. كتاب في السلطان وفيه عشرون بابا (الباب الأول في بيان حاجة الإنسان إلى السلطان) اعلم أن السلطنة والإمامة من مهمات الدين وقد يتعين في رجل فيتقدم على نوافل العبادات فبقاء الدنيا ونظام الدين بالسلطان فما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ولله حارسان في الأرض وفي السماء يحرسان الخلائق فحارسه في السماء الملائكة وحارسه في الأرض الملوك وسر هذا أن الآدمي جبل مدني الطبع بلدي المأوى لا بد له من مطعم

стр. 404

وملبس ومسكن ولا يتأتى المطعم والمسكن إلا بالصناعات إذ الصناعات وسائل إلى الحاجات فقيل أهم الصناعات ثلاثة الحراثة والنساجة والتجارة ثم تفرعت من هذه الثلاثة عدة أشياء كحداد وغزال وحلاج واسكاف فاختلفت مقاصدهم وأغراضهم وامتدت أطماعهم إلى ما في أيدي الناس ولم يرضوا بالعدل والإنصاف فلأنفسهم كانوا ينظرون فإذا أخذوا يستوفون وإذا أعطوا يخسرون وينتصفون ولا ينصفون لأنه مطبوع على الشح والجبن والحرص والكبر، فاحتاجوا إلى واحد يدفع الظالم عن المظلوم والقوي عن الضعيف فقيل لا بد من سلطان في كل زمان ليعمل بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والعدوان إذ العدل ميزان الله تعالى وضعه للإنسان. فقال تعالى وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ فإذا عرفت أنه لا بد من سلطان ورئيس وأعوان فلا بد من العلماء لتقرير الحجج والبيان وقمع المبتدعة والباطنة أهل الزيغ والطغيان إذ السلطان لا يعرف مقادير الحقوق فلهم أيد باطشة ولا بد من بصيرة نافذة فاحتاجوا إلى العلماء ضرورة. فقيل العلم والسيف توأمان والملك والدين اخوان فهل من سامع لهذا الغريب والترتيب العجيب؟ فقيل الله الفرد الجواد الواحد ونظام العالم بالإزدواج ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون

стр. 405

فقيل لا بد من الإزدواج ليكمل أمر هذا العالم فالتوأمان لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه ولا غنى لأحدهما عن الآخر فقيل الدين أس والملك حارس وما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع وعند هذا يلوح لأعلام العلماء سر قول النبي ﷺ : إثنتان لو صلحا صلح الناس كلهم الأمراء والعلماء فلما كانت مراتبهم علية ومقاماتهم سنية لا جرم كانت أخطارهم عظيمة وطاعاتهم مفترضة. فأنزل الله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يعنى العلماء وفي قول الأمراء. وقال النبي ﷺ اللهم ارحم خلفائي فقيل من هم يا رسول الله قال العلماء وقال من أكرم العلماء فقد أكرم الله ومن أهان السلطان فقد أهان الله تعالى وإن لله تعالى أمر بالعدل والإنصاف دون الظلم والإعتساف فمن فعل ذلك فقد فاز فوزا عظيما ومن أبى واعتدى فقد هلك وأودى ولا يحزنك دم أراقه أهله إلا أن يغير الله ما يفعلون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (الباب الثاني في فضيلة السلطان) اعلم ان الله تعالى قال أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال المفسرون أراد به الأمراء والملوك. وقال النبي ﷺ : الإمام منكم بمنزلة الوالد فلا تضربه إن

стр. 406

ضربك ولا تسبه إن سبك وقال لمعاذ: أطع كل أمير وصلّ خلف كل إمام ولا تسبن أحدا من أصحابي. وقال: السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر. وإذا جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر؛ وقال: يا أبا هريرة عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة. قيام ليلها وصيام نهارها يا أبا هريرة جور ساعة في حكم الله أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة، وقال ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ قال: لولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضا ولولا العلماء لصار الناس كالبهائم. وقال الله تعالى: لا إله إلا أنا قلوب الملوك بيدي فأي عباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وأي عباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب ولا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم أمر ملوككم. وعن بعضهم ان لله تعالى حراسا فحراسه في السماء الملائكة وحراسه في الأرض الذين يأخذون الديوان. وقال النبي ﷺ : من أكرم سلطان الله فقد أكرم الله ومن أهان سلطان الله فقد أهان الله تعالى (فصل) اعلم أن السلطنة من مهمات الأمور ومهمات الإسلام

стр. 407

والسلطنة تلو الخلافة وأخوها والخلافة تلو النبوة ولا قوام للدين إلا بإمام مطاع يقيم الحدود يؤمن السبل ويستوفي الحقوق ويوصلها إلى مستحقيها والخلافة واجبة شرعا. وقال قوم واجبة عقلا؛ والسلطنة والإمامة قد تكون من فروض الكفاية وقد تتعين في بعض المواضع فتتقدم على نوافل العبادات، والسيف والقلم توأمان وهما رضيعا لبان وفرسا رهان لا قوام لأحدهما إلا بالآخر فمن أطاع السلطان فقد أطاع الله ومن أهانه فقد أهان الله، عرفه من عرفه وجهله من جهله. والله تعالى أعلم. (الباب الثالث في خطر السلطان) قال النبي ﷺ : يؤتى بالوالي يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه حتى يبطح على جسر جهنم فإن كان أطاع الله تعالى في حكمه رفعته الملائكة بناصيته إلى منابر من نور تحت العرش فيشفع في اثنين وسبعين من أهل بيته وإن كان عصى الله تعالى في حكمه انحرف به ذلك الجسر حتى يهوي في نار جهنم سبعين خريفا حتى يكون في جب قد حمي منذ خلق الله السموات والأرض فيه حيات وعقارب كأمثال البخت العظام في ناب كل حية وفقار كل عقرب ثلاثمائة قلة من السم وستون قلة. لو أن قلة وضعت على الدنيا لذابت كما يذوب

стр. 408

الرصاص ولا يزال فيما بينهم ما دامت السموات والأرض؛ واعلم أن خطر الولاية عظيم وسكرها مر شديد والسلطان إذا جلس في الديوان فهو بين الجنة والنار على شفيرها فإما إلى الجنة أو إلى النار وذلك أن السلطان والوزير لم يقل لهما أحكما بما شئتما وافعلا ما هو يتما بل قيل للسلطان انصر دين الله واحكم بأمر الله وخالف هواك وأطع مولاك. وهذا سر قوله ﷺ : من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين ومعناه أنه أمر أن يحكم على خلاف هواه وطبعه ودون غلبانه القتاد والخرط ولا يمكنه ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط والسلطان إذا أصبح فهو مطالب بمطالبات كثيرة قد احتوشته الخصوم فالله تعالى يقول فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ وقال وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ فلا تغفل اعدل في دين الله والهوى، والنفس يقولان لا تبع النقد بالنسيئة فلعلك لا تبلغ الأمنية وتخترمك المنية، إعط نفسك مناها ولا تخالفها في هواها والله يطالبه بحقه والرعية تطالبه وعياله تطالبه بحقوقهم وأولاده يطالبونه بالحقوق وملك الموت يطلبه والدنيا تفتنه والشيطان يضله والكافر يبغضه والمؤمن يحسده فأين الخلاص ولات حين مناص، وفي الخبر قال الصديق ﵁: أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك يزهد ما في يده ويرغب فيما في يد رعيته فيحسد على

стр. 409

القليل ويتسخط الكثير، لا يثق بأحد، يحاسبه الله أشد الحساب إلا إن الأمراء هم المرجمون إلا من آمن بكتاب الله وعمل به. (الباب الرابع في الأوصاف الموجبة للسلطنة والإمامة) وهي سبعة فكل سلطان وإمام ووزير ورئيس تكون فيه هذه الخصال فأهليته متكاملة وسلطنته مستحقة ومن اختل فيه وصف من هذه الأوصاف فلا يصلح لهذا الأمر: حفظ الدين والمذهب والثاني حفظ البيضة والثالث حفظ عمارة البلدان والرابع مقامات المظالم والخامس تقرير الأموال بحسن الجباية والسادس إقامة الحدود والسابع اختيار العمال فإذا فعل ذلك كان مؤديا لحق الله تعالى ومن قصر فيه كان عاصيا فيجب أن يحفظ الدين والمذهب عن التبديل والتغيير ويزجر المبتدعين ويحفظ حدود الإسلام وعمارة البلدان إذ لا بقاء للناس إلا بالعمارة، ويجلس للمظالم فيأخذ للضعيف من القوي ويقيم الحدود لتبقى النفوس والأموال مصونة ويختار العمل فلا يولي أحدا لا يكون أهلا للولاية فإنه مسئول عن معاملة عماله فيا سعادة من كانت فيه هذه الأوصاف؛ وسئل ذو القرنين عن المعاني التي بها أساس الناس فقال: ثمان خصال لم أهزل في أمر ولا نهى قط ولا أخلفت

стр. 410

وعدا ولا وعيدا قط ووليت أهل الكفاية وأتيت على التقوى لا على الهوى وعاقبت للأدب لا للغضب وأودعت قلوب الرعية المحبة من غير جناية والهيبة من غير صنيعة وعممت بالقوت ومنعت الفضول، والله تعالى أعلم. (الباب الخامس في الأسباب المانعة للسلطنة) قلة المبالاة في الدين والمذهب والجنون والغفلة وعدم الرأي والقحة والتلجلج، وكان الفرس متى رأوا من الملك قحة وتلجلجأ وانهماكا في الخمر والزمر عزلوه وقيل كل ملك يكون فيه خمس خصال فلا يصلح للملك، لا ينبغي أن يكون كذابا لأنه إذا كان كذابا فإذا وعد بخير لم يفرح به أو وعد بشر لم يخف منه ولا ينبغي أن يكون بخيلا إذ لا يناصحه أحد ولا يبذل المال للعسكر فلا تصلح الولاية إلا بالمناصحة ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إذا كان حديدا مع القدرة هلكت الرعية ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه لا يشرف أحدا ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم ولا ينبغي أن يكون جبانا فيجترىء عليه عدوه ويملك ثغوره والله تعالى أعلم. (الباب السادس في أحكام تجب على الملوك) اعلم أن الناس في التكليف على ثلاثة أصناف

стр. 411

والتكليف ثلاثة أنواع، فنوع منها يجب على كافة الخليقة مثل الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر فهذا يجب على السلطان والأنبياء والأولياء والعلماء والعوام والأمراء، يجب على كل واحد الإقرار بالإيمان والأعيان وباقي الفروض (نوع آخر) من التكليف يجب على العلماء دون السلاطين والملوك والعوام وذلك مثل معرفة الحلال والحرام والتبحر في الأحكام ومعرفة أصول الشريعة وفروعها ومعرفة السنن والمسانيد وحفظ الشريعة والرد على المبتدعين وتعظيم الشريعة في أعين العوام وتبجيل أهلها ودفع شبه الملحدين والمبتدعين وكشف حيلهم. هذا يجب على العلماء فرض كفاية لا فرض عين إذا تولى القيام بها البعض سقط عن الباقين (ونوع آخر) يجب على الملوك والوزراء ولا يجب على العلماء والعوام وذلك مثل إقامة الحدود واستيفاء القصاص وأمن السبل على المسافرين واستيفاء حقوق المسلمين من المعاندين ونصرة المظلومين واستيفاء حق الفقراء من الأغنياء من وظيفة الزكاة، هذه الحقوق وما ضاهاها يتعين على الملوك استيفاؤها وأداؤها ومن أعرض عنها صفحا عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً وينبغي للسلطان أن يتخذ وزيرا يكون سفيرا بينه وبين رعيته يرجع إليه في المهمات

стр. 412

ويزيد الوزير في تعظيمه وإقامة ناموسه لتعظيم أبهة الرئاسة في نفوس الناس ويترفع الوزير عن الأمور الجزئية فلا يبيع ولا يشتري بنفسه ولا يباسط الناس كل المباسطة ولا ينقبض كل القبض ولكن خير الأمور أوساطها ويميز مركب السلطان والوزير وكرسيه ومجلسه وكل شيء عن الرعية، ويجب أن يكون الوزير حسن الإعتقاد حسن السمت ولله العظمة والكبرياء والقدرة والجبروت. (الباب السابع في قضية عدل السلطان) اعلم أن السلطنة بوصف العدل سعادة عظيمة وبوصف الجور شقاوة عظيمة ما فوقها شقاوة. وقال ﷺ : عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة وجور ساعة شر من معصية ستين سنة، والسلطان العادل يكون يوم القيامة في ظل العرش ودعاء السلطان العادل مستجاب والنظر في وجهه عبادة وحديثه شفاء وكلامه دواء، وأنا أستحي من الله ومن عدل السلطان، أين العدل وأين الحق ذهب الناس وبقي النسناس. وفي الخبر قال ابن عباس ﵄، السلطان عز الله في أرضه فمن استخف به ونالته مذلة فلا يلومن إلا نفسه ومن استخف بالسلطان فسد دينه. قال: قال أبو شروان لوزيره بزرجمهر: ما الشيء الذي يعز به السلطان؟ قال الطاعة، قال

стр. 413

فما سبب الطاعة، قال التودد إلى الخاصة والعامة. وفي الخبر ما من يوم يصبح فيه الوالي إلا تقوم الملائكة على يمينه والشياطين على يساره فتقول الملائكة اعدل اقض بالحق حتى تنجو من النار وتدخل الجنة بسلام، إن عدلت نجوت وإن جرت هلكت، وتقول الشياطين لا تبع النقد بالنسيئة واغتنم عاجلة السرور واقض شهوة الدنيا، فإن أخذ بقول الملائكة فقد نجا وإن أخذ بقول الشياطين فقد هلك، وفي رواية إن عدل يظهر الرخص والبركة في ولايته وعمره وإن جار يظهر القحط والغلاء في ولايته، وقد قال بعض العلماء إنما يستحق السلطان السلطنة إذا عدل، فأما إذا جار فهو متغلب جبار. قال زياد: الإمارة في ثلاث خصال شدة في غير إمساك ولين في غير اهمال والسخاء والعدل يوجب البركة والجور يمحق العمر. قال موسى صلوات الله عليه: يا رب أمهلت فرعون حتى ادعى الالهية. قال يا موسى إنه كان يعمر بلادي ويؤمن عبادي فقد أخبر أنه طول عمر فرعون لأجل عدله واعلم أنه لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بالعدل وحسن السياسة. وفي وصايا الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل فاجهد أن لا تقول تسلم من أن

стр. 414

تفعل وأكيس الملوك من قاد أبدان رعيته إلى طاعته بقلوبها. قال زياد: سس خيار الناس بالمحبة وامزج للعامة الرهبة بالرغبة وسس سفلة الناس بالإخافة: وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف والقوة من غير عنف. وقال معاوية: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني وقيل لملك: ما السياسة؟ فقال: هيبة الخاصة مع صدق مودتها وإخافة قلوب العامة بالإنصاف لها واحتمال هفوات الصنائع، كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى إذا عرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى وأخيفوا الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا وعد مرضى المسلمين وافتح بابك وباشر أمورهم بنفسك فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك أثقلهم حملا فإياك أن تكون بمنزلة البهيمة مرت بواد خصب فلم يكن لها هم إلا السمن وإنما حتفها في السمن واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته وأشقى الناس من شقيت به رعيته. يقال شرار الأمراء أبعدهم من القراء وشرار القراء أقربهم من الأمراء (حكاية) داود بن عباس كان أميرا موصوفا بالعدل فأصابه القولنج فرفع رأسه إلى السماء، فقال يا رب إن كنت تعلم أني أمد عمري ومدة إمارتي

стр. 415

تعاطيت حراما أو أخذت من رعيتي درهما حراما فلا تفرجني من هذا البلاء وإن كنت تعلم أني لم أطف حول الحرام ففرج عني فقام من مرضه كأنما نشط من عقال هذه المكارم، لا قعبان من لبن، فأين سلاطين زمانك قل لهم اذهبوا وتقعقعوا (حكاية) كتب بعض الأمراء ثلاث رقاع وأعطاها لغلام له وقال متى رأيتني أغضب فناولني هذه الرقاع فكان مكتوبا بأعلى احداها اكظم غيظك فإنما أنت مخلوق ولست بخالق، وعلى الثانية: ارحم عباد الله يرحمك الله، وعلى الثالثة: اعدل فإن الله أمرك بالعدل ويطلب غدا منك العدل والعدل ميزان الله ﵎ في أرضه وبالعدل قامت السموات والأرض فلنمسك عنان القلم فإنه باب لا غاية له والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب الثامن في آفات جور السلطان) قال الله تعالى أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً وقال رسول الله ﷺ : الظلم ظلمات يوم القيامة. وقال: جور ساعة أشد عند الله من معصية ستين سنة. وتفسيره أن معصية العصاة لازمة لهم لا تتعدى عنهم وظلم الظالم يلزم الرعية ويتعدى عنه فيدخل كل دار وبيت ظلمه ولهذا اشتدت عقوبته فلينصف الظالمون من أنفسهم فالنبي ﷺ قابل جور

стр. 416

ساعة بمعصية ستين سنة فكيف حال من ظلم جميع عمره ويل له قال الله ﵎ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ قال الحسن ﵀: هذا لمن طفف المكيال والميزان فما ظنك بمن أخذ ماله وأخرب داره وأوجع ظهره فيا معشر الظالمين الإعتبار ويا معشر الخاسرين الإعتذار. قال بعض أهل التجارب: الملك إذا أحسن النية ونوى العدل يظهر ذلك في مملكته فيمكث الرخص والسعر، وإن نوى الظلم فقد جاء القحط والغلاء والبلاء في بلاده. وقال بعض العلماء: الزرع من وقت البذر إلى أول الحصاد أو ان ثمانين آفة وأعظم آفة فيها جور الولاة، قيل من قتل أربعين حيوانا قسا قلبه فما ظنك بمن قتل أربعين مسلما بل أربعمائة (وههنا دقيقة) وهي أن القتل الحكمي أشد وأصعب على الآدمي من القتل الحسي فمن قتل ساعة فيألم ساعة ويستريح. ومن أوجع ظهره وسلب ماله وأيتم أولاده وأفقر بعد الغنى وأذل بعد العز فقد قتل قتلات وله في كل نفس حسرات، وفي الخبر أيما وال مات على نية الظلم حرم الله تعالى عليه الجنة وينادي مناد يوم القيامة يا رعاة السوء أمرتكم بنصرة المظلوم ودفع الظلوم وإشاعة العدل فأفقرتم الأغنياء وضيعتم الفقراء والمظلومين وجمعتم الدراهم والدنانير وعزتي وجلالي لانتقمن منكم اليوم فويل لمن شفعاؤه خصماؤه. قال فضيل بن عياض عمارة العالم بأربعة

стр. 417

نفر فمتى صلح هؤلاء صلح الناس ومتى فسدوا فسد الناس وهم العلماء والأغنياء والأمراء والغزاة فالعلماء يعرفون الحلال والحرام فإذا لم يعملوا بالعلم ضل العوام وأضلوا، يعتقدون الشبهة حلالا والحرام مباحا فيضلون من حيث لا يشعرون، والأغنياء أمروا بايفاء الزكاة فإذا ظلموا وجاروا وأمسكوها تضيع الفقراء، والأمراء للعدل والإنصاف فإذا ظلموا وجاروا فقد خربت البلاد وفسد العباد وظهر الفساد، والغزاة للجهاد فإذا تركوا الجهاد فيجترىء العدو، والروم إذا نفروا غزوا، فبشروا يا معشر العقلاء السلطان العادل بطول البقاء ودوام العز في الدنيا والآخرة وبشروا الظالم بنقصان العمر والخسارة في الدنيا والآخرة ولولا خشية الملال لأطلتها ولكن اللبيب يكفيه إيماء ويغنيه انحاء وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب التاسع في بيان عفو السلطان) واعلم أن قضية العقل وقضاء الشرع يقضيان أن يكون ميل السلطان إلى جانب العفو أكثر منه إلى جانب العقوبة لأنه قادر لا يعجزه شيء في وقت دون وقت والعفو من شيم الكرام، ولم يذكر أحد في هذا العالم بسوء السيرة ولم ينشر صيت سلطان بالظلم والجور بل انتشر الذكر وارتفع الصيت

стр. 418

بالعفو والغضب غول العقول فمن غضب في جميع حالاته فهو مثل الشياطين، ومن عفا وأصلح فهو شبيه بالأنبياء والملائكة أما أهل الحسب والشرف فلا يغضبون إلا في موضعه والعفو سبب الرحمة، وفي الخبر إذا اصطفت الخلائق يوم القيامة ينادي مناد من الذي له حق على الله فليقم حتى يأخذ جزاء حقه. فيطرق الخلائق رؤوسهم ويقولون إن لله تعالى علينا حقوقا وليس لنا على الله حق فيكرر النداء مرات فلا يقوم أحد ثم ينادي المنادي من الذي عفا عن خصمه في الدنيا أو عفا عن غلامه أو جاريته قوموا فإذا علم الرعية أن الوالي حكيم فيبتغون طاعته ويرجعون إلى أمره وإذا علموا أنه حقود حسود يئسوا من عفوه فنفروا عنه وأخذوا في الشكاية، فقد جاءت الفتن فالفتنة نجوى ثم شكوى ثم بلوى ومن أنصف علم أن العفو واجب على الملوك والوزراء والرؤساء لأنهم إذا غضبوا ونفذ غضبهم لا يبقى من الرعية أحد وتفسد مملكته بل يعفو ويصفح. قال المأمون: لو علم الناس محبتي للعفو لما توسلوا إليّ إلا بالذنوب. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إياك أن تعتمد على السلطان ما لم تجربه في حال الغضب ولا تمدحن أحدا في كمال دينه حتى تعاشره وتعرف سره في حال الطمع (فائدة) السلطان والوزير متى أخبرا بجناية أحد فيجب أن لا يعجلا

стр. 419

بالعقوبة بل يتثبتا ويتوقفا. قال الله ﵎ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا من البيان وقرىء فتثبتوا من الثبات فقد يكون مكذوبا عليه إما لعداوة وإما لطمع أو لشهادة أو خطأ أو غلط أو لاشتباه حال وتردد فيبنى الأمر على اليقين لئلا يندم ولا يخجل فإنه إذا كان مستحق القتل فلا يفوته قتله إذ هو في قبضته وإذا قتله ثم بان خطؤه فلا يمكنه احياؤه وليبالغ في تعرف الأمر ولا يعوّل على قول العوام إلا ما شاء الله فقد قال الصاحب بن عباد: كنت أرجع من ديوان الإمارة بأصفهان إلى بيتي فرأيت رجلا والناس يطوفون حوله يقولون يجب أن يقتل فقلت: على ماذا يقتل؟ قالوا لا ندري ذلك ولكن يجب أن يقتل فتعجبت كل العجب منهم، والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب العاشر في بيان ذخائر السلطان) اختلف الناس في خير ما يقتنيه السلطان فمن قائل كنوز الذهب والفضة، فقيل إن في ذلك الصيانة للعرض وقضاء الحقوق وصلة الرحم ومعونة على المعيشة غير أنهما حجران إن أمسكا بطل نفعهما. وقال آخر الضياع، فقيل صولة العدو غير مأمونة وأصحابها رهائن بها لا يستطيعون

стр. 420

أن يزيلوها. وقال آخر الغنم فإنها كثيرة الدر لسخالها وأصوافها غير أنها تقبل مع الخصب وتدبر مع الجدب. وقال آخر الإبل لأنها تؤدي رحالك وتحمل أثقالك ونسلها مال وألبانها عصمة غير أن ربها إن حضرها سرّ بها وإن غاب عنها ضيعها. وقال آخر الخيل فإنها حصون عند البلاء وزينة في حال السراء لكنها عيال ومال تحتاج إلى مال. وقال آخر الجواهر فإنها عيون رزينة الأثمان خفيفة لا تتغير في طباعها غير أنها عليها عيون لأعدائك وصيت يضر انتشاره عنك لا نفاق لها إلا على الملوك تكسد بكسادهم وتنفق بنفاقهم. وقال آخر الرقيق فقيل قوة العضد وزيادة في العدد غير أنهم مال يأكل بعضهم بعضا إن أحسنت إليهم استنقذوك وإن قصرت بهم حاربوك، فقيل لهذا القائل أفدنا أيها الحكيم قال خير القنية العلم واعتقاد الأخوان الصالحين. (الباب الحادي عشر في بيان الحكمة في قصر أعمار الملوك) اختلف الناس في بيان هذه الحكمة فقال الأطباء سبب ذلك انحلال القوى الغريزية وانطفاء الطبيعة ونتيجة ذلك كله الإسراف في الأكل والجماع فمهما أسرف فيه الإنسان تضعف القوى الغريزية وتنحل الطبيعة فينطفىء الإنسان ولا يعجبني هذا القول فإنه قول بالطبع والطبيعة وهو

стр. 421

مذهب الدهرية وشتان بين الدهري والمحمدي ثم هذا كله باطل بالعرب فإنهم أكثر الناس نكاحا وأطولهم أعمارا ترى الأعرابي النضو النحيل كثير النكاح يمشي في ليلة وغدها خمسين فرسخا وزيادة ويعيش أحدهم مائة وعشرين أو ثلاثين سنة بل الذي يعتقد المسلم الحنيفي في هذا كله ما ذكره ابن رسول الله ﷺ جعفر الصادق ﵁ فإنه لما سئل عن هذه المسألة فقال تقصر أعمار الملوك والسلاطين لثلاث معان: الأول بتجاوزهم في تعاطي الظلم والفساد وحكم الله تعالى أن الظالم قصير العمر وإن الظلم يمحق، والثاني أن الدنيا سجن المؤمن والله ﵎ يبغض الدنيا والملوك يعشقون ما بغضه الله تعالى ويواصلون ما هجره الله ﵎ فلا جرم يستأصلهم ويقول أنتم تحاربونني بالمكاشفة، والثالث أنه يكثر الدعاء عليه ودعاء المظلوم مستجاب واجتماع الهمم له تأثير عظيم وهو ترياق مجرب. قال رسول الله ﷺ : الجماعة رحمة وما من جماعة الا وفيها رجل مستجاب الدعوة فإذا كثر ظلمه وتعديه فتعج الأرض إلى الله وتشكو منه العباد والبلاد فيهلكهم الله تعالى ومن لا يؤمن بهذا فليستأنف الإيمان فإن في هذه الأمة من تمطر السماء بدعوته وتنبت الأرض ببركته. وقد قال العلماء اجتماع الأصوات بصفاء النيات في بيوت العبادات

стр. 422

تحل ما عقدنه الأفلاك الدائرات. وقال قائلون أنه جمعت أرزاقهم فاستوفوها وتفرقت أرزاق الآخرين فلم يصيبوها فهؤلاء سومحوا في المهلة وأولئك عوجلوا واستؤصلوا والله أعلم (قول آخر) قصرت أعمارهم لقطيعة الرحم بقتل الإبن أباه والأخ أخاه ويقول الملك عقيم فقطع الله أعمارهم وقال: قطع بقطع والبادي أظلم وإن عدتم عدنا. دليله قول النبي ﷺ : أشد الأشياء عقوبة قطع الأرحام والبغي على عباد الله وقول آخر: المؤمن بنيان الله والملوك يهدمون بنيان الله فيقبضهم الله تعالى ويقول هدم بهدم والبادي أظلم (قول آخر) قصرت أعمارهم عظة للعالمين وعبرة للمؤمنين فقد قيل من أعجب الأشياء موت الملوك وبقاء الفقير ليعلم الناس أن الموت لا دافع له وقضاء الله لا مهرب منه والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب الثاني عشر في بيان النهي عن الخروج على السلطان) (اعلم) أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يجوز الخروج على السلطان الظالم بكل حال بل يجب على الرعية طاعته وإن سامهم خسفا وكلفهم عنفا فلها ما كسبت وعليها ما

стр. 423

اكتسبت اللهم إلا أن يتظاهر بأمر يخالف دين الله أو حكم يخالف حكم الله تعالى فلا تجب طاعته وما سوى ذلك فالصبر إلى أن يزيل الله تعالى الدول والأيام فإن الله يمهل للإحتجاج وينظر للإستدراج، وأكثر المعتزلة والروافض والمشبهة يعتقدون جواز الخروج على السلطان والوزير فإذا أخذ ربع دينار ظلما لا يجوز عندهم طاعته وقلنا لا يجوز فإن في الخروج عليه فتنة عظيمة عامة فيحتمل الضرر في الأدنى لدفع الأعلى فسلطان تخافه الرعية خير للرعية من سلطان يخافها. يقال مثل قليل مضار السلطان والوزير في جنب منافعها كمثل الغيث الذي هو سقى الله وبركات السماء وقد يتأدى له السفر ويتداعى له البنيان ويكون فيه الصواعق وتدر سيوله فيهلك الناس ومثل الرياح يكون لقاحا للثمرات وتجري بها المياه ثم يشكوه منها الشاكون ولو كانت الدنيا كلها نعما وعوافي ومسار بغير ضرر لكانت الدنيا الجنة التي لا يشوب مسرتها كدر ويقال هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بأيسر شيء فمؤنته عظيمة لا جرم أجره جسيم. (الباب الثالث عشر في حكم قضية أمر السلطان والوزير) إذا أمر السلطان وزيره والوالي عامله بأمر يكون على

стр. 424

خلاف الشرع فقد تعارض أمر المخلوق والخالق وأمر الله أحق والحق أحقّ أن يتبع ولا تجب طاعته بل يماري ويمارق ولا يفعل إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإنه لا ينجيه رضا المخلوق من سخط الله ولا يسقط عنه تكليف الله تعالى فإن خاف على نفسه من السلطان أن يقتله ومن عادته أنه متى خولف يقتل فينظر فإن كان قتلا لا يباح، ولو فعل ما يجب عليه القصاص فلا وإن كان غير ذلك فقيل يجوز والاثم والضمان عليه، والأصل في الباب أن العامل والجلاد المأمور متى علم أنه يقتله ظلما فلا يجب عليهم قتله فإن قتلوه ظلما بأمر السلطان فلا شيء على السلطان والوزير وعلى المأمور الكفارة والقصاص وورثة المقتول بالخيار إن شاؤا عفوا وإن شاؤا اقتصوا والعلة في هذا أنه أسخط الله برضا المخلوق وأطاع الأمير على معصيته وباع آخرته بدنياه فرد إليه كيده ونقض فعله وقيل له سلم نفسك للقصاص فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق وهذا لما أطاعه على المعصية وجب أن يعلق الأحكام برقبته والسر فيه أن السلطان والوزير قيل لهم احكموا بما أمر الله ﵎ والزموا العدل والإنصاف فإذا خانوا أمر الله فقد أسقط الله تعالى أمرهم، وإن علم المأمور أنه يقتله على حق فلا بأس على المأمور وعلى الإمام الكفارة. وورثة المقتول بالخيار إن

стр. 425

أحبوا اقتصوا وإن أحبوا أخذوا الفدية لأن المأمور اعتقد أنه يقتله بالحق والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق فأما إن أكرهه وقال إن لم يقتله وإلا قتلتك أو آخذ جميع أموالك فامتثل أمره وقتله فلا خلاف أن القاتل المباشر للقتل قد فسق وعليه الكفارة، وفي القود قولان على المكره دون المكره وفي قول عليهما جميعا وحكم الوزير والرئيس والسلطان في المسألة سواء فاستمسك بها فلهذه المعاني كره عمل السلطان والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (الباب الرابع عشر في كراهية عمل السلطان) قال النبي ﷺ : أقرب الناس من السلطان أبعدهم من الله تعالى، وأراد به إذا رضي بفعل الجور والظلم وقال: من أرضى سلطانا بما يسخط الله تعالى خرج من دين الله تعالى. قال وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ أي لا ترضوا أعمالهم. وقال من استعان بفاجر فقد خان الله تعالى ورسوله ويقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فكم من رأس قطع قبل أن يقطع الذنب، والسلطان سوق ما ينفق عنده أتى به الناس والناس على دين الملك إلا القليل فليكن للدين والبر والمروءة عنده نفق؛ مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد تهابه الناس وهو لمركبه أهيب. ويقال
следующие страницы →