← Адаб

Адаб · id 10262

مفيد العلوم ومبيد الهموم

الخوارزمي، أبو بكر

Полный текст (619 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مذهب الدهرية وشتان بين الدهري والمحمدي ثم هذا كله باطل بالعرب فإنهم أكثر الناس نكاحا وأطولهم أعمارا ترى الأعرابي النضو النحيل كثير النكاح يمشي في ليلة وغدها خمسين فرسخا وزيادة ويعيش أحدهم مائة وعشرين أو ثلاثين سنة بل الذي يعتقد المسلم الحنيفي في هذا كله ما ذكره ابن رسول الله ﷺ جعفر الصادق ﵁ فإنه لما سئل عن هذه المسألة فقال تقصر أعمار الملوك والسلاطين لثلاث معان: الأول بتجاوزهم في تعاطي الظلم والفساد وحكم الله تعالى أن الظالم قصير العمر وإن الظلم يمحق، والثاني أن الدنيا سجن المؤمن والله ﵎ يبغض الدنيا والملوك يعشقون ما بغضه الله تعالى ويواصلون ما هجره الله ﵎ فلا جرم يستأصلهم ويقول أنتم تحاربونني بالمكاشفة، والثالث أنه يكثر الدعاء عليه ودعاء المظلوم مستجاب واجتماع الهمم له تأثير عظيم وهو ترياق مجرب. قال رسول الله ﷺ : الجماعة رحمة وما من جماعة الا وفيها رجل مستجاب الدعوة فإذا كثر ظلمه وتعديه فتعج الأرض إلى الله وتشكو منه العباد والبلاد فيهلكهم الله تعالى ومن لا يؤمن بهذا فليستأنف الإيمان فإن في هذه الأمة من تمطر السماء بدعوته وتنبت الأرض ببركته. وقد قال العلماء اجتماع الأصوات بصفاء النيات في بيوت العبادات

стр. 422

تحل ما عقدنه الأفلاك الدائرات. وقال قائلون أنه جمعت أرزاقهم فاستوفوها وتفرقت أرزاق الآخرين فلم يصيبوها فهؤلاء سومحوا في المهلة وأولئك عوجلوا واستؤصلوا والله أعلم (قول آخر) قصرت أعمارهم لقطيعة الرحم بقتل الإبن أباه والأخ أخاه ويقول الملك عقيم فقطع الله أعمارهم وقال: قطع بقطع والبادي أظلم وإن عدتم عدنا. دليله قول النبي ﷺ : أشد الأشياء عقوبة قطع الأرحام والبغي على عباد الله وقول آخر: المؤمن بنيان الله والملوك يهدمون بنيان الله فيقبضهم الله تعالى ويقول هدم بهدم والبادي أظلم (قول آخر) قصرت أعمارهم عظة للعالمين وعبرة للمؤمنين فقد قيل من أعجب الأشياء موت الملوك وبقاء الفقير ليعلم الناس أن الموت لا دافع له وقضاء الله لا مهرب منه والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب الثاني عشر في بيان النهي عن الخروج على السلطان) (اعلم) أن مذهب أهل السنة والجماعة لا يجوز الخروج على السلطان الظالم بكل حال بل يجب على الرعية طاعته وإن سامهم خسفا وكلفهم عنفا فلها ما كسبت وعليها ما

стр. 423

اكتسبت اللهم إلا أن يتظاهر بأمر يخالف دين الله أو حكم يخالف حكم الله تعالى فلا تجب طاعته وما سوى ذلك فالصبر إلى أن يزيل الله تعالى الدول والأيام فإن الله يمهل للإحتجاج وينظر للإستدراج، وأكثر المعتزلة والروافض والمشبهة يعتقدون جواز الخروج على السلطان والوزير فإذا أخذ ربع دينار ظلما لا يجوز عندهم طاعته وقلنا لا يجوز فإن في الخروج عليه فتنة عظيمة عامة فيحتمل الضرر في الأدنى لدفع الأعلى فسلطان تخافه الرعية خير للرعية من سلطان يخافها. يقال مثل قليل مضار السلطان والوزير في جنب منافعها كمثل الغيث الذي هو سقى الله وبركات السماء وقد يتأدى له السفر ويتداعى له البنيان ويكون فيه الصواعق وتدر سيوله فيهلك الناس ومثل الرياح يكون لقاحا للثمرات وتجري بها المياه ثم يشكوه منها الشاكون ولو كانت الدنيا كلها نعما وعوافي ومسار بغير ضرر لكانت الدنيا الجنة التي لا يشوب مسرتها كدر ويقال هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار وألباب الملوك مشغولة بأيسر شيء فمؤنته عظيمة لا جرم أجره جسيم. (الباب الثالث عشر في حكم قضية أمر السلطان والوزير) إذا أمر السلطان وزيره والوالي عامله بأمر يكون على

стр. 424

خلاف الشرع فقد تعارض أمر المخلوق والخالق وأمر الله أحق والحق أحقّ أن يتبع ولا تجب طاعته بل يماري ويمارق ولا يفعل إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإنه لا ينجيه رضا المخلوق من سخط الله ولا يسقط عنه تكليف الله تعالى فإن خاف على نفسه من السلطان أن يقتله ومن عادته أنه متى خولف يقتل فينظر فإن كان قتلا لا يباح، ولو فعل ما يجب عليه القصاص فلا وإن كان غير ذلك فقيل يجوز والاثم والضمان عليه، والأصل في الباب أن العامل والجلاد المأمور متى علم أنه يقتله ظلما فلا يجب عليهم قتله فإن قتلوه ظلما بأمر السلطان فلا شيء على السلطان والوزير وعلى المأمور الكفارة والقصاص وورثة المقتول بالخيار إن شاؤا عفوا وإن شاؤا اقتصوا والعلة في هذا أنه أسخط الله برضا المخلوق وأطاع الأمير على معصيته وباع آخرته بدنياه فرد إليه كيده ونقض فعله وقيل له سلم نفسك للقصاص فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق وهذا لما أطاعه على المعصية وجب أن يعلق الأحكام برقبته والسر فيه أن السلطان والوزير قيل لهم احكموا بما أمر الله ﵎ والزموا العدل والإنصاف فإذا خانوا أمر الله فقد أسقط الله تعالى أمرهم، وإن علم المأمور أنه يقتله على حق فلا بأس على المأمور وعلى الإمام الكفارة. وورثة المقتول بالخيار إن

стр. 425

أحبوا اقتصوا وإن أحبوا أخذوا الفدية لأن المأمور اعتقد أنه يقتله بالحق والظاهر أنه لا يأمر إلا بالحق فأما إن أكرهه وقال إن لم يقتله وإلا قتلتك أو آخذ جميع أموالك فامتثل أمره وقتله فلا خلاف أن القاتل المباشر للقتل قد فسق وعليه الكفارة، وفي القود قولان على المكره دون المكره وفي قول عليهما جميعا وحكم الوزير والرئيس والسلطان في المسألة سواء فاستمسك بها فلهذه المعاني كره عمل السلطان والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (الباب الرابع عشر في كراهية عمل السلطان) قال النبي ﷺ : أقرب الناس من السلطان أبعدهم من الله تعالى، وأراد به إذا رضي بفعل الجور والظلم وقال: من أرضى سلطانا بما يسخط الله تعالى خرج من دين الله تعالى. قال وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ أي لا ترضوا أعمالهم. وقال من استعان بفاجر فقد خان الله تعالى ورسوله ويقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فكم من رأس قطع قبل أن يقطع الذنب، والسلطان سوق ما ينفق عنده أتى به الناس والناس على دين الملك إلا القليل فليكن للدين والبر والمروءة عنده نفق؛ مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد تهابه الناس وهو لمركبه أهيب. ويقال

стр. 426

ثلاثة لا يسلم أحد منها صحبة السلطان، وإفشاء السر إلى النساء وشرب السم للتجربة. قال الله تعالى (من أحمق من السلطان وأجهل ممن عصاني وأغر ممن اعتدى، يا راعي السوء دفعت اليك غنمي سمانا صحاحا فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت بالسمن ولبست الصوف وتركتها عظاما يتقعقع) قال عمر ﵁: ما وجدت صلاح ما ولّاني الله تعالى إلا بثلاث أداء الأمانة والأخذ بالقوة والحكم بما أنزل الله ، وصلاح هذا المال بثلاث أن يؤخذ بحق ويعطى في حق ويمنع من باطل، وخطب فقال أيها الناس والله ما منكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه. فمن ابتلى بالسلطان فليخدمه بالحرمة والأدب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (الباب الخامس عشر في آداب صحبة السلطان) عن ابن عباس ﵄ قال، قال لي أبي يا بني إني أرى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ وإني أوصيك بخلال ثلاث لا تفشين له سرا ولا تجرّأنّ عليه أدبا ولا تغتابن عنده أحدا. قال الشعبي قلت

стр. 427

لابن عباس لكل واحدة خير من ألف، قال أي والله ومن عشرة آلاف. يقال إذا جعلك السلطان أخا فاجعله سيدا. وقال زياد لابنه إذا دخلت على الأمير فادع له ثم اصفح صفحا جميلا ولا يرين منك تمالكا عليه ولا انقباضا عنه، يقال لمن خدم السلطان ينبغي أن لا يغتر بهم إذا رضوا عنه ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه ولا يستثقل ما حملوه ولا يلح في مسئلتهم. يقال خطر الوالي أعظم من غنمه لأن خير السلطان لا يعدو امرته في الحال وشره قد يجاوز الحال ويتلف النفوس. ويقال السلطان لا يتوخى بكرامته الأفضل فالأفضل ولكن الأدنى فالأدنى كالكرم الذي لا يتعلق بأكرم الشجر ولكن بأدناها منه والله أعلم. (الباب السادس عشر في حكم المتغلب في البلاد) إذا تغلب متغلب واستولى انسان في بلد من البلاد وبين أهل الخيام والأكراد بالدعارة والشرازة وصار له قوة ومنعة من غير اجتهاد فأمر رجلا بقتل رجل بغير حق وعلم المأمور أنه يقتله بغير حق فالقصاص على المأمور دون الآمر فإن خفي السبب ولم يعلم بحق قتله أو بالباطل فالقصاص عليهما والفرق بين هذه المسألة وبين الإمام حيث قلنا القود على الآمر دون المأمور وها هنا القود عليهما لأن الإمام إذا أمر

стр. 428

بقتل انسان فإنه تجب طاعة الإمام وامتثال أمره فالظاهر أنه يقتله بحق فإذا قتله بغير حق ولم يعلم القاتل لم يكن عليه شيء بخلاف المتغلب فإنه لا يجوز للإنسان امتثال أمر اللصوص والدعار بل عليه أن يخالفه فإن أطاعه أو جبنا عليه القصاص وإن أكرهه على قتله لا يجوز قتله فإن قتله فالقود عليهما. (الباب السابع عشر في بيان قتال أهل البغي) ولا تثبت أحكام البغاة إلا بثلاث شرائط أحدها أن يكون لهم إمام يصدرون عن رأيه وتدبيره الثاني أن يكون لهم شوكة وقوة إما بعدد أو بحصن يتحصنون به، الثالث أن يكون لهم تأويل في المخالفة صحيح أو فاسد كما كان لمعاوية وقبيله فإذا انحزم شرط من هذه الشرائط فلا يثبت لهم حكم البغاة. قيل سموا بغاة من البغي وهو الظلم وقيل من الطلب لأنهم يبغون حكما على الإمام، وقيل لمجاوزة الحد لقوله تعالى غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ يعني مجاوزة الحد وأهل البغي مؤمنون عندنا إلا أنهم مخطئون وذهب الخوارج إلى أنهم فساق والفسق عندهم منزلة بين الكفر والإيمان دليله قوله تعالى وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا سماهم مؤمنين. وقال رسول الله ﷺ لابن عباس أو لابن مسعود:

стр. 429

أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة فجعلهم من جملة الأمة فلا يبدؤهم الإمام بالقتال بل يلين لهم الكلام ليستميل قلوبهم ويسكنهم عن مخالفتهم، فإذا ذكروا مظلمة وصح ذلك عنده دفع عنهم ويأمرهم أن يرجعوا إلى طاعة الله ﵎ فإن أبوا ولم يتعظوا قاتلهم، وإذا أراد أن يبدأهم بقتال من غير نصح ووعظ لا يجوز للناس طاعته فيه، فإذا تقاتلوا فأصاب بعض من أموال بعض. إن ظفر به بعينه يلزمه رده عليه سواء كان باغيا أو عادلا فأما إذا أتلفوا إن كان قبل الإشتغال بالقتال يجب الضمان على الفريقين وأما إذا أتلفوه في حال القتال فإن أتلفه أهل العدل على أهل البغي فلا ضمان عليه وما أتلفه أهل البغي على أهل العدل ففيه قولان أحدهما لا يجب كأهل العدل لأنهم اقتتلوا على تأويل الدين كالمسلمين مع المشركين ولأن الله تعالى أمر بالمصالحة بالقسط وإنما يحصل ذلك بترك المطالبة بالحقوق، والقول الثاني يضمنون لأنهم ملتزمون أحكام الإسلام ومخطئون في الإتلاف كقطاع الطريق. قال صاحب التقريب القولان في أهل البغي دون الخوارج الذين يجتنبون الجماعات ويكفرون الناس فإنهم يضمنون المال والقصاص جميعا قولا واحدا، وإن اجتمع فيهم شرائط البغاة، ولو استمتع أهل العدل بأسلحة أهل البغي أو أكلوا طعامهم ففي الضمان

стр. 430

وجهان أحدهما أن أهل البغي يضمنون ما أصابوا من أهل العدل وأما أهل البغي إذا افترقوا فريقين وأتلف بعضهم أموال بعض إن لم يكن لهم شوكة ومنعة ضمنوا كالباغي فإن انهزموا وولوا مدبرين أو وقعوا بين يدي أهل العدل أسارى والحرب قائمة لا يقتلون ولا يذفف على جريحهم. وقال أبو حنيفة إن لم تنكسر شوكتهم تتبع وإن قاتلت امرأة أوصبي منهم أقتل وإذا أسرنا حدا حبسه وليس له حبس المرأة والصبي والعبد إذ ليسوا من أهل القتال والله أعلم. (الباب الثامن عشر في بيان استعانة السلطان بالكفار) يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين من أهل الذمة على قتال أهل الشرك إذا كان بالمسلمين قوة وشوكة بحيث لو اتفق الطائفتان من أهل الذمة والمشركين قاوموهم وإن لم يكن كذلك فلا يجوز واختلفت الرواية عن رسول الله ﷺ في هذا فقد روى أنه لم يستعن بهم في بعض الغزوات وقد روى ابن عباس ﵁ أنه استعان بقوم يهود من بني قينقاع بعد بدر ورضخ لهم، فوجه الجمع لم يستعن حين لم يؤذن، وهل يجوز الإستعانة بنساء المشركين وصبيانهم وجهان الصحيح أنه لا يجوز بخلاف نساء المسلمين لأنه يرجى بركة دعائهم وإذا خرج بهم الإمام ولم يسم أجرة يرضخون من

стр. 431

المرصد للمصالح وسهم رسول الله ﷺ من الغنيمة، وإن خرجوا بغير إذن من الإمام أو نهاهم الإمام عن الخروج وعلموا النهي لا يعطى سواء قاتل أو لم يقاتل وان خرج بغير إذنه فهل يرضخ له على وجهين. (الباب التاسع عشر فيما يجب على السلطان في كل سنة) أقل ما يجب على الإمام أن لا يأتي عام إلا وله فيه غزو ولا يجوز له القعود عن الغزو لأن فيه قطع منفعة الغنيمة عن المسلمين وإغراء الكفار فإنهم يتجاسرون على قتال المسلمين فقد قيل في المثل الروم إذا لم تغز غزت فإن أمكنه الغزو والإغارة في كل موضع فعل وإلا فيجب أن لا يمضي عام إلا وله فيه غزوة وعليه أن يغزو أهل كل ثغر يليه من الكفار ولا يأمر أهل ثغر الروم بالخروج إلى غزو الترك ولا الترك إلى الروم، وعلى هذا القياس، لمعنيين: أحدهما كثرة المؤنة والمشقة ببعد المسافة والثاني كل أعلم بشمس بلده وأرضه فإن أهل ثغر الروم أعلم بغزو الروم من غيرهم، وينبغي أن يكون للأمير على السرية صاحب رأي وتدبير ويحتاط في أمر الجيش والحرب ولا يكلف القوم ما لا يطيقون ولا يثبت على المشركين بحيث لو اشتهوا قتلوا الجيش كله فإن تهاون السلطان والإمام في ذلك خرجوا عن آخرهم، فانظروا إلى

стр. 432

تفاوت الزمان وتغافل السلطان كانوا يغزون ويأخذون الغنيمة ويفتحون البلاد أما اليوم فنسوا الآخرة ورضوا بالحياة الدنيا عن الآخرة حتى توسط الملحدون في دار الإسلام واستولى الإفرنج وظهرت دعوة الباطنية لعنهم الله ولا طالب ولا منكر فليت شعري ما يقول السلطان يوم القيامة للرحمن وكيف تكون خاتمتهم؟ (الباب العشرون في بيان حكم عزل السلطان) اعلم أن الإمام إذا عزل نفسه إن كان له عذر أو عجز عن القيام بها ينعزل ولو استخلف غيره ثم عزل نفسه يجوز وهو الأولى فأما إذا لم يكن به عجز ينظر فإن عزل نفسه من غير أن يستخلف لا ينعزل وجها واحدا لما فيه من وقوع الفتنة، ولأن تصرف الإمام يجب أن يكون على وجه النظر وليس من النظر أن يعزل نفسه من غير سبب حتى يهيج الفتنة، أما القاضي إذا عزل نفسه ينعزل ولا ينعزل خلفاؤه، ولو عزله الإمام وولى غيره إن كان لمعنى حدث فيه من فسق أو جنون أو عجز لا خلاف أنه ينعزل، وإن عزله من غير سبب وكان صاحا للقضاء ففيه وجهان. قال القفال، لا ينعزل إذ لا نظر فيه فإذا كان مستصلحا للقضاء فصار قاضيا من جهة فهو لو بويع الإمام ثم عزل إن قلنا لا ينعزل وقيل ينعزل لأن الإمام لا يفعل إلا ما فيه المصلحة، وعلى هذا لو

стр. 433

أخبر الإمام بأن القاضي ببلدة كذا أنه غير صالح أو فسق أو جن أو مات وولى آخر مكانه ثم بان الأمر بخلافه وأنه صالح للقضاء فعلى قول القفال لا ينعزل، وإن مات السلطان أو الإمام الأعظم لا تنعزل القضاة في ظاهر المذهب لما فيه من الضرر على المسلمين وتضييع أحكامهم ولأنه بعد ما ولاه الإمام صار قاضيا من جهة الله ولا ينعزل بموت الغير فلو أن الإمام استخلف واحدا على أقليم من أقاليم الأرض صار سلطانا وولاه تولية القضاء صح منه التولية وإن لم يكن هو صالحا بنفسه للقضاء، ولو عقد الإمام التولية وكان مستجمعا للشرائط ثم فسق فالمذهب لا ينعزل بخلاف القاضي ينعزل بالفسق لأن عزله يؤدي إلى الفتنة وكثرة الهرج وفيه وجه آخر أنه ينعزل بالفسق وبه قالت المعتزلة، وإذا عقدت الأمة البيعة لإمام ثم جاؤا وعزلوه لا ينعزل بخلاف قول الشيعة وإذا عقدت البيعة لإمام فجاء قاهر وقهره ينعزل. قال القفال: والفرق أن الإمامة هو القهر فإذا حصل القهر من أحدهما ارتفعت الإمامة بخلاف ما لو عقدوا البيعة له لأنه صار إماما من جهة الله فلا يقدرون على حلها بعد ذلك والله تعالى أعلم. تم كتاب السلطان بعون الله وفضله وصلى الله على نبيه محمد أشرف خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 434

كتاب أسرار الوزارة وفيه أربعة عشر بابا (الباب الأول في فضيلة الوزارة) العرب تقول الوزارة تلو الملك بل الوزارة هي الإمارة والتواضع في الرياسة إحدى شبائك السياسة فالوزير بمنزلة الملك فليكن أكرم الناس وأسخاهم ويجب أن يكون هاديا مهديا متحريا محنكا موصوفا بالدين والأمانة والعفة والديانة مأمون العيب نقي الجيب عن الرشوة والمصانعة فالوزير سفير بين الأمراء والرعية وإذا كذب السفير بطل التدبير والرياسة صنو الإمارة. يقال مثل السلطان كمثل الشمس والرعية بمنزلة الثلج ومثال الوزراء بمنزلة الجبال فلولا الجبال لأتت الشمس على الثلج وأذابته في يوم واحد لكنهم يدفعون البلايا عن الرعية ويصلحون أمورهم من حيث لا يشعرون. قال النبي ﷺ : إذا أراد الله تعالى بأمير خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر إعانة والوزارة على نوعين وزارة ملك عاقل رزين كريم خائف لله تعالى مطيع مائل إلى العدل حائد عن الجور فوزارة هذا الملك غنيمة باردة والنوع الآخر وزارة ظالم غشوم وجبار عنيد فوزارته فساد الدين والدنيا وندم وخسارة. قال الحكماء يجب أن يكون الوزير مثل المرآة التي لها وجهان

стр. 435

فبوجه ينظر إلى الرعية والله أعلم. (الباب الثاني في خطر الوزارة) قال النبي ﷺ من اقترب من أبواب السلطان افتتن، مثل وزير السلطان كمثل راكب الفيل تهابه الناس وهو من نفسه أهيب، وقيل أخوف ما يكون الوزراء إذا استقرت المملكة وهلك العدو، وكانت وزراء الفرس متى رأوا اقرار الملك واستبشار الملك هيجوا الفتن من الجوانب ليشتغل قلب السلطان وتضطرب المملكة فلا يتفرغ لهم الملك فالوزراء مرحومون والرؤساء وأيم الله معذورون لأن ألبابهم مشغولة بأشياء تكون الرعية بمعزل عنها أني أرى صاحب السلطان في تعب فإن قتل السلطان أحدا قيل بإشارته وإن أطلقه قيل بمشاورته وإن عدل قالوا من السلطان وان ظلم قالوا من فعل الوزير ورضا الناس غاية لا تدرك فيصبح الوزير ونفسه في تعب ولبه متوزع وفكره بعيد وهمه عظيم ودينه متثلم والخوف مطيف به والأمن عازب عنه والعافية موهومة والسلامة مظنونة والسهر غالب عليه والناس في أمورهم وهو في شغل شاغل لا تنصفهم الرعية يريدون منهم سيرة أبي بكر وعمر ﵄ ولا يسيرون فيهم سيرة رعية أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما.

стр. 436

(الباب الثالث فيمن يصلح للوزارة) إعلم أنه لا يصلح للوزارة ولا يستأهل للرياسة إلا امرؤ راض نفسه وهذبها ومارس الأمور وجربها وخالط العلماء واقتبس منهم، وعرف غوائل الأمور وغور الأشياء، وأنصف من نفسه وانتصف ولم يعتسف، وعلم أنه إنما استوزر لأجل الرعية خاصة وما أريدت الرعية له كالراعي احتيج إليه لأجل الشباه وليست الشياه مطلوبة لأجل الراعي والطبيب مطلوب لأجل المريض والمريض ليس بمطلوب لأجل الطبيب، فالوزير استؤجر بثوابه جنة الفردوس يحفظ الإسلام والمسلمين كالراعي استؤجر يحفظ الأغنام، فهذا الرئيس استؤجر لأجل الأنام فالراعي إذا حفظ الشياه استحق الأجرة وإن ضيعها يؤخذ بالغرامة ويحبس في سجن الملامة كذلك الوزير والرئيس إذا حفظا المسلمين استحقا الأجرة ونالا السعادة وإن ضيعا خسرا الدنيا والآخرة. يقال له يا راعي السوء أكلت السمين وتركت الضعيف الهزيل لانتقمن منك، فمن أوصاف الوزير أن يكون عالما بالله ﵎ وبصفاته حتى يعرف الحق من الباطل ومنها أن يهذب أخلاقه حتى يهذب الرعية فمن لا يقدر على مصلحة نفسه كيف يصلح غيره، مثاله السراج إذا لم يكن مضيئا في نفسه لا

стр. 437

يضيء البيت، ومنها أن يقرأ سير الملوك والأمراء المتقدمة ويطالع الكتب المصنفة فيها ومنها أن يشاور في كل أمر حدث له ولا يستحي من المشاورة فقد أمر الله ﵎ سيد الأنبياء وفخر العالمين بالمشاورة مع وجود الوحي ورؤية جبريل ﵇، ومنها أن يعلم الوزير أن الشريعة معيار المملكة وميزان السلطنة فيزن نفسه ورعيته بميزان الشريعة، فمن قتله الشرع فهو شهيد وخير الدنيا والآخرة في الشريعة وسلامة الدنيا والآخرة في الإعتدال والإعتزال وفي العدل والإنصاف، وبالعدل قامت السموات والأرض، ومنها أن يكون الوزير عالي الهمة عظيم العطاء. ومعنى علو الهمة أن كل أمر يفعله ويتولاه فينهيه نهايته وإن عفا، عفا عن عظيم. وإن بطش، بطش عن قوة. وإن حمى أحدا فيبذل النفس على هواه. وإن أعطى يعطي عظيما ومنها أن يكون سنيا حسن المذهب لأن المبتدع مذموم بكل لسان مبغوض عند كل انسان، ومنها أن يكون سخيا مفضالا ومنها أن يكون شجاعا مقداما على الأمور، ومنها أن يكون حسيبا نسيبا ليعظم في القلوب وقعه، ومنها أن يكون عفيفا متورعا فإن المفسد آفة الدين والدنيا، ويجب أن يكون حليما مراعيا للخدم والحشم ويكون له صاحب اخبار ويكون له خبيئة صالحة مع الله ويحفظ مجلسه عن السخف

стр. 438

والسخرية ويقوي أمور الشرع ويحضر مجالس العلماء ويتقرب اليهم، ويأمر أولاده بالأدب ودراسة العلم ويجب عليه في قضية العقل وكمال الحال أن يجعل للعلم والمناظرة مجلسا مخصوصا فيخص كل إمام بما يستحقه، ويميز في العطاء وتكون محبته لمن أحسن إليه أكثر من محبته له لأن لذته بها لذة فاعلية ولذة الآخذ لذة انفعالية، ومنها أن يحضر العلماء والقراء لختم القرآن في داره ويدرسون سنة النبي ﷺ ويناظرون بين يديه، ويجزل العطاء للعلماء لإشاعة ذكره ويجب عليه أن يحدث آثارا يذكر بها إلى يوم القيامة مثل المدارس والرباطات للصوفية ويكون كلامه فصيحا بهيا جهيرا ودائما يوفر على الخيرات، ويجب عليه أن ينزل الناس مراتبهم فيكرم أهل الكرامة فإن النبي ﷺ بسط رداءه للكافر وقال إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقيل من لم يحترم الأخوان تذهب مروءته وحرمته ومن لم يحترم الوزير والرئيس تذهب حرمة دنياه، ومن لم يحترم العلماء تذهب حرمة آخرته، وروي عن عائشة ﵂، أنه جاءها سائل فأعطته كسرة، وجاءها رجل حسن الهيئة فأمرت له بخوان ووسادة، فقيل لها في ذلك، فقالت إن رسول الله ﷺ أمرنا أن ننزل الناس منازلهم والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 439

(الباب الرابع في الأسباب الموجبة للوزارة وهي سبعة) الأول السخاء، والثاني النجدة، والثالث الحلم، والرابع الصبر، والخامس التواضع، والسادس الشجاعة، والسابع العفاف. وقد قالت الحكماء كل وزير ورئيس اجتمع فيه سبع خصال فوزارته بالإستحقاق ومن تعرى عن هذه الأوصاف فولايته بالإتفاق، فدولة العاقل من الواجبات ودولة الجاهل من الممكنات، وتلك الأوصاف حفظ الدين والمذهب عن التبديل. والثاني حفظ البيضة وحدود الإسلام. والثالث حفظ عمارة البلدان والرابع مقامات المظالم. والخامس تقرير الأموال لحسن الجباية. والسادس إقامة الحدود. والسابع اختبار العمال، فمن فعل ذلك فقد استأهل لها حق الله ، وكانت الجاهلية لا يسودون أحدا إلّا من تكاملت فيه هذه الأوصاف المتقدمة فمنها السخاء فمن لا سخاء له لا ذكر له ولا ثناء ولا حمد ولا دعاء ولا تكاد تثبت مملكته. قال الإمام أبو حنيفة ﵁ كل ملك لا سخاء له فبشره بزوال ملكه ولقد أصاب لعمر الله في قياسه فإذا لم يجد لا يميل إليه أحد ويتفرق عنه عسكره ويطمع فيه عدوه، ومنها النجدة والرأي والقوة والكفاية والحلم لئلا يغضب في كل شيء فيندم،

стр. 440

والصبر فإنه إذا كان عجولا يضيع الأمور، والتواضع، فإن المتكبر مبغوض عند الناس والشجاعة فإن الجبان والخوار لا تدبير له، والعفاف فإن المفسد المتهتك لا وقار له، أما حفظ الدين فهو الأصل والصراط المستقيم والملك والبقاء والحياة والسلطنة والوزارة كل ذلك لأجل الدين فيه النجاة، وإليه المرجع والمآب، وحفظ البيضة وهو حدود الإسلام والثالث عمارة البلدان والرابع مقامات المظالم ينصف المظلوم ويمنع الظلوم، والخامس تقرير الأموال لحسن الجباية والسادس إقامة الحدود والسابع اختبار العمال وهو تفويض الأمور إلى أربابها فالخوار يعجز عن تمشية الأمور والعاجز يعاقب على كل شيء فإذا لم يكن صبورا لا يدرك الأمور والمتكبر ينفر عنه الناس والعاجز يسقط وقاره. واعلم أن الكلام ذكر وأنثى وحيثما اجتمع الزوجان فلا بد من النكاح ينبغي أن يكون الوزير سمحا بالحقوق لا يطالب بها غيره ويوفي ما يجب لغيره عليه، فإن مرض ولم يعد أو قدم من سفر فلم يزر أو شفع فلم يجب أو أحسن فلم يشكر أو خطب فلم يزوج، وما أشبه ذلك، فليتساهل في هذا ولا يغضب فإنه لم يسود إلا ليغفر الزلة ويستر الخلة ويراعي الحلة إنما سميت هانئا لتهنى. قال أبو الأسود الدؤلي لبعض من يسارره من الوزراء وهو يمتنع من مساررته لبخره لا يستحق السيادة إلا من صبر على مساررة

стр. 441

الشيوخ البخر. وقال بزرجمهر لا يصلح لقيادة الجيوش وسد الثغور وتدبير المملكة إلا رجل تكاملت فيه خلال أربع وثلاث وثنتان وواحدة أما الأربع فحزم يتصون به عند موارد الأمور ومصادرتها وحلم يحجبه عن التهور في المشكلات إلا مع إمكان فرصتها وشجاعة لا تقوم الأعداء بمكانها وجود يهون جلائل الأموال عند سؤالها وأما الثلاث فسرعة مكافأة الإحسان وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان والإستعداد للحوادث وأما الإثنتان فتخفيف الحجاب على الرعية والحكم بين القوي والضعيف بالسوية، وأما الواحدة فالتيقظ في الأمور مع ترك تأخير مهم اليوم إلى غد. وقال زياد: كمال السلطان في ثلاثة أشياء شدة في غير امساك، ولين في غير اهمال والسخاء، وأحق الناس بالمملكة أنفعهم للرعية. وقال ابن عباس ﵄: إن الأرض لتزين في أعين الناس إذا كان عليها أمير عادل وإن البلدة لتقبح في أعين الناس إذا كان عليها أمير جائر والله أعلم بالصواب. (الباب الخامس في أوصاف الكمال) اعلم أن أوصاف الكمال في الوزير والرئيس والسلطان أربعة: الحكمة والشجاعة والعدالة، وأضدادها أربعة السفه والجبن والشره والجور، فالعدل هو الفضائل كلها والجور هو

стр. 442

الرذائل كلها، فالعدل يكون في اكتساب المال والحرية في انفاقه فإن الحر لا يكرم المال لذاته ولا يجمعه لمحبته بل ليصرفه في الوجوه التي يكتسب بها الثناء والمحمدة ولهذا لا يكون الحر الكريم كثير المال لأنه منفاق ولا فقير ولا كسوب. وقد قال الإسكندر أن سيرة السعداء ثلاثة أشياء الأول معرفة الحق، والثاني فعل الخير، والثالث عدم الآلام التي لا تنبغي لأن الكامل يعرف كل شيء بحقيقته وخاصية وجوده ويفعل الخير لوجوده بذاته ويتوخاه بجوهره لأنه خير فقط لا لغرض، ويختار العفة والراحة واستعمال الأخلاق الجميلة في طلب المعاش ومعاشرة الناس تنفي الأخلاق التي لا تنبغي عن نفسه ليهنأ عيشه ويطيب قلبه أبدا، ويحب الجميل لأنه جميل فحسب ويترك الحقد والحسد واللجاج، وترك الطمع فيما لا يمكنه الإقدام عليه، ويلزم الصمت والعدل في القول والفعل جميعا وإنجاز المواعيد وقلة المبالاة بالفقر والموت الجميل والإشتغال بالمهم لقصر الزمان والتواضع والقناعة وإكرام النفس أولا ثم إكرام غيره وترك التفوه بالقبيح وحسن اللقاء وطلاقة الوجه بكل حال وترك التجني والقيام عن مجلس الخصومات وطلب المعاش بقدر ما لا يطغى، فهذه جملة أوصاف الكمال والله تعالى أعلم.

стр. 443

(الباب السادس في الموانع للوزارة) وهي سبعة: البخل والجبن والكبر والضعف والظلم وكثرة الخطأ في الرأي والطيش فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فلا يصلح للسيادة والوزارة أصلا بل تكون سيادته اتفاقية من جهة السفه أو بالمال لأن المقصود من الوزارة والرياسة تهذيب البلاد وترتيب أهاليها وحملها على طاعة الله تعالى ورسوله وإحياء السنة وإماتة البدعة وانتشار الصيت وبقاء الذكر الجميل، فإذا كان ذا طيش وفسق فقد ضيع نفسه فكيف يحفظ غيره، ومن خان نفسه فكيف ينصح غيره، وإذا كان جبانا فكيف يهجم على الأمور، وإذا كان متكبرا فكيف يعاشر الناس، وكيف ينزلهم منازلهم، وإذا كان بخيلا فيقتل الناس بالظلم ويسومهم بالحيف، وإذا لم يكن عفيفا فيتبع عورات الناس ويطمع في المخدرات وأولاد الناس هذا ومثاله مما لا يخفي عليك والله تعالى أعلم بالصواب. (الباب السابع في بقاء الدولة) اعلم أن الأسباب الموجبة لبقاء الدولة أشياء منها نصرة الدين وتقوية الشرع لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ومنها نصرة المظلوم

стр. 444

والعدل والشفقة على المسلمين لقوله ﵎ إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا عبادي واطعام الطعام واتخاذ الخوان وتسهيل الحجاب فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء وقال نبي الله موسى صلوات الله على نبينا وعليه: يا رب انك أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول أنا ربكم الأعلى ويكذب بآياتك ويجحد رسلك فأوحى الله إليه أنه كان يعمر بلادي ويؤمن عبادي، وفي رواية: كان حسن الخلق سهل الحجاب فأحببت أن أكافئه، السخاء شفيع منجح لبقاء الدولة والبخل سبب مؤذن بزوالها فبالسخاء تملك أزمة القلوب، ومنها أن يحدث لكل ذنب توبة ولكل سيئة حسنة وهذا مقتبس من القرآن العظيم وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ومنها أن يتصدق كل يوم بما يقدر عليه فالصدقة شيء عجيب، ومنها أن يبطل القواعد المحدثة والرسوم المفتنة ويبسط العدل والإنصاف، ومنها أن يرضي الله ﵎ بسخط المخلوق ولا يرضي المخلوق بسخط الخالق جل وعلا فإنها عمدة العقلاء ومنية الألباء ويتعزز بالتقوى دون الأماني وملازمة الهوى فمن لم تعزه التقوى فلا عز له. ومنها أن يعمم بالإحسان فإن الإنسان عبد الإحسان وإذا عم العدل وأفاض الفضل أحبته القلوب وأطاعته النفوس فيأمن مكر الأعداء، ومنها أن يكون له

стр. 445

صاحب خير ينهى إليه أخبار الممالك، ومنها أن يولي الأمور إلى أربابها وأهاليها فقد سئل حكيم الساسانية عن سبب زوال دولتهم فقال لأنا فوضنا الأمور إلى غير أهلها وغفلنا عن الرعية حتى أكل بعضهم بعضا ولم يكن لنا صاحب خير ينهي إلينا فاجترأ علينا العدو، ومنها أن يتبرك بدعاء الصالحين فكم من دولة أزالتها أدعية الناس وكم من مملكة وطدتها، وقرأت في صوان الحكم وهو كتاب نفيس أن اجتماع الدعوات بصفاء النيات وخلوص الطويات يحل ما عقدته الأفلاك ومن لم يؤمن بهذا فليستأنف الإيمان، ومنها أن يستنجد بالسلاح والكراع والرجال والأموال فإن ذلك مما يرهب العدو ويقمع الحاسد. قال الله وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ومنها أن لا يتخذ الضياع والقرى ولا يشتغل بالحراثة والتجارة فإن ذلك مما يطمع فيه العدو، ومنها أن يوظف على الناس ختم القرآن في داره كل يوم فإن لم يتفرغ فكل أسبوع ففي الخبر ما خربت دار يقرأ فيها القرآن، وما عمر بيت يكون فيه الزنى، ومنها أن يجالس العلماء ويصاحب الفقهاء فإنه بركة وقوة في الدين والملك هم القوم لا يشقى بهم جليسهم فإن الرحمة تنزل عليهم والملائكة تحف بهم فتصيبه الرحمة. فإن كان لله ﵎ في الناس أصفياء فهم هم، ومن جلس عند العطار فلا

стр. 446

يحرم من نفحات المسك ومحبة العلماء تسوق إلى الخاتمة السعيدة والثناء المخلد والله تعالى أعلم. (الباب الثامن في الأسباب المزيلات للدول) وهي التهور والقحة والإنهماك في الشهوات وقلة المبالاة بالعدو وتعاطي الجور، والظلم آفة لا تخطىء فالملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ومصحف المجد يشهد بهذا فإن الله قال في كتابه العزيز فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا وأول ما كتب في التوراة هذه الكلمة من يظلم يخرب بيته، والبخل والكذب والإصرار على شرب الخمر والفساد وإهمال أمر الرعية، قيل السلطان يلعب والوزير يطرب والدنيا تخرب. قال أستاذ الإسكندر له اعلم أن سلطانك على أجساد الرعية ولا سلطان لك على القلوب فاملك القلوب تعن لك الوجوه واعلم أن علامات زوال ملككم إذا أطعتم هواكم واستعملتم شراركم واستثقلتم خياركم وزهدتم في العلم ونقضتم العهد وتهاونتم بأمور رعاياكم واستعملتم الكبر والزهو، واعلم أن أساطين الملك وأعمدة السلطان أربعة أشياء أولها العدل في رعاياهم. والثاني عمارة بلادهم. والثالث ضبط ملكهم من أعدائهم. والرابع منع قويهم عن ضعيفهم، وليس للملك أن يبخل لأن البخل لقاح

стр. 447

الشنآن، ولا يغضب لأن الغضب لقاح الندامة، ولا يحسد لأن الحسد يقلل عدد الرجال. (الباب التاسع في تدبير العدو) اعلم، وقاك الله تعالى شر الأعداء، أن العداوة للوزراء والرؤساء تنبعث من شيئين: الأول اكرام السفلة الأندال. الثاني امتهان أهل الشرف والحسب، فالوزير إذا استعمل السفلة ورفع أقدارهم وسلطهم على رقاب الناس يأمرون وينهون فيجرأ عليه أهل الشرف فيعتقدون الإساءة من الملك لأن السفل لا يعرف قدر نفسه ولا يحفظ الأدب فيجرح القلوب ويؤلم الأجساد ويدخر لنفسه ولمواليه الإحن والأحقاد، فإذا رأى ذلك أهل الشرف يعتقدون الإساءة والبغضاء، كانوا أولياء فيصيرون أعداء فتتحرك الأنف الأبية والدواعي الغضبية فينسلخون في عداوة الوزير من جلد البشرية والإنسانية فيصبحون بعداوة السبعية فقضية الحرية تقتضي أن يكرم أهل الشرف ومراعاة ذوي البيوتات القديمة والمحافظة على شؤونهم ويزجر السفلة وينهاهم ويردع غوائلهم ليأمن مكايدهم. إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

стр. 448

والسبب الثاني التظاهر بالظلم والجور، فإن ذلك مثال العداوة فالوزير الكافي والرئيس الكامل لا يضع الحديدة موضع الإبرة ويصلح باللطف ما لا يصلحه غيره بالعنف فالحر عبد البر والإنسان صنيعة الإحسان. قال سيد القراء أبو عمرو بن العلاء: عجبت لمن يشتري المماليك بأمواله فيعتقهم كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه فيسترقهم، فإن كان له عدو في البلد ينازعه في ولايته فليخرجه من البلد فإن الصواب في ذلك، فإن كان عدوا مكاتما خارج ولايته فقمعه من أربعة أوجه: الأحوط له أن يسترقه بالمعروف والإحسان واللطف والكرم فإن لم ينخدع بهذا فبالصفح والمهادنة فإن لم ينخدع بهذا فبالتحصن بالقلاع والخنادق والمواضع الحصينة، فإن لم يتمكن من ذلك فأسوأ التدبير المجاهرة بالحرب وفي ذلك اغرار واخطار إذ الحرب سجال وللسلامة مجال وهذا إذا أحس من قومه مقاومته، أما إذا علم ضعف قومه وشوكة عدوه فإياه وإياه فلا يبدؤه بالحرب إلا إذا رأى ضعفه فيعاجله قبل أن يستجيش الجموع، فإن كان له شوكة فيدع العدو حتى يطأ البلاد والديار فيكون غريبا في الموضع والغريب أعمى لا يهتدي إلى عواقب الأمور والحيلة أنفع الوسيلة، وليحفظ الملك والوزير واحدة وأي واحدة وهي كتمان السر عن العدو والجهد في معرفة سر العدو ولا يحارب

стр. 449

بنفسه وأعظم الأشياء في الحرب التورية يرى شيئا ويفعل شيئا آخر يقصد صوبا ويوري طريقا آخر ومن أحدث أثرا من عسكره فيكرمه ومن نفق فرسه أعطاه عوضه وهذا كله إنما يستقيم بنية الخير ووعد الجميل وإضمار فعل الخيرات والإستعانة بعون الله . (الباب العاشر في نصيحة الوزراء) اعلم أن الملك والوزارة يرادان للذكر الجميل والثناء الحسن والدنيا أحدوثة، فكن حديثا حسنا لمن وعى وكل ما هو فوق التراب تراب. قال المأمون: يطلب الملك للذكر الجميل وإحداث الفعل الصالح واصطناع أهل الخير، أما جمع المال والحرص على الذخائر فمن دأب السوقة. وقال أيضا في بعض وصاياه: إنما امتازت الملوك عن الرعية بقدر الخير والإحسان فالرعية تريد أن تفعل الخير ولا تقدر والملوك إذا أرادوا أن يفعلوا فعلوا فمن لم يفعل فقد أخبر عن لؤم نفسه فأيام الإمكان غنيمة والقدرة على الخير فرصة ولم يكن في الوجود أحسن من فعل الجميل وأنشد عن الكبار. اختم وطينك رطب للختام فكم ... قد خمر الطين أقوام وما ختموا

стр. 450

ولوا فما عدلوا أيام دولتهم ... حتى إذا عزلوا ذلوا فما رحموا فليكن الوزير والملك عالي الهمة فإن خساسة الهمة من دأب السوقة، ولا يتكل على القلاع والمال فإنه مسلوب منها عن قريب، فليطلب شيئا لا يسلب عنه لدى الموت وهو العمل الصالح ويحفظ الدين حتى يفلح وليكن جوادا مفضالا ليكون مشهورا وليجعل دنياه فداء لآخرته ولا يجعل آخرته فداء لدنياه، وليعتبر بالملوك السالفة والوزراء المتقدمة كأنهم لاندراس الدهر ما خلقوا. تفانوا جميعا فلا مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر تروح وتغدو بنات الثرى ... فتمحي محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناس مضوا ... أمالك فيما ترى معتبر ولنذكر وصاية بهلول لهارون الرشيد هب أن مملكة الدنيا تساق اليك أليس آخر ذلك كله موت فآخر ما ترى القبر واللحد والثرى، وإياك والظلم فإن الملك إذا اشتهر بالظلم بغضته الرعية وإذا بغضته الرعية خالفته والمخالفة سبب المحاربة، فالفتنة نجوى ثم شكوى ثم بلوى والملك إذا

стр. 451

اشتهر بالعدل آنسته القلوب وأحبته الرعية فإذا أحبته أطاعته وخدمته والطاعة توجب المؤانسة، والمؤانسة توجب بذل الروح في هواه، ويصير العدو مقموعا، وإياك والبخل فإن شر خصال الملوك البخل، فالملك إذا كان بخيلا يطمع في أموال الرعية ويدنس عرض نفسه بالأشياء الخسيسة فيظهر خسة نفسه فتسقط حشمته ويبطل وقاره في أعين الناس فليجالس الأكابر والعلماء ليعظم وقعه في القلوب لأنه علم بين الرعية وتمتد إليه العيون فإن صلح صلحت رعيته، وإن فسد فسدت رعيته واعلم أن كمال الملك أن يخافه أهل الجرائم ويأمن منه أهل السلامة، وإياك أن تستحقر العدو وإن فسدت رعيته، واعلم أن كمال الملك أن يخافه أهل الجرائم ويأمن منه أهل السلامة وإياك أن تستحقر العدو وتستصغر الغائب وإن كان حقيرا في نفسه فإن الأمور تبدو صغيرة ثم تكبر والغيث ينزل قطرة قطرة، ثم تكون منه السيول ولا تكونن أسير الشهوة، فإن ذلك من خاصة الخنازير والسباع، ولا يخالف قوله وعده فيصبح كذابا والكذاب لا يصلح أن يكون ملكا واعلم أن الدنيا دول يوم لك ويوم عليك. فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر

стр. 452

فلا تقصد أهل البيوتات القديمة فإنه مذموم، وإياك والبغي فإن البغي مصرعه وخيم، ولا تفتخر بالمملكة فإن الملك لا بقاء له ويكرم شجعان عسكره ويضاعف في عطاياهم فإنهم جناح المملكة، وإذا ظفر بالعدو فليعف عنه فإن العفو من شيم الكرام، ويتعاهد أجناد عسكره فإنهم جوارحه وأركان مملكته وقوة الوزير بالعسكر ويواسي القروح قبل أن يحتاج إلى الكي وإذا أظهر العداوة فليثبت عليها ثبات الليث على عداوته. ويعلم أنه إذا صلح خواص مملكته يصلح عوامها، وإذا فسد الخواص يفسد العوام. واعلم يا علم الوزراء وطراز الرؤساء أدام الله لك المجد والبقاء ما بقيت الأرض والسماء أن القاضي قابل على الذم والثناء، فإن عدل فيدوم الثناء للملك وإن جار فلا يعدم ذاما (فصل) ومن منة الله على هذا الصدر الكبير سيد الوزراء أن جعل له قاضيا هو فرد العالم في صورة عالم، ملك في صورة انسان يزين القضاء بمكانه ويشرف الدست بزمانه منزلته من الدين منزلة الصديق من الإسلام فالحمد لله الذي قصر الفضائل عليه حتى أشير بالأصابع اليه، وينبغي للوزير الممكن والرئيس المطاع أن يتحنن ويترحم على البريء ويغضب على الخائن من اللصوص والقطاع فإن الترحم على هؤلاء من طبع النسوان وقد قال الله تبارك

стр. 453

وتعالى وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ولا تهتك أستار أهل الأقدار، فإن عثر صاحب كرم وشرف فليأخذ بيده ليكون قاضيا لحق آبائه أيها الماجد ابن الماجد كفاك شرفا أن يميل اليك أبناء الملوك وأهل الشرف يطأون بساطك ويقصدون حضرتك والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب الحادي عشر في مواعظ الحكماء) قال الإسكندر أي ملك يتطاول على عسكره ورعيته فلا يأمن من الهلاك في أيديهم، فإن من لا يتدارك الأمور الجزئية فإذا باضت وفرخت لا يمكنه تداركها، وأي ملك لا يحترم العلماء يكون في أصله خطأ، وأي ملك يلاحي ويماري عسكره لا يفلح أبدا وأي ملك يتعود رسوم السوقة من البيع والشراء والنقد والوزن فلا يفلح أبدا، وأي ملك يصرّ على رأيه الخطأ فقد سعى في هلاك نفسه، وأي ملك رسم القواعد المحدثة والرسوم الباطلة، فاعلم أنه يموت ولا تموت ذنوبه وأي ملك لا يكون له كرم، فاعلم أنه لا يصلح للملك، وأي ملك انهمك في الخمر والزمر فقد ظفر عليه العدو من حيث لا يشعر وأي ملك اشتهر بالكرم والسخاء فابشر بطول سلامته، واعلم أن الإنسان يحتاج إلى الأصدقاء لأن الإثنين إذا

стр. 454

اجتمعا وتعاونا كانا أقوى على العلم والعمل، ومن تمام السعادة اقتناء الأصدقاء ومن المحال أن يجتاز الإنسان جميع الخيرات مع الوحدة فإنه يحتاج إلى من يضع معروفه عنده ولولا الفقراء بقي الأغنياء ملطخين بالأوضار، فأيام الإنسان لذيذة بالأصدقاء والأخيار الأفاضل والإنسان يحتاج إلى الصديق عند حسن الحال وعند سوء الحال فعند حسن الحال يحتاج إليه للمؤانسة وعند سوء الحال يحتاج إليه للمعاونة، وقيل للإسكندر كن متيقظا فإن علل الصدور كثيرة واعلم يا اسكندر أن مصيرك إلى التراب وأنت غدا مأكول التراب فلا تتكبر على عباد الله تعالى ولا تأخذ أحدا فإن الشقي من لا يتذكر عاقبته، لا تكن حليما بالقول فقط بل بالقول والفعل جميعا، يا اسكندر اذكر اليوم الذي يهتف بك داعي الموت واعدد زادا في كل أيامك فإنك لا تدري متى الرحيل، يا اسكندر الرئاسة تراد للذكر فإن طلبها من جهتها ساقته إلى طلبه، الصدق أصل الممدوحات والكذب أصل المذمومات، يا اسكندر البخل ينتج حب الدنيا ويسوق إلى الندامة والطمع والخيانة يا اسكندر لا تمل إلى الغضب فإنه من أخلاق السباع يا اسكندر كم عساك تعيش، فتيقظ، يا اسكندر من مات محمودا كان أحسن حالا ممن عاش مذموما يا اسكندر أنت موضع مدحي إن عدلت وإن جرت قصر

стр. 455

لساني في ذكر مدحك يا اسكندر اطلب الغنى الذي لا يفنى والحياة التي لا تتغير والملك الذي لا يزول والبقاء الذي لا يضمحل يا اسكندر لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يثبت ولا تكلب على الدنيا فإنك قليل البقاء فيها، يا اسكندر من أسرف في الشراب فهو من السفلة، يا اسكندر عند الغضب تعرف الرجال، يا اسكندر اعلم أن الدولة إذا أقبلت إلى الملك فتخدم شهوته عقله، وإذا أدبرت الدولة فيخدم عقل الملك شهوته، يا اسكندر من علامة الدولة اقتناء المناقب واصطناع الأحرار وإذا أدبرت فاصطناع السفلة، يا اسكندر من لم يصلح نفسه كيف يصلح غيره، يا اسكندر السكر على الملك حرام لأنه حارس المملكة فقبيح أن يحتاج الحارس إلى حارس، يا اسكندر إن الظالم يبقى ما حفظ العمارة وحدود الشريعة فإذا تجاوز عنهما فقد حان هلاكه يا اسكندر الأخيار يتقربون إلى الملك بالمناصحة والدعاء إلى الخير والأشرار يتقربون إليه بمساوىء الناس والطعن في أعراضهم وأن الساعي بمنزلة الحريق المشعل، يا اسكندر اعلم أن عيب عمالك وأمرائك منسوب اليك ولك كل ملك يستأصل أشراف رعيته ويبقى السفل بمنزلة رجل يقلع الأشجار المثمرة ويغرس عروق العوسج، يا اسكندر اعلم أن الأيام تهتك الأستار وتغير اللباس وتحوج الناس إلى النار

стр. 456

وتخلق الجديد وتدرس الجميل وتأتي على كل شيء الا على الذكر الجميل والمحبة القديمة وثناء فائح ودعاء صالح وعدل شائع فإنه يبقى مدى الأيام تزود من الذكر الجميل فإنه سيبقى وما فوق التراب تراب. (الباب الثاني عشر فيما يختص بعقوبته) اعلم يا علم الوزراء وطراز الرؤساء وصاحب العزة القعساء والدولة الشماء أدام الله أيامك ما رفعت يد بالدعاء أن خطر الوزارة عظيم وخمارها صعب شديد فإن السلطان مسؤول عما يفعله هو بنفسه وعما يفعله نوابه والوزير غدا مسؤول عن عدل نفسه وعدل نوابه وعدل ما ملكت يمينه أن خيرا فخير وإن شرا فشر وبالجملة هو مأخوذ بفعل الغير. قال الله لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وقد قال جهابذة العلماء في تفسير قول الله ﵎ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني لا تزر وازرة طوعا واختيارا ولكن تحمل عليه قهرا واقتسارا فإذا ظلم نوابه فهو مأخوذ بظلمهم لأنه ولاهم على رقاب العباد وعلم أنهم يظلمون الناس بغير الحق فلم يمنعهم فكأنه رضي بفعلهم والرضا بالظلم ظلم والرضا بالفسق فسق والرضا بالكفر كفر، فمن تغافل وسكت بعد العلم بذلك فقد

стр. 457

هلك من حيث لا يشعر وإن كان له حسنات وكان له خصوم وتؤخذ منه، ومن لم يكن له حسنة فيطرح عليه أثقال الخصوم وذنوب القوم فيا معشر الوزراء الإعتبار الإعتبار. ويا أعلام الرياسة الإعتذار الإعتذار وعن سر هذا ألقى عمر درته، وقال لا أريد الخلافة من يأخذها بما فيها، وعن هذا قال رسول الله ﷺ ما من وال إلا ويود يوم القيامة أن لو أعطى قوتا من الدنيا، فمتى ظلم النواب والعمال في الولاية وعلم به الوزير فلم يمنعهم فهو معاقب يوم القيامة ومسؤول عنه فيا عجبا لمن يدعي الفهم وهو أعمى يحرق نفسه لأجل الغير ويسوّد صحيفته لأجل غيره ويبيع آخرته بدنياه إن كان في هذا عقل فما في عالم الله تعالى جهل فإذا قطع الطريق في حدود ولايته فهو مسؤول عنه، فإن قال كنت عاجزا فيقال هلا سلمتها إلى قوي قادر الآن وقد عصيت قبل، وإن رتع النائب فيما لا يحل فهو مسؤول وإن ضاع الفقراء في ولايته فهو معاقب بذلك إذ يجب عليه أن يوصل إليهم حقوقهم، وإن خرب مسجد أو انشرم رباط فيجب عليه أن يعمره، وإن ظلم عبيده وخدمه أو تركوا الصلاة فيجب عليه أن يأمرهم بالصلاة وترك الظلم فإنهم محبوسون تحت يده، وإن تغافل وأبى فقد باء بغضب من الله تعالى ولا يحزنك دم هراقه أهله، وإن تعطل في ولايته حد من حدود

стр. 458

الله ﵎ أو زيد فهو المطالب به غدا، ويتحاشى الوزير من شيء هو قاصمة الظهر وهو مصادرة الناس وإراقة دمائهم باسم المصلحة للمملكة فإن الولاة يقهرون ويضيعون حكم المواريث ويرفعون آية من كتاب الله تعالى وهي قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ويسمونها مال المصالح وهو مال المفاسد وإياك من شيء أحدثه الظلمة الأجلاف فإنه مؤذن بزوال الدين والدنيا وهو تغيير موجبات الشرع ووضع مراسيم وأحكام من عند أنفسهم، مثاله: الشرع أمر بقطع يد السارق والإقتصاص من القاتل وحد شارب الخمر والقاذف والزاني وقاطع الطريق وزجر النائحة وهجران المنجم فهؤلاء غيروا أوضاع الشرع وعقدوا على كبائر الذنوب ضمانا وقبالة فإن أوتوا بسارق يأخذون منه قليلا ويخلونه وشأنه ثم هو يستوثق بهم فيتخذها حرفة وصناعة، وإن رأوا شارب خمر لا يحدونه وإن بالغوا في الحد كان ذلك دانقا وإن قبضوا على قاتل يأخذون منه دنانير ثم يعفون عنه مع سخط الأولياء ويطالبون الجيران بالجناية والمصادرة وعقدوا على المأجور وبيت القمار في كل بلدة سجلا وقبالة ويشاركون الجباة في بعض جرائمهم، ولقد رأيت سارقا قبض عليه فحملوه إلى السجن فحبس ساعة ثم خلي سبيله ثم قيل إن السارق

стр. 459

شريك الوالي فيما يتعاطاه يقسم معه كلما يسرق، فقلت يا للمسلمين هذا إن كان الحق فأين الباطل وإن كان هو اسلاما فأين الكفر!؟ يا هذا اقصر فما بقي من الإسلام إلا اسمه ثم أقول إن يكن اعتقد استحلال ذلك فقد لزمه الكفر ومن لم يعتقد فهو به فاسق لا يجب التسليم عليه ويعلم أن كل مرسوم محدث في بلده هو مأخوذ به ويلحقه الإثم والحرج في الحياة وبعد الممات لأنه يمكنه تغييره إذ هو تحت ولايته ولم يكن مبتدعا في ولايته حتى تستفيض بدعته فنعوذ بالله من هذه الصفات بل هذا كفر صريح يبوء باثمه بل المفترض عليه أن يزيل البدعة ويهين أهلها فإذا سكت عنها فالسكوت أخو الرضا فكم أحصى من هدى ولا يمكن احصاؤه والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. (الباب الثالث عشر في وظائف الوزارة) الوظيفة الأولى أن يبتدىء الوزير يومه بالدعاء وقراءة القرآن العظيم، وفي الخبر، من قرأ كل يوم مائة آية عصم ذلك اليوم، الثانية أن يتصدق بشيء وإن كان يسيرا ليكون دافعا لقضاء السوء، الثالثة نية الخير والعزم على الصلاح فيقول لعل هذا اليوم آخر أيامي ولا أعيش بعده فأختم أعمالي بالخير وكل ما يحب لنفسه يحب لرعيته وكل ما يكره لنفسه يكره

стр. 460

لرعيته، الرابعة أن ينتظر مجيء أرباب الحاجات فلا يستخف بهم فإن قضاء حاجة المسلم خير من سبعين حجة مبرورة وسبعمائة ركعة نافلة، الخامسة أن يأخذ في كل أمر بالرفق دون العنف فإنه قادر على العنف فيأخذ بالرفق ليبين فضله ويلحقه دعاء النبي ﷺ حيث قال: اللهم أيما وال رفق بأمتي فارفق به ومن شدد على أمتي فشدد عليه، السادسة أن يجتهد حتى يرضى عنه جميع رعيته ليكون خير الوزراء. قال رسول الله ﷺ : خير أئمتكم من تحبونه وشر أئمتكم من تبغضونه، السابعة لا يؤثر رضا المخلوق على رضا الخالق فإن من سخط من قول الحق فهو شيطان الثامنة يحكم بالعدل ويأمر به. قال رسول الله ﷺ : من حكم بين اثنين فظلم فلعنة الله على الظالمين، التاسعة أن يحضر العلماء ويجالسهم لينصحوه ويأمروه بالمعروف ويعرف أحكام الله ﵎ ولا يخطىء في دين الله . العاشرة أن يأخذ على أيدي الظالمين ولا يمكن أحدا من الظلم فإنه مسؤول عن ظلمهم وفي التوراة إذا علم السلطان بظلم عماله فرضي به فكأنما فعله والله تعالى أعلم. (الباب الرابع عشر في مصانعة العمال) قال رسول الله ﷺ من ولي لنا شيئا فلم يكن له امرأة
следующие страницы →