مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ هذا بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة، فضلاً عن أن يعاوقه عناداً أو مناصبة. والاستفهام إنكاري، أي: لا أحد يشفع عنده لمن أراد تعالى عقوبته، إلا بإذنه، وذلك أن المشركين زعموا أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر تعالى أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه، يريد بذلك شفاعة النبي ﷺ وبعض الأنبياء والأولياء والملائكة.
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي: ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس، لأنك تستقبل المستقبل وتستدبر الماضي وقيل: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من الدنيا وَما خَلْفَهُمْ من الآخرة، وقيل: عكسه، لأنهم يقدمون ويُخَلِّفُون الدنيا وراءهم، وقيل: يعلم ما قدموه بين أيديهم من خير أو شر، وما خلفهم وما هم فاعلوه، أو عكسه.
والمراد أنه سبحانه أحاط بالأشياء كلها، فلا يخفى عليه شيء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ أي: لا يحيطون بشيء من معلوماته تعالى إلا بما شاء أن يُطْلعهم عليه، وعطفه على ما قبله لأن مجموعه يدل على تفرده تعالى بالعلم الذاتي التام، الدال على وحدانيته تعالى في ذاته وصفاته.
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يقال: فلان يسَعُ الشيء سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيامُ به. ويقال:
وسع الشيءُ الشيء إذا أحاط به وغمره حتى اضمحلّ في جانبه، وهذا المعنى هو اللائق هنا. وأصل الكرسي في اللغة: من تَركّب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة، لتركب أوراقها بعضها على بعض، وفي العرف: اسم لما يُقعد عليه، سُمِّي به لتركب خشباته. واختلف فيه فقيل: العرش، وقيل: غيره.
والصحيح أنه مخلوق عظيم أمام العرش، فوق السموات السبع دون العرش. يقال: إن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة. والكرسي في جانب العرش كحلقة في فلاة. وعن ابن عباس: (أن السموات في الكرسي كدراهم سبعة في تُرْسٍ) وقيل: كرسيه: علمه.
قال البيضاوي: هو تصوير لعظمته تعالى وتمثيل مجرد، كقوله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد «١» . وقيل: كرسيه مجاز عن
стр. 282
علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العلم والملك، وقيل: جسم بين يدي العرش محيط بالسماوات السبع لقوله- ﵊: «ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» ولعله الفلك المشهور بفلك البروج. هـ. قلت: وقد اعترض السيوطي في حاشيته عليه «١» . فالله تعالى أعلم.
وَلا يَؤُدُهُ أي: لا يُثْقله ولاَ يُشقُّ عليه حِفْظُهُما أي: حفظ السموات والأرض. وإنما لم يتعرض لذكر ما فيهما لأن حفظهما مُسْتَتْبع لحفظه، وَهُوَ الْعَلِيُّ أي: المتعالي عن الأشباه والأنداد، الْعَظِيمُ أي: عظيم الشأن، جليل القدر، الذي يستحقر كلُّ شيء دون عظمته.
وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالّة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية، متصف بالحياة الذاتية، واجب الوجود لذاته، موجد لغيره إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مُبرَّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له. عالم بالأشياء كلها: جليّها وخفيّها، كلّيّها وجِزْئيَّها.
واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشقُّ عليه شاقٌّ، ولا يشغله شأن عن شأن، مُتَعَالٍ عن تناول الأوهام، عظيمٌ لا تحيط به الأفهام، ولذلك تفردت عن أخواتها بفضائل رائعة وخواص فائقة، قال ﷺ :
«أعظمُ آيةٍ في القرآنِ آية الكرسىّ» . وقال ﵊: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسيّ دُبر كل صلاة مكتوبة لم يَمْنَعْهُ من دُخُولِ الْجنَّة إلا الموتُ- وفي رواية- كانَ الذي يَتوَلَّى قَبْضَ رُوحِه ذُو الجَلاَل والإكْرَام- ولا يُوَاظِبُ عليها إلا صِدِّيقٌ أو عَابدْ، ومن قَرَأها إذا أخَذ مَضْجَعَه أمن على نفْسِه وَجارِه وَجارِ جَارِه، والأبيات حوله» .
وقال ﵊: «ما قُرئت هذه الآيةُ في بيْت إلا هَجَرَتْهُ الشياطينُ ثلاثين يَوْماً، ولا يدْخُله ساحرُ ولا ساحرةٌ أربعين يوماً، يا عليّ علِّمْها ولدَك وأهلكَ وجيرانَك، فما نزلَتْ آيةٌ أعظمُ منها» . قاله البيضاوي وأبو السعود، وتكلم السيوطي في بعض هذه الأحاديث. والفضائل يعمل فيها بالضعيف. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يا أيها الذين آمنوا أيمان أهل الخصوصية- (أَنفِقُواْ مما رزقناكم) من سعة العلوم ومخازن الفهوم، من قبل أن يأتي يوم اللقاء، يوم تسقط فيه المعاملات وتغيب تلك الإشارات، لا ينفع فيه إلا الدخول من باب الكرم،
стр. 283
فيلقى الله بالله دون شيء سواه، والجاحدون لهذا هم الظالمون لأنفسهم، حيث اعتمدوا على أعمالهم فلقُوا الله بالصنم الأعظم. والحيُّ القيوم الكبير المتعال غني عن الانتفاع بالأعمال. وبالله التوفيق.
ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه. قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. والتعلق به: استمداد حياة الروح بالعلم والمحبة الكاملة. ومن عرف أنه الحي القيّوم وثق به، ونسي ذكر كل شيء بذكره، ولم يشاهد غيره بمشاهدة قيوميته. والتعلق به استمداد معرفة قيوميته حتى يستريح من نكد التدبير، والتخلق به بأن تكون قائماً على ما كُلِّفْتَ به من أهْلٍ وَوَلَدٍ ونَفْسٍ ومَالٍ، وكُلِّ من تعلق بك من النساء والرجال.
ولمَّا وصف الحيُّ تعالى نفسه بأوصاف الكمال من الكبرياء والعظمة والجلال، وكانت شواهد ذلك ظاهرة في خلقه حتى تبيَّن الحق من الباطل، بيّن ذلك بقوله:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٦]
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)
قلت: (الرُشْد) : مصدر رَشُد، بالكسر والضم، رشداً ورشاداً، و (الغي) : مصدر غَوَى، إذا ضلّ فى مُعْتَقَدِه، و (الطاغوت) : فعلوت من الطغيان، وأصله: طغيوت، فقلبت لام الكلمة لعينها فصار طيغوت، ثم قلبت الياء ألفاً.
وهو كل ما عُبد من دون الله راضياً بذلك، و (العروة) : ما تستمسك به اليد عند خوف الزل كالحبل ونحوه، ووثوقها: متانتها، وانفصامها أن تنفك عن موضعها، وأصل الفصم في اللغة: أن ينفك الخلخال ونحوه ولا يَبِين، فإذا بان فهو القَصْم- بالقاف- وهو هنا استعارة للدّين الصحيح.
يقول الحق ﷻ في شأن رجلًٍ من الأنصار، تَنَصَّر ولدَاه قبل البَعْثَة فلما جاء الإسلامُ قَدِمَا إلى المدينة فدعاهما أبوهما إلى الإسلام فامتنعا، فلزمهما أبو هما وقال: والله لا أدِعكما حتى تُسلما، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، فهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تُكرهوا أحداً على الدخول في الدين.
وهو خاص بأهل الكتاب.
قال البيضاوي: إذ الإكراه في الحقيقة هو: إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً، ولكن قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي تميّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية، والكفر غيّ يوصل إلى الشقاوة السرمدية. والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء. هـ.
стр. 284
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ أي: يبعد عنها ويجحد ربوبيتها وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي: يصدق بوحدانيته، ويقر برسله، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي: فقد تمسك بالدين المتين، لا انقطاع له أبداً، وَاللَّهُ سَمِيعٌ بالأقوال، عَلِيمٌ بالنيات، فإنَّ الدين مشتمل على قول باللسان وعقد بالجَنَان، فحسن التعبير بصفة السمع والعلم.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: قال في الحكم: «لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق، إنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك» . وقال أحمد بن حضرويه: الطريق واضح، والحق لائح، والداعي قد أَسْمَع، ما التحير بعد هذا إلا من العمَى. هـ. فطريق أسير واضحة لمَن سبقت له العناية، باقية إلى يوم القيامة، وكل ما سوى الله طاغوت، فمن أعرض عن السَّوَى، وعلق قلبه بمحبة المولى، فقد استمسك بالعروة الوثقى، التي لا انفصام لها على طول المدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم بيَّن الحق تعالى حال أهل العناية من أهل الشقاوة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٧]
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)
قلت: الولي: هو المحب الذي يتولى أمور محبوبه، أو الناصر الذي ينصر محبوبه، ولا يخذله بأن يكله إلى نفسه. وجملة (يخرجهم) : حال من الضمير المستتر في الخبر، أو من الموصول أو منهما، أو خبر ثان.
يقول الحق ﷻ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي: محبهم ومتولي أمورهم، يُخْرِجُهُمْ مِنَ ظلمات الكفر والجهل، ومتابعة الهوى وقبول الوسواس، والشبه المُشْكِلة في التوحيد- إلى نور الإيمان واليقين، وصحة التوحيد، ومتابعة الداعي إلى الله، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ أي: أحباؤهم الطَّاغُوتُ أي: الشياطين، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما، يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ الذي مُنحوه بالفطرة الأصلية، أو يصدونهم من الدخول في الإيمان إلى ظلمات الكفر والجهل، والتقليد الرديء واتباع الهوى، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ بسبب نِيَّاتهم البقاء على الكفر إلى الممات، ولم يذكر في جانب المؤمنين دخول الجنة لتكون عبادتهم عبودية، لا خوفاً ولا طمعاً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: (الله ولي الذين آمنوا) حيث تولاهم بسابق العناية، وكلأهم بعين الرعاية، يخرجهم أولا من طلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم من ظلمات الحس ورؤية الأكوان إلى نور المعاني بحصول الشهود والعيان، فافن
стр. 285
عن الإحساس تر عبراً. «الكون كله ظلمة، وإنما أناره ظهورُ الحَقِّ فيه» . أو تقول: الكون كله ظلمة لأهل الحجاب، وأما عند أهل المعرفة فالكون عندهم كله نور، وإنما حجبه ظهور الحكمة فيه، «فمن رأى الكون ولم يشهد النور فيه، أو قبله، أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار» . والذين كفروا- وهم الذين سبق لهم الشقاء، وحكم عليهم بالبعد القدر والقضاء- أولياؤهم الطاغوت، وهم القواطع: من الهوى والشيطان والدنيا والناس، (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) أي: يمنعونهم من شهود تلك الأنوار السابقة، إلى الوقوف مع تلك الظلمات المتقدمة، فهم متعاكسون مع مَن سبقتْ لهم العناية، فما خرج منه أهل العناية وقع فيه أهل الغواية. نسأل الله الحفظ والعافية فى الدنيا والآخرة.
ثم بيَّن الحق تعالى حال مَن سبق له الشقاء، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
قلت: (أن آتاه) : على حذف لام العلة، و (إذ قال) : ظرف أ- (حاجّ) ، أو بدل من (آتاه الله) .
يقول الحق ﷻ متعجباً من جهالة النمرود، والمراد تعجيب السامع: أَلَمْ تَرَ يا محمد، إِلَى جهالة الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ أي: خاصمه فِي رَبِّهِ لأجْل أَنْ أعطاه اللَّهُ الْمُلْكَ، أي: حمله على ذلك بطر الملك. وذلك أنه لما كسَّر إبراهيم الأصنام، سجنه أياماً، وأخرجه من السجن، وقال له: من ربك الذي تعبد؟ قالَ له إِبْراهِيمَ ﵇: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، أي: يخلق الأرواح في الأجسام، ويخرجها عند انقضاء آجالها، (قال) نمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فدعا برجلين فقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فلما رأى إبراهيم ﵇ غلطه وتشغيبه عدل له إلى حجة أخرى، لا مقدور للبشر على الإتيان بمثلها، فقال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ لأنك تدَّعي الربوبية، ومن شأن الربوبية أن تقدر على كل شيء، ولا يعجزها شيء، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي: غُلب وصار مبهوتاً، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى قبول الهداية، أو إلى طريق النجاة، أو إلى محجة الاحتجاج.
стр. 286
الإشارة: قال بعض الحكماء: للنفس سر، ظهر على فرعون والنمرود، حتى صرّحا بدعوى الربوبية. قلت:
وهذا السر هو ثابت للروح في أصل نشأتها لأنها جاءت من عالم العز والكبرياء. انظر قوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، وقال أيضاً: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي: سر من أسراره، فلما ركبت في هذا القالب الذي هو قالب العبودية- طلبت الرجوع إلى أصلها. فجعل لها الحقّ ﷻ باباً تدخل منه فترجع إلى أصلها وهو الذل والخضوع والانكسار والافتقار، فمن دخل من هذا الباب، واتصل بمن يعرّفه ربه، رجعت روحه إلى ذلك الأصل، وأدركت ذلك السر، فمنها من تتسع لذلك السر وتطيقه، ومنها من تضيق عن حمله وتبوح به، فتقتلها الشريعة، كالحلاج وأمثاله، ومن طلب الرجوع إلى ذلك الأصل من غير بابه، ورام إدراكه بالعز والتكبّر، طُرد وأُبعد، وهو الذي صدر من النمرود وفرعون وغيرهما ممن ادّعى الربوبية جهلاً. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحق تعالى من أدركته العناية، وفي قصته برهان على إحياء الموتى الذي احتج به إبراهيم- ﵇ فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩]
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)
قلت: (أو) : عاطفة، و (كالذي) : معطوف على الموصول المجرور بإلى، أي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِى رَبِّهِ، وإلى مثل الذي مر على قرية. وإنما أدخل حرف التشبيه لأن المُنكر للإحياء كثيرٌ، والجاهل بكيفيته أكثر، بخلاف مدعي الربوبية فإنه قليل. وقيل: الكاف مزيدة، والتقدير: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حاج وإلى الذي مرَّ، (أنَّى) :
ظرف ليُحيي، بمعنى: متى، أو حال بمعنى كيف، و (يتسنه) بمعنى يتغير، وأصله: يتسنن، فأبدلت النون الثالثة حرف علة. قال في الكافية:
وثَالِثَ الأمثَالِ أبدِلَنْه يا ... نحو (تَظَنَّى خالدٌ تَظَنِّيَا)
стр. 287
فصار تَسَنَّى ثم حُذفت للجازم، وأتى بهاء السَّكْت، وقفا ووصلا، كالعِوض من المحذوف، وقيل: من السَّنة، وهو التغير، فالهاء أصلية، و (لنجعلك) : معطوف على محذوف، أي: لتعتبر ولنجعلك آية للناس.
يقول الحق ﷻ : ألم ترَ يا محمد أيضاً إلى مثل الذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، وهو عزيز، حَبْرُ بني إسرائيل. - وقيل: غيره- مرَّ على بيت المقدس حين خربها بُختنصر وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها أي: سقفها، وذلك بعد مائة سنة حتى سقطت العروش، ثم سقطت الحيطان عليها، فلما رآها خالية، وعظام الموتى فيها بالية، قالَ في نفسه: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها أي: متى يقع هذا. اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإحياء، واستعظاماً لقدرة المحيي، إن كان القائل عزيراً، أو استبعاداً إن كان كافراً، فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ أي: ألبثه ميتاً مائة عام، ثُمَّ بَعَثَهُ بالإحياء، فقال له على لسان الملك، أو بلا واسطة: كَمْ لَبِثْتَ ميتاً؟ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وذلك أنه مات ضحى وبعث بعد مائة عام قبل غروب الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس (يوماً) ، ثم التفت فرأى بقية منها، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ على الإضراب، قال له الحق ﷻ : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.
وذلك أن عزيراً ذهب ليخترف «١» لأهله فجعل على حماره سَلة عنب وجَرَّة عصير. فلما مرَّ بتلك القرية ربط حماره، وجعل يتعجب من خرابها وخلائها بعد عمارتها، فقال في نفسه ما قال، فلطف الله به، وأراه كيفية الأحياء عياناً، فأماته مائة عام، حتى بليت عظام حماره وبقي العصير والعنب كأنه حين جنى وعصر فقال له ﷻ : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وهو العنب، وَشَرابِكَ وهو العصير، لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي: لم يتغير بمرور الزمان وطول المدة، وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرقت أوصاله، وبليت عظامه، فعلنا ذلك بك لتشاهد قدرتنا، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ بعدك، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ أي: عظام حمارك، كَيْفَ نُنْشِزُها، أي: نحييها، من نَشَرَ الله الموتى: أحياها. أو: كَيْفَ نُنْشِزُها بالزاي- أي: نرفع بعضها، ونركبه عليه، ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً.
فنظر إلى العظام، فقام كلُّ عَظْم إلى موضعه، ثم كسى لحماً وجلداً، وجعل ينهق، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ما كان استغربه وأُشكل عليه قالَ أَعْلَمُ علم اليقين أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أو فلما تبين له الحق، وهو قدرته تعالى على كل شيء، قال لنفسه: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
стр. 288
رُوِيَ أنه أتى قومه على حماره، وقال أنا عزير، فكذبوه، فقرأ التوراة من حفظه، ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك، وقالوا: هو ابن الله- تعالى عن قولهم- وقيل: لما رجع إلى منزله- وكان شاباً- وجد أولاده شيوخاً، فإذا حدَّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في هذه الآية والتي بعدها، الإشارة إلى الأمر بتربية اليقين والترقي فيه من علم اليقين إلى عين اليقين، فإن الروح ما دامت محجوبة بالوقوف مع الأسباب والعوائد، وبرؤية الحس والوقوف مع الوسائط، لم تخل من طوارق الشكوك والخواطر، فإذا انقطعت إلى ربها، وخرقت عوائد نفسها، كشف لها الحق تعالى عن أستار غيبه، وأطلعها على مكنونات سره، وكشف لها عن أسرار الملكوت، وأراها سنا الجبروت، فنظرت إلى قدرة الحي الذي لا يموت، وتمتعت بشهود الذات وأنوار الصفات، في هذه الحياة وبعد الممات، فحينئذٍ ينقطع عنها الشكوك والأوهام، وتتطهر من طوارق الخواطر، وتزول عنها الأمراض والأسقام.
قال في الحِكَم: «كيف تخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد» . فانظر إلى عزيز ... ما أراه الحق قدرته عياناً حتى خرق له عوائده فأماته ثم أحياه، فكذلك أنت أيها المريد لا تطمع أن تخرق لك العوائد، تشاهد قدرة الحق أو ذاته عياناً، حتى تموت عن حظوظك وهواك، ثم تحيا روحك وسرك، فحينئذٍ تشاهد أسرار ربك، ويكشف الأستار عن عين قلبك. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم ذكر الحقّ تعالى قصة خليله ﵇ في طلبه رؤية عين القدرة في إحياء الموتى، ليترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
قلت: رأى: البصرية، إنما تتعدى إلى مفعول واحد، فإذا أُدخلت عليها الهمزة تعدت إلى مفعولين. وعلقها هنا عن الثاني الاستفهام، (وصرهن) أي: أَمْلهُنَّ واضمُمْهن إليك. وفيه لغتان: صار يصير ويصور، ولذلك قرئ بكسر الصاد وضمها، و (سعيا) : حال، أي: ساعيات.
يقول الحق ﷻ : واذكر يا محمد، أو أيها السامع، حين قالَ إِبْراهِيمُ ﵇: يا رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى أي: أبصرني كيفية إحياء الموتى، حتى أرى ذلك عياناً، أراد ﵇ أن ينتقل من علم
стр. 289
اليقين إلى عين اليقين، وقيل: لما قال للنمرود: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قال له: هل عاينت ذلك؟ فلم يقدر أن يقول: نعم. وانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه ذلك ليطمئن قلبه على الجواب، إن سئل مرة أخرى، فقال له الحق ﷻ : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة؟ وإنما قال له ذلك، مع علمه بتحقيق إيمانه ليجيبه بما أجاب فيعلم السامعون غرضه، قالَ إبراهيم ﵇: بَلى آمنت إِنك على كل شيءٍ قدير، وَلكِنْ سألتك لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي إذ ليس الخبر كالعيان، وليس علم اليقين كعين اليقين، أراد أن يضم الشهود والعيان إلى الوحي والبرهان.
قال له الحق ﷻ : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام، فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ أي: اضممهن إليك لتتأملها وتعرف أشكالها، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء أشكالها، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أي: ثم جَزَّئهن، وفرق أجزاءهن على الجبال التي تحضرك. قيل: كانت أربعة وقيل: سبعة، ثُمَّ ادْعُهُنَّ وقل لهن: تعالين بإذن الله، يَأْتِينَكَ سَعْياً أي: ساعيات مسرعات، رُوِيَ أنه أمر أن يذبحها وينتف ريشها، ويقطعها ويخلط بعضها ببعض، ويوزعها على الجبال، ويمسك رءوسها عنده، ثم يناديها، ففعل ذلك، فجَعَل كل جزء يطير إلى الآخر ويلتئم بصاحبه حتى صارت جثثاً، ثم أقبل إليه فأعطى كل طير رأسه فطار في الهواء. فسبحان من لا يعجزه شيء، ولا يغيب عن علمه شيء، ثم نبّه إلى التفكر في عجائب قدرته وحكمته فقال: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء، حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة فيما يفعل ويذر.
الإشارة: من أراد أن تحيا رُوحُه الحياة الأبدية، وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، فلا بد أن تموت نفسه أربع موتات:
الأولى: تموت عن حب الشهوات والزخارف الدنيوية، التي هي صفة الطاووس.
الثانية: عن الصولة والقوى النفسانية، التي هي صفة الديك.
الثالثة: عن خسة النفس والدناءة وبعد الأمل، التي هي صفة الغراب.
الرابعة: عن الترفع والمسارعة إلى الهوى المتصف بها الحمام.
فإذا ذبح نفسه عن هذه الخصال حييتْ روحه، وتهذبت نفسه، فصارت طوع يده، كلما دعاها إلى طاعة أتت إليها مسرعة ساعية.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو الحسن الشاذلي بقوله في حزبه الكبير: (واجعل لنا ظهيراً من عقولنا ومهيمناً من أرواحنا، ومسخراً من أنفسنا، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيرًا، إِنكَ كنت بنا بصيراً) .
стр. 290
ولما كانت حياة الروح متوقفة على أمرين: بذل النفوس، ودفع الفلوس وقدم الإشارة إلى الأول بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أشار إلى الثاني بقوله:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦١ الى ٢٦٢]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)
قلت: (مثل الذين) : مبتدأ، و (كمثل) : خبر، ولا بد من حذف مضاف، إما من المبتدأ أو الخبر، أي: مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة، أو مثل الذين ينفقون كمثل باذر حبة ... الخ.
يقول الحق ﷻ في التحريض على النفقة في سبيل الله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: يتصدقون بها في سبيل الله، كالجهاد ونحوه، كَمَثَلِ زارع حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ له سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، فالمجموع سبعمائة. وفى الحديث عنه ﷺ : «الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة إلى أضْعَافٍ كَثيرَةٍ» . وإسناد الإنبات إلى الحبة مجاز، والمنبت هو الله، وهذا مثال لا يقتضي الوقوع، وقد يقع في الذرة والدخن «١» في الأرض الطيبة، بحيث تخرج الحبة ساقاً يتشعب إلى سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، وَاللَّهُ يُضاعِفُ تلك المضاعفة لِمَنْ يَشاءُ بفضله، على حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه، وبحسبه تتفاوت الأعمال في مقادير الثواب، وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الثواب، عَلِيمٌ بنية المنفق وقدر إنفاقه.
ثم ذكر شرطَيْن آخرَيْن في قبول النفقة، فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً. المن: أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه بحيث يقول: أنا فعلت معه كذا، وكذا إظهاراً لميزته عليه. والأذى: أن يتطاول عليه بذلك. ويقول: لولا أنا لم يكن منك شيء، مثلاً. فمن فعل هذا فقد ذهبت صدقته هباءاً منثوراً، ومن سلم من ذلك، وأنفق ماله ابتغاء وجه الله ف- لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
وقال زيد بن أسلم ﵁: إذا أعطيت أحداً شيئاً وظننت أن سلامَكَ يَثْقُلُ عليه فَكُفَ سلامَكَ عنه. هـ.
стр. 291
قيل: أن الآية نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف- رضى الله عنهما أما عثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها. وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عُثْمَانُ بألْفِ دِينَارِ في جيش العُسْرَةِ، فصَبَها في حجر النبي ﷺ ، فرأيت النبي ﷺ يُدخل يَده فيها، ويُقلِّبهَا ويقول: «ما ضَرَّ ابن عفَّان ما عَمِلَ بَعْدَ اليوم» .
زاد في رواية أبى سعيد: فرأيت النبي ﷺ رافعاً يدعو لعثمان، ويقول: «يا رب عثمان بن عفان، رضيتُ عنه فارض عنه» . وأما عبد الرحمن: فإنه أتى النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم، صدقة، وأمسك أربعة آلاف لعياله، فقال له النبي ﷺ : «بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ» .
وإنما لم يدخل الفاء في قوله: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، مع أن الموصول قد تضمن معنى الشرط، إيهاماً بأنهم أهلٌ لذلك، وإن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا. قاله البيضاوي.
الإشارة: التقرُّب إلى الله تعالى يكون بالعمل البدني وبالعملي المالي، وبالعمل القلبي، أما العمل البدني، ويدخل فيه العمل اللساني، فقد ورد فيه التضعيف بعشر وبعشرين وبثلاثين وبخمسين وبمائة، وبأكثر من ذلك أو أقل، وكذلك العمل المالي: قد ورد تضعيفه إلى سبع مائة، ويتفاوت ذلك بحسب النيات والمقاصد، وأما العمل القلبي: فليس له أجر محصور، قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، فالصبر، والخوف، والرجاء، والورع، والزهد، والتوكل، والمحبة، والرضا، والتسليم، والمعرفة، وحسن الخلق، والفكرة، وسائر الأخلاق الحميدة، إنما جزاؤها: الرضا، والإقبال والتقريب، وحسن الوصال. قال تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أي:
أكبر من الجزاء الحسيّ الذي هو القصور والحور.
وأما قوله ﵊: «تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة» . فإنما هو كناية عن الكثرة والمبالغة، كقوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ. ومثله قول الشاعر «١» :
كُلُّ وَقتٍ مِنْ حَبيبيِ ... قَدْرُهُ كألفِ حجَّهْ
أي: سَنَة. والله تعالى أعلم.
ثم بيَّن الحقّ تعالى أن حسن الخلق ولين الجانب أفضل من الصدقة المشوبة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٣]
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)
قلت: (قول) : مبتدأ، و (خير) : خبر، والمسوِّغ الصفةُ.
стр. 292
يقول الحق ﷻ : قَوْلٌ جميل يقوله الإنسان للسائل في حال رده، حيث لم يجد ما يعطيه، خَيْرٌ وأفضل عند الله من الصدقة التي يتبعها المن والأذى، ومثال القول المعروف: الله يرزقنا وإياك رزقاً حسناً. والله يغنينا وإياك من فضله العظيم، وشبه ذلك من غير تعبيس ولا كراهية. وَمَغْفِرَةٌ للسائل والعفو عن جفوته وإلحاحه، خَيْرٌ أيضاً مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها مَنٍّ، أو أَذىً للسائل، علم الحق ﷻ إن الفقير إذا رُدَّ بغير نوال شقَّ عليه، فربما أطلق لسانه وأظهر الشكوى فأمر المسئول بالعفو والتواضع. ولو شاء الحقّ تعالى لأغنى الجميع، لكنه أعطى الأغنياء ليظهر شكرهم، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم، وَاللَّهُ تعالى غَنِيٌّ عن أنفاق يصحبه مَنٌ أو أذى، حَلِيمٌ عن معاجلة من يَمُنُّ أو يؤذي بالعقوبة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: يُفهم من الآية أن حسن الخلق، ولين الجانب، وخفض الجناح، وكف الأذى، وحمل الجفاء، وشهود الصفاء، من أفضل الأعمال وأزكى الأحوال وأحسن الخلال، وفي الحديث: «إنَّ حُسْن الخُلق يعدل الصيام والقيام» .
وفي قوله: وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ: تربية للسائل والمسئول، فتربية السائل: أن يستغني بالغنيِّ الكبير عن سؤال العبد الفقير، ويكتفي بعلم الحال عن المقال، وتربية المسئول: أن يحلم عن جفوة السائل فيتلطف في الخطاب، ويحسن الرد والجواب. قال في شرح الأسماء: والتخلق بهذا الاسم- يعني الحليم- بالصفح عن الجنايات، والسمح فيما يقابلونه به من الإساءات، بل يجازيهم بالإحسان، تحقيقاً للحلم والغفران. هـ.
ثم حذَّر الحق تعالى من المن والأذى فى الصدقة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)
قلت: (كالذي) : الكاف في محل نصب على المصدر، أي: إبطالاً كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس. أو حال، أي: مشبَّهين بالذي ينفق رئاء. و (رئاء) مفعول له، والصفوان: الحجر الأملس، والصلد: البارز الذي لا تراب عليه، وجمع الضمير في قوله: (لا يقدرون) باعتبار معنى (الذي) لأنَّ المراد به الجنس.
стр. 293
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا أجر صدقتكم بِالْمَنِّ بها على المتصدَّقِ عليه، وَالْأَذى الذي يصدر منكم له، بأن تذكروا ذلك للناس، فتكون صدقتكم باطلة، كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فإن أجره يوم القيامة يكون هباء منثوراً، فَمَثَلُهُ في انتفاعه بصدقته، وتستره بها في دار الدنيا، وافتضاحه يوم القيامة، كحجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ يستره، فيظن الرائي أنه أرض طيبة تصلح للزراعة، فَأَصابَهُ وابِلٌ أي: مطر غرير فَتَرَكَهُ صَلْداً حجراً يابساً خالياً من التراب، كذلك المراءون بأعمالهم، ينتفعون بها في الدنيا بثناء الناس عليهم وستر حالهم، فإذا قدموا يوم القيامة وجدوها باطلة، لا يَقْدِرُونَ عَلى الانتفاع ب شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إلى مراشدهم ومصالح دينهم. وفيه تعريض بأن الرياء والمن والأذى من صفة الكافر، ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها.
وبالله التوفيق.
الإشارة: تصفية الأعمال على قدر تصفية القلوب، وتصفية القلوب على قدر مراقبة علام الغيوب، والمراقبة على قدر المعرفة. والمعرفة على قدر المشاهدة. والمشاهدة تحصل على قدر المجاهدة، وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا. وفي الحكم: «حسن الأعمال من نتائج حسن الأحوال. وحسن الأحوال من التحقق بمقامات الإنزال» والحاصل أن من لم يتحقق بمقام الفناء لا تخلو أعماله من شوب الخلل، ومن تحقق بالزوال لم ير لنفسه نسبة في عطاء ولا منع، ولا حركة ولا سكون، ولم ير لغيره وجوداً حتى يرجو منه نفعاً ولا خيراً. وفي بعض الإشارات: يا من يرائي أَمْر مَنْ من ترائِي بيد من تعصيه. هـ. وفي تمثيله بالحجر إشارة إلى قساوة قلبه ويبوسه طبعه، فلا يرجى منه خير قط. والعياذ بالله.
ثم ذكر الحق تعالى ضد هؤلاء، وهم المخلصون، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٥]
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)
قلت: الربوة- مثلثة الراء-: المكان المرتفع، والوابل: المطر الغزير، والطل: المطر الخفيف، وفي ذلك يقول الراجز:
والطلُّ ما خفَّ من الأمْطَارِ ... والوابلُ الغزيرُ ذو أنْهِمَارِ
стр. 294
و (ابتغاء مَرْضات الله) و (تثبيتاً) : حالان من الواو في: (ينفقون) ، أو مفعولان له. والتثبيت بمعنى التثبت، أي:
التحقق، كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا أي: تبتلاً.
يقول الحق ﷻ : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ في سبيل الله ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتحققاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ بثواب الله، أو تحقيقاً من أنفسهم بالوصول إلى رضوان الله إن بذلوا أموالهم في طلب رضى الله، مَثَلُ نفقتهم في النمو والأرتفاع كَمَثَلِ جَنَّةٍ أي: بستان بِرَبْوَةٍ بمكان مرتفع، فإن شجره يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، أَصابَها وابِلٌ أي: مطر غزير فَآتَتْ أُكُلَها أي: ثمارها ضِعْفَيْنِ أي: مِثْلَيْ ما كانت تثمر في عادتها، أي: حملت في سَنَةٍ ما يحمل غيرها في سنتين، بسبب هذا المطر الذي نزل بها، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي: فيصيبها طل، أي: مطر قليل يكفيها لطيب تربتها وارتفاع مكانها، فأقلُّ شيء يكفيها.
والمراد: أن نفقات هؤلاء، لإخلاصهم وكمال يقينهم، كثيرة زاكية عند الله، وإن كانت قليلة في الحس فهي كثيرة في المعنى. وفي الحديث: «مَنْ تصدَّقَ ولو بلُقْمة وقعتْ في كَفٍّ الرحمن فيُرَبِّيها كما يُربى أحدُكُم فلُوَّهُ أو فَصِيله «١» ، حتى تكونَ مثل الجبل» . وفي قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: تحذير من الرياء، وترغيب فى الإخلاص. والله تعالى أعلم.
الإشارة: تنمية الأعمال على قدر تصفية الأحوال، وتصفية الأحوال على قدر التحقق بمقامات الإنزال، أي:
على قدر التحقق بالإنزال في مقامات اليقين، فكل من تحقق بالنزول في مقامات اليقين، ورسخت قدمه فيها، كانت أعماله كلها عظيمة، مضاعفة أضعافاً كثيرة، فتسبيحة واحدة من العارف، أو تهليلة واحدة، تعدل الوجود بأسره، ولا يزنها ميزان، وكذلك سائر أعمال العارف: كلها عظيمة مضاعفة لأنها بالله ومن الله وإلى الله، وما كان بالله ومن الله لا يطرقه نقص ولا يشوبه خلل، ولأجل هذا صارت أوقاتهم كلها ليلة القدر، وأماكنهم كلها عرفات، وأنفاسهم كلها زكيات، وصحبتهم كلها نفحات، ومخالتطهم كلها بركات. نفعنا الله بذكرهم وخرطنا في سلكهم. آمين.
ثم حذَّر الحق تعالى من طوارق الخلل بعد تمام العمل، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٦]
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
стр. 295
قلت: الإعصار: عمود من ريح فيه عجاجة، يدور ويرتفع.
يقول الحق ﷻ : أيتمنى أحدكم أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ أي: بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ، هما الغالبان فيه لكثرة منافعهما، تَجْرِي مِنْ تحت تلك الأشجار الْأَنْهارُ إذ من كمال البستان أن يشتمل على الماء البارد والظل الممدود، ولَهُ فِيها أي: في تلك الجنة مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ زائدة على النخيل والأعناب، ثم أَصابَهُ الْكِبَرُ فضعف عن القيام بتلك الجنة، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ لا يستطيعون القيام بأنفسهم لصغرهم، فأصاب تلك الجنة إِعْصارٌ أي: ريح شديد فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ تلك الجنة، فلا تسأل عن حسرة صاحب هذا البستان، لخوفه من ضياع نفسه وعياله. وهذا مثال لمن يُكثر من أعمال البر، كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد وغير ذلك، ثم يُعجب به، ويفتخر وَيَمُنَّ بصدقته أو يؤذي، فتحبط تلك الأعمال وتذهب، فيتحسر عليها يوم القيامة، وهو أحوج ما يكون إليها. أو يعمل بالطاعة في أيام عمره، فإذا قرب الموت عمل بالمعاصي حتى ختم له بها فحبطت تلك الأعمال، والعياذ بالله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فيها فتعتبرون، وتخلصون في أعمالكم، وتخافون من سوء عاقبتكم. أعاذنا الله من ذلك.
الإشارة: في الآية تخويف للمريد أن يرجع إلى عوائده، ويلتفت إلى عوالم حسه، فيشتغل بالدنيا بعد أن استشرف على جنة المعارف، تجري على قلبه أنهار العلوم، فينقُضُ العهد مع شيخه، أو يسيىء الأدب معه، ولم يتب حتى تيبس أشجار معارفه، وتلعب به ريح الهوى، فيحترق قلبه بنار الشهوات.
قال البيضاوي: وأشبههم به من جال سره في عالم الملكوت، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور، والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً. هـ.
ثم رغّب الحق تعالى فى الصدقة من الكسب الطيب، فرضا ونفلا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)
قلت: (تيمموا) : أصله: تتيمموا، أي تقصدوا، وجملة (تنفقون) : حال مقدرة- من فاعل (تيمموا) ، و (منه) :
يصح أن يتعلق ب- (تنفقون) أو ب- (الخبيث) ، أي: ولا تقصدوا الخبيث حال كونكم تنفقونه، أو لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه، و (لستم بآخذيه) : حال أيضًا من فاعل (تنفقون) .
стр. 296
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ من الأموال في التجارة وغيرها، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «يا معشرَ التُجار، أنتم فُجار إلا من اتقى وبَرَّ وصَدَق وَقَالَ بالمال «١» هكذا وهكذا» .
وقوله مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ أي: من حلاله، أو من خياره، أما في الزكاة فعلى الوجوب، إذ لا يصح دفع الرديء فيها، وأما فى التطوع فعلى سبيل الكمال، وأنفقوا أيضاً من طيبات مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من أنواع الحبوب والثمار والفواكه، وفي الحديث عنه ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسَ غَرْساً، أَوْ يَزرَعُ زَرْعاً، فَيَأكُلُ مِنهُ إنْسَانٌ ولا دَابَّةٌ ولاَ طَائِرٌ، إلاَّ كَانَت لَهُ صدقةً إلى يَوَمِ الِقِيَامِةِ» . ولا تقصدوا الْخَبِيثَ أي: الرديء من أموالكم، فتنفقون منه وأنتم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في ديونكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا بصركم فيه، وتقبضونه حياء أو كرهاً أو مسامحة.
نزلت في قوم كانوا يتصدقون بخبيث التمر وشراره، فنُهوا عنه، وأدبهم بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن إنفاقكم، وإنما أمركم به منفعة لكم، حَمِيدٌ بقبوله وإثابته، فهو فعيل بمعنى فاعل، مبالغة، أي: يحمد فعلكم ويشكره لكم، إن أحسنتم فيه، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللهَ قَسَم بينَكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيباً، لا يكسبُ عبدٌ مالاً من حرام فيتصدقُ منه فيُقْبل منه، ولا ينفقُ منه فيبَارك له فيه، ولا يتركهُ خلفَ ظهره إلا كان زاده إلى النار، وإن الله لا يمحو السيّء بالسيىء ولكن يمحو السيء بالحسن، وإن الخبيث لا يمحوه الخبيث» .
الإشارة: يا أيها الذين آمنوا إيمان الخصوص، أنفقوا العلوم اللدنية والأسرار الربانية، من طيبات ما كسبتم من تصفية أسراركم وتزكية أرواحكم، وأنفقوا أيضاً علوم الشريعة وأنوار الطريقة، مما أخرجنا لكم من أرض نفوسكم التي تزكت بالأعمال الصافية والأحوال المُرْضِية.
ولا تيمموا العمل الخبيث أو الحال الخبيث، تريدون أن تنفقوا منه شيئاً من تلك العلوم، فإن ذلك لا يزيد النفس إلا جهلاً وبعداً، فكما أن الحبة لا تنبت إلا في الأرض الطيبة، كذلك النفس لا تُدفن إلا في الحالة المرضية، فلا تؤخذ العلوم اللدنية من النفس حتى تدفن في أرض الخُمول، وأرض الخمول هي الأحوال المرضية، الموافقة للقواعد الشرعية، وإليه الإشارة بقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي: لستم بآخذي العلم اللدني من الحال الخبيث، إلا أن تغيبوا فيه عن حِسَّكم، ومن غلبه الحال لم يبق عليه مقال. وعليها تتخرج قصة لص الحَمَّام «٢» ، فلا يقتدى به لغلبة الحال عليه، واعلموا أن الله غني حميد، لا يتقرب إليه إلا بما هو حميد. والله تعالى أعلم.
стр. 297
ثم حذّر من الشّحّ، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٨]
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)
قلت: يقال: وعدته خيراً ووعدته شرّاً، هذا إن ذكر الخير أو الشر، وأما إذا لم يذكر فيقال في الخير: وعدته، وفى الشر: أو عدته، قال الشاعر:
وإنّيَ وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ ... لمخلِفُ إيعادي ومنْجِزُ مَوْعدي «١»
و (الفحشاء) هنا: البخل والشح.
يقول الحق ﷻ : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ أي: يخوفكم الْفَقْرَ بسبب الإنفاق، ويقول في وسوسته: إن أعطيت مالك بقيت فقيراً تتكفف الناس، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي: ويأمركم بالبخل والشح، والعرب تسمي البخيل فاحشاً، وفي الحديث: «البخيلُ بعيدٌ من اللهِ، بعيدُ من الناسِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ قَرِيبٌ من النَّارِ. والسخي قَرِيبٌ مِنَ اللهِ. قَرِيبٌ من النَّاس، قريبٌ من الجَنَّةِ، بَعِيدٌ من النارِ. ولجَاهلٌ سَخِيٌ أَحَبُ إلى الله من عابدٍ بخيل» .
وفي حديث آخر: «إنَّ الله يأخذُ بيد السخيِّ كلما عثر» . وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ في الإنفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم، وستراً لعيوبكم، وَفَضْلًا أي: خَلَفاً أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة، وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والعطاء، عَلِيمٌ بما أنفقتم، ولماذا أنفقتم، وفيما أخلصتم، لا يخفى عليه شيء من أموركم.
الإشارة: إذا توجه المريد إلى الله تعالى، وأراد سلوك طريق التجريد والزهد والانقطاع إلى الله تعالى، تعرض له الشيطان، اختباراً منه تعالى وابتلاء، إذ الحضرة محروسة بالقواطع ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب، فيخوفه من الفقر، ويأمره بالوقوف مع الأسباب والعوائد، وهي أفحش المعاصي عند الخواص، إذ الهمة العالية تأنف عن الاشتغال بغير الحضرة الإلهية. والله يعدكم- أيها المتوجهون إليه- مغفرة لذنوبكم، وستراً لعيوبكم، فيغطي وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته، فيُوصلكم بما منه إليكم من الفضل والجود، لا بما منكم إليه من المجاهدة والمكابدة، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، (والله واسع) الجود والإحسان، (عليم) بمن يستحق الفضل والامتنان.
стр. 298
ومن نتائج الزهد والانقطاع: ورود الحكمة على لسان العبد وقلبه، كما أشار إلى ذلك بقوله:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٩]
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)
قال البيضاوي: الحكمة: تحقيق العلم وإتقان العمل. هـ. وقيل: هي سرعة الجواب وإصابة الصواب، وقيل:
كل فضل جَزْلٍ من قول أو فعل.
يقول الحق ﷻ ، يُؤْتِي الحق تعالى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ من عباده، وهي التفقّه في الدين والتبصر في الأمور. قال ﷺ : «مَنْ يُرد اللهُ به خيراً يُفقِّهْه في الدين، ويُلهمْه رُشْدَه» ، وقيل: الحكمة: الإصابة في الرأي. وقيل: الفهم في كتاب الله. وقيل: الفهم عن الله. وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ أي: أعطيها، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لأنه حاز خيرَ الدارَيْن، ولا شك أن مَن حقَّق العلم بالله وبأحكامه، وأتقنَ العملَ بما أمره الله به، فقد صفا قلبه، وتطهر سره، فصار من أولي الألباب ولذلك قال عقبه: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
الإشارة: الحكمة هي: شهود الذات مرتديةً بأنوار الصفات، وهي حقيقة المعرفة، ومن عرف الله هابه، ولذلك قال ﵊: «رأس الحكمة مخافة الله» . وقيل: هي تجريد السر لورود الإلهام، وقيل: هي النور المفرق بين الوسواس والإلهام، وقيل: شهود الحق تعالى في جميع الأحوال. والتحقيق: أن الحكمة هي إبداع الشيء وإتقانه حتى يأتي على غاية الكمال، ويجري ذلك في العلم والعمل والحال والمعرفة.
وقال القُشَيْري: الحكمة: أن يَحكم عليك خاطر الحق لا داعي الباطل، وأن تحكم قواهر الحق لا زواجر الشيطان.
ويقال: الحكمة: صواب الأمر، ويقال: هي ألا تغلب عليك رعونات البشرية، ومنْ لا حُكْم له على نَفْسِه لا حُكْمَ له على غيره. ويقال: الحكمة: موافقة أمر الله، والسفه: مخالفة أمره، ويقال: الحكمة شهود الحق، والسفه: شهود الغير.
قاله المحشي.
واعلم أن الصوفية، في اصطلاحهم، يُعبِّرون عن أسرار الذات بالقدرة، وعن أنوار الصفات- وهي ظهور آثارها- بالحكمة. فالوجودُ كله قائم بين الحكمة والقدرة، فالقدرة تُبرز الأشياء، والحكمة تَسترها. فربط الأشياء واقترانها بأسبابها تُسمى عندهم الحكمة، وإنفاذ الأمر وإظهاره يسمى القدرة، فمن مع الحكمة حجب عن
стр. 299
شهود القدرة، وكان محجوباً عن الله. ومن نفذ إلى شهود القدرة ولم يرتبط مع الأسباب والعوائد كان عارفاً محبوباً. فالعارف الكامل هو الذي جمع بين شهود القدرة وإقرار الحكمة، فأعطى كل ذي حق حقه، وَوَفَّى كلَّ ذي قسط قسطه، لكن يكون ذلك ذوقاً وكشفاً، لا علماً وتقليداً. وبالله تعالى التوفيق:
ثم رغّب فى الإخلاص، وحذّر من شوب الحظوظ فى النفقة، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٠ الى ٢٧١]
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)
قلت: النذْر: هو إلزَامُ المكلف نفسه ما لم يَجب، كقوله: لله عليَّ أن أتصدق بكذا، أو أصلي كذا، أو أن أصوم كذا، أو إن شفى الله مريضي فعليَّ كذا، فمن نطق بشيء من ذلك لزمه، ومن علق بشيء وحصل ذلك لزمه ما نطق به. و (نعما) أصلها: نِعم ما هي، فأدغمت الميم في الميم، وفي (نعم) : ثلاث لغات: «نعم» بفتح النون وكسر العين وهي الأصل، وبسكونها، وبكسر النون وسكون العين، فمن قرأ بكسر النون والعين، فعلى لغة كسر العين، وأتبع النون للعين، ومن اختلس، أشار إلى لغة السكون، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين، فعلى الأصل وأدغم المثلين، ومن قرأ بفتح النون وسكون العين فعلى لغة (نعم) بالفتح والسكون، ثم أدغم، ولم يعتبر التقاء الساكنين لعروضه، أو لكون الثاني مُشدَّداً سهل ذلك. والله أعلم.
ومن قرأ: (ونكَّفرْ) ، بالجزم، فعطف على محل الجزاء، ومن قرأ بالرفع، فعلى الاستئناف، أي: ونحن نكفر، أو: فهو يكفر، على القراءتين.
يقول الحق ﷻ : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة أو كثيرة، سرّاً أو علانية، في حق أو باطل، أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ بشرط أو بغير شرط، في طاعة أو معصية، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، فيجازيكم عليه، فمن أنفق في طاعة أو نذر قربة كان من المحسنين، ومن أنفق في معصية أو نذر معصية كان من الظالمين. وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ينصرونهم من عذاب الله.
إِنْ تُظهروا الصَّدَقاتِ، مخلصين فيها، فَنِعِمَّا هِيَ أي: فنعم شيئاً إبداؤها، ولا سيما للمقتدى به، فهو أفضل في حقه، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ خفيه فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنه أقرب للإخلاص، وهذا
стр. 300
في التطوع، تفضل عَلانيتها بسبعين ضعفاً. وأما الفريضة ففيها تفصيل، فمن خاف على نفسه شوْبَ الرياء أخفى أو نَوّب، ومَنْ أَمِنَ أَظْهَر. فقد ورد أن علانية الفريضة تَفْضُلُ سرَّها بخمسة وعشرين ضعفاً، فإن فعلتم ما أُمرتم به في الوجهين، فقد أحسنتم، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ أي: نستر عنكم بعض ذنوبكم، وقد ورد في صدقة السر أن صاحبها يُظله الله يوم لا ظِلَّ إِلا ظله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا يخفى عليه مَن أَسَرَّ أو جَهَر، ومن أخلص أو خلط، ففيه ترغيب وترهيب. والله تعالى أعلم.
الإشارة: معاملة العبد مع مولاه: إما أن تكون لطلب الأجور، وإما لرفع الستور، فالأول يُعطي أجره من وراء الباب، والثاني يدخل مع الأحباب. وأما العامل للدنيا فهو ظالم لنفسه (وما للظالمين من أنصار) ، وفي بعض الآثار: طالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير.
ثُم الناس في معاملة الحق على أقسام ثلاثة: قِسْمٍ يليق بهم الإخفاء والإسرار، وهم طالبو الإخلاص من المريدين السائرين. وقسْمٍ يليق بهم الإظهار وهم أهل الاقتداء من العلماء المخلصين. وقسْم لا يقفون مع ظهور ولا خفاء، بل مع ما يبرز في الوقت، وهم العارفون الكاملون. ولذلك قال الشيخ أبو العباس ﵁: (مَن أحبَّ الظهور فهو عبد الظهور، ومَن أحبّ الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن كان عبد الله فسواء عليه أظهره أم أخفاه) .
والهداية كلها بيد الله، ليس لغيره منها شىء، كما أبان ذلك الحقّ ﷻ بقوله:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٢]
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (٢٧٢)
يقول الحق ﷻ لنبيه ﵊: لَيْسَ عَلَيْكَ يا محمد هُداهُمْ أي: لا يجب عليك أن تخلق الهداية في قلوبهم، وليس من شأنك ذلك، إنما أنت نذير تدلُّ على الخير، كالنفقة وغيرها، وتنهى عن الشر كالمِّن والأذى، وإنفاق الخبيث، وغير ذلك من المساوئ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ بفضله وإحسانه، فالأمور كلها بيد الله خيرها وشرها، ولكن من جهة الأدب مَّآ أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. وبالله التوفيق.
الإشارة: ما قيل في الرسول- ﵊ يقال في ورثته من أهل التذكير، فليس بيدهم الهداية والتوفيق، وإنما شأنهم الإرشاد وبيان الطريق، فليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على هداية الخلق. وإنما من
стр. 301
شأنهم بيان الحقّ. إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ. والله تعالى أعلم.
ثم رجع الحقّ تعالى إلى الترغيب في الصدقة والإخلاص فيها، فقال:
وَما تُنْفِقُوا ...
قلت: هذه ثلاث جمل كلها تدل على الترغيب في إنفاق الطيب وإخلاص النية.
يقول الحق ﷻ : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير، فهو فَلِأَنْفُسِكُمْ لا ينتفع به غيركم، فإن كان طيباً فلأنفسكم، وإن كان خبيثاً فأجره لكم، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم.
وأيضاً إنكم تَدَّعُونَ أنكم ما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فكيف تقصدون الخبيث، وتجعلونه لوجه الله؟ وكيف تَمُنُّونَ أو تؤذون بها وهى لوجه الله؟ هذا تكذيب للدعوى، وكل ما تنفقون من خيرٍ قليل أو كثير يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه يوم القيامة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ويخلفه لكم في الدنيا، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ شيئاً من أعمالكم إن أخلصتم أو أحسنتم. وستأتي إشارتها مع ما بعدها.
ثم بيّن المصرف، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٣]
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)
قلت: (للفقراء) : متعلق بمحذوف، أي: يعطي ذلك للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، والإلحاف: هو الإلحاح في السؤال، وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه، وهو منصوب على المصدر أو الحال.
يقول الحق ﷻ : تجعلون ما تنفقونه لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا أي: حبسوا أنفسهم في سَبِيلِ اللَّهِ وهو الجهاد، لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي: ذهاباً في الأرض للتجارة أو للأسباب، بل شغلهم الجهاد والتبتل للعبادة عن الأسباب، وهم أهل الصُّفَّة، كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم في العلم والذكر والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله ﷺ .
стр. 302
قال ابن عباس ﵁: «وقف النبي ﷺ يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه، راضياً بما فيه فإنه، من رفقائي» .
وقيل: المراد الفقراء مطلقاً، حصرهم الفقر عن الضرب في الأرض للتجارة، يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، أي: من أجل تعففهم عن السؤال، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ من الضعف ورثاثة الحال.
الخطاب للرسول، أو لكل أحدٍ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، أي: لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا، وقيل: نفى للأمرين معا، أي: ليس لهم سؤال، فيقع فيه إلحاف، كقول الشاعر:
على لا حِبٍ لا يُهْتَدى بمنَارِه «١» وليس ثَمَّ لا حب ولا منار، وإنما المراد نفيهما، وفي الحديث عنه ﷺ : «منْ سأَلَ، وله أربعونَ دِرهماً، فَقَدْ سأل إلحافاً» .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازي على القليل والكثير، وهذا ترغيب في الإنفاق، وخصوصاً على هؤلاء.
الإشارة: ما أفلح مَن أفلح، وخسر مَنْ خسر، إلا من نفسه وفلسه، فمن جاد بهما، أو بأحدهما، فقد فاز وأفلح وظفر بما قصد، والجود بالنفس أعظم، وهو يستلزم الجود بالفلس، والجود بالفلس، إن دام، يوصل إلى الجود بالنفس، والمراد بالجود بالنفس: إسلامها للشيخ يفعل بها ما يشاء، وتكون الإشارة فيها كافية عن التصريح، ومن بخل بهما أو بأحدهما، فقد خسر وخاب في طريق الخصوص، ومصرف ذلك هو الشيخ، أو الفقراء المنقطعون إلى الله الذين حصروا أنفسهم في سبيل الله، وهو الجهاد الأكبر.
قال في القوت: وكان بعض الفضلاء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم، فقيل له في ذلك، فقال: لأن هؤلاء همهم الله ، فإذا ظهر منهم فاقة تَشَتَّتَ قلبُ أحدِهم، فلأنْ أرد هِمة واحدٍ إلى الله أحب إليَّ من أن أعطي ألفاً من غيرهم ممن همه الدنيا. فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد، فقال: هذا كلام وليّ من أولياء الله. ثم قال: ما سمعت كلاماً أحسنَ من هذا. وبلغني أن هذا الرجل اقتر حاله في أمر الدنيا
стр. 303
حتى همّ بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد بمال كان صرف إليه، وقال له: اجعل هذا في بضاعتك، ولا تترك الحانوت فإنَّ التجارة لا تضرُّ مثلك. ويقال: إن هذا لم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه. هـ.
وكان عبد الله بن المبارك يصرف مصروفه لأهل العلم، ويقول: إني لا أعرف بعد النبوة أفضل من العلماء، فإذا اشتغل قلب أحدهم بالحاجة والعيلة لم يتفرغ للعلم، ولا يقبل على تعليم الناس، فرأيت أن أكفيهم أمر الدنيا لأفرغهم للعلم، فهو أفضل. هـ. والله تعالى أعلم.
ثم رغّب فى النفقة مطلقا، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٧٤]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
قلت: الموصول مبتدأ، و (فلهم أجرهم) : خبر، والفاء للسببية، ولأن في الموصول معنى الشرط، وقيل: الخبر محذوف، أي: ومنهم الذين ينفقون الخ، و (فلهم) : استئناف بياني.
يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً، ويعمرون أوقاتهم بفعل الخيرات، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إذا قدموا عليه، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب، بل وجدوا الله فأغناهم عن كل شيء.
قيل: نزلت في أبي بكر ﵁ تصدَّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة بالسر، وعشرة بالعلانية، أو في علي- كرم الله وجهه- لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً، ودرهم نهاراً، ودرهم سرّاً، ودرهم علانية. وهي عامة لمن فعل فعلهما.
الإشارة: أجر بذل الأموال هو إعطاء الثواب من وراء الباب، والأمن من العذاب وسوء المآب، وأجر بذل النفوس هو دخول حضرة القدوس، والأنس بالأحباب داخل الحجاب، فمن بذل نفسه لله على الدوام، أمنه من الحجبة في دار السلام، فلا خوف يلحقهم في الدارين، ولا يعتريهم حزن في الكونين. وبالله التوفيق.
ولما رغَّب في الصدقة، وكانت في الغالب لا يتوصل إليها إلا بتعاطي أسباب المال، وهو البيع والشراء حذر من الريا لئلا يتساهل الناس في المعاملة به، حرصاً على الصدقة، فقال:
стр. 304
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٧٩]
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
قلت: (الربا) في الأصل: هو الزيادة، رَبا المال يربو: زاد. وكتبت بالواو مراعاة للأصل، وهو المصدر، قال الفراء: إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم صورة الحروف، وكذلك قرأها أبو السمال العدوي، وقرأ الأخَوَان بالإمالة لمكان الكسرة، والباقون بالتفخيم.
والربا في اصطلاح الشرع على قسمين: ربا الفضل وربا النِّسَاءِ، فأما ربا الفضل فهو التفاضل بين الطعامين أو النقدين في المبادلة من الجنس الواحد، فإن اختلفت الأجناس فلا حرج، وأما ربا النساء فهو بيع الطعامين أو النقدين بعضهما ببعض بالتأخير، وهذا حرام ولو اختلفت الأجناس.
يقول الحق ﷻ : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي: يأخذونه، وإنما خص الأكل لأنه أعظم منافع المال، لا يَقُومُونَ من قبورهم يوم البعث إِلَّا كَما يَقُومُ المجنون الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ أجل الْمَسِّ الذي يمسه يقوم ويسقط، رُوِيَ أن بطونهم تكون أمامهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، وعن أبى هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أُسْرِيَ بِي إلى السماء رأيتُ رِجالاً بُطُونُهُمْ كَالبُيوتِ، فيهَا حَيَّاتٌ تُرى مِنْ خِارِجِ بُطُونِهمْ، فقلت: مَنْ هؤلاءِ يا جِبْرِيل؟ فقال: أكَلَةُ الرِّبا» .
ذلِكَ العذاب بسبب أنهم استحلُّوا الربا، وقالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فنظموا الربا والبيع في سلك واحد، وفيه عكس التشبيه. والأصل: إنما الربا مثل البيع، قصدوا المبالغة، كأنهم جعلوا الربا أصلاً وقاسوا عليه البيع.
وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حلّ ماله على غريمه يقول الغريم: زدني في الأجل أزدك في المال، فيفعلان، ويقولان: سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند محل الدين، هو مراضاة. فكذبهم الحقّ تعالى بقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا لأن القياس مع وجود النص فاسد، والفرق ظاهر فإن من باع درهماً
стр. 305
بدرهمين ضيع درهماً من غير فائدة، بخلاف من اشترى سلعة بدرهم، وباعها بدر همين، فلعل مساس الحاجة، والرغبة فيها، توقع رواجها فيجبر الغبن.
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالنهي عن الربا، فَانْتَهى وترك الربا فَلَهُ ما سَلَفَ قبل التحريم ولا يَرُدُّهُ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لا إلى أحد منكم، فلا يتعرض له، وَمَنْ عادَ إلى تحليل الربا بعد بلوغه النهي فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لأنهم كفروا وسفهوا أمر الله. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي: يذهب بركته، ويُهلك المال الذي يدخل فيه وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أي: يضاعف ثوابها ويُبارك في المال الذي أخرجت منه، فقد رُوِيَ عنه- ﵊ أنه قال: «ما نَقَصَ مالٌ مِنْ صَدقة» ، «وأنه يُربي الصدقةَ حتى تكونَ مثلَ الجبل» . قال يحيى بن معاذ: (ما أعرفُ حبةً تزن جبال الدنيا إلا الحبَّةَ من الصدقة) .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أي: مُصِرٍّ على تحليل المحرمات، أَثِيمٍ أي: منهمك في ارتكاب المنهيات، أي: لا يرتضي حاله، ولا يحبه كما يحب التوابين.
ثم ذكر مقابله فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله، وصدَّقُوا بما جاء من عنده، وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي: أتقنوها وَآتَوُا الزَّكاةَ أي: أدوها على التمام، فلهم أجرهم عند ربهم إذا قدموا عليه، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من آت، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فات، إذ لم يفتهم شيء حيث وجدوا الله.
ثم أكد فى أمر الربا، فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا أي: اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا، فلا تقبضوها منهم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) . فإن دليل الإيمان: امتثال ما أمرتم به، رُوِيَ أنه كان لثقيف مال على بعض قريش، فطالبوهم عند الحَلِّ بالمال والربا، فنزلت الآية.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وتتركوا ما نهيتم عنه، فَأْذَنُوا أي: فاعلموا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ومن قرأ:
فآذنوا بالمد، فمعناه: أعلموا بها غيركم، رُوِيَ أنها لمّا نزلت، قالت ثقيف: لا يَدَانِ «١» لنا بحرب الله ورسوله.
وَإِنْ تُبْتُمْ من تعاطي الربا واعتقاد حله فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ الغريم بأخذ الزيادة، وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) بنقص رأس مالكم. مفهومه أن لم يتب فليس له شيء، لأنه مرتد. والله تعالى أعلم.
стр. 306
الإشارة: مدار صفاء المعاملة على تصفية اللقمة، فمن صفَّا طعمته صفت معاملته، ومن صفت معاملته أفضى الصفاء إلى قلبه، ومن خلط في لقمته تكدرت معاملته، ومن تكدرت معاملته تكدر قلبه، ولذلك قال بعضهم: (مَنْ أكَلَ الحلال أطاع الله، أحبَّ أم كَرِهَ، ومن أكل الحرام: عصى الله، أحبَّ أم كَرِه) وكذلك الواردات الإلهية، لا ترد إلا على من صفا مطعمه ومشربه، ولذلك قال بعضهم: (من لا يعرف ما يدخل بطنه لا يفرق بين الخواطر الربانية والشيطانية) .
وقال سيدى على الخواص ﵁: (اعلم أن المدد الذي لم يزل فياضاً على قلب كل إنسان ويتلون بحسب القلب، والقلب يتلون بحسبه هو بحسب صلاح الطعمة وفسادها) . هـ. فالذين يأكلون الحرام كالربا وشبهه، لا يقومون إلى معاملتهم للحق إلا كما يقوم المجنون الذي يلعب به الشيطان، ولا يدري ما يقول ولا ما يقال له، فقد حُرم لذيذ المناجاة وحلاوة خلوص المعاملات، فإن احتج لنفسه واستعمل القياس لم يُرْجَ فلاحُه في طريق الخواص، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، وطلب العفاف فقد عفا الله عما سلف. ومن عاد إلى ما خرج عنه من متابعة هواه، فنار القطيعة مثواه ومأواه.
ومن شأن الحق ﷻ مع عباده: أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق الله نور باطنه، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوي الله مدد الأنوار في باطنه، (يَمْحَقُ الله الربا ويربى الصدقات) ، أي: يُقَوِّي مدد ثواب الصدقات. (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كل كفّار أثيم) ، وإنما يحب كل مطيع منيب، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق، وسلك مسلك أهل التوفيق. فلا جرم أنه ينخرط في سلك أهل العناية، ويسلك به مسلك أهل الولاية، (الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) حق تقاته، واتركوا ما بقي في باطنكم من بقايا الحس وأسبابه، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود، والوصول إلى الملك المعبود. فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون، معاندون وأنتم لا تشعرون. وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم، وهو نور التوحيد، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه، إلا إن أفردتم الوجهة إليه، وطلبتم الوصول منه إليه، فإن الله لا يُخيٍّب من أمَّل جُوده، ولا يردُّ من وقَف ببابه، بمنِّه وكرمه.
ثم ذكر حال المعسر، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٠ الى ٢٨١]
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
стр. 307
قلت: (كان) : تامة بمعنى حضر، وقرأ أُبَيّ وابنُ مسعود: (ذا عسرة) فتكون ناقصة، و (نظرة) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليكم نظرة، أو فالواجب نظرة. وهو مصدر بمعنى الإنظار، وهو الإمهال، و (ميسرة) : فيه لغتان:
الفتح والضم، وهي مَفْعَلة من اليسر، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة تميم وقَيْس ونَجْد.
يقول الحق ﷻ : وإن حضر الغريم وهو معسر، فعليكم إنظاره، أي: إمهاله إلى زمان يسره ولا يحل لكم أن تُضَيِّقُوا عليه، وتطالبوه بما ليس عنده إن أقام البيِّنَةَ على عسره وَأَنْ تَصَدَّقُوا عليه برؤوس أموالكم ولا تطالبوه بها خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في ذلك من الخير الجزيل والذكر الجميل.
روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَنْظَر مُعْسِراً، أو وَضَعَ عنه، أَظلَّه اللهُ في ظِلِّ عَرْشِه يوم لا ظِلَّ إِلا ظلّه» وقال- ﵊: «من أَحَبَّ أن تُستجاب دعوته، وتُكشف كُربتُه، فليُيسِّرْ على المعسر» .
وقال ﷺ : «من أنْظَر معسراً كان له بكل يوم صدقةٌ بمثل ما أنظره به» . وقد ورد في فضل الدّين قوله- ﵊: «إن الله مع المدين حتى يقضي دَيْنه، ما لم يكن فيما يكره الله» . فكان عبد الله «١» يقول: «إني أكره أن أبيت ليلة إلا والله تعالى معي، فيأمر غلامه أن يأخذ بدين» .
وقد ورد الترغيب أيضاً في الإسراع بقضاء الدين دون مطل، قال ﷺ «مَنْ مشَى إلى غَريمه بحقه، صلّت عليه دوابُّ الأرض ونُونُ الماء، وكتبت له بكل خُطوة شجرة في الجنة، وذنب يغفر له فإن لم يفعل ومطل فهو مُعْتَدِ» . وقال أيضا: «مطل الغَنِيِّ ظلم، وإذا أُتْبعَ أحدكم على مليىء فَلْيتْبَعْ» .
ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، وهو يوم القيامة، فتأهبوا للمصير إليه بالصدقة وسائر الأعمال الصالحة، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما أسلفت، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. قال ابن عباس: (هذه آخر آية نزل بها جبريل، فقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش بعدها رسول الله ﷺ أحداً وعشرين يوماً) . وقيل: أحداً وثمانين، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وإن كان ذو عسرة من نور اليقين والمعرفة، فلينظر إلى أهل الغنى بالله، وليصحبهم ويتعلَّق بهم، وهم العارفون، فإنهم يغنونه بالنظر. وفي بعض الأخبار: أن الله رجالاً من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً. هـ. ولله رجال إذا نظروا أغنَوْا، وفي هذا المعنى يقول صاحب العينية:
فَشَمِّرْ، ولُذْ بالأَوْليَاءِ فَإنَّهُمْ ... لَهُمْ مِنْ كِتَابِ الله تلْكَ الوقَائعُ
هُمُ الذُّخْرُ لِلمَلهُوفِ، والكَنْزُ لِلرَّجَا ... وَمِنْهُمْ يَنَالُ الصَبُّ مَا هُوَ طامع
стр. 308
وقال الشيخ أبو العباس ﵁: والله ما بيني وبين الرجل إلاَّ أن أنظر إليه وقد أغنيته. وقال فيه شيخه: نعم الرجل أبو العباس، يأتيه البدويُّ يبول على ساقه، فلا يُمسي إلا وقد أوصله إلى ربه. وقال شيخ شيوخنا سيدي العربي بن عبد الله: لو أتاني يهودي أو نصراني، لَمْ يُمْسِ إلا وقد أوصلته إلى الله. هـ. وفي كل زمان رجال يُغْنُونَ بالنظر، وقد أدركتهم، وصحبتُهم والحمد لله. والإشارة بقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إلى أهل الغنى بالله، يتصدقون على الفقراء بالنظرة والهمة، حتى يحصل لهم الغنى بالله. والله تعالى أعلم.
ثم أمر الحق تعالى بتحصين الأموال بتقييد الديون والإشهاد عليها، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ أي: داين بعضكم بعضاً فى بيع أو سلف، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي: معلوم بالأيام أو الأشهر، لا بالحصاد أو قدوم الحاج، ألا في السَّلمَ، فَاكْتُبُوهُ لأنه أوثق وأدفع للنزاع. والجمهور: أن الأمر للاستحباب، وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ لا يزيد ولا ينقص، ولا بد أن يكون عدلا حتى يجيىء مكتوبه موثوقاً به، وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ أي: ولا يمتنع كاتب من الكتابة كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ أي: فليكتب كما علمه الله من كتابه الوثائق، أو: لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أي: وليكن المُملي مَنْ عليه الحق لأنه المُقر للشهود، يقال: أملل وأملي، إذا ذكر ما عنده أو ما عليه، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي: المملي أو الكاتب، وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء أو في الكتابة.
стр. 309
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً: ناقص العقل مُبذراً، أَوْ ضَعِيفاً شيخاً مخبلاً، أو صبيّاً صغيراً، أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، لخرس أو جهل باللغة، فَلْيُمْلِلْ عنه وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ، من وَصِيٍّ أو وكيل، وَاسْتَشْهِدُوا على معاملتكم شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ المسلمين، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ، بأن تعذر إحضارهما، فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ فأكثر، تقوم مقام رجلين مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لعلمكم بعدالتهم، وإنما شرط تعدد النساء لأجل أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى أي: إن ضلت إحداهما الشهادة، ونسيتها، ذكرتها الأخرى لأنها ناقصة عقل ودين.
ثم حذَّر الشهود من الامتناع عن تحمل الشهادة أو أدائها، فقال:
وَلا يَأْبَ ...
قلت: السَّأَمُ هو: الملَلُ، و (لا يضار) يحتمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، وأصله: يضارر بالكسر، أو للمفعول، فيكون الأصح بالفتح.
يقول الحق ﷻ : ولا يمتنع الشُّهَداءِ من تحمل الشهادة إذا دعوا إليها، حيث تعيَّنت عليهم، وسُموا شهداء باعتبار المآل، وإنما تتعين إذا لم يوجد غيرهم. أو: من أدائها حيث لا ضرر، وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ أي: ولا تملوا من كتابة الحق إذا تكرر صَغِيراً كان أَوْ كَبِيراً، فقيدوا ذلك إِلى أَجَلِهِ، ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي: ذلك الكتاب والتقييد للحقوق، أكثر قسطاً عند الله لأنه أدفع للنزاع وأحفظ للحقوق، وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي: أثبتُ لها وأعون على أدائها، وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا أي: وأقرب لعدم الريب والشك في جنس الدين وقَدْره وأجلَه، لأنه إذا كتب جنسه وقدره وأجله لم يبق لأحد شك في ذلك، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً لا أجَل فيها، تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي: تتعاملون فيها نقداً، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها لقلة النزاع فيها، وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ مطلقاً بدين أو نقد لأنه أحوط، خوفاً من الإنكار، والأوامر في هذه الآية للاستحباب عند الأكثر.
стр. 310
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ بالتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، على البناء للفاعل، أو: ولا يضارا بأن يُعْجلا عن مهم، أو يكلفا الأداء من شقة بعيدة، أو يمنع من أجرته، وَإِنْ تَفْعَلُوا ذلك الضرار وما نهيتهم عنه فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أي: خروج بكم عن حد الاستقامة، وَاتَّقُوا اللَّهَ في مخالفة أمره ونهيه، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ العلوم اللدنية وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فلا يخفى عليه من اتقى الله ممن عصاه. وكرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث، لاستقلالها، فإن الأُولى حثٌّ على التقوى والثانية وعدٌ بتعليم العلم، والثالثة تعظيم لشأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. قاله البيضاوي.
وأدخل الواو فى جواب الأمر ليقتضي أن تعليمه سبحانه لأهل التقوى ليس هو مسبباً عن التقوى، بل هو بمحض الفضل والكرم، والتقوى إنما هي طريق موصل لذلك الكرم، لا سبب فيه «جَلَّ حكم الأزل أن يضاف إلى العلل» . والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الحق تعالى حكم الرهان، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣]
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)
قلت: (فرهان) : خبر، أو مبتدأ، أي: فالمستوثق به رهان، أو فعليه رهان.
يقول الحق ﷻ : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى جناح سَفَرٍ أي: مسافرين، وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً يكتب شهادة البيع أو الدين، فالمستوثق به عوضا من الإشهاد: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ. وليس السفر شرطاً فى صحة الارتهان، لأنه ﵊ «رَهَنَ دِرْعَه عند يهودي بالمدينة في شَعِير» لكنّ لمّا كان السفر مَظنَّة إعواز الكتاب، ذكره الحق تعالى حكماً للغالب. والجمهور على اعتبار القبض فيه، فإن لم يقبض حتى حصل المانع، فلا يختص به في دينه، فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً واستغنى بأمانته عن الارتهان، لوثوقه بأمانته فداينه بلا رهن، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ أي: دينه، وسماه أمانة لائتمانه عليه بلا ارتهان ولا إشهاد، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في أداء دينه وعدم إنكاره.
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ أيها الشهود، أو أهل الدين، أي: شهادتهم على أنفسهم، وَمَنْ يَكْتُمْها منكم بأن يمتنع من أداء ما تحمل من الشهادة، أو من أداء ما عليه من الدين، فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ حيث كتم ما علمه به، لأن الكتمان من عمل القلوب فتعلق الإثم به، ونظيره: «العين زانية وزناها النظر» ، أو أسنده إلى القلب، مبالغة لأنه رئيس الأعضاء، فإذا أثم قلبه فقد أثم كله، وكأنه قد تمكن الإثم منه فأخذ أشرف أجزائه، وفاق سائر ذنوبه، ثم هدد
стр. 311
الكاتمين فقال: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ لا يخفى عليه ما تبدون وما تكتمون، روى عنه ﷺ أنه قال: «من كَتَمَ شهادةً إذا دُعِي- كَان كَمَنْ شَهِدَ بالزُّور» .
الإشارة: كما أمر الله تعالى بتقييد الديون الدنيوية، والاعتناء بشأنها، أمر بتقييد العلوم اللدنية والواردات القدسية والاغتباط بأمرها، بل هي أولى لدوام ثمراتها وخلود نتائجها، فإن الحكمة ترد على القلب من عالم القدس عظيمة كالجبل، فإن أهملتها ولم تبادر إلى تقييدها، رجعت كالجمل، فإن أخرتها رجعت كالطير، ثم كالبيضة، ثم تمتحي من القلب، وفي هذا المعنى قيل:
العلمُ صيدٌ والكتابةُ قَيْدُه ... قَيِّدْ صُيودَك بالحِبَالِ المُوثِقَهْ
وَمِنَ الجَهَالة أن تصِيدَ حمامةً ... وتتركُها بَيْنَ الأوانِس مطلقهْ
فإن لم يحسن الكتابة، فليملله على من يُحسنها، ولا يبخس منه شيئاً، بل يمُليه على ما ورد في قلبه، فإن كان ضعيف العبارة، فليملل عنه من يحسنها بالعدل، من غير زيادة ولا نقصان في المعنى، وليُشهد عليها رجال أهل الفن وهم العارفون، فإن لم يكونوا، فمن حضر من الفقراء المتمكنين لئلا يكون في تلك الحكمة شيء من الخلل لنقصان صاحبها، أو: وليُشْهِد على ذلك الوارد عدلين، وهما الكتاب والسنّة، فإن كان موافقاً لهما، قُبل، وإلا ردّ.
قال الجنيد ﵁: إن النكتةَ لتقع في قلبي فلا أقبلها إلا بشهادة عَدْلَين: الكتاب والسنّة. هـ. وإن كنتم مستعجلين، ولم تجدوا كاتباً، فارتهنوها في قلوب بعضكم بعضاً، حتى تُقيد. ومن كتم الواردات عن شيخه أو إخوانه، فقد أثم قلبه لأنه نوع من الخيانة في طريق التربية. والله تعالى أعلم.
ثم هدّد الحق تعالى عباده، على مخالفة ما أمرهم به، فقال:
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤]
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
قلت: من قرأ (فيغفر) بالجزم، فعلى العطف على الجواب، ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف، أي: فهو يغفرُ.
يقول الحق ﷻ : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكاً وعبيداً، يتصرف فيهم كيف شاء يرحم من يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، وَإِنْ تُبْدُوا أي: تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من السوء والعزم عليه، أَوْ تُخْفُوهُ في قلوبكم، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يوم القيامة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه عذاب أحد ولا مغفرته. وعبّر الحق تعالى بالمحاسبة دون المؤاخذة، فلم يقل: يؤاخذكم به الله لأن المحاسبة أعم، فتصدق بتقرير الذنوب دون المؤاخذة بها، لقوله- ﵊: «يدنو المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف
стр. 312
كذا؟ فيقول: يا رب، أعرف، فيوقفه على ذنبه ذنباً، ذنباً فيقول الله تعالى: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» . فلله الفضل والمنّة، وله الحمد والشكر.
الإشارة: (وإن تبدوا ما في أنفسكم) من الخواطر الردية والطوارق الشيطانية، أو تخفوه في قلوبكم، حتى يحول بينكم وبين شهود محبوبكم، (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء) فيمحو ظلمته من قلبه بإلهام التوبة والمبادرة إلى اليقظة، (ويعذب من يشاء) بتركه مع ظلمة تلك الأغيار، وخوضه في بحار تلك الأكدار، فما منع القلوب من مشاهدة الأنوار إلا اشتغالها بظلمة الأغيار، فرّغْ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار، فإن أردت أن تكون عين العين، فامح من قلبك نقطة الغين، وهي نقطة السوى، ولله درّ القائل:
إِنْ تَلاشَى الكونُ عَنْ عَيْنِ كشْفِي ... شاهَدَ السرُّ غَيْبَه في بَيَاني
فاطْرح الكونَ عن عِيانِكَ وامْحُ ... نقطةَ الغَيْنِ إنْ أردتَ تَرَاني
واعلم أن الخواطر أربعة: ملكي ورباني ونفساني وشيطاني، فالملكي والرباني لا يأمران إلا بالخير، والنفساني والشيطاني لا يأمران إلا بالشر، وقد يأمران بالخير إذا كان فيه دسيسة إلى الشر، والفرق بين النفساني والشيطاني:
أن الخاطر النفساني ثابت لا يزول بتعوذ ولا غيره، إلا بسابق العناية، بخلاف الشيطاني: فإنه يزول بذكر الله، ويرجع مع الغفلة عن الله. والله تعالى أعلم.
ولمّا نزل قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ... الآية. شق ذلك على الصحابة- رضى الله عنهم- فجاء الصدِّيقُ والفاروق وعبدُ الرحمن ومعاذ، وناسُ من الأنصار، فَجَثَوْا على الرُّكَب، وقالوا: يا رسول الله، ما نزلت علينا آيةٌ أشد من هذه الآية وأنا إن أخذنا بما نُحَدِّثُ به أنفَسنا هَلَكْنَا! فقال النبي ﷺ : «هكذا نزلت» . فقالوا: كُلِّفنا من العمل ما لا نطيق، فقال- ﵊: «فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا، قولوا: سمعنا وأطعنا» ، فقالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وذَلَّتْ بها أَلْسِنَتُهُمْ، فأَنْزَلَ اللهُ التخفيف، وحكى ما وقع لهم من الإيمان والإذعان، فقال:
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٥ الى ٢٨٦]
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)
стр. 313
قلت: من قرأ: (لا نفرق) بالنون، فعلى حذف القول، أي: قالوا: لا نفرق، ومن قرأ بالياء فيرجع إلى الكل، أي: لا يفرق كل واحد منهم بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، و (بين) : من الظروف النسبية، لا تقع إلا بين شيئين أو أشياء، تقول: جلست بين زيد وعمرو، وبين رجلين، أو رجال، ولا تقول بين زيد فقط، وإنما أضيف هنا إلى أحد لأنه في معنى الجماعة، أي: لا نفرق بين آحاد منهم كقوله ﵊: «ما أُحلَّت الغنائم لأحدٍ، سُودِ الرؤوس، غيركم» . و (غفرانك) : مفعول مطلق، أي: اغفر لنا غفرانك. أو: نطلب غفرانك، فيكون مفعولاً به.
يقول الحق ﷻ : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إيمان تحقيق وشهود، وَالْمُؤْمِنُونَ كل على قدر إيقان، كُلٌّ واحد منهم آمَنَ بِاللَّهِ على ما يليق به من شهود وعيان، أو دليل وبرهان، وآمن بملائكته وأنهم عباد مكرمون لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، وَكُتُبِهِ وأنها كلام الله، مشتملة على أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص وأخبار، ما عرف منها كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وجب الإيمان به بعينه، ومالم يعرف وجب الإيمان به في الجملة، وَرُسُلِهِ وأنهم بشر متصفون بالكمالات، منزّهون عن النقائص، كما يليق بحالهم، حال كون الرسول والمؤمنون قائلين لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أو: (لا يفرق) كل منهم بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ بأن يصدقوا بالبعض، دون البعض كما فرقت اليهود والنصارى، وَقالُوا أي المؤمنين سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي:
سمعنا قولك وأطعنا أمرك، نطلب غُفْرانَكَ يا ربنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ بالبعث والنشور، وهذا إقرار منهم بالبعث الذي هو من تمام أركان الإيمان.
فلمّا تحقق إيمانُهم، وتيقن إذعانُهم، خفَّف الله عنهم بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: إلا ما في طاقتها وتسعه قدرتها. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه. أما المحال العادي «١» فجائز التكليف به، وأما المحال العقلي «٢» فيمتنع، إذ لا يتصور وقوعه، وإذا كلف الله عباده بما يطيقونه، فكل نفس لَها ما كَسَبَتْ من الخير فتوفى أجره على التمام، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الشر، فترى جزاءه، إلا أن يعفو ذو الجلال والإكرام.
وعبر في جانب الخير بالكسب، وفي جانب الشر بالاكتساب، تعليماً للأدب في نسبة الخير إلى الله، والشر إلى العبد. فتأمله.
ثم قالوا في تمام دعائهم: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، أي: لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط أو قلة مبالاة، وفي الحديث: «إن الله رفعَ عن أمتي الْخَطأَ والنِّسْيَانَ وما حدثتْ به نفسها» .
стр. 314
ويجوز أن يراد نفس الخطأ والنسيان إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلاً، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناول السم يؤدى إلى الهلاك، وإن كان خطأ- فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمة وفضلاً. ويجوز أن يدعو به الإنسان، استدامة واعتداداً بالنعمة فيه. ويؤيد ذلك مفهوم قوله- ﵊: «رفع عن أمتي الخطأ والنِّسْيَانْ» ، أي: فإن غير هذه الأمة كانوا يؤاخذون به، فدلّ على عدم امتناعه. قاله البيضاوي.
ثم قالوا: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أي: عهداً ثقيلاً يأصر ظهورنا، أي: يثقله، فتعذبنا بتركه وعدم حمله، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا مثل اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة، وغير ذلك من التكاليف الشاقة، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من التكاليف التي لا تسعها طاقتنا، وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق عادة، وإلا لما سئل التخلص منه، وَاعْفُ عَنَّا أي: امح ذنوبنا، وَاغْفِرْ لَنا أي: استر عيوبنا، وَارْحَمْنا أي: تعطف علينا. اعْفُ عَنَّا الصغائر، وَاغْفِرْ لَنا الكبائر، وَارْحَمْنا عند الشدائد والحسرات، أَنْتَ مَوْلانا أي: سيدنا وناصرنا، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء.
قال البيضاوي: (رُوِيَ أنه ﵊ لمّا دعا بهذه الدعوات قيل له: فعلتُ) . وعنه ﵊: «أُنْزِلَ آيتان من كُنوز الجنة، كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفَيْ سنة، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجْزَأتَاه عن قيام الليل» . وعنه ﵊: «من قرأ الأيَتينِ مِنْ آخِر سُورَةِ الْبَقَرةِ في لَيْلَة كَفَتَاهُ» . وهو يَرُدُّ قول من استكره أن يقال سورة البقرة، وقال: ينبغي أن يقال السورة التي يذكر فيها البقرة، كما قال- ﵊: «السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإنَّ تعلُّمها بَرَكَة، وَتَرْكَهَا حَسْرَة، ولن يَسْتَطِيعها البَطَلَةُ. قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة» «١» .
الإشارة: يُفهم من سر الآية أن من شق عليه أمر من الأمور، أو عسرت عليه حاجة، أو نزلت به شدة أو بلية، فليرجع إلى الله، ولينطرح بين يدي مولاه، وليعتقد أن الأمور كلها بيده فإنَّ الله تعالى لا يخليه من معونته ورفده، فيخفف عنه ما نزل به، أو يقويه على حمله، فإن الصحابة- ﵃ لما شق عليهم المحاسبة على الخواطر سلَّموا وأذعنوا لأمر مولاهم، فأنزل عليهم التخفيف، وأسقط عنهم في ذلك التكليف، وكل من رجع في أموره كلها إلى الله قضيت حوائجه كلها بالله. «من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات» .
стр. 315
وقوله تعالى: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، قيل: هو الحب لله، فلا يسأل العبد من مولاه من حبه إلا ما يطيقه، وتأمل قضية الرجل الذي سأل سيدنا موسى ﵇ أن يرزقه الله حبه، فلما سأل ربه موسى ﵇ هام ذلك الرجل، وشق ثيابه، وتمزقت أوصاله حتى مات. فناجى موسى رضى الله عنه ربه في شأنه، فقال:
يا موسى، ألف رجل كلهم سألوني ما سأل ذلك الرجل، فقسمت جزءاً من محبتي بينهم، فنابه ذلك الجزء. أو كما قال سبحانه.
وقال بعض الصالحين: حضرتُ مجلس ذي النون، في فسطاط مصر، فَحَزَرْت «١» في مجلسه سبعين ألفا، فتلكم ذلك اليوم في محبته تعالى فمات أحدَ عشرَ رجلاً في المجلس، فصاح رجل من المريدين فقال: يا أبا الفيض، ذكرْتَ محبة الله تعالى فاذكر محبة المخلوقين، فتأوّه ذو النون تأوّهاً شديداً، ومدّ يده إلى قميصه، وشقه اثنتين، وقال: آه! غلقت رهونهم، واستعبرت عيونهم، وحالفوا السُّهَاد، وفارقوا الرُّقاد، فليلُهم طويل، ونومهم قليل، أحزانهم لا تُنْفذ. وهموهم لا تفقد، أمورهم عسيرة، ودموعهم غزيرة، باكية عيونهم، قريحة جفونهم، عاداهم الزمان والأهل والجيران.
قلت: هذه حالة العباد والزهاد، أُولي الجد والاجتهاد، غلب عليهم الخوف المزعِج، أو الشوق المقلق، وأما العارفون الواصلون فقد زال عنهم هذا التعب، وأفضوا إلى الراحة بعد النصب، قد وصلوا إلى مشاهدة الحبيب، ومناجاة القريب، فعبادتهم قلبية، وأعمالهم باطنية، بين فكرة ونظرة، مع العكوف في الحضرة، قد سكن شوقهم وزال قلقهم، قد شربوا ورووا، وسكروا وصحوا، فلا تحركهم الأحوال، ولا تهيجهم الأقوال، بل هم كالجبال الرواسي، نفعنا الله بذكرهم، وجعلنا من حزبهم. آمين.
قوله تعالى: (واعف عنا) ، قال الورتجبي: أي: (واعف عنا) قلة المعرفة بك، (واغفر لنا) التقصير في عبادتك، (وارحمنا) بمواصلتك ومشاهدتك. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 316
سورة آل عمران
مدنية. وآياتها: مائتان، وقيل: مائة وسبع وثمانون. وكلماتها: ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة، ومناسبتها لما قبلها: قوله تعالى فى أولها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ... إلخ، فكأنه تتميم لقوله، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، وتفسير له.
ومضمنها: توجيه العتاب لثلاث طوائف: للنصارى لغلوهم في عيسى ﵇، ولامتناعهم من الدخول فى الإسلام، وبسببهم نزلت السورة، أعنى نصارى نجران، ولليهود لتفريطهم فى اتباع النبي- ﵊ وللمسلمين لما وقع لهم من الفشل يوم أحد، ولذلك افتتح السورة بذكر الكتب الثلاثة، إذ لو قاموا بحقوقها ما توجه لهم عتاب، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) اللَّهُ لآَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)
قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان مُوجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم:
واحد، اثنان. وإنما فَتَحَ الميم هنا في القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس ﵁: (الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مُلكه) .
قلت: ولعلَّ كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجَّه العتاب إليهم، فالآلاء لِمنْ أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة- رضوان الله عليهم-، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : أيها الملك المُعظَّم، والرسول المفخم، بلِّغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يُحب أن يُعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحيّ القيّوم، الذي تعجز عن إدراكه العقولُ ومدارك الفهوم، قائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بياناً للمسترشدين، فنزَّل عَلَيْكَ الْكِتابَ مُنَجّماً في عشرين سنة، متلبساً بِالْحَقِّ، حتى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، أو متلبساً بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جَوْر كل مائل، مُصَدِّقاً لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهداً عليها بالصحة والإبرار.
стр. 317
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤]
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)
من قبله هادياً لمن كلف باتباعها من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرعُ منْ قبلنا شرعاً لنا- معشر أهل الإسلام-، ثم ختم الوحي بإنزال الْفُرْقانَ، وكلّف بالإيمان به الإنس والجان، فرَّق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدَّم ذكره على الكتب لعظم شرفه، وختم به آخراً لتأخر نزوله.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: لمّا أراد الحق ﷻ إن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قَدَّم قبل ذلك رموزاً وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكِلُّ عنه عبارةُ اللسان، فحينئذ يفهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم. وفعله: نقم بكسر القاف وفتحها.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالة على وحدانيته، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن اللَّهُ عَزِيزٌ لا يغلبه غالب، ولا يفُوته هارب، ذُو انْتِقامٍ كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين.
الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حُرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، (ذلك يوم التغابن) . والله تعالى أعلم.
ولما وصف الحق ﷻ نفسه بالوحدانية والحياة والقيومية المقتضية للغنى المطلق، وصف نفسه أيضا بالعلم المحيط والقدرة النافذة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥ الى ٦]
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)
стр. 318
يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ من أمر خلقه، إيماناً أو كفراناً، طاعة أو عصياناً، أحاط علمه بما فى السموات العلي وما في الأرضين السفلى، كليّاً كان أو جزئيّاً، حسيّاً أو معنوياً، يعلم عدد الحصى والرمال، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال، ويعلم حوادث الضمائر، وهواجس الخواطر، بعلم قديم أزلي، وله قدرة نافذة، وحكمة بالغة، فبقدرته صَوَّرَ النُّطَف في الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام، وأتقنها بحكمته، وأبرزها إلى ما يَسَّرَ لها من رزقه، سبحانه من مدبر عليم، عزيز حكيم، لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن دائرة علمه شيء، لا موجود سواه، ولا نعبد إلا إياه، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الإشارة: مَنْ تحقق أن الله واحد في ملكه، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، وأنه أحاط به علماً وسمعاً وبصراً، وأن أمره بين الكاف والنون، (إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يقولَ له كُن فيكون) - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما، وسيدُه من خيره لا ينساه؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء، وصوَّرك في الأرحام كيف يشاء، وآتاك كل ما تسأل وتشاء، كيف يَنْساكَ من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة:
تَذَكَّر جَمِيلِي فِيكَ إِذْ كُنْتَ نُطْفَةً ... وَلا تَنْسَ تَصْوِيرِي لشَخْصِكَ في الْحَشا
وَكُنْ وَاثِقاً بِي في أُمُورِكَ كُلِّها ... سأَكْفِيكَ مِنْهَا ما يُخافُ ويُخْتَشَى
وَسَلِّمْ ليّ الأمْرَ واعْلَمْ بأنني ... أُصَرِّفُ أحْكَامِي وأَفْعَلُ ما أشا
ثم وصف كتابه الفرقان بأنه مشتمل على ما هو محكم واضح البيان، وعلى ما هو متشابه لا يعلمه إلا الله، والراسخون من أهل العرفان، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧ الى ٩]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)
стр. 319
قلت: (منه) : خبر مقدم، و (آيات) : مبتدأ، فيوقف على (الكتاب) ، وقيل: (منه) : نعت لكتاب، وهو بعيد.
قال ابن السبكي: المحكَم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وقد يُطْلعُ عليه بعضَ أصفيائه.
و (هن أم الكتاب) : جملة، وحق الخبر المطابقة فيقول: أمهات، وإنما أفرده على تأويل كل واحدة، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ: الميل عن الحق. و (الراسخون في العلم) : معطوف على (الله) ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة، أو بما دلّ القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و (إذ هديتنا) : ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر، أي: بعد هدايتك إيانا.
يقول الحق ﷻ : إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية، ولا يخفى عليه شيء في العالم العلوي والسفلي هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ المبين، فمنه ما هو آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات المعنى، لا اشتباه فيها ولا إجمال، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي: أصله، يرد إليها غيرها، وَمنه آيات أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي:
محتملات، لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر، ليظهر فضل العلماء النُقاد، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تَدبُرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينال بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات، أعلى الدرجات وأرفع المقامات.
قال في نوادر الأصول: لمّا تكلم على المتشابه قسّمه على قسمين منه ما طوى علمه إلاَّ على الخواص كعلم فواتح السور، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمَنْ دُونَهم، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية، ولو كُشِفَ لفسدت العبودية، فطواه عن الرّسل والملائكة لأنهم في العبودية، فإذا زالت العبودية احتملوها أي: أسرار القدر. هـ. ولمثل هذا يشير قول سهل: للألوهية سر- لو انكشف لبطلت النبوة، وللنبوة سر- لو انكشف لبطل العِلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. هـ.
قلت: فَتَحَصَّل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه: أنها حُفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً معناه: أنه يُشبه بعضُه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ.
ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي: طلباً لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ على ما يشتهون ليوافق بدعتهم.
стр. 320
روى عن عائشة- ﵂: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فقال: «إِذَا رَأَيتُم الذِينَ يَسألُون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عَنَا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم» .
(وما يعلم تأويله) على الحقيقة (إلا الله) تعالى، وقد يُطلع عليه بعضَ خواص أوليائه، وهم (الراسخون) أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص ... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم (يقولون آمنا به) ، وصدقنا أنه من كلامه، (كُلّ من عند ربنا) المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال:
(وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغَبَش الحس.
سئل ﵊: مَن الراسخون في العلم؟ فقال: «من برَّ يمينُه، وصدق لسانُه، واستقام قلبُه، وعفَّ بطنُه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم» . وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على مَنْ فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. هـ. وقيل: الراسخ في العلم: من وجُد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. هـ. قلت: ويجمع هذه الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم.
ويقولون أيضاً في تضرعهم إلى الله: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى طريق الوصول إلى حضرتك، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ الجزاء الذي لا رَيْبَ فِيهِ، فاجمعنا مع المقربين إنك لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ، فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى مُحال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في مُعَيِّنٍ فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم.
وقال في النوادر أيضاً: لَمَّا رَدَّ الراسخون في العلم عِلْمَ المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، خافوا شَرَه النفوس لطلبها فإنَّ العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ... الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تَبْطُنِ فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. هـ. بالمعنى.
الإشارة: إذا صفت القلوب، وسكنت في حضرة علاّم الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحات المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها،