← Тафсир

Тафсир · id 10273

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

ابن عجيبة

Полный текст (3 416 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الإشارة: إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه: اركبوا فِيهَا، بِسْمِ الله مجريها وَمُرْسَاهَا، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه. فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل: العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية. فكان من الناجين. وآخرون حال بينهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق مَن ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي: التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر انتهاء الطوفان، فقال: [سورة هود (١١) : آية ٤٤] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) قلت: (بعداً) : منصوب على المصدر، أي: أبعَدوا بعداً. يقول الحق ﷻ : وَقِيلَ أي: قال الله: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الذي خرج منك، فانفتحت أفواهاً، فرجع إليها ما خرج منها، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي: أمسكي عن الإمطار. رُوي أنها أمطرت من كل موضع، فبقي ما نزل منها بحاراً على وجه الأرض. قال البيضاوي: نوديا بما ينادى به أولو العلم، وأُمرا بما يؤمرون به، تمثيلاً لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالأمر المطاع، الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه. والبلع: النشف، والإقلاع: الإمساك. هـ. وَغِيضَ الْماءُ نقص ولم ينشف ما خرج منها، وَقُضِيَ الْأَمْرُ: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين، وإنجاء المؤمنين، وَاسْتَوَتْ: استقرت السفينة عَلَى الْجُودِيِّ جبل بالموصل. وقيل: بالشام. وتقدم أنه

стр. 1122

نزل يوم عاشوراء، فصامه شكراً. وبقي ستة أشهر على الماء. وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هلاكاً لهم. يقال: بعد، إذا بعد بعداً بعيداً، بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك. وخص بدعاء السوء. والآية- كما ترى- في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه، مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم به، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. قاله البيضاوي. فإن قلت: قد عم الغرق الدنيا كلها، مع أن دعوة نوح ﵇ لم تكن عامة، وقد قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» ؟ فالجواب: أن الكفر قد كان عم الموجودين في ذلك الزمان، مع تمكنهم من النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح في أمر الشرائع، فقصروا في الجهتين. وأيضاً: لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس، فكل من كان موجوداً سمع بدعوة نوح فجحدها. والله تعالى أعلم. وانظر ابن عطية عند قوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية، والأحوال النفسانية المزعجة، خيف على العقل الاختطاف والاصطلام، فقيل يا أرض النفس ابلعي ماءك واسكني، ويا سماء الواردات أقلعي، وغيض الماء، أي: نقص هيجان الحال، وقضي الأمر بالاعتدال، واستوت سفينة الفكرة على جبل العقل، فحاز الشرف والكمال لكونه برزخاً بين بحرين، يعطي الحقيقة حقها والشريعة حقها، فيعطي كلّ ذي حق حقه، ويُوفي كل ذي قسط قسطه. وقيل: بُعداً لمن تخلف عن هذا المقام، وظلم نفسه بإلقائها في سجن الهوى وغيهب الظلام. والله تعالى أعلم. ولما غرق كنعان مع من غرق، استفهم نوح ﵇ ربه عن الوعد الذي وعده بإنجاء أهله، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٤٥ الى ٤٧] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧)

стр. 1123

قلت: (وإنَّ وعدك) : عطف على (إن ابني) . و (أنت أحكم) : حال من الكاف. و (إني أعظك) : مفعول من أجله، أي: كراهية أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. يقول الحق ﷻ : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ بعد تعميم الغرق، أي: أراد النداء بدليل عطف قوله: فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، فإنه هو النداء، أو تكون فصيحة جواباً عن مقدَّر، كأن قائلاً قال: ماذا قال في ندائه؟ فقال: إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ لا يتطرقه الخلف، فما باله غرِق؟ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ لأنك أعلمهم وأعدلهم، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم، فلم أفهم حكمة غرقه. قالَ تعالى: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ لأنه خالفك في الدين، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أي: ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس العمل مبالغةً. وقرأ الكسائي ويعقوب: (عَمِلَ) بلفظ الماضي. أي: عمل عملاً فاسداً، استحق به البعد عنك. أو: إنه- أي سؤالك- عملٌ غير صالح. ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: «إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم» . وقراءة الجماعة: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أصواب هو أم لا، حتى تقف على كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالاً لتضمنه معنى السؤال، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع. ثم وعظه بقوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: إني أعظك كراهة أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ. وليس فيه وصفه بالجهل، بل وعظه لئلا يقع فيه، والحامل له على السؤال، مع أنه استثنى له غلبة الشفقة على الولد، مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. قالَ نوح: يا رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ في المستقبل ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ما لا علم لي بصحته. وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ما فرط مني من السؤال، وَتَرْحَمْنِي بالتوبة تفضلاً وإحساناً، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل، أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ بسوء أدبي معك. الإشارة: قال الورتجبي: أدَّب نبيه نوحاً ﵇ بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر. وكل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي. وقوله: (إنه عمل غير صالح) أي: ليس عمله على موافقة السنة، ثم وعظه، وقال: (إِنّيَ أَعِظُكِ أَن تَكُونَ من الجاهلين) ، الجاهل: من جهل قدر الله، أي: أنزهك عن سوء الأدب في السؤال، على غير قاعدة مرادك. هـ. وقال في الحكم: «ليس الشأن وجوب الطلب، إنما الشأن أن ترزق حسن الأدب» .

стр. 1124

ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٤٨ الى ٤٩] قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) قلت: «تلك» : مبتدأ. و «من أنباء» : خبر. و «نُوحيها» : خبر ثان، و «ما كنت تعلمها» : خبر ثالث، أو حال من الهاء، أي: حال كونها مجهولة عندك وعند قومك. يقول الحق ﷻ : قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ من السفينة إلى عمارة الأرض بِسَلامٍ مِنَّا، أي: متلبساً بسلامة من المكاره، من جهة حفظنا ورعايتنا. أو مسلماً عليك. وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وزيادات في نسلك حتى تصير آدماً ثانياً. فالبركة هي: الخير النامي. أو: مباركاً عليك، وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ أي: هم الذين معك، أو ناشئة ممن معك، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته. والمراد: المؤمنون، بدليل قوله: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا، ونوسع عليهم فيها، ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته. وقيل: هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: ما نزل بهم في الدنيا. تِلْكَ القصة، أو خبر نوح ﵇، هي مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي: بعض أخبار الغيب نُوحِيها إِلَيْكَ لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها، فهي من دلائل نبوتك لأنك لم تغب عنهم، ولم تخالط غيرهم، فتعين أنه من عند الله. فإن كذبوك فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وأنت أعظمهم. فالعاقبة لك في الدنيا بالنصر والعز، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى. أو فاصبر على مشاق التبليغ مع إيذاية قومك، كما صبر نوح ﵇. إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. الإشارة: يقال للمريد إذا تمكن من الفناء، وارتفعت فكرته عن عالم الأكوان: اهبط إلى مقام البقاء لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة الربوبية، انزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا بقصد متابعة الشهوة والمتعة. اهبط بسلام منا أي: بسلامة من الرجوع أو الشقاء، وبركات عليك وعلى من تبعك. ولذلك قيل: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وأمم قد ضلوا عن متابعتك، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى، ثم يمسهم منا عذاب الحجاب وسوء الحساب. تلك الواردات الإلهيةُ نُوحيها إليك، ما كنت تعلمها أيها العارف من قبل هذا، أنت ولا من تبعك، فاصبر فإن الجمال مقرون بالجلال، والعاقبة للمتقين. والله تعالى أعلم.

стр. 1125

ثم ذكر قصة هود ﵇، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لآَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قلت: «أخاهم» : عطف على نوح في قوله: (ولقد أرسلنا نوحاً) ، و (هوداً) : بدل. يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى قبيلة عادٍ أَخاهُمْ هُوداً، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده، ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يستحق أن يعبد، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ على الله، باتخاذ الأوثان آلهة. يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ: على التبليغ أَجْراً حتى يثقل عليكم، أو تتهموني لأجله، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومَه إزاحةً للتهمة، وتمحيصاً للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. أَفَلا تَعْقِلُونَ: أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، ثم ارجعوا إليه بطاعته فيما أمر ونهى. أو: ثم توبوا من المعاصي لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان، والتطهير من الشرك، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً أي: كثير الدر، أي النزول، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ: يضاعف قوتكم، ويزدكم فيها. وإنما دعاهم إلى الله، ووعدهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل: حبس اللهُ عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود ﵇ على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. رُوي: أن عاداً كان المطر قد حُبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر. هـ. وَلا تَتَوَلَّوْا: ولا تُعرضوا عما أدعوكم إليه، مُجْرِمِينَ مصرين على إجرامكم. الإشارة: في تكرير القصص والأخبار وَعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار. قوله تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) ، أي: استغفروا ربكم من الشرك الخفي، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم، ورؤية أعمالكم، يرسل سحاب

стр. 1126

الواردات الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم وأسراركم، مدراراً، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات، ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين على الكبائر، وهم لا يشعرون. وقال الورتجبي: استغفروا من النظر إلى غيري، وتوبوا إليَّ من نفوسكم، ورؤية طاعتكم وأعواضها، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها، ويزدكم، أي: يزد قوة أرواحكم في طيرانها. انظر تمامه. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٥٣ الى ٥٧] قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) قلت: (إِن نَّقٌولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ) : الاستثناء مفرغ، و «اعتراك» : مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، و (ما من دابة) : «ما» نافية، و «من» صلة و «دابة» ، مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة (إلا هو آخذ) : خبر. يقول الحق ﷻ : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: «مَا مِنْ نَبي إلاَّ أُوتي من المعجزات مَا مِثلُه آمَنِ عَليه البشرُ، وإَنَّما كَان الذِي أُوتيتُه وحيا أوحى إلى، فأرجو أن أكُون أكَثَرهُم تَابِعاً يوم القِيَامةِ» «١» . كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود ﵇، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة لما في الحديث. ثم قالوا: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا بتاركي عبادتهم عَنْ قَوْلِكَ أي: بسبب قولك، أو صادرين عن قولك، وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أبداً، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ أصابك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ بجنون لما سببْتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات.

стр. 1127

قالَ هود ﵇: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ على براءتي من شرككم، وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، جَمِيعاً، أنتم وشركاؤكم، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العِطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعُهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يُرده، ولا تقدرون على ما لم يُقدره. ثم برهن عليه بقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها: إلا وهو مالك لها، قادرٌ عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. هـ. إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذاً بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. هـ. فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: فإن تتولوا وتُعرضوا عما جئتكم به، فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ. أي: فقد أديت ما عليّ من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، وَلا تَضُرُّونَهُ بتوليكم عن الإيمان به، شَيْئاً من الضرر. أو لا تضرونه شيئاً إذا أهلككم واستخلف غيركم، إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ رقيب، فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أُشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، «من عاد لي وَلِياً فقَد آذنْتُهُ بالحرب» ، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوماً غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئاً. وبالله التوفيق.

стр. 1128

ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٥٨ الى ٦٠] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) قلت: إنما قال هذا وفي قصة شعيب: (ولما) ، بالواو، وفي قصة صالح ولوط: (فلما) ، بالفاء لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد، فى بالفاء التي تقتضي التسبب، كما تقول: وعدته فلما جاء الوعيد كان.. الخ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو. قاله الزمخشري. يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا: عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، وكانوا أربعة آلاف، وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ، وهو ريح السموم، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم. والتكرير لبيان ما نجاهم منه، وإعلاماً بأنه عذاب غليظ، وتعديداً للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد بالنجاة الأولى: من عذاب الدنيا، وهو الريح الذي نزل بقومهم، وبالنجاة الثانية: عذاب الآخرة، وهو العذاب الغليظ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح. وَتِلْكَ عادٌ الإشارة إلى القبيلة، أو إلى قبورهم وآثارهم تهويلاً وتهديداً، جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ كفروا بها، وَعَصَوْا رُسُلَهُ، والجمع إما لأنَّ من عصى رسولاً فكأنما عصى الكل لأنهم متفقون في الدعوة، مع أنهم أُمروا بطاعة كل رسول. وإمَّا على إرادة الجنس، كقولك: فلان يركب الخيل، وإن لم يركب إلا فرساً واحداً. وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يعني: كبراءهم الطاغين، والعنيد: الطاغي، والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين في الدنيا أهلكتهم، وفي الآخرة أحرقتهم. أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ جحدوه، أو كفروا نعمه. وفيه تشنيع لكفرهم وتهويل لأمرهم، بالإتيان بحرف التنبيه، وتكرار اسم عاد أَلا بُعْداً لِعادٍ أي: هلاكاً لهم، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له، مستوجبين لما نزل بهم بسبب ما حكي عنهم. وإنما كرر «ألا» ، وأعاد ذكرهم تفظيعاً لأمرهم، وحثاً على الاعتبار بحالهم. ثم بيَّنهم بقوله: قَوْمِ هُودٍ. فهو عطف بيان لعاد، وفائدته: تمييزهم عن عاد الثانية، التي هي عاد إرم، والإيماء إلى [استحقاقهم للبعد] «١» بما جرى بينهم وبينه. قاله البيضاوي.

стр. 1129

الإشارة: من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين، فليتمسك بالإيمان بالله، وبكل رسول أتى من عند الله، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل المحبة والوداد، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد، وهو: كل من يحول بينك وبين الله، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى: (أَلا بُعداً لعاد) وأخواتها، فيها تخويف لأهل القرب والوصال. قال في الإحياء: ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة، ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها: خوف الإعراض، وأشد منه: خوف الحجاب، وأشد منه: خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين، أنه سمع: (ألا بُعداً لعاد) ، (ألا بُعداً لمدين) ، وإنما تعظم هيبةُ البُعد وخوْفُه في قلب من ألف القرب وذاقه، وتنعَّم به. ثم قال: ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قَدَّمنا: أن درجات القرب لا نهاية لها. هـ. ثم ذكر قصة صالح ﵇ فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٦٣] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) قلت: قال الشطيبي: صالح: هو ابن عبيد بن عابرَ بن أرْفَخْشد بن سام بن نوح. وثمود هم أولاد ثمود بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. هـ. وفيه نظر فقد ذكر البيضاوي في سورة الأعراف أن بين صالح ونوح تسعة أجداد، فانظره. يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ كونكم من الأرض لأنه خلق آدم منها، والنطف التي هي مواد نسله أصلها منها، وَاسْتَعْمَرَكُمْ عمركم فِيها وجعلكم تعمرونها بعد من مضى قبلكم، ثم تتركونها لغيركم. أو استبقاكم فيها مدة أعماركم، ثم ترحلون عنها. فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ من كل شيء، مُجِيبٌ لمن دعاه.

стр. 1130

قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أي: كنا نرجو أن ننتفع بك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فتكون لنا سيداً، أو مُستشاراً في الأمور، وإن توافقنا على ديننا، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا قبلنا لتصرفنا عن ديننا، وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد، والتبري من الأوثان، مُرِيبٍ: مُوقع في الريبة مبالغة في الشك، قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ طريقة واضحة مِنْ رَبِّي وبصيرة نافذة منه، وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً: نبوة، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ من يمنعني من عذابه إِنْ عَصَيْتُهُ وأطعتكم في ترك التبليغ، وموافقتكم في الدين الفاسد، فَما تَزِيدُونَنِي باستتباعكم غَيْرَ تَخْسِيرٍ بترك ما منحني الله به، والتعرض لغضبه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير تخسير لكم لأنه يجركم إلى الخسران. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من وجهه الحق تعالى يدعو إلى الله فإنما يدعو إلى خصلتين: إفراد الحق بنعوت الألوهية، والقيام بوظائف العبودية شكراً لنعمة الإيجاد، وتوالي الإمداد. فقول صالح ﵇: (اعبدوا الله مالكم من إله غيره) ، هذا إفراد الحق بالربوبية، وقوله: (هو أنشأكم من الأرض) ، هذه نعمة الإيجاد. وقوله: (واستعمركم فيها) هي: نعمة الإمداد، وقوله: (فاستغفروه ثم توبوا إليه) ، هو القيام بوظائف العبودية شكراً لتلك النعمتين. وفي قوله: (إن ربي قريب مجيب) : ترهيب وترغيب. وقوله تعالى: (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) : يؤخذ من الآية: أن شُعاع الخصوصية، وآثارها، تظهر على العبد قبل شروق أنوارها، وهو جار في خصوص النبوة والولاية، فلا تظهر على العبد في الغالب حتى يتقدمها آثار وأنوار، من مجاهدة أو أنس، أو اضطرار أو انكسار، أو عرق طيب. والله تعالى أعلم. وكل من واجهه منهم تكذيب أو إنكار يقول: (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ... ) الآية. وبالله التوفيق. ثم ذكر معجزة الناقة، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٦٤ الى ٦٨] وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)

стр. 1131

قلت: «آية» : نصبت على الحال، والعامل فيها: معنى الإشارة. و (لكم) : حال منها، تقدمت عليها لتنكيرها. و (من خزي يومئذٍ) - حذف المعطوف، أي: ونجيناهم من خزي يومئذٍ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه، ومن قرأ بالفتح بناه لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه. قاله البيضاوي. وقال في الألفية: وابْن، أَو اعربْ ما كَإِذْ قَدْ أُجرِيا ... واختَرْ بنَا متَلُو فعْل بُنيا وقَبل فَعل مُعَرب أو مُبْتَدأ ... أعربْ، ومنْ بَنَى فَلَنْ يُفنَّدا وثمود: اسم قبيلة، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر، وعدمه باعتبار القبيلة. وقد جاء بالوجهين في هذه الآية. يقول الحق ﷻ : قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة، وقد تقدم في الأعراف قصتها: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً تدل على صدقي، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ أي: ترعى نباتها وتشرب ماءها، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ: عاجل، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام. فَعَقَرُوها وقسموا لحمها فَقالَ لهم: تَمَتَّعُوا: عيشوا فِي دارِكُمْ منازلكم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ الأربعاء والخميس والجمعة. وقيل: عقروها يوم الأربعاء، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت، وهلكوا يوم الأحد. ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فيه، بل هو حق. فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا: عذابنا، أو أمرنا بهلاكهم، نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، قيل: كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل: أربعة آلاف، وقال كعب: كان قوم صالح أربعة عشر ألفاً، سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات. انظر القرطبي. قلت: وقول كعب: كان قوم صالح ... الخ، لعله يعني الجميع: من آمن ومن لم يؤمن، فآمن ألفان وثمانمائة، وهلك الباقي. وكذا هود، أسلم أربعة آلاف، وهلك الباقي. قال تعالى: فنجينا صالِحاً ومن معه بِرَحْمَةٍ مِنَّا، ونجيناهم مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو: هلاكهم بالصيحة، أو من هوان يوم القيامة، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ القادر على كل شيء، الغالب عليه، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ باركين على ركبهم، ميتين، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا: يعيشوا، أو يقيموا فِيها ساعة، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ جحدوه، أَلا بُعْداً لِثَمُودَ هلاكاً وسحقاً لهم. الإشارة: ما رأينا أحداً ربح من ولي وهو يطلب منه إظهار الكرامة، بل إذا أراد الله أن يوصل عبداً إليه كشف له عن سر خصوصيته، بلا توقف على كرامة. وقد يظهرها الله له بلا طلب تأييداً له، وزيادةً في إيقانه، فإن طلب الكرامة، وظهرت له، ثم أعرض عنه، فلا أحد أبعدُ منه. قال تعالى، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض: (ألا بعداً لثمود) . وبالله التوفيق.

стр. 1132

ثم ذكر قصة لوط، مع ما تقدمها من بشارة إبراهيم ﵇، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٣] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) قلت: «سلاماً» : منصوب على المصدر، أي: سلمنا سلاماً. ويجوز نصبه بقالوا لتضمنه معنى ذكروا. (قال سلام) : إما خبر، أي: أمرنا سلام، أو جواب سلام، وإما مبتدأ، أي: عليكم سلام. وكسر السين: لغة. وإنما رفع جوابه ليدل على ثبوت سلامة فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه به. (فما لبث أن جاء) . «ما» : نافية و «أن جاء» : فاعل «لبث» . ونكر وأنكر بمعنى واحد. والإيجاس: الإدراك أو الإضمار. و (من وراء إسحاق يعقوب) : من قرأ بالنصب فبفعل دل عليه الكلام، أي: ووهبنا لها يعقوب. ومن رفعه فمبتدأ، أي: ويعقوب مولود من بعده. و (شيخاً) : حال، والعامل فيه: الإشارة، أي: أشير إليه شيخاً. و (أهل البيت) : نصب على المدح والاختصاص، أو على النداء. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ، وهم الملائكة، قيل: ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: تسعة، جاءوه بِالْبُشْرى بالولد. فلما دخلوا عليه قالُوا سَلاماً أي: سلمنا عليك سلاماً، أو ذكروا سلاماً، قالَ سَلامٌ أي: عليكم سلام، فَما لَبِثَ أي: أبطأ، أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ مشوي بالرضف، أي: بالحجر المحمي. وقيل: حنيذ بمعنى يقطر ودكه «١» . كقوله: بِعِجْلٍ سَمِينٍ «٢» ، فامتنعوا من أكله، فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ لا يمدون إليه أيديهم، نَكِرَهُمْ أي: أنكر ذلك منهم، وَأَوْجَسَ: أدرك، أو أضمر مِنْهُمْ خِيفَةً أي: خوفاً، خاف أن يريدوا به مكروهاً لامتناعهم من طعامه، وكان من عادتهم إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوه، وإلا خافوه. والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه فأمنوه، وقالوا: لا تَخَفْ إِنَّا ملائكة أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ لنعذبهم، وإنما لم نأكل طعامك لأنا لا نأكل الطعام. وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ من وراء ستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة، فَضَحِكَتْ سروراً بزوال الخيفة، أو بهلاك

стр. 1133

أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطاً، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صَمغُها. وقيل: ضحكت سروراً بالولد الذي بُشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف. قال تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، قالَتْ يا وَيْلَتى يا عجباً، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرىء بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ابنة تسعين، أو تسع وتسعين وَهذا بَعْلِي: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، شَيْخاً ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين. وهو استغراب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، لا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، إِنَّهُ تعالى حَمِيدٌ فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال، مَجِيدٌ كثير الخير والإحسان. أو ممجَّد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلاً على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر «١» . وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى. الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كُلاً ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قُدِّمَ إليه، من غير اختيار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئاً، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاماً، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم. ولما تحقق إبراهيم ﵇ بهلاك قوم لوط أسف عليهم، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ٧٤ الى ٧٦] فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)

стр. 1134

قلت: «لمَّا» : حرف وجود لوجود، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها: «ذهب» ، وجوابها: محذوف، أي: جعل يجادلنا. والتأوه: التفجع والتأسف، ومنه قول الشاعر. إِذا ما قمتُ أرحَلُهَا بليلٍ ... تأوّهُ آهةَ الرجل الحزين «١» يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة، وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بدل الروع، جعل يُجادِلُنا أي: يخاصم رسلنا فِي شأن قَوْمِ لُوطٍ، ويدافع عنهم، قال: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها «٢» ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء اليه، أَوَّاهٌ كثير التأوه والتأسف على الناس، مُنِيبٌ راجع إلى الله. والمقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، وهي: رقة قلبه وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بهلاكهم، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم، ولا مرد لما قضى، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ غير مصروف بجدال ولا دعاء، ولا غير ذلك. الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى: (إن أبراهيم لحليم أواه) حليم بأنه كان لا يدعو على قومه، بل قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٣» . وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه، هكذا وصْف العاشقين. ثم قال: ومجادلته كمال الانبساط، ولم يكن جهلاً، ولكن كان مُشفقاً، باراً كريماً، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة، وهو تعالى يُحب غضب العارفين، وتغير المحبين، ومجادلة الصديقين، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك. وفي الحديث المروي عن النبي ﷺ قال: «لما أُسري بي رأيت رجلاً في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: أخوك موسى يَتَذَمَّرُ عَلَى ربهِ- أي: يجترىء عليه انبساطا- فقلت: وهل يليق له ذلك؟ فقال: يعرفه فيتحمل عنه» . ثم قال: ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. هـ. قال في الصحاح: يَتَذَمَّرُ على فلان: إذا تَنَكَّرَ له وأَوعَدَهُ. قاله المحشي. والحاصل أن إبراهيم ﵇ حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، مالم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا.

стр. 1135

فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحِكَم «ما تَركَ من الجهل شيئا مَن أراد أن يحدث في الوقت غيرَ ما أظهره الله» . ولهذا قالوا: الشفقة لا تليق بالأولياء. قال جعفر الصادق- ﵀: ست خصال لا تحسن بستة رجال: لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا: الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هلاك لوط، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) قلت: «سيء» : مبني للمفعول، صله: سوىء، نُقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الواو ياء. و (ذرعاً) : تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. و (لو أن لي بكم قوة) : إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت.

стр. 1136

وفي (أَسْرَ) لغتان: قطع الهمزة، من الإسراء، ووصلها من السّرى، وقرىء بهما معاً، و (إلا امرأتك) بالرفع بدل من (أحد) ، وبالنصب منصوب بالاستثناء من (فأسر بأهلك) . ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفت أم لا؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان. يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا، وهم الملائكة المتقدمون، لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي: ضاق صدره بهم، وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ: شديد، من عصبه: إذا شده، ورُوي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شرُّ قرية في الأرض عملاً. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ يُسرعون إِلَيْهِ كأنهم يُدفعون إليه دفعاً، لطلب الفاحشة من أضيافه. وَمِنْ قَبْلُ ذلك الوقت كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفواحش، كاللواطة وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا، وجاءوا يهرعون إليها. قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثاً. هـ. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم «١» ، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أحل لكم، أو أقل فحشاً، كقولك: الميتة أطيب من المغصوب، فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفواحش، وَلا تُخْزُونِ لا تفضحوني فِي ضَيْفِي في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح. قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ من حاجة، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ وهو إتيان الذكران، قالَ لَوْ أَنَّ لِي ليت لي بِكُمْ قُوَّةً طاقة على دفعكم بنفسي، أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرةٍ يحمونَني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال ﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ أَخي لُوطاً لقد كَانَ يأوي إِلى رُكنٍ شَديدٍ» «٢» يعني: الله تعالى.

стр. 1137

رُوي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودَعْنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل ﵇ بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعماهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط ﵇: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ سِر بهم بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ: بطائفة منه، وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله. والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسنداً إلى أحد. إِلَّا امْرَأَتَكَ، اسمها: واهلة. أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر. رُوي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال: إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ من العذاب، إِنَّ مَوْعِدَهُمُ وقت الصُّبْحُ في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقتَ الصبح، وقال: هلا عُذبوا الأن؟ فقالوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ. فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا، أو أمرنا به، جَعَلْنا مدائنهم عالِيَها سافِلَها، رُوي أن جبريل ﵇ أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم. وَأَمْطَرْنا عَلَيْها على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. رُوي أنه من كان منهم خارجَ المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لمّا قلبت. فأرسلنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ «١» ، وأصلها: سنكِين «٢» ، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي: جهنم، ثم أبدلت نونه لاماً، مَنْضُودٍ: مضموم بعضه فوق بعض، معداً لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضاً في الإرسال، كقطر الأمطار. مُسَوَّمَةً أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: عِنْدَ رَبِّكَ، أي: في خزائن علمه وقدرته، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، بل هي قريبة من كل ظالم. قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليست مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله:

стр. 1138

وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ «١» . وقيل: الظالمين على العموم. هـ. وقال البيضاوي: وعنه- ﵊: «أَنَّهُ سَأَلَ جِبريل، فَقَال: يَعني: ظَالِمي أُمتِكَ، مَا مِنْ ظَالمٍ منهم إِلاَّ وهو معرض لحجر يسقط عليه مَنْ سَاعَةٍ» إلى ساعة» «٢» . هـ. الإشارة: الاعتناء بشأن الأضياف، وحفظ حرمتهم: من شأن الكرام، والاستخفاف بحقهم، والتجاسر عليهم، من فعل اللئام. وفي الحديث: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فَليُكرمْ ضَيفَهُ» . والإسراع إلى الفواحش من علامة الهلاك، لا سيما اللواطَ والسفاح. والإيواء إلى الله والاعتصام به من علامة الفلاح، والبعد عن ساحة أهل الفساد من شيم أهل الصلاح، وكل من اشتغل بالظلم والفساد فالرمي بالحجارة إليه بالمرصاد. ثم ذكر قصة شعيب، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٨٤ الى ٨٦] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قلت: «مفسدين» : حال مؤكده لمعنى عاملها، وهو: «لا تعثوا» . وفائدة ذكره: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر ﵇. يقول الحق ﷻ : وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، أراد أولاد مدين بن إبراهيم ﵇ أو أهل مدين، وهي بلدهُ، فسميت باسمه، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ، وكانوا مطففين. أمرهم أولاً بالتوحيد فإنه رأس الأمر، ثم نهاهم عما اعتادوه من: البخس المنافي للعدل، المخل بحكمة المعاوضة، ثم قال لهم: إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ بسعة كرخص الأسعار، وكثرة الأرزاق، فينبغي أن تشكروا عليها، وتتعففوا بها عن البخس، لا أن تنقضوا الناس حقوقهم، أو بسعة ونعمة، فلا

стр. 1139

تزيلوها بما أنتم عليه فإن مَن لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ يوم القيامة، فإنه محيط بكل ظالم، أو عذاب الاستئصال في الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة، وهي صفة العذاب لاشتماله عليه. وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ بالعدل من غير زيادة ولا نقصان. صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهي عن ضده مبالغةً، وتنبيهاً على أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بالزيادة، حيث لا يتأتى دونها، وقد تكون الزيادة محظورة، ولذلك أمرهم بالعدل في قوله: (بالقسط) ، بلا زيادة ولا نقصان. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ لا تنقصوهم حقهم، وهو تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره، وكذا قوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فإن العثو- وهو الفساد- يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. وقيل: المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات، والعثو: السرقة وقطع الطريق والغارة، وأكده بقوله: مُفْسِدِينَ وفائدته: إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعل الخضر ﵇، وقيل: معناه: مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم. قاله البيضاوي. بَقِيَّتُ اللَّهِ أي: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام، خَيْرٌ لَكُمْ مما تجمعون بالتطفيف، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يقتضي الاكتفاء بالحلال عن الحرام. أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم، فإن خيريتها تظهر باعتبار الثواب والنجاة من العذاب، وذلك مشروط بالإيمان، أو: إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم. وقيل: البقية: الطاعة، كقوله: وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ «١» . وقرىء، «تقية الله» بالتاء المثناة، وهى تقواه التي تكف عن المعاصي، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أحفظ عليكم أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير وناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو: أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها. أو: لست بحافظ عليكم نعم الله إن سلبت عنكم بسوء صنيعكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في الأعمال والأحوال والمقامات. ولذلك قيل للجنيد في النوم: [أفضل ما يُتقرب به إلى الله عمل خفي، بميزان وفي] ، فالوفاء في الأعمال: إتقانها في الظاهر، باستيفاء شروطها وآدابها، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها. والوفاء في الأحوال: ألا تخرج عن قواعد الشريعة، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة، وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح، والوفاء في المقام: ألا ينتقل عن مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه. وفيه خلاف بين الصوفية: هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به، ثم يحققه في المقام الذي بعده، أم لا؟.

стр. 1140

والمقامات التي ينزل فيها المريد: التوبة، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والصبر، والرضى، والتسليم، والمحبة، والمراقبة، والمشاهدة بالفناء ثم البقاء، أو الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان. فلا ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام الذي هو فيه، ذوقاً وحالاً. وقيل: يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا قريحة فتحقق له ما قبله. والله تعالى أعلم. وطريق الشاذلية مختصرة، تطوي عن المريد هذه المقامات، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان، شعر أم لا، ثم يحصل الفناء ثم البقاء، إن وجد شيخاً كاملاً تربى على يد شيخ كامل، وإلا فلا. وقول الجنيد رضى الله عنه: (عمل خفي) ، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام: خفاء عوام الصالحين، وهو: إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء. وخفاء المريدين، وهو: الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم، ولو كانوا بين أظهرهم، فإخفاؤهم قلبي لا قالبي. وخفاء العارفين الواصلين، وهو: الإخفاء عن رؤية النفس، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم، في حال أعمالهم، فليس لهم عن نفوسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ما أجابه به قومه فقال: [سورة هود (١١) : آية ٨٧] قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قلت: «تأمرك أن نترك» : على حذف مضاف، أي: تأمرك بتكليف أن نترك لأن الرجل لا يُؤمر بفعل غيره. و (أن نفعل) : عطف على (ما) أي: أو نترك فعلنا في أموالنا ما نشاء. يقول الحق ﷻ : قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ التي تُكثر منها هي التي تَأْمُرُكَ أن تأمرنا أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام، وندخل معك في دينك المحدث، أجابوا به ما أمرهم به من التوحيد بقوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، على وجه التهكم والاستهزاء بصلواته. وكان كثير الصلاة، ولذلك جمعوها وخصوها بالذكر. وقرأ الأخوان وحفص بالإفراد المراد به الجنس. ثم أجابوه عن نهيهم عن التطفيف وأمرهم بالإيفاء، فقالوا: أَوْ نترك أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا من البخس وغيره؟ وقيل: كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن ذلك.. إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، تهكموا به وقصدوا وصفه بضده، من خفة العقل والسفه لأن العاقل عندهم هو الحريص على جمع الدنيا وتوفيرها، وهو الحمق عند العقلاء، أو إنك موسوم بالحلم والرشيد فلا ينبغي لك أن تنهانا عن تنمية أموالنا والتصرف فيها. والله تعالى أعلم.

стр. 1141

الإشارة: الإنكار على من أمر بالخروج عن العوائد والتقلل من الدنيا من طبع أهل الكفر والجهل، وكذلك رميه بالحمق والسفه. فلا تجد الناس اليوم يعظمون إلا من أقرهم على توفير دنياهم ورئاستهم، والتكاثر منها، وأما من زهدهم فيها وأمرهم بالقناعة، فإنهم يرفضونه، ويحمقونه. وهذا طبع من طبع الأمم الخالية، الجاهلة بالله، وبما أمر به، وفي الحديث: «لَتَتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلكم، شِبْراً بشِبرٍ، وذَراعاً بذراعٍ، حَتَّى لَوْ دَخلُوا جُحْر ضَبٍّ لدخَلتُمُوه» . وبالله التوفيق. ثم ذكر موعظة شعيب لقومه، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٨٨ الى ٩٠] قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قلت: جواب «إن كنت» : محذوف، أي: فهل ينبغي أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره. يقول الحق ﷻ : قالَ شعيب لقومه: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وهي النبوة والعلم والحكمة، وَرَزَقَنِي مِنْهُ من عنده، وبإعانته، بلا كد في تحصيله، رِزْقاً حَسَناً: حلالاً، إشارة إلى ما آتاه من المال الحلال. فهل يسع لِي بعد هذا الإنعام، الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية، أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه، حتى لا أنهاكم عن عبادة الأوثان، والكف عن العصيان، والأنبياء لا يبعثون إلا بذلك، وهذا منه اعتذار لما أنكروا عليه من الأمر بالخروج عن عوائدهم، وترك ما ألفوه من دينهم الفاسد، أي: كيف أترك ما أمرني به ربي من تبليغ وحيه، وأنا على بينة منه، وقد أغناني الله عنكم وعن غيركم. ولذلك قال إثره: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأَستبد به دونكم، فتتهموني إن أردت الاستبداد به. يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه: إذا ولى عنه وأنت قاصده. إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ أي: ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري لكم بالمعروف، ونهيي لكم عن المنكر جهد استطاعتي. قال البيضاوي: ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله تعالى. وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس. هـ.

стр. 1142

قلت: فحق الله: كونه على بينة من ربه، وحق النفس: تمكينه من الرزق الحسَن. وحق الناس: نصحهم من غير طمع، ولا حظ. ثم قال: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ وما توفيقي لإجابة الحق، والصواب، إلا بهدايته ومعونته، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فإنه القادر على كل شيء، وما عداه عاجز بل معدوم، ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد، الذي هو أقصى مراتب العلم بالله. وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أرجع في جميع أموري. وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ: لا يُكسبنكم شِقاقِي: معاداتي، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ من الغرق، أَوْ قَوْمَ هُودٍ من الريح، أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من الصيحة، والمعنى: لا تخالفوني فيجركمْ ذلك إلى الهلاك كما هلك الأمم قبلكم، وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ زماناً ولا مكاناً، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم، فاعتبروا بهم إذ هم ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساويء، فلا يبْعد عنكم ما أصابهم. وإنما أفرد «بعيد» لأن المراد: وما إهلاكهم، أو وما هم بشيء بعيد. وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ عما أنتم عليه إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ عظيم الرحمة للتائبين، وَدُودٌ متودد إليهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار. قاله البيضاوي. الإشارة: قد تضمنت خطبة شعيب ﵇ ست خصال، من اجتمعت فيه فاز بسعادة الدارين: الأولى: فتح البصيرة، ونفوذ العزيمة، وتنوير القلب بمعرفة الله، حتى يكون على بينة من ربه. الثانية: تيسير الرزق الحلال، من غير تعب ولا مشقة، يستعين به على طاعة ربه، ويقوم به بمؤنة أمره. الثالثة: السعي في إصلاح عباد الله وإرشادهم، ودعاؤهم إلى الله من غير طمع ولا حرف، ويكون حاله يصحح مقاله، فلا يترك ما أمر به، ولا يفعل ما نهى عنه. الرابعة: الاعتماد على الله والرجوع إليه في توفيقه وتسديده، وفي أمر دنياه ودينه، بحيث لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا منه. الخامسة: الحذر والتحذير من مخالفة ما جاءت به الرسل من عند الله، والتمسك بما أمروا به من طاعة الله، والاعتبار بمن هلك قبله ممن خالف أمر الله. السادسة: تحقيق التوبة والانكسار، والإكثار من الذكر والاستغفار. فذلك سبب المودة من الكريم الغفار. ولأجل هذه الخطبة سُمي شعيب خطيب الأنبياء. والله تعالى أعلم.

стр. 1143

ثم ذكر جواب قومه، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٩١ الى ٩٣] قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) قلت: «سوف تعلمون» : ذكره هنا بغير فاء، وفي الأنعام بالفاء «١» لأن الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية، فأتى بالفاء لمطلق السببية، وهنا مع قوم شعيب ﵇، فحذفها لأنه أبلغ في التهويل. فكأن الجملة بيانية لجواب سائل قال: فما يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون ... الخ. يقول الحق ﷻ : قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ ما نفهم كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ من أمر التوحيد، وترك التبخيس، وما ذكرت من الدليل عليها وذلك لانهماكهم في الهوى، وقصور عقلهم، وعدم تفكرهم. وقيل: قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم. ثم قالوا: وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءاً، أو: نراك ناحل البدن، أو: ضرير البصر. وضعفه ابن عطيه «٢» . وَلَوْلا رَهْطُكَ أي: قومك، الذين هم باقُون على ملتنا، وكونهم في عزة عندنا، لَرَجَمْناكَ: لقتلناك بالحجارة. أو بأصعب وجه، وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ فتمنعنا عزتك من رجمك. قال البيضاوي: وهذا ديدن السفيه المحجوج، يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه. ولذلك قال: يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا، وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر، بإشراككم به، والإهانة لرسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب. والظهري: منسوب إلى الظهر، والكسر من تغيير البناء. هـ. قال ابن جزي: فإن قيل: إنما وقع الكلام فيه وفى رهطه، بأنهم هم الأعزة دونه، فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب: أن تهاونهم به، وهو رسول الله، تهاون بالله. فلذلك قال: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ. هـ.

стр. 1144

إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها بتمامها. وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: على حالتكم من تمكنكم في الدنيا، وعزتكم فيها، إِنِّي عامِلٌ على حالي، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، يُهينه في الدنيا والآخرة، وَسوف تعلمون مَنْ هُوَ كاذِبٌ مني ومنكم، وَارْتَقِبُوا وانتظروا ما أقول لكم، إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: مرتقب لذلك. وهو فعيل بمعنى فاعل، كالصريح والرفيع. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يفقه المواعظ والتذكير إلا أهل الإيمان والتنوير. وأما القلب القاسي بالكفر والمعاصي فلا يسمع إلا ما تسمعه البهائم من الناعق والراعي. فبقدر ما يرق القلب يتأثر بالمواعظ، وبقدر ما يغلظ باتباع الحظوظ والهوى يغيب عن تدبر المواعظ. وسبب تنوير القلب ورقته: قربه من الله، وتعظيمه لحرمات الله، وتعظيم من جاء من عند الله من أنبيائه ورسله، وورثتهم القائمين بحجته، كالأولياء والعلماء الأتقياء. وسبب ظلمة القلب وقساوته: بعده من الله، وإهانته لحرمات الله، واتخاذه أمره ظهرياً، وجعل ذكره نسياً منسياً. وبالله التوفيق. ثم ذكر هلاك قوم شعيب، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٩٤ الى ٩٥] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) يقول الحق ﷻ : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا: عذابنا لقوم شعيب، نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، لا بعمل استحقوا به ذلك إذ كل من عنده، وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ قيل: صاح بهم جبريل فهلكوا، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ: ميتين. وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها كأن لم يقيموا فيها ساعة، أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ، شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضاً بالصيحة، غير أن صيحة ثمود كانت من فوق، وصيحة مدين كانت من تحت، على ما قيل، ويدل عليه: التعبير عنهما بالرجفة في آية أخرى «١» ، والرجفة في الغالب إنما تكون من ناحية الأرض. وفي البيضاوي خلاف هذا، وهو غير جَيد. قال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أمتين: أصحاب الأيكة، وأصحاب مدين، فأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، على ما يأتي، وأما أهل مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. قيل: وآمن بشعيب من الفئتين: تسعمائة إنسان. وكان أهل الأيكة أهل غيطة وشجر، وكان شجرهم الدَّوْم «٢» - وهو شجر المقل.

стр. 1145

الإشارة: سبب النجاة من الهلاك في الدارين: توحيد الله، وتعظيم من جاء من عند الله. وسبب الهلاك: الإشراك بالله، وإهانة من عظمه الله. والله تعالى أعلم. ثم ذكر رسالة موسى ﵇ بعد شعيب لأنه من تلامذته، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ٩٦ الى ٩٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا بمعجزاتنا الدالة على صدقه، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وتسلط ظاهر على فرعون، أو برهان بيِّن على نبوته. قال البيضاوي: والفرق بينهما: أن الآية نعم الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخص بالقاطع، والمبين يخص بما فيه جلاء. هـ. أرسلناه إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ جماعته، فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ أي: اتبعوا أمره بالكفر بموسى، أو: فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق، المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلالة والطغيان، الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم، وعدم استبصارهم، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ أي: ليس أمره برشد وصواب، وإنما هو غي وضلال. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلى النار، كما يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال، فَأَوْرَدَهُمُ: أدخلهم النَّارَ ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، ونزّل النار لهم منزلة الماء، فسمى إتيانها مورداً. ثم قال: وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ أي: بئس المَوْرد الذي وردوه، فإنَّ المورد إنما يراد لتبريد الأكباد، وتسكين العطش، والنار بضد ذلك. والآية كالدليل على قوله: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ فإنَّ من هذا عاقبته لم يكن في أمره رشد، أو تفسير له، على أن المراد بالرشيد: ما يكون مأمون العاقبة حميدها. قاله البيضاوي. وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي: تتبعهم اللعنة في الدارين بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ: بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. فالرفد: العطاء، والإرفاد: المعونة، ومنه: رفادة قريش، أي: معونتهم للفقراء في الحج بالطعام. والمخصوص بالذم محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين. الإشارة: إذا أردتَ أن تعرفَ قدر الرجل في مرتبة الخصوصية فاسأل عن إمامه الذي يقتدى به، فإن كان من أهل الخصوصية فصاحبه من الخصوص، إن دامت صحبته معه، وإن كان من العموم فصاحبه من العموم.

стр. 1146

والمراد بالخصوصية: تحقيق مقام الفناء، ودخول بلاد المعاني. فكل من لم يحصل مقام الفناء، ولم يشهد إلا المحسوسات فهو من العوام، ولو بلغ من العلم والعمل ما بلغ، ولو رأى من الكرامات أمثال الجبال. فمن صحب مثل هذا الذي لم يفن عن نفسه، ولم يخرج عن دائرة حسه، لم يخرج من العمومية لأن نفسه فرعونية. قال تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، وفي الخبر: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيله» وقال الشاعر: عَن المرءِ لا تَسْأَلْ وسَلْ عن قَرِينه ... فكلُّ قرينٍ بالمُقارَنِ يَقْتَدي «١» والله تعالى أعلم. ثم وعظ نبيه بما جرى على الأمم المتقدمة آنفا، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٤] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) قلت: (ذلك) : مبتدأ. و (من أنباء) : خبر، و (نقصه) : خبر ثان. وجملة: (منها قائم وحصيد) : استئنافية لا حالية لعدم الرابط. يقول الحق ﷻ : ذلِكَ النبأ الذي أخبرناك به في هذه السورة، هو مِنْ أَنْباءِ الْقُرى الماضية المهلَكة، نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، ونخبرك به تهديداً لأمتك وتسلية لك. مِنْها ما هو قائِمٌ البناء باقي الأثر، وَمنها حَصِيدٌ أي: محصود عافي الأثر، كالزرع المحصود. أو: منها ما هو ساكن بقوم آخرين، قائم العمارة بغير من هلك، ومنها ما هو دارس على أثره، واندرست أطلالُه. قال تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ بإهلاكنا إياهم، وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بأن عرضوها له بارتكابهم ما يوجب هلاكهم، فعبدوا معي غيري، فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ: ما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم العذاب، آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من ذلك العذاب، لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ- حين جاءهم عذابه

стр. 1147

وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ أي: مثل ذلك الأخذ الوبيل أخذ ربك إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ فلا يمهلها، وقد يمهلها ثم يأخذها. فكل ظالم معرض لذلك. وفي الحديث عنه ﷺ : «إنَّ اللَّهَ ليُمْلِي للظَّالِمِ، حَتى إِذا أَخَذَهُ لَمْ يُفلِتْهُ» . ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ.... الآية. فالآية تعم قرى المؤمنين حيث عبَّر بظالمة دون كافرة. قاله ابن عطية. إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وجيع عظيم، غير مرجو الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. إِنَّ فِي ذلِكَ الذي نسرده عليك من قصص الأمم الدارسة، لَآيَةً لعبرة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ فيعتبر به ويتعظ لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. وأما من أنكر الآخرة فلا ينفعه هذا الوعظ والتذكير لفساد قلبه، وموت روحه. ذلِكَ أي: يوم القيامة الذي وقع التخويف به، يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ: محشورون إليه أينما كانوا. وعبَّر باسم المفعول دون الفعل للدلالة على الثبوت والاستقرار، ليكون أبلغ لأن «مجموع» أبلغ من «يجمع» . وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ أي: تشهده أهل السموات وأهل الأرض لفصل القضاء، ويحضره الأولون والآخرون، لاقتضاء الثواب والعقاب. فاليوم مشهود فيه،. فحذف الظرف اتساعاً.. وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ أي: إلا لانتهاء مدة معدودة في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر عنها، قد اختص الله تعالى بها. والله تعالى أعلم. الإشارة: التفكر والاعتبار من أفضل عبادة الأبرار لأنه يزهد في الدنيا الفانية، ويشوق إلى الدار الباقية، ويرقق القلب، ويستدعي مخافة الرب، فلينظر الإنسان بعين الاعتبار في الأمم الخالية، والقرون الماضية، والأماكن الدارسة كيف رحل أهلها عن الدنيا أحوج ما كانوا إليها، وتركوها أحب ما كانت إليهم؟ وفي بعض الخطب الوعظية: أين الفراعين المتكبرة، وأين جنودها المعسكرات؟ أين الأكاسير المنكسرة؟ وأين كنوزها المقنطرات؟ أين ملوك قيصر والروم؟ وأين قصورها المشيدات؟ أين ملوك عدن، أهل الملابس والحيجان «١» ؟ وأين ملوك اليمن، أهل العمائم والتيجان؟ قد دارت عليهم- والله- الأقدار الدائرات، وجرت عليهم برياحها العاصفات، وأسكنتهم تحت أطباق الرجام «٢» المنكرات، وصيرت أجسامهم طعمة للديدان والحشرات، وأيمت منهم الزوجات، وأيتمت منهم البنين والبنات. أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرا إلى القضاء وسلموا. فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم من العمل الصالح رجعوا. وبالله التوفيق. ثم ذكر شأن ذلك اليوم المشهود، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٨] يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)

стр. 1148

قلت: (يوم يأتي) : العامل في الظرف: «لا تكلم» ، أو: اذكر، مضمر. والضمير في «يأتي» : يعود على اليوم. وقال الزمخشري: يعود على «الله» لعود الضمير عليه في قوله: (إلا بإذنه) ، وضمير «منهم» على أهل الموقف المفهوم من قوله: (لا تكلم نفس) . يقول الحق ﷻ : يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم المشهود، وهو: يوم الجزاء لا تَكَلَّمُ لا تتكلم نَفْسٌ بما ينفع وينجي في جواب أو شفاعة إِلَّا بِإِذْنِهِ تعالى، وهذا كقوله: لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ «١» ، وهذا فى موقف، وقوله: هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ «٢» ، في موقف آخر. والمأذون فيه هي الجوابات الحقية، أو الشفاعات المرضية، والممنوع منه هي الأعذار الباطلة. ثم قسّم أهل الموقف، فقال: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وجبت له النار بمقتضى الوعيد لكفره وعصيانه. وَمنهم سَعِيدٌ وجبت له الجنة بمقتضى الوعد لإيمانه وطاعته. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده. ويستعملان في أول النهيق وآخره. أو الزفير: صوت المحزون، والشهيق: صوت الباكي. أو الزفير من الحلق، والشهيق من الصدر. والمراد بهما: الدلالة على شدة الكرب والغم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصرت فيه روحه، أو تشبيه حالهم بأصوات الحمير. قاله البيضاوي. خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي: سموات النار وأرضها. وهي دائمة أبداً، ويدل عليه قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ «٣» ، أو يكون عبارة عن التأبيد: كقول العرب: ما لاح كوكب وما ناح الحمام، وشبه ذلك بما يقصد به الدوام، وهذا أصح. وقوله: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ، للناس هنا كلام واختلاف. وأحسن ما قيل فيه ما ذكره البقاعي، قال: والذي ظهر لي- والله أعلم- أنه لما تكرر الجزم بالخلود في الدارين، وأن الشرك لا يغفر، والإيمان موجب للجنة، فكان

стр. 1149

ربما يُظن أنه لا يمكن غير ذلك، كما ظنه المعتزلة، لا سيما إذا تأمل القطع في مثل قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ «١» ، مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» ، جاء هذا الاستثناء معلماً أن الأمرَ فيه إلى الله كغيره من الأمور، له أن يفعل في كلها ما يشاء، وإن جزم القول فيه، لكنه لا يقع غير ما أخبر به، وهذا كما تقول: اسكن هذه الدار عمرك ألا ما شاء زيد، وقد لا يشاء زيد شيئاً. فكما أن التعليق بدوام السموات والأرض غير مراد الظاهر، كذلك الاستثناء، فلا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين، وسوقه هكذا أدل على القدرة وأعظم في تقليد المنة. هـ. وقال الجلال السيوطي، في «البدور السافرة في أمور الآخرة» : اعلم أن للعلماء في هذا الاستثناء أقوالاً، أشبهها بالصواب: أنه ليس باستثناء، وإنما «إلا» بمعنى «سوى» ، كما تقول: لي عليك ألف درهم إلا ألفان، التي لي عليك، أي: سوى الألفين، والمعنى: خالدين فيها قدر مدة السموات والأرض في الدنيا سوى ما شاء ربك من الزيادة عليها، فلا منتهى له. وذلك عبارة عن الخلود. والنكتة في تقديم ذكر مدة السموات والأرض: التقريب إلى الأذهان بذكر المعهود أولاً، ثم أردفه بما لا إحاطة للدهر به. والجري على عادة العرب في قولهم في الإخبار عن دوام الشيء وتأبيده: لا آتيك ما دامت السموات والأرض. هـ. ومثله لابن عطية. قال: ويؤيد هذا التأويل قوله بعدُ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي: غير مقطوع، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى، وسيبويه بلكن. هـ. وقال الورتجبي: قال ابن عطاء: (إلا ما شاء ربك) من الزوائد لأهل الجنة من الثواب. ومن الزوائد لأهل النار من العقاب. هـ. (إن ربك فعال لما يريد) من غير حجر ولا اعتراض. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ كما تقدم. عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ: غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب غير مقطوع، وتنبيه على أن المراد من الاستثناء تعليم الأدب فقط. والله تعالى أعلم. الإشارة: السعادة على قسمين: سعادة الظاهر، وسعادة الباطن. والشقاوة كذلك. أما سعادة الظاهر ففي الدنيا بالراحة من التعب، وفي الآخرة بالنجاة من العذاب. وأما سعادة الباطن ففي الدنيا براحة القلب من كد الهموم والأحزان، باليقين والاطمئنان، في حضرة الشهود والعيان، وفي الآخرة بدوام النظر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وشقاوة الظاهر باتصال الكد والتعب. وشقاوة الباطن بالبعد عن الله، وافتراقه عن حضرة مولاه. قال في نوادر الأصول: الشقاوة: فراق العبد من الله، والسعادة اندساسه إليه. هـ. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه في حزبه الكبير: والسعيد من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقاً من حرمته مع كثرة السؤال لك.

стр. 1150

قال شيخ شيوخنا- سيدي عبد الرحمن الفاسي- في حاشيته عليه: ومدار السعادة: الجمع على الله والغيبة عمن سواه، فيفنى العبد عن وجوده، ويبقى بربه، فيشغله استغراقه في شهوده عن الشعور بغيريته، وينمحي عنه أمل شيء يرجى، أو خوف شيء يُتقى، فليس له عن سوى الحق إخبار، ولا مع غيره قرار. وعند ما حل بهذه الحضرة، وظفر بقُرة عينه، وحياة روحه، وسر حياته، لا يتصور منه سُول، ولا فوات مأمول. «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك» ، «اشْتَاقَتْ الجَنَّةُ إِلى عَليِّ وعَمَّارٍ وسَلمَانَ وصهيب وبلال» كما في الأثر. نعم، إن رد إليه تصور منه الدعاء على وجه العبودية، وأداء الأمر وإظهار الفاقة، لا على وجه الاقتضاء والسببية. «جل حكم الأزل أن ينضاف إلى الأسباب والعلل» . ثم قال: وعلى ما تقرر في السعادة، فالشقاوة: احتجاب العبد بوجوده عن شهوده، فلا يَنفَكُّ عن أمل، ولا عن خوف عطب. فيستحثه الطبع للسؤال جلباً أو دفعاً. وهو في ذلك في شقاء، سواء أعطى أو منع لفقده قرةَ عينه وراحة قلبه، لأسْره في طبعه، ومكابدة أمره وهلعه. كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ «١» . فلم يستثن من كد الطبع ومكابدته غير أهل الصلاة الدائمة، وهم أهل الوجهة لله، المواجَهين بعناية الله، المتحققين بذكر الله. وقد وَرَدَ: «هُمُ القَوْم لا يشقى جَلِيسُهُم» فضلاً عنهم. وعلى الجملة: فالمراد بالسعادة والشقاوة في كلامه- أي: الشاذلي- الباطنة لا الظاهرة، والقلبية لا القالبية. وإن كان قد تطلق على ذلك أيضاً، لكن لكل مقام مقال. وقد قال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى «٢» . قال في نوادر الأصول: تَابعُ القرآن قد أجير من شقاء العيش في الدنيا لراحة قلبه من غموم الدنيا وظلماتها، وسَيره في الأمور بقلبه في راحة لأنه منشرحُ الصدر واسعه، وبدنه في راحة لأنه ميسر عليه أمور الدنيا، تُهيأ له في يسر لضمان الله، واكتنافه له. وكذا يجار في الآخرة من شقاء العيش في سجون النيران. أعاذنا الله من ذلك. هـ. ثم حذَّر من الشرك، الذي هو سبب الخلود فى النار، فقال: [سورة هود (١١) : آية ١٠٩] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)

стр. 1151

يقول الحق ﷻ : فَلا تَكُ يا محمد فِي مِرْيَةٍ. في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ المشركون، أي: لا تشك في فساد ما هم فيه، بعد ما أنزل عليك من حال الناس، وتبيين ما لأهل السعادة الموحدين، مما لأهل الشقاء المشركين، ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ، وهو تعليل للنهي، أي: ما يعبدون عبادةً إلا كعبادة آبائهم. أو ما يعبدون شيئاً إلا مثل ما عبد آباؤهم من الأوثان تقليداً من غير برهان، وقد بلغك ما لحق آباءهم من العذاب فسيلحقهم مثل ذلك لاتفاقهم في سبب الهلاك. وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ حظهم من العذاب، كآبائهم، غَيْرَ مَنْقُوصٍ من نصيبهم شيء. فالتوفية لا تقتضي التمام. تقول: وفيته حقه، وتريد وفاء بعضه. والله تعالى أعلم. الإشارة: فلا تكن أيها العارف في مرية مما يعبد هؤلاء العوام، من جمع الدنيا، والتكاثر منها، وصرف الهمة إلى تحصيلها، واستعمال الفكر في أسباب جمعها، وانهماك النفس في حظوظها وشهواتها. ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، ممن سلك هذا المسلك الذميم، وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص، بانحطاط درجتهم عن درجة المقربين. قال بعض الحكماء: دار الدنيا كأحلام المنام، وسرورها كظل الغمام، وأحداثها كصوائب السهام، وشهواتها: كمشرب الشمام، وفتنتها كأمواج الطوام. هـ. ولما ذكر رسالة موسى ﵇، وشأن فرعون ووبال من تبعه، ذكر نزول التوراة عليه، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٠ الى ١١١] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) قلت: (وإنَّ كلاًّ لما ليوفينهم) : إن: مخففة عاملة، والتنوين في (كُلا) عوض عن المضاف. و «ما» : موصولة، واللام: لام الابتداء، و (ليوفينهم) : جواب لقسم محذوف، وجملة القسم وجوابه: صلة «ما» ، أي: وإن كان الفريقين للذين، والله، ليوفينهم ربك أعمالهم. ومن قرأ: «لمَّا» بالتشديد، فعلى أن (إن) نافية، و «لَمَّا» بمعنى إلا، وقيل: غير هذا. يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: التوراة، فَاخْتُلِفَ فِيهِ فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بإنزال ما يستحقه المبطل من الهلاك، ونجاة المحق. وَإِنَّهُمْ أي: قوم موسى، أو كفار قومك، لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي: التوراة، أو من القرآن، مُرِيبٍ: مُوقع في الريبة. وَإِنَّ كُلًّا من

стр. 1152

الفريقين المختلفين، المؤمنين والكافرين، للذين لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ جزاء أعمالهم، ولا يهمل منه شيئاً- إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فلا يفوته شيء منه وإن خفي. الإشارة: الاختلاف على الأنبياء والأولياء سنة ماضية. ولولا أن الله سبحانه حكم في سابق علمه أنه لا يفضح الضمائر إلا يوم تُبلى السرائر، لفضح أسرار البطالين، وأظهر منار الذاكرين من السائرين أو الواصلين. لكنه سبحانه أخر ذلك بحكمته وحلمه، إلى يوم الدين. والله تعالى أعلم. ثم بيّن أصل الأعمال وأفضلها، وهى الاستقامة، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٢ الى ١١٥] فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) قلت: (ومن تاب) : عطف على فاعل (استقم) للفصل، (فَتَمَسَّكُمُ) : جواب النهي. ويقال: ركن يركن: كعَلِم يعلم، وركن يركن: كدخل يدخل. و (ثم لا تنصرون) : مستأنف لا معطوف، و (طرفي) : منصوب على الظرفية. و (زلفا) : جمع زلفة، كقربة، أزلفه: قربة. يقول الحق ﷻ : فَاسْتَقِمْ يا محمد كَما أُمِرْتَ، وَليستقم مَنْ تابَ مَعَكَ من الكفر وآمن بك. وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين، وفي الأعمال من تبليغ الوحي، وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط ولا إفراط. وهي في غاية العسر. ولذلك قال ﵊: «شَيَّبَتنِي هُود» «١» . قاله البيضاوي. قال المحشي الفاسي: واللائق أن إشفاقه- ﵊ من أجل أمته لا من أجل نفسه لأجل عصمته، وإنما أشفق عليهم لتوعد اللعين لهم بقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ «٢» . هـ. قلت: ولا يبعد

стр. 1153

أن يكون أشفق- ﵊ من صعوبة استقامته التي تليق به، فبقدر ما يعلو المقام يطلب بزيادة الأدب، وبقدر ما يشتد القرب يتوجه العتاب. ولذلك كان الحق تعالى يعاتبه على ما لا يعاتب عليه غيره. وقد قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد تقدم كلام الإحياء في قوله: أَلا بُعْداً لِعادٍ «١» . ثم قال تعالى: وَلا تَطْغَوْا ولا تخرجوا عما حد لكم، إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فيجازيكم على النقير والقطمير، وهو تهديد لمن لم يستقم، وتعليل للأمر والنهي. وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: لا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون: هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، وصحبتهم من غير تذكيرهم ووعظهم. فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ لركونهم إليهم. قال الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عَالِم يَزورُ عَاملاً «٢» . هـ. وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. هـ. وقال رسول الله ﷺ : «من دَعَا لِظَالٍمٍ بالبَقَاءِ- أي: بأن قال: بارك الله في عمرك- فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى الله في أرضهِ» «٣» وسئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟! فقال: دعه يموت. هـ. وهذا إغراق، ولعله في الكافر المحارب، والله أعلم. قال البيضاوي: وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلماً موجباً للنار، فما ظنك بالركون إلى الظالمين الموسومين بالظلم، ثم بالميل إليهم، ثم بالظلم نفسه، والانهماك فيه. ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول ﷺ ومَن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط أو تفريط، ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه. هـ. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ من أنصار يمنعون العذاب عنكم، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ: ثم لا ينصركم الله إن سبق في حكمه أنه يعذبكم. ولمَّا كان الركون إلى الظلم، أو إلى من تلبس به فتنة، وهي تكفرها الصَّلاَةِ، كما في الحديث «٤» ، أمر بها أثره، فقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ غدوة وعشية، وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ساعات منه قريبة من النهار. والمراد بالصلاة المأمور بها: الصلوات الخمس. فالطرف الأول: الصبح، والطرف الثاني: الظهر والعصر، والزلف من الليل: المغرب، والعشاء، إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يكفرنها قال ابن عطية: لفظ الآية عام فى

стр. 1154

الحسنات خاص في السيئات لقوله ﷺ : «ما اجتنَبت الكَبَائِرُ» ، ثم قال: وروي أن رسول الله ﷺ قال: «الجُمُعَةُ إلى الجُمعَةِ كفَّارَة، والصَّلوَاتُ الخَمسُ، وَرَمَضانُ إِلى رَمَضانَ كفاره لِمَا بينَهُما ما اجتُنِبت الكبائر» «١» انظر تمامه في الحاشية. قال ابن جزي: رُوي أن رجلاً قََبّل امراة، [قلتُ: هو نبهان التمار] ، فذكر ذلك للنبى ﷺ وصلَّى معه الصلاة، فنزلت الآية، فقال ﷺ : «أين السائل؟» فقال: ها أنا ذا، فقال: «قد غفر اللَّهُ لَكَ بِصَلاتِكَ مَعَنا» . فقال الرجل: أَلِيَ خاصَّةً، أو للمسلمين عامة؟ فقال: «للمسلمين عَامَّةً» «٢» . والآية على هذا مدنية. وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك، وذكرها النبي ﷺ للرجل مستدلاً بها. والآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما تُذهب الحسناتُ- عند الجمهور- الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. هـ. قلت: وقيل: تكفر مطلقاً اجتُنِبَت الكبائر أم لا، وهو الظاهر، لأنه إذا حصل اجتناب الكبائر كفرت بلا سبب لقوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ.... «٣» الآية. وقوله ﵊: «ما اجتنبت الكبائر» . معناه: أن الصلوات والجمعة مكفرة لما عدا الكبائر. والحاصل: أن من اجتنب الكبائر كفرت عنه الصغائر بلا سبب لنص الآية. ومن ارتكب الكبائر والصغائر وصلى، كفرت الصغائر دون الكبائر، وبهذا تتفق الآية مع الحديث. والله تعالى أعلم. قال ابن عطية في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى ... «٤» الآية: الشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد. وقد روي: «أن الله يتحمل عن الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه» . ختم الله لنا بالحسنى. انتهى. ذلِكَ أي: ما تقدّم من وعظ ووعد ووعيد، وأمر الاستقامة، أو القرآن كله، ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ: عظة للمتقين. وخص الذاكرين لمزيد انتفاعهم بالوعظ، لصقالة قلوبهم. وفي الخبر: «لكل شيء مصقلة، ومصقلة القلوب ذكر الله» . وَاصْبِرْ على مشاق الاستقامة، ودوامها فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وهم: أهل الاستقامة ظاهراً وباطناً. الإشارة: الاستقامة على ثلاثة أقسام: استقامة الجوارح، واستقامة القلوب، واستقامة الأرواح والأسرار. أما استقامة الجوارح فتحصل بكمال التقوى، وتحقيق المتابعة للسنة المحمدية. وأما استقامة القلوب

стр. 1155

فتحصل بتطهيرها من سائر العيوب، كالكبر والعجب، والرياء، والسمعة، والحقد والحسد، وحب الجاه والمال، وما يتفرع عن ذلك من العداوة والبغضاء، وترك الثقة بمجيء الرزق، وخوف سقوط المنزلة، من قلوب الخلق، والشح والبخل، وطول الأمل، والأشر والبطر، والغل والمباهاة، والتصنع والمداهنة، والقسوة والفظاظة والغلظة، والغفلة والجفاء، والطيش، والعجلة، والحمية، وضيق الصدر، وقلة الرحمة. إلى غير ذلك من أنواع الرذائل. فإذا تطهر القلب من هذه العيوب اتصف بأضدادها من الكمالات: كالتواضع لله، والخشوع بين يديه، والتعظيم لأمره، والحفظ لحدوده، والتذلل لربوبيته، والإخلاص في عبوديته، والرضى بقضائه، ورؤية المنة له في منعه وعطائه. ويتصف فيما بين خلقه بالرأفة والرحمة، واللين والرفق، وسعة الصدر والحِلم، والاحتمال والصيانة، والنزاهة والأمانة، والثقة والتأني، والوقار، والسخاء والجود، والحياء، والبشاشة والنصيحة. إلى غير ذلك من الكمالات. وأما استقامة الأرواح والأسرار، فتحصل بعدم الوقوف مع شيء سوى الله تعالى، وعدم الالتفات إلى غيره حالاً كان أو مقاماً أو كرامة، أو غير ذلك: كما قال الششترى رضى الله عنه: فلا تلْتَفِت في السَّير غيراً، وكلُّ ما ... سوى الله غيرٌ، فاتخذ ذِكرَه حِصنا وكلُّ مقامٍ لا تُقمْ فيهِ إنّه ... حجابٌ، فجد السَّير واستَنجد العونا ومهما ترى كل المراتب تجتلي ... عليك فحل عنها، فعن مثلها حلنا وقل: ليس لي في غير ذاتك مطلب ... فلا صورة تُجلى ولا طُرفة تُجنا وقوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) : هو نهي عن صحبة الغافلين والميل إليهم. قال بعض الصوفية: قلت لبعض الأبدال: كيف الطريق إلى التحقيق، والوصول إلى الحق؟ قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لي، قال: لا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة، قلت: لا بُد لي، قال: لا تعاملهم لأن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم؟ قال: لا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون؟ قال: يا هذا أتنظر إلى اللاعبين، وتسمع كلام الجاهلين، وتعامل البطَّالين، وتسكن إلى الهلكى، وتريد أن تجد حلاوة الطاعة، وقلبك مع غير الله !! هيهات! هذا ما لا يكون أبداً. هـ. ونقل الورتجبي عن جعفر الصادق: ولا تركنوا إلى نفوسكم فإنها ظلمة. هـ.

стр. 1156

ثم ذكر سبب هلاك الأمم الماضية، وهو فشو الظلم، وعدم تغيير المنكر، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١١٧] فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا منهم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) قلت: (لولا) ، تحضيضية، ويقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف، كقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ «١» ، و «إلا قليلاً» : منقطع، ولا يصح اتصاله، إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض. أي: ما كان في القرون الماضية أولو بقية إلا قليل. يقال: فلان من بقية القوم، أي: خيارهم، وإنما قيل فيه «بقية» لأن الشرائع والدول تقوى أولاً ثم تضعف. فمن ثبت في وقت الضعف على ما كان في أوله، فهو بقية الصدر الأول. قاله ابن عطية. وقوله: «بظلم» : حال من «ربك» أي: ما كان ربك ليهلك القرى ظالماً لهم، أو متعلق بيُهلك. يقول الحق ﷻ : فَلَوْلا: فهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم، أُولُوا بَقِيَّةٍ من الرأي، والعقل يُنكرون عليهم، أي: فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت، يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ، لكن قليلاً ممن أنجينا منهم كانوا كذلك، فأنكروا على أهل الفساد، واعتزلوهم في دينهم فأنجيناهم. وفي هذا تحريض على النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وأنه سبب النجاة في الدارين. وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ: ما أنعموا فيه من الشهوات، واهتموا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عما وراء ذلك، وَكانُوا مُجْرِمِينَ كافرين. قال البيضاوي: كأنه أراد أن يُبين ما كان السبب لاستئصال الأمم الماضية، وهو: فشو الظلم فيهم، واتباع الهوى، وترك النهي عن المنكرات مع الكفر. هـ. وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي: متلبساً بظلم، وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ، فيعذبهم بلا جرم، أي: ما كان ليعذبهم ظالماً لهم بلا سبب. أو ما كان ليهلك القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم، لا يضمون إلى شركهم فساداً وبغياً، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قدَّم الفقهاءُ، عند تزاحم الحقوق، حقوق العباد. وقال بعضهم: [الذنوب ثلاثة: ذنب لا يغفره الله، وهو الشرك. وذنب لا يعبأ الله به، وهو ما كان بينه وبين عباده، وذنب لا يتركه الله، وهو حقوق عباده] . وقالوا: قد يبقى المُلك مع الشرك ولا يبقى مع الظلم. الإشارة: أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض هم: أهل النور المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق، إذا قابلوا منكراً دمغوه بالحال أو المقال، وإذا قابلوا فسادا أصلحوه، وإذا قابلوا فتنة أطفأوها. وإذا قابلوا بدعة

стр. 1157

أخمدوها. وإذا واجهوا ضالا أرشدوه، أو غافلاً ذكروه، أو طالباً للوصول وصلوه، يمشون في الأرض بالنصيحة، لا يخافون في الله لومة لائم. أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مهتدون. قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لئن شئتُم لأُقسِمَنَّ لكم: إنَّ أحبَّ عبادِ اللهِ إلى الله الذين يُحَبَّبُون الله إلى عباده، ويحببون عباد الله إلى الله، ويمشُون في الأرضِ بالنَّصيِحَة» أما كونهم يحببون الله إلى عباده فلأنهم يَذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره. والنفسُ تحب بالطبع من أحسن إليها. وأما كونهم يحببون عباد الله إلى الله فلأنهم يردونهم عن غيهم وحظوظهم، التي تبعدهم عن ربهم. فإذا رجعوا إليه أحبهم. وسئل ذو النون المصري رضى الله عنه عن وصف الأبدال، فقال: سألتَ عن دياجي الظلام لأكشف لك عنهم، هم قوم ذكروا الله بقلوبهم، تعظيماً لربهم لمعرفتهم بجلاله، فهم حجج الله تعالى على خلقه، ألبسهم الله- تعالى- النور الساطع من محبته، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته، وأفرغ عليهم من مخافته، وطهَّر أبدانهم بمراقبته، وطيبهم بطيب أهل معاملته، وكساهم حُللاً من نسج مودته، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب، فهي متعلقة بمواصلته، فهممهم إليه ثائرة، وأعينهم بالغيب ناظرة، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته، ثم قال لهم: إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من فراقي فعالجوه، أو خائف مني فانصروه، أو آمن مني فحذروه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو راحل نحوي فزودوه، أو جبان في متاجرتي فشجعوه، أو آيس من فضلي فرجوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدرتي فعظموه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو مسترشد فأرشدوه. هـ. وهذا بقدر الله ومشيئته، كما قال تعالى: [سورة هود (١١) : الآيات ١١٨ الى ١١٩] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) قلت: الاستثناء من ضمير «يزالون» . يقول الحق ﷻ : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، متفقين على الإيمان، أو الكفران، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة فاسمه: الرحيم والكريم يقتضي وجود من يستحق الكرم والرحمة، وهم: أهل الإيمان. واسمه: المنتقم والقهار يقتضي وجود من يستحق الانتقام

стр. 1158

والقهرية، وهم أهل الكفر والعصيان. قال البيضاوي: وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراد يجب وقوعه. هـ. وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ بعضهم على الحق، وهم أهل الرحمة والكرم، وبعضهم على الباطل، وهم أهل القهرية والانتقام. أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ إلا ناساً هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاءوا به، وهم المؤمنون. وقوله: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي: ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم، وإن كان الضمير يعود على «من» ، فالإشارة إلى الرحمة، أي: إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الأزلية على ما سَبق له الشقاء، أي: نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء، أو هي قوله للملائكة: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي: من أهل العصيان منهما، لا من جميعهما. الإشارة: الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيدَ عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلفت هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهباً. ولا تجد علماً من علم الفروع إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم: المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا- ﵀: مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف ... ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائْتِلاَف وأما قول من قال: [ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم] ، فالمراد بالاختلاف: تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله ﵊: «خلاف أمتي رحمة» . المراد: الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار لأن من قلد عالماً لقي الله سالماً. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة سرد قصص الأنبياء، فقال: قلت: «وكُلاً» مفعول «نقص» ، و «ما نثبت به» : بدل، أو «ما» مفعول «نَقُصُّ» ، و «كلا» : مصدر. أي: ونقص [سورة هود (١١) : آية ١٢٠] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)

стр. 1159

عليك كُلاً من الاقتصاص ما نثبت به فؤادك. يقول الحق ﷻ : وكل نبأ نَقُصُّ عَلَيْكَ من أخبار الرسل، ونخبرك به ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، ليزيدك يقيناُ وطمأنينة وثباتاً بما تسمع من أخبارهم، وما جرى لهم مع قومهم، وما لقوا من الأذى منهم، فتتسلى بهم، وتثبت على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار. وَجاءَكَ فِي هذِهِ السورة، أو الأنباء المقتصة عليك، الْحَقُّ أي: ما هو حق، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فيتحملون، ويصبرون لما يواجههم من الأذى والإنكار. الإشارة: ذكر أحوال الصالحين، وسيرهم وكراماتهم جند من جنود القلب، وذكر أشعارهم ومواجيدهم جند من جنود الروح، وقد ورد: أن عند ذكرهم تنزل الرحمة، أي: رحمة القلوب باليقين والطمأنينة. والله تعالى أعلم. ثم أمره بتهديد من خالفه، فقال: [سورة هود (١١) : الآيات ١٢١ الى ١٢٣] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) يقول الحق ﷻ : وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ: حالكم إِنَّا عامِلُونَ على حالنا، وَانْتَظِرُوا وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله فإنه نازل بكم، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ما وعدنا ربنا من النصر والعز. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يعلمه غيره فلا يعلم غيب العواقب، ووقت وقوع المواعد إلا هو. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم. وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت وهم، فيجازي كلاّ ما يستحقه. أو عما يعمل الكافرون، فيمهلهم ولا يهملهم. الإشارة: (فاعبده وتوكل عليه) : يقول تعالى: يا عبدي قُم بخدمتي أقم لك بقسمتي، قف ببابي وانتسب لجنابي أكفك شئونك، وتكن من أحبابي. أأدعوك لدارى، وأمنعك من وجود إبراري، أأكلفك بخدمتي، ولا أقوم لك بقسمتي، فثق بي كفيلاً، واتخذني وكيلاً، أعطك عطاء جزيلاً، وأمنحك فخراً جليلاً. قال القشيري: ويقال: إن التوكل: سكون القلب بضمان الربِّ. ويقال: سكون الجأش في طلب المعاش، ويقال: الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد. وسيأتي تمامه في سورة الفرقان، إن شاء الله. وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً.

стр. 1160

سورة يوسف مكية. وهى مائة وإحدى عشرة آية. وكأنها تتميم لما ذكر قبلها من قصص الأنبياء، فهى من جملة ما يثبّت به الفؤاد، ويقع به التسلية، مما يواجه به العبد من الأنكاد. وإنما أفردت بالسورة، لمزيد شرح وطول. [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) قلت: (قرآناً) : حال، و (عربياً) : نعت له. و (لعلكم) : يتعلق بأنزلناه أو بعربياً. و (أحسن) : مفعول (نَقُصُّ) ، و (بما أوحينا) : مصدرية، ويجوز أن يكون (هذا القرآن) : مفعول (نَقُصُّ) ، و (أحسن القصص) : مصدر. يقول الحق ﷻ : أيها الرسول المجتبى، والمحبوب المنتقى، تِلْكَ الآيات التي تُتلى عليك هي آياتُ الْكِتابِ المنزل عليك من حضرة قدسنا، الْمُبِينِ أي: الظاهر صدقه، الشهير شأنه. أو الظاهر أمره في الإعجاز والبلاغة، الواضح معانيه في الفصاحة، والبراعة. أو المبين للأحكام الظاهرة والباطنة. أو البَينُ لمن تدبره أنه من عند الله. أو المبين لمن سأل تَعنُّتاً من أحبار اليهود سؤالهم إذ رُوي أنهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً: لِمَ انتقلَ يعقوب من الشام؟ وعن قصة يوسف. فنزلت السورة. إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي: الكتاب، قُرْآناً أي: مقروءاً، أو مجموعاً، عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي: أنزلناه بلغتكم كي تفهموه وتستعملوا عقولكم في معانيه فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص، ولم يخالط من يعلم ذلك، معجز إذ لا يتصور إلا بالإيحاء. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ أحسن الاقتصاص لأنه اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يُقص لاشتماله على العجائب والحِكَمٍ والآيات والعِبَر، بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ مشتملاً على هذه السورة التي فيها قصة يوسف، التي هي من أبدع القصص، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عن هذه
следующие страницы →