أسلم قبل أبيه ولا يصح.
وأصح من ذلك أن هجرته كانت قبل هجرة أبيه، واجتمعوا أنه لم يشهد بدرا.
واختلف في شهوده أحدا، والصحيح أن أول مشاهده الخندق.
وقال الواقدي كان ابن عمر يوم بدر ممن لم يحتلم فاستصغره رسول الله ﷺ ورده، وأجازه يوم أحد.
وعن نافع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رده يوم أحد لانه كان ابن أربع عشرة سنة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة وقد عرف عنه رضى الله عنه الاتباع وشدة التحرى والاحتياط والتوقى في فتواه ويقولون انه من أعلم الصحابة بمناسك الحج، وقد كان مولعا به حتى في أيام الفتنة حيث كان يحج كل عام.
أما سهل فهو ابن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة الساعدي الخزرجي الانصاري يكنى أبا العباس.
روى ابن عبد البر بإسناده إلى محمد بن اسحاق عن الزهري قال قلت لسهل بن سعد " ابن كم كنت يومئذ - يعنى يوم المتلاعنين؟ - قال ابن خمس
عشرة.
وروى بإسناده عن الزهري عن سهل أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ توفى وهو ابن خمس عشرة سنة، وعمر سهل حتى أدرك الحجاج وامتحن به، وتوفى سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين، وقد بلغ المائة، ويقال انه آخر من بقى بالمدينة مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حكى ابن عيينة عن ابى حازم، سمعت سهل بن سعد يقول " لو مت لم تسمعوا أحدا يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قرر هذا فإن هؤلاء الصبيان انما كانوا يحضرون تبعا للرجال، ولان اللعان مبنى على التغليظ والمبالغة في الردع به والزجر، فإن فعله في الجماعة أبلغ في ذلك، ويستحب أن يكون ذلك بعد العصر لتعرض من يحلف كاذبا منهما لغضب الله لحديث " ثلاثة لا يكلمهم الله " الذى ساقه المصنف، كما يستحب أن لا ينقصوا عن أر؟ ؟ ة، لان بينة الزنا الذى شرع اللعان من أجل الرمى به أربعة، وليس شئ من هذا واجبا، كما يستحب أن يتلاعنا قياما، فيبدأ بالزوج حيث يلتعن وهو قائم، فإذا فرغ قامت المرأة فالتمنت وهى قائمة، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ انه قال لهلال بن أمية " قم فاشهد اربع شهادات " ولانه إذا قام شاهده الناس
стр. 2277
فكان أبلغ في شهرته فاستحب كثرة الجمع وليس ذلك واجبا.
وبهذا كله قال أحمد وأبو حنيفة.
قال ابن قدامة ولا أعلم فيه مخالفا.
قلت إلا فيما يتعلق بالزمان فقد خالفنا فيه أصحاب أحمد وأبو حنيفة.
قالوا لان الله تعالى أطلق الامر بذلك ولم يقيده بزمن ولا مكان فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولان النبي ﷺ أمر الرجل بإحضار امرأته ولم يخصه بزمن، ولو خصه بذلك لنقل ولم يهمل، وخالفهم في ذلك أبو الخطاب من الحنابلة فقال بقولنا ولنا أنه يستحب أن يتلاعا في الازمان والاماكن التى تعظم، ولان حديث
" ثلاثة لا يكلمهم الله " وقت في الوعيد على من حلف بعد العصر، فاسب أن يراعى هذا استكمالا لكل معاني الردع والزجر.
أما المكان ففيه قولان
(أحدهما)
أن التغليظ به مستحب كالزمان
(والثانى)
أنه واجب، لان النبي ﷺ لاعن عند المنبر فكان فعله بيانا للعان، ومعنى التغليظ بالمكان أنهما إذا كانا بمكة لاعن بينهما بين الركن والمقام فإنه أشرف البقاع، وإن كانا في المدينة فعند منبر النبي ﷺ ، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وان كان في سائر البلدان ففى مساجدها، وان كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذى يعتقدان تعظيمه، وان كانا يهوديين أو نصرانيين فالكنيسة، وان كانا غير ذلك - قال القرطبى ان كانا مجوسيين ففى بيت النار، وان كانا وثنيين أو لا دين لهما ففى مجلس حكمه.
وان كانت المسلمة حائضا وقلنا ان اللعان بينهما يكون في المسجد وقفت على بابه ولم تدخله، لان ذلك أقرب المواضع إليه.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يصعد الملاعن على المنبر إذ لا يليق بالمنبر أن يصعد عليه ملاعن لشرف المنبر وعلو مكانته، وبكل ما قررنا قال الائمة كافة ولم أعلم لهم مخالفا.
قال الشافعي في الام في باب " أين يكون اللعان " فإذا لاعن الحاكم بين الزوجين بمكة لاعن بينهما بين المقام والبيت - إلى أن قال - وكذلك يلاعن بين كل زوجين في مسجد كل بلد، ويبدأ فيقيم الرجل قائما وامرأة جالسة، فيلتعن ثم يقيم المرأة قائمة فتلتعن، إلا أن يكون بأحدهما علة لا يقدر على القيام معها
стр. 2278
فيلتعن جالسا أو مضطجعا إذا لم يقدر على الجلوس.
وان كانت المرأة حائضا التعن الزوج في المسجد والمرأة على باب المسجد.
وان كان الزوج مسلما والزوجة
مشركة التعن الزوج في المسجد والزوجة في الكنيسة وحيث تعظم، وان شاءت الزوجة المشركة أن يحضر الزوج المسلم في المساجد كلها حضرته الا أنها لا تدخل المسجد الحرام لقوله تَعَالَى " إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرام بعد عامهم هذا " ثم قال رضى الله عنه " وان أخطأ الامام بمكة أو المدينة أو غيرهما فلاعن بين الزوجين في غير المسجد لم يعد اللعان عليهما لانه قد مضى اللعان عليهما ولانه حكم قد مضى بينهما وكذلك ان لاعن ولم يحضر أحدهما الآخر، قال وإذا كان الزوجان مشركين لاعن بينهما معا في الكنيسه وحيث يعظمان.
وإذا كانا مشركين لا دين لهما تحاكما الينا لاعن بينهما في مجلس الحكم.
اه
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإذا أرادا اللعان فالمستحب للحاكم أن يعظهما لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال والله لقد صدقت عليها، فقالت كذب، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاعنوا بينهما " وان كانت المرأة غير برزة بعث إليها الحاكم من يستوفى عليها اللعان، ويستحب أن يبعث معه أربعة
(فصل)
ويبدأ الزوج ويأمره أن يشهد، لان الله تعالى بدأ به وبدأ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في لعان هلال بن أمية، ولان لعانه بينة لاثبات الحق، ولعان المرأة بينة الانكار، فقدمت بينة الاثبات فإن بدأ بلعان المرأة لم يعتد به لان لعانها اسقاط الحد، والحد لا يجب الا بلعان الزوج فلم يصح لعانها قبله، والمستحب إذا بلغ الزوج إلى كلمة اللعنة والمرأة إلى كلمة الغضب أن يعظهما.
لما روى ابن عباس رضى الله عنه قال " لما كان في الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وان
هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب.
فقال والله لا يعذبنى الله عليها كما لم
стр. 2279
يحلدنى عليها فشهد الخامسة، فلما كانت الخامسة قيل لها اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التى توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " ويستحب أن يأمر من يضع يده على فيه في الخامسة، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر رجلا أن يضع يده على فيه عند الخامسة يقول إنها موجبة "
(فصل)
وإن لاعن وهى غائبة لحيض أو موت قال أشهد بالله إنى لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى فلانة، ويرفع في نسبها حتى تتميز.
وإن كانت حاضرة ففيه وجهان أحدهما يجمع بين الاشارة والاسم، لان مبنى اللعان على التأكيد، ولهذا تكرر فيه لفظ الشهادة، وإن حصل المقصود بمرة والثانى أنه تكفيه الاشارة لانها تتميز بالاشارة كما تتميز في النكاح والطلاق
(فصل)
وإن كان القذف بالزنا كرره في الالفاظ الخمسة، فإن قذفها بزناءين ذكرهما في الالفاظ الخمسة، لانه قد يكون صادقا في أحدهما دون الآخر فإن سمى الزانى بها ذكره في اللعان في كل مرة، لانه ألحق به المعرة في إفساد الفراش فكرره في اللعان كالمرأة.
فإن قذفها بالزنا وانتفى من الولد قال في كل مرة وأن هذا الولد من زنا وليس منى، فإن قال هذا الولد ليس منى ولم يقل من زنا لم ينتف لانه يحتمل أن يريد أنه ليس منى في الخلق أو الخلق.
وان قال هذا الولد من زنا ولم يقل وليس منى ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه ينتفى منه
لان ولد الزنا لا يلحق به
(والثانى)
وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى أنه لا ينتفى لانه قد يعتقد أن الوطئ في النكاح بلا ولى زنا على قول أبى بكر الصيرفى فوجب أن يذكر أنه ليس منى لينتفي الاحتمال (الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ويبدأ الرجل باللعان حتى يكمله، فإذا أكمله خمسا التعنت المرأة، وإن أخطأ الحاكم فبدأ بالمرأة فالتعنت ولو لم يبق من
стр. 2280
لعان الرجل إلا حرف واحد من قبل أن الله بدأ بالرجل في اللعان فلا يجب على المرأة لعان حتى يكمل الرجل اللعان، لانه لا معنى لها في اللعان الا إذا رفع الحد عن نفسها، والحد لا يجب حتى يلتعن الرجل ثم يجب لانها تدفع الحد عن نفسها وإلا حدت.
وإذا بدأ الرجل فالتعن قبل أن يأتي الحاكم أو بعدما أتاه قبل أن يأمره بالالتعان أو المرأة أو هما أعاد أيهما بدأ قبل امر الحاكم إياه بالالتعان، لان ركانة أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بطلاق امرأته البتة وحلف له فأعاد النبي صلى الله عليه اليمين على ركانة ثم رد إليه امرأته بعد حلفه بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يرد امرأته إليه قبل حلفه بأمره.
اه إذا تقرر هذا فإن ألفاظه خمسة في حق كل واحد منهما، وصفته أن الامام يبدأ بالزوج فيقيمه ويقول له: قل أربع مرات ويلقنه الصيغة التى مضى ذكرها ثم يشير إليها ويشير إلى نسبها وتسميتها، وان كانت غائبة أسماها ونسبها فقال، امرأتي فلانة بنت فلان ويرفع في نسبها حتى ينفى المشاركة بينها وبين غيرها، فإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم وقال له: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وكل شئ أهون من لعنة الله، ويأمر رجلا فيضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل فيرسل يده عن فيه
فإن رآه يمضى في ذلك قال له: قل وأن لعنة الله على ان كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتى هذه من الزنا، ثم يأمر المرأة بالقيام ويقول لها: قولى أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتشير إليه، وان كان غائبا أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك أربع مرات وقفها ووعظها كما ذكرنا في حق الزوج، ويأمر امرأة فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضى على ذلك قال لها قولى وأن غضب الله عليها إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا.
وسئل أحمد بن حنبل رضى الله عنه: كيف يلاعن؟ قال على ما في كتاب الله ثم ذكر ما قررناه من صفة اللعان، فإن أبدل لفظا منها فظاهر كلام الاصحاب أن فيه وجهين
(أحدهما)
أنه يعتد به، وهو ما ذهب إليه الخرقى من الحنابلة
стр. 2281
أنه يجوز أن يبدل قوله: إنى لمن الصادقين بقوله لقد زنت لان معناهما واحد، ويجوز لها إبدال انه لمن الكاذبين بقولها لقد كذب.
لانه ذكر صفة اللعان كذلك واتباع لفظ النص أول وأحسن.
وإن أبدل لفظة أشهد بلفظ من ألفاظ اليمين فقال.
أحلف أو أقسم أو أولى فكذلك مثله، وان كان الصحيح في هذا الاخير لا يصح، لان ما اعتبر فيه لفظ الشهادة لم يقم غيره مقامه كالشهادات في الحقوق، ولان اللعان يقصد فيه التغليظ واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ فلم يجز تركه، ولهذا لم يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام أشهد.
وأما موعظة الامام لهما بعد الرابعة وقبل الخامسة فهى مستحبة في قول أكبر أهل العلم.
وكذلك وضع يد على في الملاعن لما رواه أبو إسحاق الجوزجانى بإسناده في حديث المتلاعنين قال " فشهد أربع شهادات بالله انه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه وقال: ويحك كل شئ أهون عليك من لعنة الله ثم أرسل
فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم دعاها فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها وقال: ويحك كل شئ أهون عليك من عذاب الله.
وذكر الحديث " قال الشافعي في الام: ثم تقام المرأة فتقول أشهد بالله ان زوجي فلانا وتشير إليه ان كان حاضرا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ثم تعود حتى تقول ذلك أربع مرات، فإذا فرغت من الرابعة وقفها الامام وذكرها الله ﵎ وقال لها: احذري أن تبوئى بغضب من الله إن لم تكوني صادقة في أيمانك، فإن رآها تمضى وحضرتها امرأة أمرها أن تضع يدها على فيها، وان لم تحضرها فرآها تمضى قال لها: قولى وعلى غضب الله ان كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فإذا قالت ذلك فقد فرغت من اللعان، وإنما أمرت بوقفهما وتذكيرهما أن سفيان أخبرنا عن عاصم بن كليب عن أبيه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رجلا حين لاعن بين المتلاعنين أن يضع يده على فيه عند الخامسة وقال إنها موجبة
стр. 2282
(مسألة) إذا كان بينهما ولد فإنه يشترط أن يقول: هذا الولد من زنا وليس هو منى، لانه إذا اقتصر على قوله: ليس هو منى - يعنى في الخلق أو أو في الخلق، ولم نقتصر على قوله من زنا لانه قد يعتقد أن الوطئ في نكاح فاسد زنا فأكدنا بذكرهما جميعا.
وقال ابن قدامة من الحنابلة: إن نفى الولد في اللعان فاكتفى به كان كمن ذكر اللفظين، وما ذكروه من التأكيد تحكم بغير دليل، ولا ينتفى الاحتمال بضم احدى اللفظتين إلى الاخرى فإنه إذا اعتقد أنه من وطئ فاسد واعتقد أن ذلك زنا صح منه أن يقول اللفظين جميعا، وقد يرد أنه لا يشبهني خلقا وخلقا أو أنه
من وطئ فاسد، فإن لم يذكر الولد في اللعان لم ينتف عنه، وان أراد نفيه أعاد اللعان ويذكر نفى الولد.
اه هذه المسألة لاصحابنا فيها وجهان
(أحدهما)
قول القاضى أبى حامد المروروذى أنه إذا نسبه إلى الزنا ولم ينفه عن نفسه فقد انتفى منه، لان ولد الزنا لا يلحق به فكان نفيه بالزنا كافيا في أن لا يلحق به
(والثانى)
قول الشيخ أبى حامد الاسفرايينى أن نسبته إلى الزنا لا يكفى في نفيه لانه قد يعتقد أن الوطئ في النكاح بلا ولى زنا، لان أبا بكر الصيرفى من أصحابنا يقول " ان النكاح بلا ولى زنا " وبقوله هذا قال كثير من الفقهاء والمحدثين لحديث " أيما امرأة نكحت بغير وليها فهى زانية، فهى زانية، فهى زانية " وقد مضى تخريجه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإذا لاعن الزوج سقط عنه ما وجب بقذفه من الحد أو التعزير وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عباس رضى الله عنه " أن هلال بن أمية قذف امرأته فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البينة أو حد في ظهرك، فقال هلال والذى بعثك بالحق انى لصادق، ولينزلن الله في امرى ما يبرئ ظهرى من الحد فنزلت " والذين يرمون ازواجهم " فسرى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا، فقال هلال قد كنت أرجو
стр. 2283
ذلك من ربى " وإن قذفها برجل فسماه في اللعان سقط عنه حده، لانه سماه في اللعان فسقط حده كالمرأة، فإن لم يسمه في اللعان فيه قولان
(أحدهما)
يسقط حده لانه أحد الزانيين فسقط حده باللعان كالزوجة
(والثانى)
لا يسقط حده لانه لم يسمه في اللعان فلم يسقط حده كالزوجة
إذا لم يسمها، فعلى هذا إذا أراد إسقاط حده استأنف اللعان وذكره وأعاد ذكر الزوجة.
(فصل)
وإن نفى باللعان نسب ولد انتفى عنه لما روى ابن عمر رضى الله عنه " أن رجلا لاعن امرأته فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وانتفى عن ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة " فان لم يذكر النسب في اللعان أعاد اللعان لانه لم ينتف باللعان الاول (الشرح) حديث عبد الله بن عباس سبق تخريجه حيث قلنا رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني.
وحديث ابن عمر أخرجه أحمد والشيخان وأصحاب السنن وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني أما غريبه فقوله " فسرى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " أي كشف، كأنه هم كشفه الله عنه صدره.
قال ابن بطال: ومثله الحديث الآخر " فإذا مطرت السحابة سرى عنه " أي كشف عنه الخوف.
قال ابن الصباغ في الشامل: قصة هلال بن أمية نزلت فيها الآية.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي قصة عويمر العجلاني " إن الله قد أنزل فيك وفى صاحبتك " فمعناه ما نزل في قصة هلال بن أمية.
أما الاحكام فانه إذا قذف امرأته بالزنا برجل بعينه فقد قذفهما، فان سماه سقط عنه حده لانه سماه وإن لم يسمه ففيه قولان.
أحدهما يسقط حده، وبهذا قال أصحاب أحمد وأبو حنيفة ومالك.
والثانى لا يسقط حده لانه لم يسمه في اللعان فلم يسقط.
فان لم يلاعن فلكل واحد منهما المطالبة، وأيهما طالب حد له.
ومن لم يطالب قال بعض أصحابنا يجب الحد مطلقا.
وقال بعض أصحاب أحمد: القذف
стр. 2284
للزوجة وحدها ولا يتعلق بغيرها حق في المطالبة ولا في الحد، لان هلال بن أمية قذف زوجته في شريك بن سحماء فلم يحده النبي ﷺ ولا عزره، ولان اللعان بينة في أحد الطرفين، ولا خلاف عندنا انه إذا لاعن وذكر الأجنبي إنه يسقط عنه حده.
وإن لم يذكره فعلى قولين مضيا (فرع)
استدل بحديث ابن عمر على أن الولد ينتفى باللعان، وأن يذكر في صيغة اللعان، وعن أحمد أنه ينتفى بمجرد اللعان وإن لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان.
قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر، لانه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر اللعان دفع حد القاذف عنه وثبوت زنا المرأة قال الشافعي رضى الله عنه إن نفى الولد في الملاعنة انتفى، وان لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة.
وان أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر بغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة، واستدل بالحديث أيضا على أنه لا يشترط في نفى الولد التصريح بأنها ولدته من زنا ولا بأنه استبرأها بحيضة.
وقد مضى إيضاحه.
وعن المالكية أنه يشترط ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب على المرأة حد الزنا، لانه بينة حقق بها الزنا عليها فلزمها الحد كالشهادة، ولا يجب على الرجل الذى رماها به حد الزنا، لانه لا يصح منه درء الحد باللعان فلم يجب عليه الحد باللعان
(فصل)
وان كان اللعان في نكاح صحيح وقعت الفرقة لحديث ابن عمر رضى الله عنه وحرمت عليه على التأبيد لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ قال " مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا " فان كان اللعان في نكاح فاسد، أو كان اللعان بعد البينونة في زنا أضافه إلى حال الزوجية فهل تحرم المرأة على التأبيد؟ فيه وجهان.
أحدهما تحرم، وهو الصحيح، لان
ما أوجب تحريما مؤبدا إذا كان في نكاح أوجبه، وان لم يكن في نكاح كالرضاع
(والثانى)
لا يحرم، لان التحريم تابع للفرقة ولم يقع بهذا اللعان فرقة فلم يثبت به تحريم.
стр. 2285
(فصل)
وللمرأة أن تدرأ حد الزنا عنها باللعان لقوله " ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين " ولا تذكر المرأة النسب في اللعان، لانه لا مدخل لها في إثبات النسب ولا في نفيه.
(فصل)
إذا لاعن الزوج ثم أكذب نفسه وجب عليه حد القذف إن كانت المرأة محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة ولحقه النسب لان ذلك حق عليه فعاد بتكذيبه، ولا يعود الفراش ولا يرتفع التحريم، لانه حق له فلا يعود بتكذيبه نفسه، وإن لاعنت المرأة ثم أكذبت نفسها وجب عليها حد الزنا لانه لا يتعلق بلعانها أكثر من سقوط حق الزنا وهو حق عليها فعاد بإكذابها (الشرح) حديث ابن عمر الذى ذكرناه آنفا، وحديث سهل بن سعد الذى أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني، وقد مضى بلفظه، وفيه قصة عويمر العجلاني، وسياق المصنف يفيد أن عبارة " مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان " من قول سهل بن سعد، بيد أن الروايات التى في الكتب المذكورة قال ابن عمر " فكانت سنة المتلاعنين " وفى رواية متفق عليها، أي في مسند أحمد والصحيحين " ذاكم التفريق بين كل متلاعنين، وفى لفظ لاحمد ومسلم " وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين " وزاد أبو داود عن القعنبى عن مالك فكانت تلك - وهى إشارة إلى الفرقة.
وقال مسلم إن قوله وكان فراقه اياها سنة بين المتلاعنين مدرج (١) وكذا ذكر الدارقطني في غريب مالك اختلاف الرواة على ابن شهاب.
وذكر ذلك الشافعي في الام
إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل، ويؤيد ذلك ما وقع في رواية لابي داود عن سهل قال " فطلقها ثلاث تطليقات عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأنقذه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ ما صنع عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 2286
سنة.
وفى نسخة الصغانى قال أبو عبد الله - يعنى البخاري - قوله " ذلك تفريق بين المتلاعنين " من قول الزهري وليس من الحديث أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ومتى التعن الزوج فعليها أن تلتعن فإن أبت حدت - إلى أن قال - وان امتنعت من اليمين وهى مريضة فكانت ثيبا رجمت.
اه (قلت) ولا يجب اقامة الحد على الرجل الذى زنى بها، لاننا إذا قلنا يجب أن يقام الحد عليها ببينة الزنا بلعان الزوج فإنه يدرأ عنها الحد أن تلاعنه.
وإذا كان على الزوج حد القذف فإنه يدرأ عنه ذلك بلعانه.
أما الذى رميت به فليس له أن يشترك في الملاعنة ليدرأ عن نفسه فعلا يجب عليه الحد لاجله، فلم يكن عليه حد، وبصورة أخرى نقول لما كان اللعان لدرء الحد، ولما كان لا لعان عليه كان لا حد عَلَيْهِ (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فإذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبدا بحال، وان أكذب نفسه لم تعد إليه التعنت أو لم تلتعن، حدت أو لم تحد، قال وانما قلت هذا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " الولد
للفراش " وكانت فراشا فلم يجز أن ينفى الولد عن الفراش الا بأن يزول الفراش فلا يكون فراش أبدا.
ثم ساق حديث ابن عمر ثم قال " وكان معقولا في حكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا ألحق الولد بأمه أنه نفاه عن أبيه وأن نفيه عن أبيه بيمينه والتعانه لا بيمين أمه على كذبه بنفيه، ومعقول في اجماع الناس أن الزوج إذا أكذب نفسه ألحق به الولد وجلد الحد، لان لا معنى للمرأة في نفيه، وأن المعنى للزوج بما وصفت من نفيه، وكيف يكون لها معنى في يمين الزوج ونفى الولد والحاقه، والولد بكل حال ولدها لا ينفى عنها انما عنه ينفى واليها ينسب إذا نسب (فرع)
سبق أن قلنا ان مذهبنا حصول الفرقة بلعان الزوج وحده وان لم تلتعن المرأة لانها فرقة حاصلة بالقول فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق.
وقال سائر الائمة ان الشرع ان أمر بالتفريق بين المتلاعنين، وانما فرق النبي ﷺ بينهما بعد تمام اللعان منهما.
فإذا قلنا بأن اللعان منه يوجب الفرقة بينهما وتحرم
стр. 2287
عليه على التأبيد إذا كان نكاحهما صحيحا.
أما إذا كان النكاح فاسدا أو بعد بينونة في زنا أضافه إلى حال الزوجية، فهل تكون محرمة على التأبيد؟ وجهان ذكرهما المصنف.
(فرع)
الفرقة باللعان فسخ عندنا.
وقال أبو حنيفة: هي طلاق لانها فرقة من جهة الزوج تختص النكاح فكانت طلاقا كالفرقة بقوله أنت طالق.
ولنا أنها فرقة توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع، ولان اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقا كسائر ما ينفسخ به النكاح وبهذا قال أحمد وأصحابه، واستدلوا كذلك بكونه لو كان طلاقا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة.
(فرع)
قوله " إذا لاعن الزوج ثم أكذب نفسه الخ " فجملة ذلك أن الرجل إذا قذف امرأته ثم أكذب نفسه فلها عليه الحد، سواء أكذبها قبل لعانه أو بعده.
وقوله " أكذب نفسه " قال في المصباح شرح غريب الشرح الكبير للرافعي وأكذب نفسه وكذبها بمعنى اعترف بأنه كذب في قوله السابق قال الكسائي: وتقول العرب أكذبته بالالف إذا أخبرت بأن الذى حدث كذب.
انتهى وهذا أصرح ما في النعوت من حكاية غير الواقع، وترى الفقهاء ينزهون ألسنتهم فيما بينهم عن استعمال هذه الكلمة فيقولون عند احتمال الكذب: ليس الامر كذلك.
وعند احتمال الغلط أو التلبيس يقولون: لا نسلم ويشيرون إلى المطالبة بالدليل تارة والى الخطأ في النقل تارة والى التوقف تارة، فإذا أغلظوا في الرد قالوا ليس كذلك وليس بصحيح، وقد رأيت بعض من يتسمون بسمات العلم في عصرنا يتراشقون بالتكذيب وما هو أشد منه في أمور خلافية، فيخرجون عن آداب البحث وعن حياء أهل المجادة من حملة العلم العاملين ونعود فنقول وجب على الزوج حد القذف بعد الاكذاب، وبهذا قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الرأى ومالك ولا نعلم لهم مخالفا، وذلك لان اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج فإذا أكذب نفسه بان أن لعانها كذب وزيادة في هتكها وتكرار لقذفها فلا أقل من أن يجب الحد الذى كان واجبا بالقذف المجرد للحرة البالغة،
стр. 2288
فالصبية ليست محصنة وكذلك غير الحرة، فإن عاد عن اكذاب نفسه وقال لى بينة أقيمها بزناها أو أراد اسقاط الحد عنه باللعان لم يسمع من خلافه، وهذا فيما إذا كانت المقذوفة محصنة، فإن كانت على محصنة فعليه التعزير، وفى ذلك كله يلحقه نسب الولد، سواء كان الولد حيا أو ميتا، غنيا أو فقيرا، وبهذا قال أحمد
وأبو ثور.
وقال الثوري: إذا استلحق الولد الميت نظرنا - فإن كان ذا مال - لم يلحقه لانه انما يدعى مالا، وان لم يكن ذا مال لحقه وقال أصحاب الرأى: ان كان الولد الميت ترك ولدا ثبت نسبه من المستلحق وتبعه نسب ابنه، وان لم يكن ترك ولدا لم يصح استلحاقه ولم يثبت نسبه ولا يرث منه المدعى شيئا لان نسبه منقطع بالموت فلم يصح استلحاقه، فإذا كان له ولد كان مستلحقا لولده وتبعه نسب الميت دليلنا أن هذا ولد نفاه باللعان فكان له استلحاقه كما لو كان حيا أو كان له ولد ولان ولد الولد يتبع نسب الولد، وقد جعل ابو حنيفة نسب الولد تابعا لنسب ابنه فجعل الاصل تابعا للفرع وذلك باطل فأما قول الثوري انه انما يدعى مالا، قلنا انما يدعى النسب والميراث والمال تبع له، فان قيل هو متهم في أن غرضه حصول الميراث.
قلنا ان النسب لا تمنع التهمة لحوقه، بدليل انه لو كان له أخ يعاديه فأقر بابن لرمه وسقط ميراث أخيه ولو كان الابن حيا وهو غنى والاب فقير فاستلحقه فهو متهم في ايجاب نفقته على ابنه ويقبل قوله، فكذلك ههنا، ثم كان ينبغى أن يثبت النسب ههنا لانه حق للولد ولا تهمة فيه، ولا يثبت الميراث المختص بالتهمة، ولا يلزمه من انقطاع التبع انقطاع الاصل ونخلص من كل ما سبق أن أربعة أحكام تعلقت باللعان، حقان عليه وحقان له، فما عليه وجوب الحد ولحوق النسب، وما له الفرقة والتحريم المؤبد، فإذا أكذب نفسه قبل قوله فيما عليه، فلزمه الحد والنسب فلم يقبل فيما له، فلم تزل الفرقة أو التحريم المؤبد وعن أحمد رواية: ان أكذب نفسه حلت له وعاد فراشه بحاله.
قال ابن قدامة هي رواية شاذة شذ بها حنبل عن أصحابه
стр. 2289
(فرع)
للمرأة في ملاعنته حق نفى الزنا ودرء الحد عن نفسها فإن هي أكذبت نفسها بعد أن لاعنته وجب أن يقام الحد عليها لان حق الزنا عليها قد أضاعته بلعانها فعاد بإكذابها.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وإن مات الزوج قبل اللعان وقعت الفرقة بالموت وورثته الزوجة لان الزوجية بقيت إلى الموت، فإن كان هناك ولد ورثه، لانه مات قبل نفيه، وما وجب عليه من الحد أو التعزير بقذفها سقط بموته، لانه اختص ببدنه وقد فات، وإن ماتت الزوجة قبل لعان الزوج وقعت الفرقة بالموت وورثها الزوج، لان الزوجية بقيت إلى الموت، وإن كان هناك ولد فله أن يلاعن لنفيه، لان الحاجة داعية إلى نفيه، فإن طالبه ورثتها بحد القذف لاعن لاسقاطه، ولا يسقط من الحد لو لم يلاعن شئ لحقه من الارث كما يسقط ما لها عليه من القصاص، لان القصاص ثبت مشتركا بين الورثة، فإذا سقط ما يخصه بالارث سقط الباقي وحد القذف يثبت جميعه لكل واحد من الورثة، ولهذا لو عفا بعضهم عن حقه كان للباقين أن يستوفوا الجميع، فان مات الولد قبل أن ينفيه باللعان جاز له نفيه باللعان، لانه يلحقه نسبه بعد الموت فجاز له نفيه، وإذا نفاه لم يرثه لانا تبينا باللعان أنه لم يكن ابنه.
(فصل)
إذا قذف امرأته وامتنع من اللعان فضرب بعض الحد ثم قال أنا ألاعن سمع اللعان وسقط ما بقى من الحد، وكذلك إذا نكلت المرأة عن اللعان فضربت بعض الحد، ثم قالت أنا ألاعن سمع اللعان وسقط بقية الحد، لان ما أسقط جميع الحد أسقط بعضه كالبينة
(فصل)
إذا قذفها ثم تلاعنا ثم قذفها نظرت - فان كان بالزنا الذى تلاعنا
عليه - لم يجب عليه حد لان اللعان في حقه كالبينة، ولو أقام البينة على القذف ثم أعاد القذف لم يجب الحد، فكذلك إذا لاعن وإن قذفها بزنا آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
انه لا يجب الحد، لان اللعان في حقه كالبينة، ثم بالبينة يبطل إحصانها فكذلك باللعان
(والثانى)
يجب عليه
стр. 2290
الحد، لان اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إلى قذف الزوجة، وقد زالت الزوجية باللعان فزالت الحاجة إلى القذف فلزمه الحد، وان تلاعنا ثم قذفها أجنبي حد، لان اللعان حجة يختص بها الزوج فلا يسقط به الحد عن الأجنبي فان قذفها ولاعنها ونكلت عن اللعان فحدت فقد اختلف أصحابنا فيها، فقال أبو العباس: لا يرتفع احصانها إلا في حق الزوج، فان قذفها أجنبي وجب عليه الحد لان اللعان حجة اختص بها الزوج فلا يبطل به الاحصان إلا في حقه.
وقال أبو إسحاق: يرتفع احصانها في حق الزوج والاجنبى، فلا يجب على واحد منهما الحد بقذفها، لانها محدودة في الزنا فلم يحد قاذفها، كما لو حدت بالاقرار أو البينة (الشرح) الاحكام: إذا قذفها ثم مات قبل لعانها أو قبل اتمام لعانه سقط اللعان ولحقه الولد وورثته في قول جميع الفقهاء، ولان اللعان لم يوجد فلم يثبت حكمه.
وان مات بعد أن أكمل لعانه فقد بانت بلعانه ولو لم تلاعن هي، وسقط التوارث بينهما وانتفى الولد ولزمها الحد الا أن تلتعن وقال أحمد: ان مات بعد أن أكمل لعانه وقبل لعانها فكمن مات قبل أن يتم لعانه أو قبل أن يلاعن يسقط اللعان ويلحقه الولد وترثه.
لان أحكام اللعان مترتبة على اللعان عنده.
وتمامه أن تلاعن هي دليلنا قول ابن عباس رضى الله عنهما: ان التعن لم يرث.
ونحو ذلك عن الشعبى
وعكرمة.
لان اللعان يوجب فرقة تبين بها فيمنع التوارث.
كما لو التعن في حياتها وقال أحمد: ان مات على الزوجية فورثها كما لو لم يلتعن.
ولان اللعان سبب الفرقة فلم يثبت حكم بعد موتها كالطلاق.
وفارق اللعان في الحياة فانه يقطع الزوجية.
على أنهم قالوا: لو لاعنها ولم تلتعن هي لم تنقطع الزوجية أيضا فههنا أولى.
وقال الشافعي رضى الله عنه " ان كان ثم ولد يريد نفيه فله أن يلتعن " وهذا ينبنى على أصل - وهو أن اللعان انما يكون بين الزوجين - فان لعان الرجل وحده يثبت به الحكم.
وعند أحمد بخلاف ذلك.
فان كانت طالبت بالحد في حياتها - فان كان للمرأة وارث غير الزوج - فله اللعان ليسقط الحد عن
стр. 2291
نفسه، وإلا فلا لعدم الحاجة إليه.
وقال أصحاب أحمد: إن أولياءها يقومون في الطلب به مقامها - فإن طولب به فله إسقاطه باللعان وإلا فلا، لانه لا حاجة إليه مع عدم الطلب فإنه لا حد عليه (فرع)
إذا مات المقذوف قبل المطالبة بالحد فإنه يورث كالمطالب سواء بسواء، لقول النَّبِيِّ ﷺ " مَنْ تَرَكَ حقا فلورثته " ولانه حق ثبت في الحياة يورث إذا طالب به فيورث وإن لم يطالب به كحق القصاص وقال أحمد: إنه حد تعتبر فيه المطالبة فإذا لم يوجد الطلب من المالك لم يجب كحد القطع في السرقة.
(فرع)
فإن لم يكذب نفسه ولكن لم يكن له بينة ولم يلاعن أقيم عليه، فإن أقيم عليه بعضه وقال أنا ألاعن قبل منه لان اللعان يسقط جميع الحد فيسقط بعضه كالبينة، فإن ادعت زوجته أنه قذفها بالزنا فأنكر فأقامت عليه بينة أنه قذفها بالزنا، فقال صدقت البينة وليس ذلك قذفا، لان القذف الرمى بالزنا كذبا وأنا صادق فيما رميتها به لم يكن ذلك إكذابا لنفسه لانه مصر على رميها بالزنا، وله
إسقاط الحد باللعان، ومذهب أحمد رضى الله عنه في هذا كمذهبنا وكذلك نقول فيمن نكلت عن اللعان فضربت بعض الحد ثم قالت أنا ألاعن فإنه يسقط ما بقى من الحد، لان اللعان يسقط الحد كله، فلان يسقط بعضه أولى ولان اللعان قام مقام البينة فأوقف الحد وأسقط باقيه (مسألة) إن قذفها في الزوجية ولاعنها ثم قذفها بالزنا الاول فلا حد عليه لانه قد حققه بلعانه، وعند أصحاب أحمد يحتمل أن يحد كما لو قذفها به أجنبي.
أما إذا قذفها بزنا آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يجب عليه الحد، لان الله تعالى قال " والذين يرمون المحصنات " فاشترط لاقامة الحد بالقذف أن تكون المقذوفة منعوتة بالاحصان، فإذا لاعنها فقد زال إحصانها، لان اللعان كالبينة.
(والثانى)
يجب عليه الحد، لان اللعان لا يسقط إلا ما يجب بالقذف في الزوجية لحاجته إليه، وقد صارت باللعان أجنبية عنه فزالت الحاجة إلى القذف، وفى القذف بغير حاجة إشاعة للفاحشة بين الذين آمنوا فوجب الحد.
وبهذا قال
стр. 2292
ابن عباس والزهرى والشعبى والنخعي وقتادة ومالك وأبو عبيد وأحمد بن حنبل، (فرع)
إذا قذفها أجنبي بعد لعانه فإن كانت قد درأت عن نفسها الحد باللعان أقيم على الأجنبي الحد قولا واحدا، وان نكلت فقد اختلف أصحابنا، فعلى قول أبى العباس بن سريج يجب حده لانه لم يرتفع احصانها الا في حق الزوج.
وعلى قول أبى اسحاق المروزى يرتفع احصانها مطلقا فلا يجب على أحد الحد بقذفها، لانها محدودة باللعان كما لو حدت بالاقرار أو بالبينة قال ابن قدامة: فأما ان أقام بينة فقذفها قاذف بذلك الزنا أو بغيره فلا حد عليه لانه قد زال احصانها، ولان هذا القذف لم يدخل المعرة عليها، وانما دخلت المعرة بإقامة البينة، ولكنه يعزر تعزير السب والاذى.
وهكذا كل من قامت البينة بزناه لا حد على قاذفه.
وبه قال الشافعي وأصحاب الرأى، ولكنه يعزر تعزير الاذى والسب ولا يملك الزوج اسقاطه عن نفسه باللعان لما قدمناه.
اه.
والله تعالى أعلم بالصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
تم الجزء السابع عشر ويليه الجزء الثامن عشر وأوله كتاب الايمان
стр. 2293
قال المصنف رحمه الله تعالى:
كتاب الأيمان
(باب من تصح يمينه وما تصح به اليمين)
تصح اليمين من كل مكلف مختار قاصد إلى اليمين لقوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان " وأما غير المكلف كالصبي والمجنون والنائم فلا تصح يمينه لقوله ﷺ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يفيق " ولانه قول يتعلق به وجوب حق فلا يصح من غير مكلف كالبيع، وفيمن زال عقله بالسكر طريقان على ما ذكرناه في الطلاق.
وأما المكره فلا تصح يمينه لما روى واثلة بن الاسقع وأبو أمامة ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " ليس على مقهور يمين " ولانه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح، كما لو أكره على كلمة الكفر.
وأما من لا يقصد اليمين وهو الذي يسبق لسانه إلى اليمين، أو أراد اليمين على شئ فسبق لسانه إلى غيره فلا تصح يمينه لقوله " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " وروى
عن أبن عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ أنهم قاوا " هو قول الرجل لا والله، ويلي والله " ولان ما سبق إليه اللسان من غير قصد لا يؤاخذ به، كما لو سبق لسانه إلى كلمة الكفر.
(الشرح) قوله تعالى " باللغو " مصدر لغا يلغو ويلغي وبابه نصر وعلم إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو بما لاخير فيه.
قال ابن بطال بما لاقصد له فيه.
وفي الحديث " إذا قلت لصاحبك والامام يخطب أنصت فقد لغوت " ولفظ أبى هريرة " فقد لغيت " قال العجاج ورب أسراب حجيج كظئم عن اللغا ورفث التكلم وقال الفرزدق: ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم
стр. 2294
واختلف في سبب نزول الآية، فقال ابن عباس سبب نزولها الرهط الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم، حلفوا على ذلك، فلما نزلت " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " قالوا كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية.
قال القرطبي والمعنى على هذا القول، إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها، أي أسقطتم حكمها بالتكفيرة وكفرتم فلا يؤاخذكم الله بذلك، وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه - أي فلم تكفروا - فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا.
وهو دليل الشافعي رضى الله عنه على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال وأن تحريم الحلال لغو كما أن تحليل الحرام لغو.
اه وروى أن عبد الله بن رواحة كان له أيتام وضيف، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل فقال أعشيتم ضيفي؟ فقالوا انتظرناك، فقال لا والله لا آكله الليلة فقال ضيفه وما أنا بالذي يأكل.
وقال أيتامه ونحن لا نأكل، فلما رأى ذلك أكل وأكوا، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال له " أطعت الرحمن
وعصيت " فنزلت الآية وفي البخاري في آية البقرة " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يوأخذكم بما كسبت قلوبكم " عن عائشة رضى الله عنها أنها نزلت في قول الرجل لا والله وبلى والله.
وقيل اللغو ما يحلف به على الظن فيكون بخلافه.
قاله مالك حكاه ابن القاسم عنه.
قال القرطبي وقال به جماعة من السلف قرأ حمزة والكسائي وشعبة عن عاصم (عقدتم) بالتخفيف بلا ألف، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر " عاقدتم " بألف بوزن فاعل (١) وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف.
قال مجاهد معناه تعمدتم أي قصدتم.
وروى عن أبن عمر أن التشديد يقتضي التكرار، فلاتجب عليه الكفارة إلا إذا كرر، وهذا يرده ماروى إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " إنى والله، ان شاء الله لاأحلف على يمين فأرى غيرها
стр. 2295
خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر قال أبو عبيد التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا وهذا قول خلاف الاجماع كما يقول القرطبي.
وروى عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة.
قيل لنافع ما معنى وكد اليمين؟ قال أن يحلف على الشئ مرارا وقال الجكني في أضواء البيان والتضعيف والمفاعلة معناهما مجرد الفعل بدليل
قراءة (عقدتم) بلا ألف ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضا، وما في قوله (بما عقدتم) مصدرية على التحقيق لا موصولة، كما قاله بعضهم زاعما أن ضمير الربط محذوف اه وقال القرطبي في الآية (عقدتم) مخفف القاف من العقد، والعقد على ضربين حسى كعقد الحبل وحكمي كعقد البيع.
قال الشاعر (١) قوما إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا فاليمين المنعقدة منفلعة من العقد، وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم، فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما يأتي.
وحديث رفع القلم وقع في رواية لاحمد في مسنده وأبى داود والنسائي والحاكم في الصحيح عن عائشة بلفظ " رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر " وفي رواية لهم عن علي وعمر رضى الله عنهما " رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي
стр. 2296
حتى يحتلم " والرفع لا يقتضى تقدم وضع كما في قول يوسف ﵇ " انى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله " وهو لم يكن على ملتهم أصلا.
وكذا في قول شعيب " قد افترينا على الله كذبا ان عدنا في ملتكم بعد اذنجانا الله منها " ومعلوم أن شعيبا لم يكن على ملتهم قط.
وأخرجه الدارقطني: انا أبو بكر النيسابوري
نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم نا عبد الله بن وهب أخبر جرير بن حازم عن سليمان ابن مهران عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال " مر علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت فأمر عمر بزحمها فردها على وقال لعمر: أما تذكر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاثة.
عن المجنون المغلوب على عقله.
وعن النائم حتى يستيقظ.
وعن الصبي حتى يحتلم؟ قال: صدقت فخلى عنها ".
وأخرج البخاري قول على تعليقا في باب الطلاق والرجم.
ووصله البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد عن شعبه عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهي حبلى فأراد أن يرجمها فقال له علي: أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة فذكره وتابعه ابن نمير ووكيع وغير واحد عن الاعمش ورواه جرير بن حازم عن الاعمش فصرح فيه بالرفع.
أخرجه أبو داود وابن حبان من طريقه.
وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي ظبيان مرفوعا وموقوفا لكن لم يذكر فيهما ابن عباس جعله عن أبي ظبيان عن على.
ورجح الموقوف على المرفوع.
ولفظ الحديث المرفوع " مر بمجنونة بنى فلان قد زنت فأمر عمر برجمها فردها علي وقال لعمر: أما تذكر " الحديث.
ورواية جرير بن حازم متصل لكن أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها.
وفي رواية أبي داود والنسائي أتى عمر بامرأة فذكر الحديث وفيه فخلى علي سبيلها.
فقال عمر، ادعو إلى عليا فقال: يا أمير المؤمنين أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: إلخ.
أما حديث واثلة وأبي أمامه فقد أخرجه الدارقطني: نا أبو بكر محمد بن الحسن المقري نا الحسين بن ادريس عن خالد بن الهياج نا أبى عن عنبسه بن عبد الرحمن عن العلاء عن مكحول عن واثلة بن الاسقع وعن أبي أمامه قَالَا " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 2297
صلى الله عليه وسلم: ليس على مقهور يمين " هكذا أخرجه الدارقطني وفي اسناده عنبسة.
قال البخاري: تركوه وروى الترمذي عن البخاري ذاهب الحديث.
وقال أبو حاتم: كان يضع الحديث أما جده عنبسة بن سعيد بن العاص فثقة تابعي كان أحد الاشراف يروى عن أبى هريرة وأنس وثقه ابن معين وأبو داود، وأما حفيده هذا فقد قال في التنقيح في حديث: ليس على مقهور يمين حديث منكر بل موضوع، وفيه جماعة ممن لا يجوز الاحتجاج بهم اه.
والحسين بن ادريس عن ابن الهياج.
قال ابن أبى حاتم كتب إلى بجزء من حديثه فأول حديث فيه باطل والثاني باطل والثالث ذكرته لعلى بن الجنيد فقال أحلف بالطلاق أنه حديث ليس له أصل.
وكذا هو عندي فلا أدرى البلاء منه أو من خالد بن هياج اه من الميزان.
أما الاحكام فإن اللغو ما يجرى على لسان الانسان من غير قصد كقوله: لا والله وبلى والله، وبهذا قالت عائشة في احدى الروايتين عنها.
وروى عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه والشعبي وعكرمة في أحد قوليه وعروة وأبى صالح والضحاك في أحد قوليه وأبى قلابة والزهري كما جاء في ابن كثير والقرطبي وأضواء البيان وغيرها وذهب مالك إلى أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده فيظهر نفيه، وقال انه أحسن ما سمعه في معنى اللغو، وهو مروي أيضا عن عائشة وأبى هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه وابراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن وزرارة بن أوفى وأبى مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد الله وأحد قولى عكرمة وحبيب بن أبى ثابت والسدى ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيعة.
وقال في أصواء البيان والقولان متقاربان واللغو يشملهما، لانه في الاول لم يقصد عقد اليمين أصلا، وفي الثاني لم يقصد الا الحق والصواب.
قال أبو هريرة: إذا حلف الرجل على الشئ لا يظن الا أنه اياه، فإذا ليس هو فهو لغو، وليس فيه كفارة.
وقال الحنابلة ان نوى بيمينه ما يحتمله انصرفت يمينه إليه سواء موافقا لظاهر اللفظ أو مخالفا له
стр. 2298
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا عبرة بالنية، والسبب فيما يخالف لفظه لان الحنث مخالفة ما عقد عليه اليمين واليمين لفظه، فلو أحنثناه على ما سواه لاحنثناه على ما نوى لا على ما حلف، ولان النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين فكذلك لا يحنث بمخالفتها.
(فرع)
من ذهب عقله بالسكر فحلف هل ينعقد يمينه؟ وجهان، أصحهما: ينعقد للتغليظ عليه، وقد مضى بحيث ضاف له في الطلاق فارجع إليه: (فرع)
قال الصنعانى في سبل السلام في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري موقوفا وأخرجه أبو داود مرفوعا في قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " هو قول الرجل لا والله وبلى والله، قال: فيه دليل على أن اللغو من الايمان مالا يكون عن قصد الحلف، وإنما جرى على اللسان من غير إرادة الحلف وإلى تفسير اللغو بهذا ذهب الشافعي وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين، وذهب الهادوية والحنفية إلى أن لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظن صدقه فينكشف خلافه، وذهب طاوس إلى أنها الحلف وهو غضبان، ثم قال: وتفسير عائشة أقرب لانها شاهدت التنزيل وهي عارفة بلغة العرب.
(مسألة) قوله: وأما المكره فلا تصح يمينه، وقد استدل المصنف بحديث واثلة وأبى أمامة، وقد أوضحنا أنه يدور بين النكارة والوضع، فلا يستحق الاستدلال به، وأما الدليل الصحيح السليم الصالح للتمسك به فقوله، ولانه قول
حمل عليه بغير حق فلم يصح كما لو أكره على كلمة الكفر، وهذا صحيح إذا أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشى على نفسه الهلاك أنه لاإثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالايمان، ولاتبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر هذا قول مالك والشافعي والكوفيين غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الاسلام، وتبين منه إمرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلما.
قال القرطبي: وهذا قول يرده الكتاب والسنة قال تعالى " إلا من أكره " الآية وقال " الا أن تتقوا منهم تقاة " وقال " الا المستضعفين من الرجال والنساء
стр. 2299
واولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم " فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون الا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به، قاله البخاري، فلما سمح الله بالكفر به لمن أكره وهو أصل الشريعة ولم يؤاخذ به حمل عليه أهل العلم فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الاكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم، وبه جاء الاثر الْمَشْهُورِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ويقول القاضي ابن العربي: والخبر وان لم يصح سنده فان معناه صحيح باتفاق من العلماء، وذكر أبو محمد عبد الحق أن اسناده صحيح قال: وقد ذكره أبو بكر الاصيلي في الفوائد وابن المنذر في الاقناع.
إذا ثبت هذا: فإن يمين المكره غير لازمة عند مالك والشافعي وأبى ثور وأكثر العلماء قال ابن الماجشون وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذا أكره على اليمين، وقال أصبغ: بقوله، وقال مطرف: ان أكره على اليمين
فيما هو لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة، وأن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذوا لوالى رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب الخمر أو لا يفسق أولا يغش في عمله أو الوالد يحلف ولده تأديبا له فإن اليمين تلزم، وان كان المكره قد أخطا فيما يكلف من ذلك، وقال بهذا ابن حبيب وقال أبو حنيفة ومن أتبعه من الكوفيين انه ان حلف ألا يفعل ففعل حنث، قالوا لان المكره له أن يورى في يمينه كلها فلما لم يور ولاذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين.
قال القاضي أبو بكر بن العربي.
ومن غريب الامر أن علماء - يعني علماء المالكية - اختلفوا في الاكراه على الحنث هل يقع به أم لا؟ وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم، لا كانت هذه المسألة ولا كانوا، وأى فرق يا معاشر أصحابنا بين الاكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع: فاتقوا الله وراجعوا بصائركم ولا تغتروا بهذه الرواية فإنها وصمة في الدراية اه.
стр. 2300
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
ويصح اليمين على الماضي والمستقبل، فان حلف على ماض وهو صادق فلا شئ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ اليمين على المدعي عليه، ولايجوز أن يجعل اليمين عليه إلا وهو صادق، فدل على أنه يجوز أن يحلف على ما هو صادق فيه.
وروى محمد بن كعب القرظي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قال وهو على المنبر وفي يده عصا " يأ أيها الناس لا يمنعكم اليمين عن أخذ حقوقكم فو الذي نفسي بيده أن في يدي عصا " وان كان كاذبا وهو أن يحلف على أمر أنه كان ولم يكن أو على أمر أنه لم يكن وكان أثم بذلك وهى اليمين الغموس، والدليل عليه
ماروى عن الشعبي رضى الله عنه عن عبد الله بن عمر قال " جاء رجل أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يارسول الله ما الكبائر؟ قال الشرك بالله.
قال ثم ماذا؟ قال عقوق الوالدين، قال ثم ماذا؟ قال اليمين الغموس " قيل للشعبي ما اليمين الغموس قال الذي يقتطع بها مال إمرئ مسلم وهو فيها كاذب.
وروى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ " من حلف على يمين وهو فاجر ليقتطع بها مال إمرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان " وإن كان على مستقبل نظرت - فإن ان على أمر مباح - ففيه وجهان.
(أحدهما)
الاولى أن لا يحنث لقوله " ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها " (والثاني) أن الاول أن يحنث لقوله " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مستحب، فالاولى أن يحنث لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير ".
(الشَّرْحُ) قَوْلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ اليمين على المدعى عليه، وذلك لحديث البينة على من ادعى واليمين على المدعى عليه.
وقد مضى تخريجه في البيوع في اختلاف المتايعين.
стр. 2301
وحديث الشعبى عن ابن عمر وأخرجة البخاري باللفظ الذي ساقه المصنف وقوله " قلت " ظاهره أن السائل عبد الله بن عمرو راوي الحديث والمجيب هو النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون السائل غير عبد الله لعبد الله وعبد الله المجيب، والاول أظهر وقال الشيخ الخولى في تعليقه على سبل السلام: الذي حققه الحافظ في الفتح
وحمد الله عليه أن السائل فراس والمسؤول عامر الشعبي.
وحديث ابن مسعود أخرجه أحمد فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ ماجه عن عبد الله بن مسعود والاشعث بن قيس بلفظ " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان " وحديث أم سلمه رضى الله عنها أخرجه الطبراني باللفظ الذي ساقه المصنف ويؤخذ على المصنف استشهاده برواية الطبراني، مع أنه ورد في الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فاءت الذي هو خير وكفر عن يمينك " وفي لفظ عندهما " فكفر عن يمينك واءت الذي هو خير " وفي لفظ " إذا حلفت على يمين فكفر عن يمينك واءت الذي هو خير " رواه النسائي وأبو داود وهو صريح في تقديم الكفارة.
وأخرجه مسلم عن عدى بن حاتم قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير " وفي لفظ رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن عدي بن حاتم أيضا " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي وصححه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " وفي لفظ لمسلم " فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " وأخرجه الشيخان عن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير تحللتها " وفي لفظ عند الشيخين " إلا كفرت عن يمينى وفعلت الذي هو خير " وعندهما " إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني "
стр. 2302
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عند أبي داود والنسائي مرفوعا " لانذر ولا يمين فيما لا تملك ولا في معصية ولا في قطيعة رحم.
ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها وليأت الذي هو خير فإن تركها كفارتها " وذكره البيهقى وقال لم يثبت وقال أبو داود: الاحاديث كلها عن النبي ﷺ " وليكفر عن يمينه " إلا مالا يعبأ به، قال الحافظ في الفتح: ورواته لا بأس بهم.
وقد استدل بحديث أم سلمة على أن الكفارة يجب تقديمها على الحنث، ولا يعارض ذلك الروايات التي سقناها وفيها " فاءت الذي هو خير وكفر " لان الواو لاتدل على ترتيب، إنما هي لمطلق الجمع، على أن الواو لو كانت تفيد ذلك لكانت الرواية التي فيها " فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير " تخالفها.
وكذلك بقية الروايات المذكورة آنفا، قال ابن المنذر: رأى ربيعة والاوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الامصار غير أهل الرأى أن الكفارة تجزى قبل الحنث، إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال لا يجزى إلا بعد الحنث.
وقال أصحاب الرأى: لاتجزئ قبل الحنث.
وعن مالك روايتان.
ووافق الحنفية أشهب عن المالكية وداود الظاهرى وخالفه ابن حزم، واحتج له الطحاوي بقوله تعالى (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) فإن المراد إذا حلفتم فحنثتم ورده مخالفوه فقالوا: إذا أردتم الحنث قال الحافظ بن حجر: وأولى من ذلك أن يقال التقدير أعم من ذلك، فليس أحد التقديرين بأولى من الآخر، وسيأتى لهذا البحث مزيد في الكلام على الكفارة قوله " ويصح اليمين على الماضي والمستقبل " وجملة ذلك أن اليمين على الماضي تنقسم ثلاثة أقسام، ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا.
وما تعمد الكذب فيه فهو يمين الغموس، وقد اختلف في كفارتها وسيأتي بيانها، واليمين على المستقبل، وهو ما عقد عليه قلبه وقصد اليمين عليه ثم خالف فعليه الكفارة.
وما لم يعقد عليه قلبه ولم يقصد اليمين عليه، وانما جرت على لسانه فهو من لغو اليمين، وكلام عائشة يدل على هذا فإنها قالت: أيمان اللغو ما كان في المراء والمزاحة والهزل.
стр. 2303
وقال الثوري في جامعه: الايمان أربعة، يمينان يكفران، وهو أن يقول الرجل: والله لاأفعل فيفعل، أو يقول: والله لافعلن ثم لا يفعل، ويمينان لا يكفران أن يقول والله ما فعلت وقد فعل، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل.
(قلت) ونحن ننازع الثوري في هذا وإن خالفنا في هذا النزاع من وافق الثوري على ما ذهب كالامام أحمد والامام مالك وأصحاب الرأى وغيرهم.
ذلك أن الشعبي يقول بما رواه الدارقطني في سننه حدثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا خلف بن هشام ثنا عبثر عن ليث عن حماد عن ابراهيم بن علقمة عن عبد الله قال: الايمان أربعة يمينان يكفران ويمينان لا يكفران وذكرهن قال المروزى " أما اليمينان الاوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان، وأما اليمينان الاخريان فقد اختلف فيهما أهل العلم، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأى.
وكذلك قال أحمد وأبو عبيد.
وقال الشافعي لاإثم عليه وعليه الكفارة.
ثم قال، وقد قال بعض التابعين بقول الشافعي ولكني أميل إلى قول مالك وأحمد هكذا نقله القرطبي في جامع أحكام القرآن واختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا؟ فمذهبنا أنها يمين منعقدة لانها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله تعالى وفيها الكفارة قال ابن المنذر، ذهب مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ المدينة إلى أنها يمين مكر
وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها.
وبه قال الاوزاعي ومن وافقه من أهل الشام، وهو قول الثوري وأهل العراق، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأصحاب الرأى من أهل الكوفة ولنا أنها يمين مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى فوجب فيه الكفارة.
(مسألة) قال القرطبي الاخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين.
قال ابن العربي " الآية وردت بقسمين، لغو ومنعقدة، وخرجت على الغالب في أيمان الناس، فرع
стр. 2304
ما بعدها يكون مائة قسم، فإنه لم تعلق عليه كفارة قال القرطبي، قلت خرج البخاري عن عبد الله بن عمرو قَالَ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يارسول الله ما الكبائر؟ قال الاشراك بالله، قال ثم ماذا.
؟ قال عقوق الدين قال ثم ماذا؟ قال اليمين الغموس، قلت وما اليمين الغموس؟ قال التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب " وخرج مسلم عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل وان كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال وان كان قضيبا من أراك " أه قلت وظاهر مذهب أحمد أنه لا كفارة في اليمين الغموس، والغموس اسم فاعل لانها تغمس صاحبها في الاثم لانه حلف كاذبا على علم منه، وطعنة غموس أي نافذة، وأمر غموس أي شديد.
وقال ابن قدامة وروى عن أحمد أن فيها الكفارة.
وروى ذلك عن عطاء والزهرى والحكم والبتى، وهو قول الشافعي، لانه وجدت منه اليمين بالله تعالى والمخالفة مع القصد فلزمته الكفارة كالمستقبلة.
ثم قال ولنا أنها يمين غير منعقدة فلا توجب الكفارة كاللغو أو يمين على ماض فأشبهت اللغو.
(قلت) إن وجوب الكفارة عندنا لا يقلل من شأن الغموس، بل إن تعاظم الغموس يقتضى التغليظ على الحالف إذا أراد التوبة.
وفي أداء الكفارة إشعار كامل بدخوله ساحة التوبة، وبدون ذلك لا يكون (فرع)
قوله فإن كان على أمر مباح الخ " وجملة ذلك أن المباح مثل الحلف على فعل مباح أو تركه، والحلف على الخبر بشئ هو صادق فيه أو يغلب على ظنه الصدق فيه، فإن الله تعالى يقول " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " فإن كان على فعل شئ مباح أو تركه فإن فيه الكفارة إذا حنث في الابرار بالقسم.
قوله - فإن حلف على مكروه - ومثله إذا حلف على ترك مندوب.
قال الله تعالى " ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "
стр. 2305
وروينا أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه حلف لا ينفق على مسطح بعد الذي قال لعائشة ما قال، وكان من جملة أهل الافك الذين تكلموا في عائشة رضى الله عنها فأنزل الله تعالى " ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا " واليمين على ذلك مانعة من فعل الطاعة أو حاملة على فعل المكروه فتكون مكروهة ويمكن أن يرد على هذا أنها لو كانت مكروهة لانكر النبي ﷺ على الاعرابي الذي سأله عن الصلوات فَقَالَ: هَلْ عَلِيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: لَا إلَّا أن تطوع فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها ولان أنقص منها " ولم ينكر عليه بل قال " أفلح الرجل إن صدق " ونجيب بأنه لا يلزم من هذا جواز الحلف على
ترك المندوبات، إذ أن اليمين على ترك التطوع لا تزيد على تركها، ولو تركها لم ينكر عليه، ويكفي في ذلك بيان أن ما تركه تطوع، ولان هذه اليمين إن تضمنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجب والمحافظة عليه كله بحيث لا ينقص منه شيئا، وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع، فيترجح جانب الاتيان بها على تركها فيكون من قبيل المندوب فكيف ينكر؟ ولان في الاقرار على هذه اليمين بيان حكم محتاج إليه ألا وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به، فلو أنكر على الحالف لحصل ضد هذا وتوهم كثير من الناس لحوق الاثم بتركه يفوت الغرض.
ومن قبيل المكروه الحلف في البيع والشراء ففي سنن ابن ماجه عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن كعب بن مالك عن أبى قتادة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إياكم والحلف فإنه ينفق ثم يمحق " أي منفقة للسلعة ممحقة للبركة.
قال المصنف ﵀.
(فصل)
وتكره اليمين بغير الله عزوجل، فإن حلف بغيره كالنبي والكعبة والآباء والاجداد لم تنعقد يمينه، لما روى ابن عُمَرُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ كَانَ حالفا فلا يحلف الا بالله تعالى " وروى عن عمر رضى الله عنه قال " سمعنى رسول الله ﷺ أحلف بأبي
стр. 2306
فقال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فقال عمر رضى الله عنه: والله ما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا " وان قال: إن فعلت كذا وكذا فأنا يهودى أو نصراني أو أنا برئ من الله أو من الاسلام لم ينعقد يمينه: لما روى بُرَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال (من حلف أنه برئ من الاسلام، فإن كان كادبا فقد قال: وان كان صادقا فلم يرجع إلى الاسلام سالما) ولانه يمين بمحدث
فلم ينعقد كاليمين بالمخلوقات.
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أخرجه أحمد ومسلم والنسائي ولفظه (من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله، فكانت قريش تحلف بآبائها فقال: لا تحلفوا بآبائكم) وفي رواية عن ابن عمر عند أحمد والبخاري وَمُسْلِمٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ عمر وهو يحلف بأبيه فقال إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) .
وفي رواية عند الترمذي (أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة، فقال لا تحلف بغير الله فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك) قال الترمذي حسن وصححه الحاكم والتعبير بقوله: كفر أو أشرك سيأتي بيانه قريبا.
وحديث عمر أخرجه البخاري في الايمان والنذور عن سعيد بن نمير ومسلم فيه عن أبى الطاهر وأبو داود فيه عن أحمد بن حنبل: وعن أحمد بن يونس والنسائي فيه عن عمرو بن عثمان، وعن محمد بن عبد الله بن يزيد وعن سعيد بن عبد الرحمن وابن ماجه في الكفارات عن محمد بن يحيى بن أبى عمر وهو جزء من حديث ابن عمر الذي سقناه آنفا وليس فيه زيادة (ما حلف بها ذاكرا ولا آثرا) قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث عمر (ما حلفت بها ذاكرا ولا آثرا) أي ما تكلمت به حالفا من قولك ذكرت لفلان كذا وكذا أي قلته له، وليس من الذكر بعد النسيان اه.
وقال ابن منظور في لسان العرب، وفي حديث عمر رضى الله عنه قال، قال أبو عبيد أما قوله ذاكرا فليس من الذكر بعد النسيان إنما أراد متكلما به كقولك
стр. 2307
ذكرت لفلان حديث كذا وكذا.
وقوله ولا آثرا يريد مخبرا عن غيرى أنه
حلف به يقول.
لاأقول إن فلانا قال وأبى لاأفعل كذا وكذا أي ما حلفت به مبتدئا من نفسي ولا رويت عن أحد أنه حلف بها، ومن هذا قيل حديث مأثور أي يخبر الناس به بعضهم بعضا، أي ينقله خلف عن سلف، يقال منه أثرت الحديث فهو مأثور وأنا آثر، قال الاعشى.
إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والآثر اه (قلت) ومنه قوله تعالى (إن هذا إلا سحر يؤثر) أي يأخذه واحد عن واحد، ومثله قوله تعالى (أو أثارة من علم) .
أما حديث بريدة فقد أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وهو عندهم من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، وقد صححه النسائي، وقد أخرج الشيخان وأحمد وأصحاب السنن إلا أبا داود عن ثابت بن الضحاك (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال من حلف على يمين بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما قال وأخرج النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لاتحفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون) .
(أما الاحكام) فإن الحلف بغير الله تعالى وردت فيه أحاديث غير ما ذكرنا ما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عمر رفعه (من خلف بغير الله فقد كفر) وهو عند أحمد من هذا الوجه أيضا بلفظ (فقد كفر وأشرك) قال البيهقى لم يسمعه سعد بن عبيدة من أبن عمر، قال الحافظ ابن حجر قد رواه شعبة عن منصور عنه قال كنت عند ابن عمر ورواه الاعمش عن سعيد عن عبد الرحمن السلمى عن ابن عمر.
وفي التعبير بقوله كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بالتحريم.
قال الامام الشوكاني، قال العلماء السر في الحلف بغير الله أن الحلف بالشئ يقتضى تعظيمه والعظمة في الحقيقة انما هي لله وحده، فلا يخاف الا بالله
وذاته وصفاته وعلى ذلك اتفق الفقهاء، واختلف هل الحلف بغير الله حرام
стр. 2308
أو مكروه.
للمالكية والحنابلة قولان، ويجعل ما حكاه ابن عبد البر من الاجماع على عدم جواز الحلف بغير الله على أن مراده بنفى الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه.
وقد صرح بذلك في موضع أخر أه.
وقال القرطبى: لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته.
وقال أحمد ابن حنبل: إذا حلف بالنبي ﷺ انعقدت يمينه لانه حلف بما لايتم الايمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله، وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، وقد عده السيوطي من المتواتر في كتابه الازهار المتناثرة في الاحاديث المتواترة، وله شروط في التواتر انطبقت على أحاديث كثيره منها هذا الحديث (أنه صلى لله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) وهذا حصر في عدم الحلف بكل شئ سوى الله تعالى واسمائه وصفاته كما ذكرنا، ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالانداد ولا تحلفوا إلا بالله، ولا بالله إلا وأنتم صادقون) ثم ينتقض عليه بمن قال، وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه وقد حلف بما لايتم الايمان إلا به، وجمهور أصحابنا من الشافعية على أنه مكروه تنزيها وحزم ابن حزم بالتحريم.
وقال إمام الحرمين المذهب القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتفصيل، فان اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في الله تعالى كان بذلك الاعتقاد كافرا، ومذهب الهادوية أنه لا إثم في الحلف بغير الله ما لم يسو بينه وبين الله في التعظيم أو كان
الحلف متضمنا كفرا أو فسقا.
قال في الفتح: وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله: ففيه جوابان، أحدهما أن فيه حذفا والتقدير ورب الشمس ونحوه، والثاني أن ذلك يختص بالله فإذا أراد تعظيم شئ من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك: وأما ما وقع مما مخالف ذلك كقوله ﷺ للاعرابي (أفلح وأبيه إن صدق) فقد
стр. 2309
أجيب عنه بأجوبة (الاول) الطعن في صحة هذه اللفظة كما قال أبن عبد البر إنها غير محفوظة وقال إن أصل الرواية أفلح والله إن صدق فصحفها بعضهم، والثاني أن ذلك كان يقع من العرب ويجرى على ألسنتهم من دون قصد للقسم، والنهى إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، قاله البيهقى وقال النووي: إنه الجواب المرضى، والثالث انه كان يقع في كلامهم على وجهين للتعظيم والتأكيد.
والنهى انما وقع عن الاول، والرابع أن ذلك كان جائزا ثم نسخ، قاله الماوردى في الحاوي.
وقال السهيلي أكثر الشراح عليه، قال ابن العربي، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يحلف بأبيه حتى نهى عن ذلك، قال السهيلي، ولا يصح، لانه لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أنه كان يحلف بغير الله، ويجاب بأنه قبل النهى عنه غير ممتنع عليه، ولاسيما الاقسام القرآنية على ذلك النمط.
وقال المنذرى: دعوى النسخ ضعيفة لامكان الجمع ولعدم تحقق التاريخ.
والخامس أنه كان في ذلك حذف، والتقدير أفلح ورب أبيه، قاله البيهقى، والسادس أنه للتعجيب، قاله السهيلي (والسابع) أنه خاص به ﷺ وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والاحاديث كلها متظاهرة على أن الحلف بغير الله لا ينعقد
لان النهى يدل على فساد المنهى عنه: واليه ذهب الجمهور.
وقال ابن قدامة: ولايجوز الحلف بغير الله وصفاته نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو امام.
قال الشافعي أخشى أن يكون معصية، إلى أن قال: وأما قسم الله بمصنوعاته فإنما أقسم به دلالة على قدرته وعظمته ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، ولا وجه للقياس على اقسامه، وقد قيل ان في اقسامه اضمار القسم برب هذه المخلوقات، فقوله (والضحى) أي ورب الضحى اه.
(مسألة) في الرجل يقول هو يهودى أو نصراني، قال أبو حنيفة في الرجل يقول هو يهودى أو نصراني أو برئ من الاسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله: انها يمين تلزم فيها الكفارة ولا تلزم فيما إذا قال
стр. 2310
واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة، وإن كانت على صيغة الايمان ومتمسكه ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولانه أرادت أن تفرق بينه وبين أمراته فقالت: هي يوما يهودية ويوما نصرانية، وكل مملوك لهاحر، وكل مال لها في سبيل الله، وعليها مشى إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلى بينهما.
وخرج أيضا عنه قال: قالت مولاتي: لافرقن بينك وبين امرأتك، وكل مال لها في رتاج الكعبه وهي يوما يهودية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك، قال فانطلقت إلى أم سلمة فقلت إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي، فقالت انطلق إلى مولاتك، فقل لها إن هذا لا يحل لك، قال فرجعت إليها ثم أتيت ابن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب، فقال: هنها هاروت وماروت؟ فقالت: إنى جعلت كل مال لى في رتاج الكعبة، قال فمم تأكلين؟
قالت، وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية، فقال إن تهودت قتلت، وإن تنصرت قتلت، وان تمجست قتلت، قالت فما تأمرني؟ قال تكفري عن يمينك، وتجمعين بين فتاك وفتاتك.
إذا ثبت هذا فقد قال ابن المنذر اختف فيمن قال أكفر بالله ونحوه إن فعلت كذا ثم فعل، فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الامصار لا كفارة عليه ولايكون كافرا إلا إذا أضمر ذلك بقلبه.
وقال الاوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق هو يمين وعليه الكفارة قال ابن المنذر والاول أصح لقوله ﷺ من حلف بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ولم يذكر كفارة، زاد غيره، وكذا من قال بملة سوى الاسلام فهو كما قال، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه.
ونقل ابن القصار من المالكية عن الحنفية أنهم احتجوا لايجاب الكفارة بأن في اليمين الامتناع من الفعل، وتضمن كلامه بما ذكر تعظيما للاسلام، وتعقب ذلك بأنهم قالوا فيمن قال: وحق الاسلام، إذا حنث لا يجب عليه
стр. 2311
كفارة، فأسقطوا الكفارة إذا صرح بتعظيم الاسلام، وأثبتوها إذا لم يصرح قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشئ حقيقة هو القسم به وادخال بعض حروف القسم عليه كقوله والله، وقد يطلق على التعليق بالشئ يمين كقولهم من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق عليه الحلف لمشابهته لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع، وإذا تقرر ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله كاذبا والكذب يدخل القضية الاخبارية التي يقع مقتضاها تارة، ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا والله ما أشبهه، فليس الاخبار بها عن أمر خارجي، بل هي لانشاء القسم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين
(أحدهما)
أن تتعلق بالمستقبل، كقوله ان فعل كذا فهو يهودى.
(والثاني) تتعلق بالماضي كقوله ان كان كاذبا فهو يهودى، وقد يتعلق بهذا من لم ير فيه الكفارة بل جعل المرئب على كذبه، قال ولا يكفر في صورة الماضي الا ان قصدا التعظيم، وفيه خلاف عند الحنفية لكونه تنجيز معنى، فصار كما لو قال هو يهودي، ومنهم من قال: إذا كان لا يعلم أنه يمين لم يكفر، وان كان يعلم أنه يكفر بالحنث به كفر لكونه رضى بالكفر حيث أقدم على الفعل.
وقال بعض أصحابنا: ظاهر الحديث أنه يحكم عليه بالكفر إذا كان كاذبا، والتحقيق التفصيل، فإن اعتقد تعظيم ما ذكر كفر، وان قصد حقيقة التعليق فينظر - فإن كان أراد أن يكون متصفا بذلك كفر - لان ارادة الكفر كفر وان أراد البعد عن ذلك لم يكفر، لكن هل يحرم عليه ذلك أو يكره تنزيها؟ الثاني هو المشهور، وقوله في حديث بريدة، فإن كان كاذبا زاد في البخاري ومسلم " متعمدا " قال القاضي عياض: تفرد بهذه الزيادة سفيان الثوري وهى زيادة حسنة يستفاد منها أن الحالف متعمدا ان كان مطمئن القلب بالايمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر، وان قاله معتقدا لليمين بتلك الملة لكونه حقا كفر، وان قالها لمجرد التعظيم لها احتمل.
قال الحافظ وينقدح بأن يقال ان أراد تعظيمها باعتبار ما كانت قبل النسخ لم يكفر أيضا، قال ودعواه أن سفيان تفرد بها ان أراد بالنسبة إلى رواية مسلم
стр. 2312
فعسى أنه أخرجها من طريق شعبة عن أيوب وسفيان عن خالد الحذاء جميعا عن أبى قلابة، وقوله في الحديث " فهو كما قال ".
قال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون المراد بهذا الكلام التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم كأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال ونظيره " من ترك الصلاة فقد كفر " أي استوجب عقوبة من كفر.
وقال ابن المنذر:
ليس على إطلاقه في نسبته إلى الكفر، بل المراد أنه كاذب كذب المعظم لتلك الجهة اه.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وتجوز اليمين بأسماء وصفاته، فإن حلف من أسمائه بالله انعقدت يمينه، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: والله لاغزون قريشا، والله لاغزون قريشا: والله لاغزون قريشا، ثم قال إن شاء " وإن حلف بالرحمن، أو بالاله أو بخالق الخلق أو بيازى النسمة أو بالحى القيوم، أن بالحى الذي لا يموت، أو برب السموات والارضين، أو بمالك يوم الدين، أو برب العالمين، وما أشبه ذلك من الاسماء التي لا يشاركه فيها أحد، انعقدت يمينه، لانه لا يسمى بها غيره ولا يوصف بها سواه، فصار كما لو قال والله، فإن حلف بالرحيم والرب والقادر والقاهر والملك والجبار والخالق والمتكبر، ولم ينوبه غير الله انعقدت به يمينه، لانه لا تطلق هذه الاسماء الا عليه، وان نوى به غيره لم ينعقد، لانه قد تستعمل في غيره مع التقييد، لانه يقال، فلان رحيم القلب، ورب الدار، وقادر على المشي، وقاهر للعدو، وخالق للكذب، ومالك للبلد، وجبار متكبر، فجاز أن تصرف إليه بالنية.
فإن قال: والحى والموجود والعالم والمؤمن والكريم لم تنعقد يمينه الا أن ينوى به الله تعالى، لان هذه الاسماء مشتركة بين الله تعالى وبين الخلق مستعملة في الجميع استعمالا واحدا، فلم تنصرف إلى الله تعالى من غير نية كالكنايات في الطلاق، وان حلف بصفة من صفاته نظرت - فإن حلف بعظمة الله أو بعزته
стр. 2313
أو بكبريائه أو بجلاله أو ببقائه أو بكلامه - انعقدت يمينه، لان هذه الصفات
للذات لم يزل موصوفا بها، ولايجوز وصفه بضدها، فصار كاليمين بأسمائه وان قال الله وعلم الله ولم ينوبه المعلوم أو بقدرة الله ولم ينو به المقدور انعقدت يمينه، لان العلم والقدرة من صفات الذات لم يزل موصوفا بهما، ولايجوز وصفه بضدهما، فصارا كالصفات الستة، فإن نوى بالعلم المعلوم أو بالقدرة المقدور لم ينعقد يمينه، لانه قد يستعمل العلم في المعلوم، والقدرة في المقدور، ألا ترى أنك تقول اغفر لنا علمك فينا، وتريد المعلوم، وتقول انظروا إلى قدرة الله، وتريد به المقدور، فانصرف إليه بالنية.
فإن قال وحق الله وأراد به العبادات لم ينعقد يمينه، لانه يمين بمحدث، وان لم ينو العبادات انعقدت يمينه، لان الحق يستعمل فيما يستحق من العبادات ويستعمل فيما يستحقه الباري من الصفات وذلك من صفات الذات، وقد انضبم إليه العرف في الحلف به فانعقدت به اليمين من غير نية.
(فصل)
وان قال على عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته، فإن أراد به ما أخذ علينا من العهد في العبادات فليس بيمين لانه يمين بمحدث، وان أراد بالعهد استحقاقه ما تعبدنا به فهو يمين لانه صفة قديمة، وان لم يكن له نية ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يمين، لان للعادة الحلف بها والتغليظ بألفاظها كالعادة بالحلف بالله والتغليظ بصفاته كالطالب الغالب والمدرك المهلك (والثاني) ليس بيمين لانه يحتمل العبادات، ويحتمل ما ذكرناه من استحقاقه ولم يقترن بذلك عرف عام وانما يحلف به بعض الناس وأكثرهم لا يعرفونه فلم يجعل يمينا.
(الشرح) حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود عن عكرمة عنه، قال أبو داود انه قد أسنده غير واحد عن عكرمة عن أبن عباس، وقد رواه البيهقى موصولا ومرسلا.
قال ابن أبى حاتم الاشبه ارساله.
وقال ابن حبان في الضعفاء رواه مسعر وشريك أرسله مرة ووصله أخرى.
أما اللغات: فقوله " أو ببارئ النسمة " أي خالق الانسان، والبارئ هو الذي خلق الخلق لا عن مثال.
قال في النهاية: ولهذه اللفظة من الاختصاص
стр. 2314
بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والارض اه والنسمة: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهى نسمة وإنما يريد الناس ومنه حديث على " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة " أي خلق ذات الروح، وكثيرا ما كان يقولها إذا اجتهد في يمينه، وقوله " خالي للكذب " يقال: خلق الافك واختلقه وتخلقه أي افتراه، ومنه قوله تعالى " وتخلقون إفكا " و " إن هذا إلا اختلاق " وأما الخالق بالالف واللام فإنها صفة لا تجوز لغير الله تعالى وأصل الخلق التقدير يقال: خلفت الاديم للسقاء إذا قدرته له، وخلق الرجل القول خلقا افتراه واختلقه مثله، والجبار الذي يقتل على الغصب.
وقال الخطابى: الجبار الذى جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه، يقال: جبره السلطان وأجبره بمعنى ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى " وما أنت عليهم بجبار " أن الثلاثي لغة حكاها الفراء وغيره واستشهد لصحتها بما معناه أنه لايبنى فعال إلا من فعل ثلاثى نحو الفتاح والعلام، ولم يجئ من أفعل بالالف إلا دراك، فإن حمل جبار على هذا المعنى فهو وجه، والمقصود هنا عند المصنف من يقتل من غضب والمتكبر المتعظم، والكبر العظمة، وكذلك الكبرياء، والمؤمن سمى مؤمنا لانه آمن عباده من أن يظلمهم، ذكره الجوهرى في الصحاح وقوله " بعظمة الله أو بعزته أو بكبريائه أو بجلاله " العزة القوة والغلبة عن عز إذا غلب، ومنه " فعززناهما بثالث " أي قويناهما، وعز الشئ يعز من باب ضرب لم يقدر عليه.
وقوله " من صفات الذات " الذات حقيقة الشئ، والذات الالهية الحقيقة الثابتة بالربوبية والالوهيه اعتقادا بلا كيف ولا تشبيه ولا تجسيم.
أما الاحكام، ففي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ان لله تسعه وتسعين اسما من أحصاها - وفي لفظ من حفظها - دخل الجنه " وقد ساق الترمذي وابن حبان الاسماء.
قال الحافظ في بلوغ المرام: والتحقيق أن سردها من بعض الرواة.
وقال
стр. 2315
الصنعانى: اتفق الحفاظ من أئمه الحديث أن سردها ادراج من بعض الرواة.
وظاهر الحديث أن أسماء الله الحسنى منحصره في هذا العدد بناء على القول بمفهوم العدد، ويحتمل أنه حصر لها باعتبار ما ذكر بعده من قوله " من أحصاها دخل الجنة " وهو خبر المبتدأ، فالمراد أن هذه التسعة والتسعين تختص بفضيلة من بين سائر أسمائه تعالى، وهو أن احصاءها سبب لدخول الجنة، والى هذا ذهب الاكثرون.
وقال النووي: ليس في الحديث حصر أسمائه تعالى.
وليس معناه أنه ليس له اسم غير التسعة والتسعين.
ويدل عليه ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من حديث ابن مسعود مرفوعا " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك " فإنه دل على أن له تعالى أسماء لم يعرفها أحد من خلقه بل استأثر بها ودل على أنه قد يعلم بعض عباده بعض أسمائه.
ولكنه يحتمل أنه من التسعة والتسعين.
وقد جزم بالحصر فيما ذكر أبو محمد بن حزم فقال: قد صح أن أسماءه لا تزيد على تسعه وتسعين شيئا لقوله ﷺ " مائة الا واحدا " فنفى الزيادة وأبطلها.
ثم قال: وجاءت أحاديث في أحصاء التسعة والتسعين اسما مضطربة
لا يصح منها شئ أصلا.
وانما تؤخذ من نص القرآن، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ سرد أربعة وثمانين اسما استخرجها من القرآن والسنه.
وقال الشارح تبعا لكلام المصنف في التلخيص: انه ذكر ابن حزم أحدا وثمانين اسما.
والذى رأيناه في كلام ابن حزم أربعة وثمانون وقد استخرج الحافظ بن حجر من القرآن فقط تسعه وتسعين اسما وسردها في التلخيص وغيره وذكر السيد محمد بن ابراهيم الوزير في ايثار الحق أنه تتبعها من القرآن فبلغت مائة وثلاثة وسبعين اسما.
وان قال صاحب الايثار مائة وسبعه وخمسين فإنا عددناها فوجدناها كما قلنا أولا.
وقد عرفت من كلام الحافظ ان حجر أن سرد الاسماء الحسنى المعروفة مدرج عند المحققين وأنه ليس من كلامه ﷺ ، وذهب كثيرون إلى أن عددها مرفوع