سورة آل عمران
مدنية. وآياتها: مائتان، وقيل: مائة وسبع وثمانون. وكلماتها: ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة، ومناسبتها لما قبلها: قوله تعالى فى أولها: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ... إلخ، فكأنه تتميم لقوله، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، وتفسير له.
ومضمنها: توجيه العتاب لثلاث طوائف: للنصارى لغلوهم في عيسى ﵇، ولامتناعهم من الدخول فى الإسلام، وبسببهم نزلت السورة، أعنى نصارى نجران، ولليهود لتفريطهم فى اتباع النبي- ﵊ وللمسلمين لما وقع لهم من الفشل يوم أحد، ولذلك افتتح السورة بذكر الكتب الثلاثة، إذ لو قاموا بحقوقها ما توجه لهم عتاب، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) اللَّهُ لآَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)
قلت: فواتح السور كلها موقوفة خالية عن الإعراب لفقدان مُوجبه ومقتضيه، فيوقف عليها بالسكون، كقولهم:
واحد، اثنان. وإنما فَتَحَ الميم هنا في القراءة المشهورة لإلقاء حركة الهمزة عليها. انظر البيضاوي. قال ابن عباس ﵁: (الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مُلكه) .
قلت: ولعلَّ كل حرف يشير إلى فرقة ممن توجَّه العتاب إليهم، فالآلاء لِمنْ أسلم من النصارى، واللطف لمن أسلم من اليهود، والملك لمن أسلم من الصحابة- رضوان الله عليهم-، فقد ملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها. والله تعالى أعلم.
يقول الحق ﷻ : أيها الملك المُعظَّم، والرسول المفخم، بلِّغ قومك أن الله واحد في ملكه، ليس معه إله، ولا يُحب أن يُعبد معه سواه إذ لا يستحق أن يعبد إلا الحيّ القيّوم، الذي تعجز عن إدراكه العقولُ ومدارك الفهوم، قائم بأمر عباده، متصرف فيهم، على وفق مراده، فأعذر إليهم على ألسنة المرسلين، وأنزل عليهم الكتب بياناً للمسترشدين، فنزَّل عَلَيْكَ الْكِتابَ مُنَجّماً في عشرين سنة، متلبساً بِالْحَقِّ، حتى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، أو متلبساً بالحجج التي تدفع كل باطل، أو بالعدل حتى ينتفي به جَوْر كل مائل، مُصَدِّقاً لما تقدم قبله من الكتب الإلهية إذ هو موافق لما فيها من القصص والأخبار، فكان شاهداً عليها بالصحة والإبرار.
стр. 317
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤]
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)
من قبله هادياً لمن كلف باتباعها من الأنام، أو للجميع، إذا كان شرعُ منْ قبلنا شرعاً لنا- معشر أهل الإسلام-، ثم ختم الوحي بإنزال الْفُرْقانَ، وكلّف بالإيمان به الإنس والجان، فرَّق به بين الحق والباطل، واندفع به ظلمة كل كافر وجاهل وقدَّم ذكره على الكتب لعظم شرفه، وختم به آخراً لتأخر نزوله.
والله تعالى أعلم.
الإشارة: لمّا أراد الحق ﷻ إن يشير إلى وحدة الذات وظهور أنوار الصفات، قَدَّم قبل ذلك رموزاً وإشارات، لا يفهمها إلا من غاص في قاموس بحر الذات، وغرق في تيار الصفات، فيستخرج بفكرته من يواقيت العلوم وغوامض الفهوم، ما تحار فيه الأذهان، وتكِلُّ عنه عبارةُ اللسان، فحينئذ يفهم دقائق الرموز وأسرار الإشارات، ويطلع على أسرار الذات وأنوار الصفات، ويفهم أسرار الكتب السماوية، وما احتوت عليه من العلوم اللدنية، والمواهب الربانية، ويشرق في قلبه أنوار الفرقان، حتى يرتقي إلى تحقيق أهل الشهود والعيان. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
ثم هدد من كفر بالفرقان، بعد وضوح سواطع البرهان، فقال:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...
قلت: الانتقام والنقمة: عقوبة المجرم. وفعله: نقم بكسر القاف وفتحها.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على نبيه أو على سائر أنبيائه، أو الآيات الدالة على وحدانيته، لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم يظهر نفوذ الوعد والوعيد، فينتقم الله فيه من المجرمين، ويتعطف على عباده المؤمنين، فإن اللَّهُ عَزِيزٌ لا يغلبه غالب، ولا يفُوته هارب، ذُو انْتِقامٍ كبير ولطف كثير. لطف الله بنا وبجميع المسلمين. آمين.
الإشارة: ظهور أولياء الله لطف من آيات الله، فمن كفر بهم حُرم بركتهم، وبقي في عذاب الحجاب وسوء الحساب، تظهر عليه النقمة والمحنة، حين يرفع الله المقربين في أعلى عليين، ويكون الغافلون مع عوام المسلمين، (ذلك يوم التغابن) . والله تعالى أعلم.
ولما وصف الحق ﷻ نفسه بالوحدانية والحياة والقيومية المقتضية للغنى المطلق، وصف نفسه أيضا بالعلم المحيط والقدرة النافذة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥ الى ٦]
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)
стр. 318
يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ من أمر خلقه، إيماناً أو كفراناً، طاعة أو عصياناً، أحاط علمه بما فى السموات العلي وما في الأرضين السفلى، كليّاً كان أو جزئيّاً، حسيّاً أو معنوياً، يعلم عدد الحصى والرمال، ومكاييل المياه ومثاقيل الجبال، ويعلم حوادث الضمائر، وهواجس الخواطر، بعلم قديم أزلي، وله قدرة نافذة، وحكمة بالغة، فبقدرته صَوَّرَ النُّطَف في الأرحام كيف شاء سبحانه من نقص أو تمام، وأتقنها بحكمته، وأبرزها إلى ما يَسَّرَ لها من رزقه، سبحانه من مدبر عليم، عزيز حكيم، لا يعجزه شيء، ولا يخرج عن دائرة علمه شيء، لا موجود سواه، ولا نعبد إلا إياه، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الإشارة: مَنْ تحقق أن الله واحد في ملكه، لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، وأنه أحاط به علماً وسمعاً وبصراً، وأن أمره بين الكاف والنون، (إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يقولَ له كُن فيكون) - كيف يشكو ما نزل به منه إلى أحد سواه؟ أم كيف يرفع حوائجه إلى غير مولاه؟ أم كيف يعول هما، وسيدُه من خيره لا ينساه؟ من دبرك في ظلمة الأحشاء، وصوَّرك في الأرحام كيف يشاء، وآتاك كل ما تسأل وتشاء، كيف يَنْساكَ من بره وإحسانه؟ أم كيف يخرجك عن دائرة لطفه وامتنانه؟ وفي ذلك يقول لسان الحقيقة:
تَذَكَّر جَمِيلِي فِيكَ إِذْ كُنْتَ نُطْفَةً ... وَلا تَنْسَ تَصْوِيرِي لشَخْصِكَ في الْحَشا
وَكُنْ وَاثِقاً بِي في أُمُورِكَ كُلِّها ... سأَكْفِيكَ مِنْهَا ما يُخافُ ويُخْتَشَى
وَسَلِّمْ ليّ الأمْرَ واعْلَمْ بأنني ... أُصَرِّفُ أحْكَامِي وأَفْعَلُ ما أشا
ثم وصف كتابه الفرقان بأنه مشتمل على ما هو محكم واضح البيان، وعلى ما هو متشابه لا يعلمه إلا الله، والراسخون من أهل العرفان، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧ الى ٩]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)
стр. 319
قلت: (منه) : خبر مقدم، و (آيات) : مبتدأ، فيوقف على (الكتاب) ، وقيل: (منه) : نعت لكتاب، وهو بعيد.
قال ابن السبكي: المحكَم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وقد يُطْلعُ عليه بعضَ أصفيائه.
و (هن أم الكتاب) : جملة، وحق الخبر المطابقة فيقول: أمهات، وإنما أفرده على تأويل كل واحدة، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة. والزيغ: الميل عن الحق. و (الراسخون في العلم) : معطوف على (الله) ، أو مبتدأ إن فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة، أو بما دلّ القاطع على أن ظاهره غير مراد. قاله البيضاوي. و (إذ هديتنا) : ظرف مجرور بالإضافة مسبوك بالمصدر، أي: بعد هدايتك إيانا.
يقول الحق ﷻ : إن الذي انفرد بالوحدانية والقيومية، ولا يخفى عليه شيء في العالم العلوي والسفلي هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ المبين، فمنه ما هو آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات المعنى، لا اشتباه فيها ولا إجمال، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي: أصله، يرد إليها غيرها، وَمنه آيات أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي:
محتملات، لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص وجودة الفكر، ليظهر فضل العلماء النُقاد، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تَدبُرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها، فينال بها، وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين المحكمات، أعلى الدرجات وأرفع المقامات.
قال في نوادر الأصول: لمّا تكلم على المتشابه قسّمه على قسمين منه ما طوى علمه إلاَّ على الخواص كعلم فواتح السور، ومنه ما لم يصل إليه أحد من الرسل فمَنْ دُونَهم، وهو سر القدر لا يستقيم لهم مع العبودية، ولو كُشِفَ لفسدت العبودية، فطواه عن الرّسل والملائكة لأنهم في العبودية، فإذا زالت العبودية احتملوها أي: أسرار القدر. هـ. ولمثل هذا يشير قول سهل: للألوهية سر- لو انكشف لبطلت النبوة، وللنبوة سر- لو انكشف لبطل العِلم، وللعلم سر لو انكشف لبطلت الأحكام. هـ.
قلت: فَتَحَصَّل أن الكتاب العزيز مشتمل على المحكم والمتشابه. وأما قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ فمعناه: أنها حُفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً معناه: أنه يُشبه بعضُه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ.
ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي: طلباً لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ على ما يشتهون ليوافق بدعتهم.
стр. 320
روى عن عائشة- ﵂: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فقال: «إِذَا رَأَيتُم الذِينَ يَسألُون عن المتشابه منه، ويجادلون فيه، فهم الذين عَنَا الله تعالى، فاحذروهم، ولا تجالسوهم» .
(وما يعلم تأويله) على الحقيقة (إلا الله) تعالى، وقد يُطلع عليه بعضَ خواص أوليائه، وهم (الراسخون) أي: الثابتون في العلم، وهم العارفون بالله أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التوحيد الخاص ... فقد أطلعهم تعالى على أسرار غيبه، فلم يبق عندهم متشابه في الكتاب ولا في السنة، حال كونهم (يقولون آمنا به) ، وصدقنا أنه من كلامه، (كُلّ من عند ربنا) المحكم والمتشابه، وقد فهمنا مراده في القسمين، وهم أولو الألباب، ولذلك مدحهم فقال:
(وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي: القلوب الصافية من ظلمة الهوى وغَبَش الحس.
سئل ﵊: مَن الراسخون في العلم؟ فقال: «من برَّ يمينُه، وصدق لسانُه، واستقام قلبُه، وعفَّ بطنُه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم» . وقال نافع بن يزيد: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب مرضات الله، لا يتعظمون على مَنْ فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. هـ. وقيل: الراسخ في العلم: من وجُد فيه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. هـ. قلت: ويجمع هذه الأوصاف العارف بالله، فهو الراسخ في العلم كما تقدم.
ويقولون أيضاً في تضرعهم إلى الله: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن نهج الحق بالميل إلى اتباع الهوى، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا إلى طريق الوصول إلى حضرتك، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً تجمع قلوبنا بك، وتضم أرواحنا إلى مشاهدة وحدانيتك، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تهب للمؤمل فوق ما يؤمل. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ الجزاء الذي لا رَيْبَ فِيهِ، فاجمعنا مع المقربين إنك لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ، فأنجز لنا ما وعدتنا في ذلك اليوم. وخلف الوعد في حقه تعالى مُحال. أما الوعد بالخير فلا إشكال، وأما الوعيد بالشر، فإن كان في مُعَيِّنٍ فلا يخلفه، وإن كان في الجملة فيخلفه بالعفو. والله تعالى أعلم.
وقال في النوادر أيضاً: لَمَّا رَدَّ الراسخون في العلم عِلْمَ المتشابه إلى عالمه، حيث قالوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، خافوا شَرَه النفوس لطلبها فإنَّ العلم لذيذ، وفتنة تلك اللذة لها عتاب، ففزعوا إلى ربهم فقالوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، علموا أن الرحمة تطفئ تلك الفتنة. ولما كان يوم القيامة ينكشف فيه سر القدر حنوا إليه فقالوا: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ ... الآية. سكنوا نفوسهم لمجيء ذلك اليوم الذي تَبْطُنِ فيه الحكمة، وتظهر فيه القدرة. هـ. بالمعنى.
الإشارة: إذا صفت القلوب، وسكنت في حضرة علاّم الغيوب، تنزلت عليها الواردات الإلهية والعلوم اللدنية، والمواهب القدسية، فمنها ما تكون محكمات المبنى، واضحات المعنى، ومنها ما تكون مجملة في حال ورودها،
стр. 321
وبعد الوعي يكون البيان، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
. وقد تكون خارجة عن مدارك العقول. فأما أهل الزيغ والانتقاد فيتبعون المتشابه من تلك الواردات، ابتغاء فتنة العامة، وصرفهم عن طريق الخاصة، وابتغاء تأويله، ليقيم عليه حجة الشريعة، (وما يعلم تأويله إلا الله) ، أو من تحقق فناؤه في الله، وهم الراسخون في معرفة الله، يقولون: (آمنا به كل من عند ربنا) إذ القلوب المطهرة من الهوى لا تنطق عن الهوى، وهم أرباب القلوب يقولون: (ربنا لا تزغ قلوبنا) عن حضرة قدسك (بعد إذ هديتنا) إلى الوصول إليها، (وهب لنا من لدنك رحمة) تعصمنا من النظر إلى سواك، (إنك أنت الوهاب) ربنا إنك جامع الناس. وهم السائرون إليك ليوم لا ريب في الوصول إليه، وهو يوم اللقاء، (إنَّكَ لا تُخْلفُ المِيعادَ) فاجمع بيننا وبينك، وحل بيننا وبين من يقطعنا عنك (إِنك على كل شيءٍ قدير) .
ثم هدد أهل الزيغ والفساد، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠ الى ١١]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)
قلت: (الوقود) بالفتح: الحطب، وبالضم: المصدر، (كذأب آل فرعون) خبر، أي: دأبهم كدأب آل فرعون.
والدأب: مصدر دأب، إذا دام، ثم نقل إلى الشأن والعادة، و (كذبوا) : حال بإضمار «قد» ، أو مستأنف، تفسير حالهم، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزلته، على نبينا محمد- عليه الصلاة السلام-، إذا عاينوا العذاب لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ، أي: بدلاً من رحمته أو طاعته، أو بدلاً من عذابه، شَيْئاً، وأولئك هم حطب جهنم، فشأنهم كشأن آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، قد كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي: أهلكهم، وشدد العقوبة عليهم، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن أعرض عنه وركن إلى غيره.
الإشارة: كل من جحد أهل الخصوصية، وفاته حظه من مشاهدة عظمة الربوبية، حتى حصل له الطرد والبعاد، وفاته مرافقة أهل المحبة والوداد، لن تغني عنه- بدلاً مما فاته- أموالُ ولا أولاد، واتصلت به الأحزان والأنكاد كما قال الشاعر:
مَنْ فَاتَه منكَ وصلٌ حَظُّه الندمُ ... ومَنْ تَكُنْ هَمِّه تَسْمُو به الهممُ
стр. 322
وقال آخر:
مَنْ فاتَهُ طَلَبُ الوُصُولِ وَنَيْلُهُ ... مِنْه، فقُلْ: ما الذِي هُوَ يَطلُبُ!
حَسْبُ المحِبِّ فناؤه عما سِوى ... مَحْبوبِهِ إنْ حاضِرٌ وَمُغَيَّبُ
وقال آخر:
لكل شيء إذا فارقْتَهُ عِوَضٌ ... وَلَيْسَ لله إنْ فارقْتَ مِنْ عَوِضِ
وفي الحكم: «ماذا وَجَدَ مَنْ فقدك؟ وما الذي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك؟ لقد خاب مَنْ رَضِي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك مُتحولاً» . فكل مَن وقف مع شيء من السِّوى، وفاته التوجه إلى معرفة المولى، فهو في نار القطيعة والهوى، مع النفوس الفرعونية، وأهل الهمم الدنية. نسأل الله تعالى العافية.
ثم بدأ بعتاب اليهود، بعد أن قرر شأن كتابه العزيز وما اشتمل عليه من المحكم والمتشابه، توطئة للكلام معهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢ الى ١٣]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)
قلت: لمَّا رجع رسول الله ﷺ من غزوة بدر غالباً منصوراً بالغنائم والأسارى، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال لهم: يا معشر اليهود، اتقوا الله وأسلموا، فإنكم تعلمون أني رسولُ الله حقا، واحذروا أن يُنزل الله بكم من نقمته ما أنزل على قريش يوم بدر، فقالوا: يا محمد، لا يغرّنّك لا أنك لقيت أغماراً لا علم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لتعلَمنَّ أنَّا نحن الناس. فأنزل الله فيهم هذه الآية.
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد لِلَّذِينَ كَفَرُوا من بني إسرائيل، أو مطلقاً: سَتُغْلَبُونَ إن قاتلتم المسلمين، وَتُحْشَرُونَ بعد الموت والهزيمة إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ما مهدتم لأنفسكم من العذاب، وقد صدق وعده بقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم. فقد غُلِبوا أينما ثُقفوا، وحشروا إلى جهنم، إلا من أسلم منهم.
ثم ندبهم للاعتبار بما وقع من النصر للمسلمين يوم بدر فقال لهم: قَدْ كانَ لَكُمْ يا معشر اليهود، آيَةٌ أي:
عبرة ظاهرة، ودلالة على صدق ما أقول لكم: إنكم ستغلبون، فِي فِئَتَيْنِ أي: جماعتين الْتَقَتا يوم بدر، وهم
стр. 323
المسلمون، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر، والمشركون كانوا زهاء ألف، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم المؤمنون، وَأُخْرى كافِرَةٌ، وهم المشركون، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ أي: ترون، يا معشر اليهود، الكفارَ مثلي عدد المسلمين رأي تحقيق، ومع ذلك أيدهم الله بالنصر والمدد حتى نصرهم على عدوهم، وكذلك يفعل بهم معكم.
والرؤية، على هذا، علمية. ومن قرأ (بالياء) يكون الضمير راجعاً للكفار، أي: يرى الكفارُ المسلمين مثليهم، وذلك بعد أن قللهم الله في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، وتوجهوا إليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، مدداً من الله للمؤمنين.
أو: يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، وكانوا ثلاثة أمثالهم، ليثبتوا لهم، ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله بقوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ... الآية. وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ أي: يقوي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره، كما أيد أهل بدر، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ المفتوحة. وذلك حين نصر الله قوماً لا عدد لهم ولا عدة، على قوم لهم عدد وعدة، فلم تغن عنهم من الله شيئاً.
الإشارة: إذا توجه القلب إلى مولاه تعرض له جندان، أحدهما: جند الأنوار، وهو جند القلب، والثاني: جند الأغيار، وهو جند النفس، فيلتحم بينهما القتال، فجند الأنوار يريد أن يرتقي بالروح إلى وطنها وهو حضرة الأسرار، وجند الأغيار يريد أن يهبط بالنفس إلى أرض الحظوظ والشهوات، فيحبسها في سجن الأكوان، فإذا أراد الله تعالى سعادة عبد، قوي له جند الأنوار، وضَعَّفَ عنه جند الأغيار، فينهزم عنه جند الأغيار، ويستولي على قلبه جند الأنوار، فلا تزال الأنوار تتوارد عليه حتى تشرق عليه أنوار المواجهة، فيدخل حضرة الأسرار، وهي حضرة الشهود، ويتحصن في جوار الملك الودود، وتناديه ألسنة الهواتف: أيها العارف، قل للذين كفروا، وهم جند الأغيار: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإذا أراد الله خذلان عبده، بعدله، قطع عنه مدد الأنوار، وقوي لديه جند الأغيار، فتستولي ظلمة النفس على نور القلب، فتحبسه في سجن الأكوان، وتسجنه في ظلمة هيكل الإنسان، (والله يويد بنصره من يشاء) . ففي التقاء جندي الأنوار والأغيار عبرة لأولى الأبصار.
ثم بين الحق تعالى مدد جند الأغيار، والذي منع الأبصار من الاعتبار، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٤]
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)
стр. 324
قلت: (زُين) : بحذف الفاعل، وهو الله، حقيقة إذ لا فاعل سواه، أو الشيطان، شَريعَةً إذ هو منديل لمسح أوساخ الأقذار. والقنطار: المال الكثير، وقيل: مائة ألف دينار، وقيل: ملء مسك الثور. وروى عنه- ﵊ أنه قال: «القنطار: ألف دينار» ، وفي رواية: «ألفا دينار» ، وفي عرفنا اليوم: ألف مثقال.
والمقنطرة: المنضدة بعضها فوق بعض، وسمي الذهب ذهباً لذهابه وفنائه، أو لذهابه بالقلوب عن حضرة الغيوب، وسميت الفضة فضة لأنها تَنْفَضُّ أي: تنفرق، أو تفرق القلوب لمن اشتغل بها. والمسوَّمة: المعلمة أو الراعية أو المطهمة الحسان.
يقول الحق ﷻ : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ والركون إلى المألوفات، حتى صرفهم ذلك عن النظر والاعتبار، أو الشهود والاستبصار، وذلك لمن وقف مع متعتها، وغرته شهوة لذتها، وأما من ذكرته نعيم الجنان، وأعانته على طاعة الملك الديان، فلم يقف مع متعتها، ولا التفت إلى عاجل شهوتها، بل نزل إليها بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، فلا يشمله تحذير الآية لقوله- ﵊: «حبب إلي من دنياكم ثلاث ... » الحديث.
وقال بعض الأولياء: [كل شهوة تحجب القلب عن الله، إلا شهوة الجماع] يعني الحلال، وقال الورتجبي:
ابتلاهم حتى يظهر الصادق بترك هذه الشهوات، من الكاذب بالشروع في طلبها، قيل: من اشتغل بهذه الأشياء قطعته عن طريق الحق، ومن استصغرها وأعرض عنها، عوض عليها السلامة منها، وفتح له الطريق إلى الحقائق. هـ.
ثم بدأ برأس الشهوات فقال: مِنَ النِّساءِ وذلك لمن شُغف بهن فصرف عن ذكر الله، أو تناولهن على وجه الحرام. وفي الخبر عنه- ﵊: «مَا تَرَكْتُ في الناس بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» .
وفي خبر آخر: «النظر إلى محاسن المرأة من سهام إبليس» . ومَنْ ثَمَّ جُعِلْنَ في القرآن عين الشهوات، قال تعالى:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ.
وقال بعض العارفين: ما أي الشيطانُ من إنسان قط إلا أتاه من قبل النساء. وقال على رضى الله عنه: أيها الناس، لا تطيعوا للنساء أمراً، ولا تَدَعُوهُنَّ يدبرن أمر عيش، فإنهن إن تُرِكْنَ وما يُرِدْن أفسدن الملك، وعصَين المالك، وجدناهن لا دين لهن في خلَواتهن، ولا ورع لهن عند شهواتهن، اللذة بهن يسيرة، والحيرة بهن كثيرة، فأما صوالحهن ففاجرات، وأما طوالحهن فعاهرات- أي: زانيات-، وأما المعصومات فهن المعدومات، يتظلمن وهن
стр. 325
الظالمات، ويتمنعن وهن الراغبات، ويحلفن وهن الكاذبات، فاستعيذوا بالله من شرارهن، وكونوا على وجل من خيارهن، والسلام. هـ. «١»
وَالْبَنِينَ: قال- ﵊: «إنهم لثمرة القلوب، وقُرَّةُ الأعيُن، وأنهم مع ذلك لَمَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ» . وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ: أي: المجموعة المنضدة، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي: المعلمة: وهي البلق، أو غيرها، وفي الحديث عنه ﷺ : «الخَيْلُ معقودٌ في نَواصِيها الخير إلى يوم القِيَامةِ، الأجرُ والمَغْنمُ» . وعن أنس قال: (لم يكن شيء أحب إلى النبي ﷺ بعد النساء، من الخيل) . وعن أبي وهب الجشمي قال النبي ﷺ : «ارتبطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها، وقَلِّدُوها، ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كُمَيْت «٢» أغر مُحَجِّلِ، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجّل» . وعن خباب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فما اتخذ لله في سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استطرق عليه- أي: ركب عليه في طريق حوائجه، وأما فرس الشيطان فما روهن عليه، وقومر عليه» . وفي البخاري ما يشهد لهذا.
ومما زُيِّن للناس أيضاً: حب الْأَنْعامِ، وهي الإبل والبقر والغنم، إن شغلته عن ذكر الله، ومنع منها حق الله، وَالْحَرْثِ أي: الزراعة والغراسة، ذلِكَ الذي ذكرت مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا الفانية الزائلة، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، أي: المرجع في دار البقاء التي لا يفنى نعيمها، ولا تنقطع حياتها إلى أبد الأبد.
الإشارة: كل ما يقطع القلبّ عن الشهود، أوُ يُفَتِّرُهُ عن السير إلى الملك المعبود، فهو شهوة، كائناً ما كان، أغياراً أو أنواراً، أو علوماً أو أحوالاً، أو غير ذلك، فالنساء الأغيار، والبنون الأنوار، والقناطير المقنطرة من الذهب علوم الطريقة، والفضة علوم الشريعة، والخيل المسومة هي الأحوال، والأنعام الأذكار، والحرث استعمال الفكرة.
فكل مَنْ وقف مع حلاوة شيء من هذا، ولم يُفْضِ إلى راحة الشهود والعيان، فهي في حقه شهوة.
وبعد أن ذكر الحق تعالى أنواعاً من الشهوات، زَهَّدَ فيها فقال: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قال أبو هاشم الزاهد ﵁: وَسَمَ اللهُ الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريد بربه دونها، وليقبل المطيعون بالإعراض عنها، وأهلُ المعرفة بالله من الدنيا مستوحشون، وإلى الله مشتاقون. هـ.
стр. 326
وقد تعوذ النبي ﷺ من شر فتنتها، غناها وفقرها. وأكثرُ القرآن مشتملٌ على ذمها، وتحذير الخلق منها، بل ما من داع يدعو إلى الله تعالى إلا وقد حذر منها، ورغَّب في الآخرة، بل هو المقصود بالذات من بيان الشرائع، وكيف لا- وهي عدوة الله لقطعها طريق الوصلة إليه، ولذلك لم ينظر إليها منذ خلقها. وعدوة لأوليائه لأنها تزينت بزينتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها، وعدوة لأعدائه لأنها استدرجتهم بمكرها، واقتنصتهم بشبكتها، فوثقوا بها، فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها. كفانا الله شرّها بمنِّه وكرمه.
ثم نبه الحق تعالى على ما هو المقصود الأهم لمن له عقل وافر، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٧]
قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)
قلت: (للذين) : خبر، و (جنات) : مبتدأ، وهو استئناف لبيان الخيرية، والرضوان فيه لغتان: الضم والكسر، كالعدوان والطغيان، و (الذين يقولون) : بدل من (الذين اتقوا) ، أو خبر عن مضمر، أو منصوب على المدح، أو بدل من العباد، و (الصابرين) وما بعده: نعت الموصول.
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد: أأخبركم بِخَيْرٍ من الذي ذكرتُ لكم من الشهوات الفانية واللذات الزائلة، وهو ما أعد الله للمتقين عند لقاء ربهم، وهو جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تحت قصورها الأنهارُ من الماء واللبن والعسل والخمر، خالِدِينَ فِيها، لا كنعيم الدنيا الفاني، ولهم فيها أَزْواجٌ من الحور العين، مطهرات من الحيض والنفاس وسائر المستقذرات، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ الذي هو (أكبر) النعم.
فانظر: كيف ذكر الحق- ﷻ أدنى النعيم وأوسطه وأعلاه؟ فأدناه: متاع الدنيا الذي زُين للناس، وأوسطه: نعيم الجنان، وأعلاه: رضي الرحمن. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ : «يَقُولُ الله تعالى لأهِلْ الْجنَّةِ:
يَا أهْلَ الجَنَّةِ، فيقول أهْلَ الجَنَّةِ: لَبْيكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكِ، والخير في يديك، فيقول: هَلْ رضِيتُم؟ فيقولون: ما لَنَا لا نَرضى وَقَد أعطيتنا ما لم تُعط أَحَداً مِنْ العالمين، فَيَقُولُ: ألا أعْطِيكُم أَفْضَلَ من ذلك؟ فيقُولون: يا ربنا، وأيُّ شَيء أَفْضَلُ مِنْ ذلك؟ قال: أُحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» .
стр. 327
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، أو: (بصير) بأحوال المتقين.
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ. وفي ترتيب السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة والاستعداد لها.
ثم وصف المتقين بقوله: الصَّابِرِينَ على أداء الأمر واجتناب النهي، وفي البأساء والضراء وحين البأس، وَالصَّادِقِينَ في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فاستوى سرهم وعلانيتهم، وَالْقانِتِينَ أي: المطيعين، وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم في سبيل الله، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة لأن العبادة حينئذٍ أشق، والنفس أصفى، والروح أجمع، وَلاَ سيما للمتهجدين.
قيل: إنهم كانوا يُصلُون إلى السحر، ثم يستغفرون ويدعون، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إِنَّ اللهَ تعالى يقول: إني لأهُمُّ بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عُمَّار بيوتي، وإلى المتهجدين، وإلى المتحابين فِيَّ، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت عنهم العذاب) .
وقال سفيان: إن لله ريحاً يقال لها الصيحة، تهبُّ وقتَ السحر، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار.
قال: وبلَغنا أنه إذا كان أول الليل، نادى مناد: ألا ليقم القانتون، فيقومون يُصلون إلى السحَر، فإذا كان وقت السحر، ينادي منادٍ: أين المستغفرون بالأسحار؟ فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون، ويُصلون، فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر، نادى مناد: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فرشِهم كالموتى إذا نُشروا من قبورهم.
الإشارة: للذين اتقوا شهودَ السّوى عند ربهم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وأصناف الحكم، مطهرة من العلل، منزهة من الخلل، تهب عليهم نسيم الرضوان، تحمل الرَّوُحَ والريحان، مخلدون في نعيم الشهود والعيان، والله بصير بعباده المخلصين، المنزَّهين من العيوب، المبرّئين من درن الذنوب، الصابرين على دوام المجاهدة، والصادقين في طلب المشاهدة، والقانتين لأحكام العبودية، والمنفقين أنفسَهُمْ ومُهَجَهم في طلب مشاهدة أنوار الربوبية، والمستغفرين من شهود الأغيار، وخصوصاً إذا هبّ نسيم الأسحار، فإن كثيراً من العباد والزهاد شغلتهم حلاوة نسيم الأسحار عن مطالعة أسرار الجبار، وهى أسرار التوحيد التي أشار إليها بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٨]
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
стр. 328
قلت: (قائماً) : حال مِن (الله) ، وإنما جاز من بعض المعطوفات لعدم اللبس، كقوله: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً ... ، ولا يجوز: جاء زيد وعمرو راكباً لعدم القرينة، أو مِن (هو) ، والعامل الجملة لأنه حال مؤكدة، أي: تفرد قائماً، أو حقه قائماً، (بالقسط) أي: العدل، و (إن الدين) : جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي: لا دين مرضى عند الله سوى الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد ﷺ ، ومن قرأ بالفتح فهو بدل من (أنه) ، بدل الكل، إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة.
يقول الحق ﷻ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ أي: بيَّن وحدانيتَه بنصب الدلائل الدالة عليها، وإنزال الآيات الناطقة بها، أو بتدبيره العجيب وصنعته المتقنة وأموره المحكمة، وفي ذلك يقول القائل:
يَا عَجَباً كيف يُعْصَى الإلهُ ... أم كيف يَجْحَدُه الجاحدُ؟!
وللهِ في كل تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبداً شاهدُ
وفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ ... تَدُلُّ على أنَّه واحِدُ «١»
وقيل لبعض العرب: ما الدليل على أن للعالم صانعاً؟ فقال: البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أمَا يدلان على الصانع الخبير؟! وَشهدت الْمَلائِكَةُ أيضاً بالإقرار بالوحدانية والإخبار بها، وَأُولُوا الْعِلْمِ وهم: الأنبياء والعلماء بالله، بالإيمان بها والاحتجاج عليها، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد. وفيه دليل شرف أهل العلم وفضلهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته لأن العلم صفة الله العليا ونعمته العظمى، والعلماء أعلام الإسلام، والسابقون إلى دار السلام، وسُرج الأمكنة وحجج الأزمنة.
وعن جابر قال: قال النبي ﷺ : «ساعة من عالم يتّكىء على فِرَاشِهِ، ينظُرُ في علمهِ، خَيرٌ مِنْ عِبَادَة العَابِد سَبعينَ عاماً» . وعن معاذ قالَ: قال النبي ﷺ : «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشيةٌ، ومدارستَه تسبيحٌ، والبحث فيه جهادٌ، وتعليمه مَنْ لا يعلمه صدقةٌ، وتذكُّره في أهله قُرْبَة» . ثم قال في آخر الحديث في فضل أهل العلم: «وتَرْغَبُ الملائكة في خُلتِهم، وبأجنحتها تمسحُهم، وفي صلاتها تستغفر لهم، وكلُّ رطب ويابس يستغفر لهم. حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع الأرضين وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياةُ القلوب من العمى، ونورُ الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منزل الأحرار ومجالسة الملوك، والفكر فيه يُعْدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وبه تُوصلَ الأرحام، العلم إمام والعمل تابعه، يُلْهَمُه السعداء، ويحرمه الأشقياء» .
стр. 329
حال كون الحقّ تعالى قائِماً بِالْقِسْطِ أي: مُدبراً لأمر خلقه بالعدل، فيما حكم وأبرم، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ، كرر الشهادة للتأكيد، ومزيد الاعتبار بأمر التوحيد، والحكم به، بعد إقامته الدليل. عليه وقال جعفر الصادق:
(الأُولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم) . أي: قولوا: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ، أو ليرتب عليه قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدَّم «العزيز» ليتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٩]
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أي: إن الدين المرضى عند الله هو الانقياد لأمر التوحيد والإذعان لمن جاء به. ورُوِيَ عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من قرأَ هذه الآيةَ عند منامه خَلَقَ اللَّهَ تعالى سبعين ألف خَلْقٍ يستغفرون الله له إلى يوم القيامة» «١» . وهي أعظم شهادة في كتاب الله، «من قرأها إلى (الحكيم) وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودِعُ اللهَ هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، يقول الحق تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحقُّ مَنْ وفى بالعهد، أدخِلوا عبدي الجنة» «٢» .
الإشارة: صدرُ الآية يشير إلى الفرق، وعَجُزُها يشير إلى الجمع، كما هي عادته تعالى في كتابه العزيز، يشرع أولاً، ويُحَقِّق ثانياً، فأثبت الحق- ﷻ شهادة الملائكة وأولى العلم مع شهادته لإثبات سر الشريعة، ثم محاها بقوله: (لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم) بحكم الحقيقة. فإثبات الرسوم شريعة، ومحوها حقيقة، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب، وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب، وتوحيد أهل الرسوم دلالة وبرهان، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان.
إثبات الرسوم إسلام وإيمان، ومحوها شهود وإحسان، وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية فهو مخدج «٣» ، لقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أي، الانقياد والإذعان، ظاهراً وباطناً، لأحكام القهرية والتكليفية، فمن لا انقياد له لا دين له كاملاً.
ثم ذكر من سبق له الخذلان بعد سطوع الدليل والبُرهان، فقال:
وَمَا اخْتَلَفَ ...
стр. 330
قلت: (بغياً) : مفعول له، علة للاختلاف.
يقول الحق ﷻ : وَمَا اخْتَلَفَ اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام والتدين به، إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي: من بعد ما تمكنوا من العلم بصحته، وأن الدين عند الله هو الإسلام، فجحدوه ظلماً وحسداً.
أو ما اختلف أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام فأثبته قوم، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقاً، إلا من بعد ما ثبت لهم العلم بصحته وعموم الدعوة له. أو في التوحيد فثلث النصارى، وقالت اليهود:
عزيز ابن الله، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا. وقال الربيع: أن موسى ﵇ لما حضره الموت، دعا سبعين حبراً من قومه، فاستودعهم التوراة، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم الفرقة، وهم:
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن أبناء السبعين، فأراقوا الدماء ووقع بينهم الشر والاختلاف.
وذلك من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان ما في التوراة، (بغياً بينهم) أي: طلباً للملك والرئاسة والتحاسد، فسلّط عليهم الجبابرة، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسوله، أو الدالة على وحدانيته، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لا يشغله شأن عن شأن، وفيه تهديد لأهل الاختلاف.
الإشارة: الاختلاف على الصوفية، والإنكار عليهم، إن كان بغياً وحسداً وخوفاً على زوال رئاسة المنكر، فهذا معرض لمقت الله، فقد آذن بحرب الله، وبالُه سوء الخاتمة، والعياذ بالله، وفي ذلك يقول القائل:
هممهم تقضى بحكم الوَقْتِ ... مُنِكِرُهُم مُعَرَّضٌ للمٌقْتِ
وإن كان غيره على الشريعة، وسدّاً لباب الذريعة، فهذا معذور أو مأجور إن صح قصده، وهو منخرط في سلك الضعفاء، قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ولا ينكر على الفقير إلا المُحرَّم المجمع على تحريمه، وليس فيه تأويل، كالزنى بالمعينة، واللواط، وشبهه، والمؤمن يلتمس المعاذر، والمنافق يلتمس العيوب، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم بين الحق تعالى الدواء فى أذى المنكر، وهو الإعراض عنه، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠]
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)
قلت: (ومن اتبعن) ، عطف على فاعل (أسلمت) الضمير «١» .
стр. 331
يقول الحق ﷻ : فَإِنْ حَاجُّوكَ في الدين، وخاصموك فيه، بعد ما أقيمت الحجج على صحته، فَقُلْ لهم: أما أنا فقد أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، وانقدت بكليتي إليه، وتمسكت بدينه القويم، الذي قامت الحجج على حقيته، وكذلك من تبعني من المؤمنين. وخصّ الوجه بالانقياد لأنه أشرف الأعضاء ومحل ظهور المحاسن، فإذا انقاد الوجه فقد انقاد الكل.
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى، وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم من المشركين:
أَأَسْلَمْتُمْ كما أسلمتُ، لما وضحت لكم من الحجة؟ أم أنتم على كفركم بغياً وحسداً؟ والاستفهام معناه الأمر، كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي: أسلموا، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وأنقذوا أنفسهم من الهلاك، وَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، ولا يضرك عنادهم، فقد بلغت ما أمرت به. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ لا يخفى عليه مَن أسلم ممن تولى.
رُوِيَ أنه- ﵊ قرأ عليهم هذه الآية، فقال لليهُود: «أتشهدون أن عزيراً عبد الله ورسوله وكلمته؟» فقالوا: معاذ الله، وقال للنصاوى: «أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله؟» فقالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبداً. فنزل قوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الآية.
الإشارة: لا يليق بالفقير، إذا توجه إليه الإنكار أو المجادلة والاستظهار، إلا السكوت والإقرار، والاستسلام بكليته لأحكام الواحد القهار، إذ لا يرى فاعلاً إلا الله، فلا يركن إلى شيء سواه. وفي الحِكَم: «إنما أجرى الأذى عليهم لئلا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يُزْعِجَكَ عن كل شيء، حتى لا تكون ساكناً إلى شيء» . وقال بعض العارفين: لا تشتغل قط بمَن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم، فطال عليهم الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم. هـ. بالمعنى. وبهذا يأمر الشيخ أتباعه، فإن انقادوا لأحكام الحق، فقد اهتدوا إلى طريق الوصول، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والهداية بيد السميع البصير.
ثم وبّخ اليهود بما وقع لأسلافهم من البغي والفساد، وهم راضون بذلك، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)
قلت: إنما دخلت الفاء في خبر إنَّ لتضمن اسمها معنى الشرط لعموم الموصول وإبهامه، وهو خاص بإنَّ، دون ليت ولعل لأن «إن» لا تغير معنى الابتداء، وإنما تؤكده. وقيل: الخبر: (أولئك..) الخ.
стр. 332
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي: بحُججه الدالة على توحيده، وصحة نبوة رسله، أو بكلامه، وهم اليهود، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ بل بغياً وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالعدل وترك الظلم من الأحبار، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ موجع، أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي: بطلت، فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلا ينتفعون بها في الدارين، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يمنعونهم من العذاب.
وعن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أيُّ النَّاسِ أشَدُّ عَذَاباً يَوْمَ القيامة؟ قال: «رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيّاً، أو رَجل أمَرَ بالمُنكَر ونَهَى عن المَعْرُوفِ، ثم قرأ النبي ﷺ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ الآية، ثم قال: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسْرَائِيلَ ثلاثةً وأرْبَعِين نبيّاً أوَّل النَّهَار في سَاعَةٍ، فقام مائة وعشرون من عُبَّادِ بَني إسْرَائِيل فأَمرُوهم بالمَعرُوف ونَهوهُمْ عن المنكر، فقتلوهم جميعاً مِنْ آخِرِ النَّهارِ من ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم في كتابه، وأنزل الآية فيهم» . هـ. من الثعلبي.
الإشارة: ذكر في الآية الأولى تشجيع المريدين، وأمرهم بالصبر والتسليم لإذاية المؤذين، وذكر هنا وبال المؤذين الجاحدين لخصوصية المقربين، فالأولياء والعلماء ورثة الأنبياء، فمن آذاهم فله عذاب أليم، في الدنيا بغم الحجاب وسوء المنقلب، وفي الآخرة بالبعد عن ساحة المقربين، وبالسقوط إلى دَرْكَ الأسفلين، والله تعالى أعلم.
ومن مساوئ اليهود أيضا إعراضهم عن الحق إذا توجه إليهم، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)
قلت: التنكير في (نصيب) يحتمل التحقير والتعظيم، والأول أقرب. وجملة: (وهم معرضون) حال من (فريق) لتخصيصه بالصفة.
يقول الحق ﷻ : أَلَمْ تَرَ يا محمد، أو مَنْ تصح منه الرؤية، إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وهم: اليهود، تمسكوا بشيء من التوراة، ولم يعملوا به كلّه، كيف يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ القرآن لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته- ﵊، فأعرضوا عنه، أو المراد بكتاب الله: التوراة. قال ابن عباس ﵁: (دخل النبي ﷺ على جماعة من اليهود، فَدَعاهُمْ إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بْنُ عَمِرْو والحَارِثُ بَنْ زَيْد: على أيِّ دين أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قال: «على مِلَّةِ إبْرَاهِيم» قالا: إنَّ إبرَاهِيم كان
стр. 333
يَهُودِيّاً، فقال لهما النبي ﷺ : «فَهَلمُّوا إلى التَّوراةِ فهي بَيْنَنَا وبينكم» فأبَيا عليه، فنزلت الآية) . وقيل: نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود.
ذلِكَ الأعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب، فقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أربعين يوماً، قدر عبادتهم العجل، ثم يَخْلفهم المسلمون، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ.
يقول الحق ﷻ : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، وهذا تهويل لشأنهم، واستعظام لما يحيق بهم، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي: لا يبخسون من أعمالهم شيئاً، فلا ينقص من الحسنات، ولا يزاد على السيئات. وفيه دليل على أنَّ المؤمن لا يخلد في النار. قال ابن عباس: (أولُ رايةٍ تُرفع لأهل الموقف، ذلك اليوم، رايةُ اليهود، فيفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد، ثم يؤمر بهم إلى النار) .
الإشارة: ترى كثيراً ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية، وأنه منخرط في سلك المقربين، فإذا دُعي إلى حق، أو وقف على عيب من عيوب نفسه، أعرض وتولى، وغرته نفسه، وغلبه الهوى، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين، فكيف يكون حاله إذا أقبل على الله بقلب سقيم، ورأى منازل أهل الصفا، الذين لقوا الله بقلب سليم، حين ترفع درجاتهم مع المقربين، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين؟ قال تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ الآية.
ثم ذكر الحق تعالى نزع ملك أهل الكتاب، وسلب عزهم، وانتقاله إلى المسلمين، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)
قلت: (اللهم) منادى مبني على الضم، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق، وعوضت منها الميم المُؤْذِنة بالجمع، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فَرْقٌ «١» ، و (مالك) : نعت لمحل المنادي لأنه مفعول، ومنادى ثانٍ عند سيبويه، لأن الميم عنده تمنع الوصفية.
يقول الحق ﷻ : قُلِ يا محمد في استنصارك على عدوك: اللَّهُمَّ يا مالِكَ الْمُلْكِ مُلك الدنيا وملك الآخرة، تُؤْتِي الْمُلْكَ والنصر مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، فهب لنا ملك الدارين،
стр. 334
والنصر على الأعداء في كل أين، وانزع الملك من يد عدونا، وانقله إلينا وإلى من تبعنا إلى يوم الدين. قال قتادة:
(ذكر لنا أن النبي ﷺ سأل ربه أن يجعل مُلك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية) .
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بالإيمان والطاعة وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بالكفر والمعصية، أو تعز من تشاء بالمعرفة، وتذل من تشاء بالفكرة، أو تعز من تشاء بالقناعة والورع، وتذل من تشاء بالحرص والطمع، أو تعز من تشاء بالتوفيق والإذعان، وتذل من تشاء بالكسل والخذلان، بِيَدِكَ الْخَيْرُ كله، فأعطنا من خيرك الجزيل، وأجرنا من الشر الوبيل، فالأمور كلها بيدك.
قال البيضاوي: ذكر الخير وحده لأنه المقضى بالذات، والشر مقتضى بالعرض إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيراً كليّاً. أو لمراعاة الأدب في الخطاب، أو لأن الكلام وقع فيه، إذ رُوِيَ أنه ﵊ لَمَّا خَطَّ الخَنْدَقَ، وقَطَعَ لكل عَشَرَة أربعينَ ذِرَاعاً، وأخذوا يَحْفرُون، فظهر فيه صخْرَةٌ عظيمةٌ لم تَعْمَلْ فيها المَعَاوِلُ، فَوَجَّهُوا سلْمَانَ إلى رسول الله ﷺ يخبره، فجاء ﵊، فأخذ المعْول منه، فَضَرب به ضَرْبَةً صدعَهَا، وَبَرَقَ منها برق أضَاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها «١» ، لكأن مصباحاً في جوْف بَيتِ مُظلم، فكَبَّرَ، وكَبَّرَ معه المسلمونَ، وقال: أضَاءَتْ لي مِنْهَا قُصُور الحيرة، كأنها أنيابُ الكلاب، ثم ضرب الثانية، فقال: أضَاءَتْ لي مِنْها القُصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة، فقال: أضاءت لي منها قُصُورُ صَنعاء، وأخْبرَنِي جِبْريل أنَّ أُمَّتِي ظَاهرةٌ علَى كُلِّها، فأبشروا، فقال المنافقون: ألا تَعْجَبُون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويُخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحِيَرةِ، وأنَّها تُفْتحُ لَكُمْ، وأنتم إنما تَحْفُرون الخنْدَقَ مِنَ الفَرَق «٢» فنزلت، أي: الآية. ونبّه على أن الشر أيضاً بيده بقوله: إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هـ.
ثم استدلّ على نفوذ قدرته بقوله: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي: تُدخل أحدَهما في الآخر بالتعقيب، أو بالزيادة أو النقص، فيولج الليلَ في النهارِ، إذا طال النهار حتى يكون خمس عشرة ساعة، وفي الليل تِسْعٌ، ويُولج النهارَ في الليل، إذا طال الليل كذلك، وفيه دلالة على أنَّ مَنْ قَدَر على ذلك قدر على معاقبة العز بالذل، والمُلك بنزعه. وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كالحيوانات من النُّطَف، وبالعكس، والنباتات من الحبوب، وبالعكس، أو المؤمن من الكافر والعالم من الجاهل، وبالعكس، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ من الأقوات والعلوم والأسرار، بِغَيْرِ حِسابٍ، ولا تقدير ولا حصر. اللهم ارزقنا من ذلك الحظ الأوفر، (إِنك على كل شيءٍ قدير) .
стр. 335
روى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «يا معاذُ، أتحبُّ أن يقضيَ اللهُ عنك دَيْنك؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «قل» (اللهم مالك الملك) إلى قوله: (بغير حساب) ، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقضِ عني ديني، فلو كان عليك ملءُ الأرض ذهباً وفضة لأدَّاه الله عنك» .
وروى عن على ﵁ أنه قال: الفاتحة، وآية الكرسي، و (شهد الله) ، و (قل اللهم مالك الملك ... ) إلى ( ... بغير حساب) ، لمّا أراد الله أن ينزلهن، تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا إلى دار الذنوب فقال الله : وعزّتي وجلالي لا يقرؤكن عبد، دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وقضييت له في كل يوم سبعين حاجة، وأعززته من كل عدو، نصرته عليه ... »
الحديث «١» . انظر الثعلبي.
الإشارة: من ملك نفسه وهواه فقد ملكه الله ملك الدارين، ومن ملكته نفسه وهواه فقد أذلّه الله فى الدارين، ومن ملك نفسه لله فقد مكنه الله من التصرف في الكون بأسره، وكان حرّاً حقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر:
دَعَوْنِي لمُلْكِهم، فلمَّا أجبتُهم ... قالُوا: دَعَوْنَاك للمُلْك لا للمِلْكِ
ومن أذلَّ نفسه لله فقد أعزّه الله، قال الشاعر:
تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِزةً ... فكم عزة قد نالها المرء بِالذُّلِّ
إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً وَلَمْ تَكُنْ ... ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوصْلِ
قال ابن المبارك: (قلت لسفيان الثوري: من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، قلت فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث ليستأكلوا به أموال الناس، قلت: أخبرني ما السفلة؟ قال: الظلمة.) وقال الشبلي: (المُلك هو الاستغناء بالمكون عن الكونين) . وقال الوراق: (تُعز من تشاء بقهر النفس ومخالفة الهوى، وتذل من تشاء باتباع الهوى) . قلت: وفي ذلك يقول البرعى ﵁:
لا تتبع النفس في هَوَاهَا ... إنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى هَوَانُ
وقال وهب: «خرج الغِنَى والعز يجولان، فلقيا القناعة فاستقرا» . وقال عيسى ﵇ لأصحابه: أنتم أغنى من الملوك، قالوا: يا روح الله كيف، ولسنا نملك شيئاً؟ قال: أنتم ليس عندكم شيء ولا تريدونها، وهم عندهم أشياء ولا تكفيهم هـ.
стр. 336
قال الشافعي ﵁:
أَلاَ يا نفسُ إن ترضَيْ بِقُوتٍ ... فأنت عزيزةٌ أبداً غنيهْ
دَعِي عنكِ المطامِعَ والأمانِي ... فكمْ أُمْنِيَّةٍ جَلبَتْ مَنِيهْ
وقال آخر «١» :
أَفَادتني القناعةُ كلَّ عزٍّ ... وهَلْ عِزٍّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَهْ
فَصَيِّرْها لنفسِكَ رأسَ مالٍ ... وصَيِّرْ بعدها التَّقْوى بِضَاعَهْ
تَنَل عِزّاً وتَغْنَى عَنْ لَئِيمٍ ... وتَرْحَلْ للجِنَان بصبر ساعة
وقال ﵊: «مِن أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِه، مُعَافى فِي بَدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» .
تولج ليل القبض في نهار البسط، وتولج نهار البسط في ليل القبض، وترزق من تشاء فيهما من العلوم والأسرار، بغير حساب ولا مقدار، أو تولج ليل العبودية في نهار الحرية، وتولج نهار الحرية فى ليل العبودية، فمن كان في نهار الحرية تاه على الوجود، ومن كان في ليل العبودية عطل ذله ذل اليهود، والعبد لا يخلو من هذين الحالين، يتعاقبان عليه تعاقب الليل والنهار. والله تعالى أعلم.
ولما كان العز ينال بصحبة أهل العز، والذل ينال كذلك، حذر الحق تعالى من صحبة أهل الذل، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)
قلت: (تُقاة) : مصدر تَقَى، على وزن فَعَل، وله مصدران آخران: تُقّى وتَقِيَّة- بتشديد الياء-، وبه قرأ يعقوب، وأصله: تُقِيَة، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. و (يوم) : ظرف، والعامل فيه: اذكر، أو اتقوا، أو المصير، أو تود، و (ما عملت) : مبتدأ، و (تود) : خبر، أو معطوف على (ما عملت) الأولى، و (تود) : حال.
стр. 337
يقول الحق ﷻ ، لقوم من الأنصار، كانوا يُوالون اليهود لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ، أي: أصدقاء، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره، فلا تودوهم مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ إذ هم أحق بالمودة، ففيهم مَنْدُوحة عن موالاة الكفرة، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاتخاذ فَلَيْسَ مِنَ ولاية اللَّهِ فِي شَيْءٍ إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر:
تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمِّ تَزْعُمُ أنَّني ... صَدِيقكَ، لَيْسَ النّوْك عَنْكَ بِعَازِبِ
والنُّوك- بضم النون-: الحُمْق.
فلا تُوالوا الكفار إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أيْ: إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، فلا بأس بمداراتهم ظاهراً، والبعد منهم باطنا، كما قال عيسى ﵇: (كن وَسَطاً وامْشِ جانباً) . وقال ابن مسعود ﵁: خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا تَثْلُموه. وقال جعفر الصادق: إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني. هـ. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي: يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه، تقول العرب: احذر فلاناً: أي: ضرره لا ذاته، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يُؤذِن بعقاب يصدر منه بلا واسطة، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فيحشر كل قوم مع مَن أحب.
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ من موالاة أعدائه، أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ فلا يخفى عليه ما تُكن الصدور من خير أو شر. وقدَّم في سورة البقرة الإبداء، وأخره هنا لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز، فلذلك قدَّم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر، وأخره في البقرة، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فلا يخفى عليه شيء، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا، والآية بيان لقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ لأن الذات العالية متصفة بعلم محيط بجميع المعلومات، وبقدرة تحيط بجميع المقدورات، فلا تجسروا على عصيانه، فإنه ما من معصية إلا وهو مطلع عليها، قادرٌ على العقاب عليها يوم القيامة.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً بين يديها تنتفع به، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، كَما بَيْن المشرقِ والمغرب، ولا ينفع الندم وقد زلَّت القدم. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، كرره للتأكيد وزيادة التحذير، وسيأتي في الإشارة حكمة تكريره، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث حذرهم مما يضرهم، وأمرهم بما يقربهم، فكل ما يصدر منه- سبحانه- في غاية الكمال.
стр. 338
الأشارة: لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة، ولا يتودد معهم فإن ذلك يقطعه عن ربه، ويصده عن دواء قلبه، وفي ذلك يقول صاحب العينية:
وَقَاطِعْ لِمَنْ واصلت أيام غفلة ... فما وَاصَلَ العُذْالَ إلاَّ مُقَاطِعُ
وجانب جناب الأجنبي لو أنه ... لقرب انتساب في المنام مضاجع
فللنفس من جلاسها كل نسبة ... ومن خلة للقلب تلك الطبائع
إلا أن يتقي منهم تقية، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه، وقد حذَّر الصوفية من صحبة أرْبَع طوائف: الجبابرة المتكبرون، والقراء المداهنون، والمتفقرة الجاهلون، والعلماء المتجمدون لأنهم مُولَعون بالطعن على أولياء الله، يرون ذلك قربة تُقربهم إلى الله.
ثم قال: (ويحذركم الله نفسه) أن تقصدوا معه غيره، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبة بقوله: (وإلى الله المصير) أي: إليه ينتهي السير وإليه يكون الوصول، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال: (إن تُخفوا ما في صدوركم) من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير، (أو تبدوه يعلمه الله) فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ) ما قدّمت من المجاهدة، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ثم خاطب الواصلين فقال: (ويحذركم الله نفسه) من أن تشهدوا معه سواه، فلو كُلّف الواصل أن يشهد غيره لم يستطع، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه.
ثم لا طريق للوصول إلى هذا كله إلا باتباع الرسول الأعظم، كما أشار إلى ذلك بقوله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
قلت: قد تقدّم الكلام على حقيقة المحبة عند قوله يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ. وقال البيضاوي هنا: المحبة ميلُ النفس إلى الشيء لإدراك كمال فيه، بحيث يحملها- أي الميل- إلى ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله، لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، فلذلك فُسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته، والحرص على مطاوعته. هـ.
стр. 339
وقوله: (فإن تولوا) : فعل ماض مجزوم المحل، ولم يدغمه البَزِّي هنا، على عادته في الماضي، لعدم موجبه.
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد لمن يدّعي أنه يحب الله ولا يتبع رسوله: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ كما زعمتم، فَاتَّبِعُونِي في أقوالي وأفعالي وأحوالي، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي: يرضى عنكم ويقربكم إليه، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي: يكشف الحجاب عن قلوبكم بغفران الذنوب ومحو العيوب، فيقربكم من جناب عزه، ويبوئكم في جِوار قدسه، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تحبب إليه بطاعته واتباع رسوله.
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه، وَالرَّسُولَ فيما يَسُنه لكم ويرغبكم فيه، فَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرَضوا عنه، فقد تعرضوا لمقت الله وغضبه بكفرهم به فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي: لا يرضى عنهم ولا يقبل عليهم، وإنما لم يقل: لا يحبهم لقصد العموم، والدلالة على أن التولي عن الرسول كفر، وأنه برئ من محبة الله، وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين.
رُوِيَ أن نصارى نجران قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده، حباً لله وتعظيماً لله. فقال تعالى: (قل) يا محمد: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ تعالى فَاتَّبِعُونِي ... الآية. ولما نزلت الآية قال عبد الله بن أُبَيّ لأصحابه: إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى، فنزل قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية. وقال- ﵊: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أَطَاعَ الإمامَ فَقدْ أطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله وَمَنْ عصَى الإمامَ فَقَدْ عَصَانِي» .
الإشارة: اتباع الرسول ﷺ رُكن من أركان الطريقة، وشرط في إشراق أنوار الحقيقة، فمن لا اتباع له لا طريق له، ومن لا طريق له لا وصول له، قال الشيخ زروق ﵁: (أصول الطريقة خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع النبي ﷺ في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرجوع إلى الله في السراء والضراء، والرضى عن الله في القليل والكثير) .
فالرسول- ﵊ حجاب الحضرة وبَوَّابُها، فمن أتى من بابه بمحبته واتباعه، دخل الحضرة، وسكن فيها، ومن تنكب عنها طُرِد وأُبعد، وفي ذلك يقول القائل:
وأنتَ بابُ الله، أيّ امرئ ... وافاه من غَيْرِكَ لاَ يدْخُلُ
وقال في المباحث:
تَبِعَهُ العَالِم في الأقوال ... والعابد الزاهد في الأفعال
وفيهما الصوفي في السباق ... لكنه قد زاد في الأخْلاَقِ
стр. 340
فمن ادّعى محبة الله أو محبة رسوله، ولم يطعهما، ولم يتخلق بأخلاقهما، فدعواه كاذبة، وفي ذلك يقول ابن المبارك «١» :
تَعْصِي الأله وأنت تظهر حبه ... هذَا محَالٌ في القِيَاسِ بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى ﵇، وبيان أصله ونشأة أمه، توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم في اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي: لما أوجب الله طاعة الرسل، وبيَّن أنها الجالبة لمحبة الله، عقَّب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا عليها فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)
قلت: (ذرية) : حال، أو بدل من الآلين، أو من نوح، أي: أنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض.
و (إذ قالت) : ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و (محرراً) : حال، والتحرير: التخلص، يقال: حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حُر، أي: خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحُر، أي: الخالص من الحمأة. وقوله: (وإني سميتها مريم) : عطف على (إني وضعتها) ، وما بينهما اعتراض، من كلامها على قراءة التكلم، أو من كلام الله على قراءة التأنيث.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى، آدَمَ بالخلافة والرسالة، وَنُوحاً بالرسالة والنِّذَارة، وَآلَ إِبْراهِيمَ بالنبوة والرسالة، وهم: إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد ﷺ بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. وَآلَ عِمْرانَ، وهم موسى وهارون- ﵉ وهو عمران بن يصهر
стр. 341
ابن فاهث بن لاوي بن يعقوب، أو المراد بعمران: عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان ﵇، وهو والد مريم أم عيسى ﵇، وقيل: المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خصّ هؤلاء، لأن الأنبياء كلهم من نَسْلهم. وقيل: أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. «وآل» مقحمة، كقوله: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ أي: موسى وهارون، فقد فضل الحقّ- ﷻ هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية عَلَى الْعالَمِينَ أي: كلاً على عَالَمِي زمانه، وبه استدلّ على فضلهم على الملائكة. حال كونهم ذُرِّيَّةً متشعبة بَعْضُها مِنْ ولد بَعْضٍ في النسب والدين، وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوال العباد وأعمالهم، عَلِيمٌ بسرائرهم وعلانيتهم، فيصطفي من صفا قوله وعمله، وخلص سره، للرسالة والنبوة.
ثم تخلًّص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال: واذكر إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى ﵇: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وكان المحرر عندهم، إذا حُرر، جُعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يُخَيَّر، فإن أحبَّ أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان لأن الجارية لا تصلح للخدمة لما يصيبها من الحيض، فحررت أمُّ مريمَ حمْلَها ولم تَدْرِ ما هو.
وقصة ذلك: أن زكريا وعمران تزوجا أختين، فتزوج زكريا أشياعَ بنت فاقوذا، وتزوج عمران حنة بنت فاقوذا، فكان عيسى ويحيى ابني الخالة «١» ، وكانت حنة عاقراً لا تلد، فبينما هي في ظل شجرة، بصُرت بطائر يطعم فرخاً، فتحركت لذلك نفسها للولد فدعت الله تعالى، وقالت: اللهم لك علي، إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، يكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم، فَلَمَّا وَضَعَتْها أي: النذيرة، أو ما في بطنها، قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، قالت ذلك تحسّراً وتحزناً إلى ربها، لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً يصلح للخدمة، ولذلك نذرته.
قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، تعظيماً لموضوعها وتنويهاً بشأنها، أو من كلامها- على قراءة التكلم- تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرّاً، قال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى أي: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، أو من كلامها، أي: وليس الذكر والأنثى سيان فيما نذرتُ. ثم قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ راجية أن يطابق اسمُها فعلها، فإن مريم فى نعتهم هى العابدة الخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن، وفي الحديث عنه ﷺ : «حَسْبُكَ من نساءِ العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ » .
стр. 342
ثم قالت حنة أم مريم: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ أي: أحصنها بك وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي:
المرجوم بالشهب، أو المطرود، وفي الحديث: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَد فَيَسْتَهِلُّ مِنْ مَسِّهِ، إلاَّ مَرْيَمَ وابْنهَا» . ومعناه: أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود، بحيث يتأثر به، إلا مريم وابنها لمكان الاستعاذة، قلت: وكذا الأنبياء كلهم، لا يمسهم لمكان العصمة. والله أعلم.
فَتَقَبَّلَها رَبُّها أي: رَضِيَها في النذر مكان الذكَر، بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي: بوجه حسن، وهو إقامتها مقام الذكر، وتسلمها للخدمة عقب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسِّدانة «١» ، رُوِي: أن حنة لما ولدتها لفَّتْها في خرقة، وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها، لأنها كانت ابنة إمامهم، وصاحب قربانهم، فإن (بني ماثان) كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين، فانطلقوا إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فطفا قلم زكريا- أي: علا- على وجه الماء، ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا.
وَأَنْبَتَها الله نَباتاً حَسَناً أي: رباها تربية حسنة، فكانت تشب في اليوم ما يشب المولود في العام، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي: ضمها إليه وقام بأمرها. وقرأ عاصم- في رواية ابن عياش- بشدِّ الفاء، أي: وكفَّلها اللهُ زكريا، أي: جعله كافلاً لها وحاضناً. رُوِيَ: أنه لما ضمها إليه بنى لها بيتاً، واسترضع لها، فلما بلغت، بنى لها محراباً في المسجد، وجعل بابه في وسطه لا يرقى إليها إلا بسلم، ولا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها كل يوم، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب.
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ ليأتيها بطعامها، وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً أي: فاكهة في غير حينها، يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وبالعكس، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا أي: من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلقة عليك؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فلا يُستبعد، قيل: تكلمت صغيرة، وقيل: لم ترضع ثدياً قط، خلاف ما تقدم، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة.
ثم قالت: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي: بغير تقدير، أو بغير استحقاق تفضلاً منه، وقوله:
(كلما) : يقتضي التكرار، وفيه إشارة إلى أنَّ زكريا لم يَذَرْ تَعهُّدهَا، ولم يعتمد على ما كان يجد عندها، بل كان يتفقد حالها كل وقت، لأن الكرامات للأولياء ليس مما يجب أن تدوم قطعاً، بل يجوز أن يظهر ذلك عليهم دائماً وألا يظهر، فما كان زكريا معتمداً على ذلك، فيترك تفقد حالها، ثم كان يجدد السؤال بقوله: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا، لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله- سبحانه-. قاله القشيري.
стр. 343
رَوى جابر بنُ عبد الله أن النبي ﷺ أقام أياماً لم يطعم الطعام، فقام في منازل أزواجه، فلم يصب عندهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال: «يا بُنيةُ، هل عندك شيء؟» فقالت: لا والله، بأبي أنت وأمي، فلما خرج النبي ﷺ ، بعثت إليها جارتُها برَغِيفَيْن وبِضْعَة لَحْم، فبعثت حَسَناً وحسينا إلى النبي ﷺ ، فجاء، فكشفت له الجفنة، فإذا الجفنة مملوءة خُبْزاً ولَحْماً، فَبُهِتَتْ، وعرفت أنَّهَا بَرَكَةٌ مِن اللهِ تعالى، فقال النبي ﷺ : «من أين لك هذا يا بنيّة؟» قالت: ومِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فحمد الله تعالى، وقال: «الحمْدُ للهِ الَّذِي جَعلَك شَبِيهَةً بسَيِّدَةِ بَنِي إسْرَائِيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ثم بعث النبي ﷺ إلى علىّ ﵁. ثم أكل أهلُ البيت كلهم، وجميع أزواج النبي ﷺ ، وبقيت الجَفْنة كما هي، فأَوْسَعَتْ علَى الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيراً. انتهى «١» .
الإشارة: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويُبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحديث: «إن الله يَبْعَثُ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهذِه الأمة دِينَهَا» . قال الحريري: (مات الحسن البصري عشية جمعة- أي: بعد زوالها- فلما صلّى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال: وسمعت منادياً ينادي: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) ، واصطفى الحسن على أهل زمانه) . قلت: والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوّف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت: وهو إمامنا في هذا العلم- يعني علم التصوف.
وقوله تعالى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ ... الآية. كُلُّ من نذر نفسه وحررها لخدمة مولاه، تقبلها الله منه بقبول حسن، وأنبت فيها المعرفة نباتاً حسناً، وكفلها بحفظه ورعايته، وضمها إليه بسابق عناية، ورزقها من طُرَفِ الحِكَم وفواكه العلوم، مما لا تحيط به العقول وغاية الفهوم، فإذا قال لنفسه: من أين لك هذا؟ (قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) . وأنشدوا:
فَلاَ عَمَلٌ مِنِّي إليه اكْتَسَبْتُه ... سِوَى مَحْضِ فَضْلٍ، لا بشيءٍ يُعلَّلُ
وقال القشيري: قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن) ، يقال: منَ القبول الحسن أنه لم يطرح كَلَّهَا وشَغْلَهَا على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقاً، ليعلم لعالمون إن الله- تعالى- لا يلقى شغل
стр. 344
أوليائه على غيره، ومن خدم وليّاً من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. هـ.
قال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ما يأتي لمريم من الفواكه في غير أوانها، قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير وقتها، قادر على أن يصلح زوجتي، ويهب لي ولداً على الكبر. فطلب الولد، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)
قلت: (هنالك) : اسم إِشارة للبعيد، والكاف: حرف خطاب، يطابق المخاطب في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع في الغالب. والمحراب: مفعال، من الحرب، وهو الموضع المعد للعبادة، كالمسجد ونحوه، سمي به، لأنه محل محاربة الشيطان.
(والملائكة) : جمع تكسير، يجوز في فعله التذكير والتأنيث، وهو أحسن، تقول: قام الرجال وقامت الرجال، فمن قرأ: (فنادته الملائكة) ، فعلى تأويل الجماعة، ومن قرأ: (فناداه) ، أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث، ردّاً على الكفار.
والمراد هنا: جبريل ﵇ كقوله: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ، وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ، و (بشر) : فيها لغتان: التخفيف، وهي لغة تهامة، تقول: بَشَرَ يَبْشُر- بضم الشين في المضارع، والتشديد، وهو أفصح، تقول بَشْر يُبَشّر تبشيراً.
يقول الحق ﷻ ، مخبراً عن زكريا ﵇: هُنالِكَ أي: في ذلك الوقت الذي رأى ما رأى من الخوارق عند مريم، دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ، فدخل المحراب، وغلق الأبواب، وقال في مناجاته: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، كما وهبتها لحنَّة العجوز العاقر، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي: مجيبه فاسمع دعائي يا
стр. 345
مجيب، فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ، وهو جبريل، لأنه رئيس الملائكة، والعرب تنادي الرئيس بلفظ الجمع إذ لا يخلو من أصحاب، وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ رُوِيَ: أنه كان قائماً يصلّي في محرابه، فدخل عليه شاب، عليه ثياب بيض، ففزع منه، فناداه، وقال له: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى، سمي به لأن الله تعالى أحيا به عقم أمه، أو لأن الله تعالى أحيا قلبه بمعرفته، فلم يهم بمعصية قط، أو لأنه استشهد، والشهداء أحياء.
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهو عيسى، لأنه كان بكلمة: كُنْ، من غير سبب عادى، وَسَيِّداً أي: يسود قومه ويفوقهم، وَحَصُوراً، أي: مبالغاً في حبس النفس عن الشهوات والملاهي. رُوِيَ أنه مرَّ في صباه على صبيان، فدعوه إلى اللعب، فقال: ما للعب خلقت. أو عِنِّيناً، رُوِيَ: «أنه كان له ذَكَرٌ كالقذاة» رواه ابن عباس. وقال في الأساس: (رجل حصور: لا يرغب في النساء) . قيل: كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة، بخلاف شريعة نبينا محمد ﷺ وفي الورتجبي: الحصور: الذي يملك ولا يملك. وقال القشيري: حَصُوراً: أي: مُعْتَقاً من الشهوات، مَكْفِيّاً أحكام البشرية، مع كونه مِن جملة البشر، وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ الذين صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة.
ولما سمع البشارة هزَّه الفرحُ فقال: يا رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ أي: من أين يكون لي غلام؟! قاله استعظاماً أو تعجباً أو استفهامًا عن كيفية حدوثه. هل مع كبر السن والعقم، أو مع زوالهما. وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، وكان له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون، وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لا تلد، ولم يقل: عاقرة، لأنه وصف خاص بالنساء. قال له جبريل: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ من العجائب والخوارق، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني، أو الأمر كذلك، أي: كما أخبرتك، ثم استأنف: اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.
ولما تحقق بالبشارة طلبَ العلامةَ، فقال: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أعرف بها حمل المرأة، لاستقبله بالبشاشة والشكر، قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي: لا تقدر على كلام الناس ثلاثاً، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر، ليخلص المدة للذكر والشكر، إِلَّا رَمْزاً بيد أو رأس أو حاجب أو عين. وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً في هذه المدة التي حبِسْتَ فيها عن الكلام، وهو يُبين الغرض من الحبس عن الكلام. وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار. وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ أي: من الزوال إلى الغروب، أو من العصر إلى جزء الليل، وَالْإِبْكارِ من الفجر إلى الضحى، وقيل: كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب، ويؤيد هذا قولُه تعالى في الآية الأخرى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية، منها ما تكون عقيمة مع كمالها، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة، ويؤخذ من قضية السيد زكريا ﵇: طلب الولد إذا خاف الولي اندراس
стр. 346
علمه أو حاله بانقطاع نَسْله الروحاني، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسيّ أو المعنوي، وقد قال ﵊: «إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عَمَلُه إِلاَّ مَن ثَلاثٍَ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ وَلَدٍ صالح يدعُو لَهُ، أوْ عِلَم يُنْتَفَعُ به» .
وشمل الولد البشري والروحاني، وقال ﵊ لسيدنا علي- كَرّم الله وجهه-: «لأنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لكَ مِنْ حُمْر النَعَمِ» .
وقال بعض الشعراء «١» :
وَالمَرْءُ في مِيزانِه أتْباعُهُ ... فاقْدرْ إِذَنُ قَدْرَ النبي مُحمَّد
وقد سلَك هذا المسلك القطب ابن مشيش في طلب الولد الروحاني، حيث قال في تصليته المشهورة: (اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا) ، فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي. وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة، ونادى نداءً خفيّاً في صلاة الفكرة، فأجابته الهواتف في الحال، بلسان الحال أو المقال: إن الله يبشرك بمن يحيي علمك ويرث حالك، مصدقاً بكلمة من الله، وهم أولياء الله، وسيداً وحصوراً عن شواغل الحس، مستغرقاً في مشاهدة القرب والأنس، ينبئ بعلم الغيوب، ويصلح خلل القلوب، فإذا استعظم ذلك واستغربه، قيل له: الأمر كذلك، (الله يفعل ما يشاء إِذا قضى أمرًا فإِنما يقولُ له كن فيكون) ، فحسبك الاشتغال بذكر الله، والغيبة عما سواه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم ذكر اصطفائية مريم بالخصوص بعد العموم فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
يقول الحق ﷻ : واذكر إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي: جبريل، أو جماعة، كلمتها شفاهاً كرامةً لها.
وفيه إثبات كرامة الأولياء، وليست نبية للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فقالوا لها: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ لخدمة بيته، ولم يقبل قبلك أنثى قط، وفرغك لعبادته، وأغناك برزقه عن رزق غيره، وَطَهَّرَكِ من الأخلاق الذميمة، ومما يستقذر من النساء، وَاصْطَفاكِ ثانياً بهدايته لك، وتخصيصك بتكليم الملائكة، وبالبشارة بالولد من غير أب، فقد اصطفاك عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ. «٢»
стр. 347
وفى الحديث عنه ﷺ : «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَرْيَمَ ابنةَ عِمْرَانَ، وآسِيَةَ بنت مزاحِم وخديجة بنت خويلد» ... الحديث. قال ابن عزيز: أي: عالمي دهرها، كما فُضِّلَتْ خديجة وفاطمة بنت رسول الله ﷺ على نساء أمة محمد ﷺ ، بل قال أبو عمر: فاطمة فُضلت على جميع النساء، وهو واضح، لحديث:
سيدة نساء أهل الجنة، لكن جاء في حديث آخر استثناء مريم. فالله أعلم.
وفي الاستيعاب: عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ عاد فاطمة، وهي مريضة، فقال: «كيف تجدك يا بُنَيَّةُ؟» فقالت له: إني لوجعة، وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله، فقال: «يا بُنَيِّةُ، أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين» ، فقالت: يا أبت، فأين مريم بنت عمران؟ قال: «تلك سيدةُ نُساءِ عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، والله لقد زوجتك سيّداً في الدنيا والآخرة» هـ. من المحشي.
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أي: أطيلي الصلاة شكراً لما اختصك به، وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أي:
صلِّي مع المصلين، وقدَّم السجود على الركوع، أما لكونه كذلك في شرعهم، أو للتنبيه على أن الواو لا ترتب، أو ليقترن ارْكَعِي بالراكعين، للإيذان بأنَّ من ليس في صلاتهم ركوعٌ ليسوا بمصلين. وقيل: المراد بالقنوت: إدامة الطاعة، كقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً، وبالسجود: الصلاة، لقوله: وَأَدْبارَ السُّجُودِ، وبالركوع: الخشوع والإخبات. قاله البيضاوي. وقال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى تورمت قدمها وسالت دماً وقَيْحاً.
الإشارة: لا يصطفي الله العبدَ لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل، وتحليته بأنواع الفضائل، وقطعه عن قلبه الشواغل، والقيام بوظائف العبودية، وبالآداب مع عظمة الربوبية، والخضوع تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار، فأنفاس المريد ثلاثة: عبادة، ثم عبودية، ثم عبودة، ثم يترقى إلى مطالعة علم الغيوب، الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٤٤]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)
يقول الحق ﷻ ، لحبيبه ﷺ : ذلِكَ القصص الذي أطلعتك عليه، هو مِنْ أخبار الْغَيْبِ الذي لم يكن لك به شعور، وما عرفته إلا بوحينا وإعلامنا، فلا يشك في نبوتك إلا مطموس أعمى، (و) أيضاً: ما
стр. 348
كُنْتَ لَدَيْهِمْ
أي: عندهم، حين كانوا يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ لما اقترعوا، أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في كفالتها، فتخبرهم عما شهدت، بل لم يكن شيء من ذلك، فتعين أن يكون وحيا حقيقا، لأنه ﵊ كان أمياً لم يطالع شيئاً من كتب الأخبار، ولا جلس إلى من طالعهم من الأحبار، بإجماع الخاص والعام. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الوحي على أربعة أقسام: وحي منام، ووحي إلهام، ووحي أحكام، ووحي إعلام، وشاركت الأولياءُ الأنبياءَ في ثلاثة: الإلهام والمنام والإعلام، إن كان بغير الملَك، ومعنى وحي إعلام: هو إطلاع الله النبيّ على أمور مغيبة، فإن كان بواسطة الملك، فهو مختص بالأنبياء، كما اختصت بوحي الأحكام، وأما إن كان بالإلهام أو بالمنام أو بالفهم عن الله، فيكون أيضاً للأولياء، إذ الروح إذا تصفت وتطهرت من دنس الحس أطلعها الله على غيبه في الجملة، وأما التفصيل فلا يعلمه إلا علاّم الغيوب. والله أعلم.
ثم ذكر الحق تعالى البشارة بعيسى ﵇، وهو المقصود الأعظم من هذه القصص ليتخلص للرد على النصارى فى زعمهم الفاسد فيه، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٥ الى ٥١]
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
стр. 349
قلت: (إذ قالت) : بدل من (وإذ قالت) الأولى، ويبعد إبدالها من (إذ يختصمون) ، و (المسيح) وما بعده: إخبار عن اسمه، أو (عيسى) : خبر عن مضمر، و (ابن مريم) : صفته، و (المسيح) : فعيل بمعنى مفعول، لأنه مُسِحَ من الأقذار، أي: طهر منها، أو مسح بالبركة، أو كان مسيح القدم، لا أخمص له، أو مسحه جبريل بجناحه من الشيطان. أو بمعنى فاعل لأنه كان يمسح المرضى فيبرءون، أو يمسح عين الأعمى فيبصر، أو لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان فتكون الميم زائدة.
وأما المسيح الدجّال فإنه ممسوح إحدى العينين، أو لأنه يطوف الأرض ويمسحها، إلا مكة والمدينة، والحاصل:
أن عيسى مسيح الخير، والدجال مسيح الشر، ولذلك قيل: إن المسيح يقتل المسيح. و (وجيهاً) : حال من (كلمة) لتخصيصه بالصفة، و (في المهد وكهلاً) : حالان، أي: طفلاً وكهلاً، والمهد: ما يمهد للصبي. و (رسولاً) : مفعولٌ لمحذوف، أي: ونجعله رسولاً، و (مصدقاً) : عطف على (رسولاً) ، و (لأُحِلَّ) : متعلق بمحذوف، أي: وجئتكم لأُحل.
أو معطوف على معنى مصدقاً، كقولهم: جئتك معتذراً، أو لأطيب قلبك.
يقول الحق ﷻ : (و) اذكر أيضا إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ في بشارتهم لمريم: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، أي: بولد يتكوَّن بكلمة من الله كن فيكون، وقيل: إنما سمى كلمة لكونه مظهراً لكلمة التكوين، متحققاً ومتصرفاً بها. ولذلك كان يظهر عليه خوارق الأقدار أكثر من غيره من الأنبياء، اسْمُهُ الْمَسِيحُ، واسمه عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وإنما قال: ابْنُ مَرْيَمَ والخطاب لها، تنبيهاً على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد إنما تنسب لأبائها إلا إذا فقد الأب. ثم وصف الولد بقوله: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي: شريفاً في الدنيا بالنبوة والرسالة، وفي الآخرة بالشفاعة لمن تبعه. ويكون مِنَ الْمُقَرَّبِينَ إلى الله تعالى في الدارين.
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ طفلاً فِي الْمَهْدِ على وجه خَرْق العادة في تبرئة أمه، وَكَهْلًا إذا كمل عقله قبل أن يرفع، أو بعد الرفع والنزول، لأن الكهولة بعد الأربعين، والتحقيق: أنه بشرها بنبوة عيسى وكلامه في المهد، معجزةً، وفي الكهولة دعوة قبل الرفع وبعده، وما قارب الشيء يُعطي حكمه، وحال كونه مِنَ الصَّالِحِينَ لحضرة رب العالمين.
ولما سمعت البشارة دهشت وقالَتْ: يا رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، والخطاب لله، فانية عن الواسطة جبريل، والاستفهام تعجباً، أو عن الكيفية: هل يكون بتزوج أم لا؟ قالَ لها الملك: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ. أو الأمر كذلك كما تقولين، لكن اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ لا يحتاج إلى وسائط ولا أسباب، بل إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ أي: الكتابة والخط، وَالْحِكْمَةَ أي:
النبوة، أو الإصابة في الرأي، وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ.
стр. 350
(و) يجعله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ. وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف، وآخرهم عيسى- ﵉، وقال: ﵊: «بُعثْتُ على إِثْرِ ثمانية آلاف نبيّ، أربعة آلاف من بني إسرائيل» . فإذا بعث إليهم قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي: بأني قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن ربكم، قالوا: وما هي؟ قال:
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورته، فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش، لأنها أكمل الطير لأن لها ثدياً وأسناناً وتحيض وتطير، فيكون أبلغ في المعجزة، وكان يطير مادام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عنهم سقط ميتاً ليتميز فعل الحق من فعل الخلق.
ثم قال لهم: ولي معجزة أخرى أني أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى، فأحرى غيره، وَالْأَبْرَصَ الذي فيه وضح «١» . وخصهما لأنهما عاهتان معضلتان. وكان الغالب في زمن عيسى الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. رُوِي: أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف، من أطاق منهم البلوغ «٢» أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى ﵇، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام.
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ لا بقدرتي دفعاً لتوهم الألوهية، فإن الإحياء ليس من طوق البشر. رُوِيَ أنه أحيا أربعة أنفس: (العازر) ، وكان صديقاً له، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، وهو في صخرة مطبقة، فدعا الله تعالى، فقام العازر يقطر ودكه «٣» ، فعاش وولد له. و (ابن العجوز) ، مُر بجنازته على عيسى ﵇ فدعا الله تعالى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل سريره على عنقه، ورجع إلى أهله، وبقي حتى وُلد له. و (ابنة العاشر) ، كان يأخذ العشور، قيل له: أتحييها، وقد ماتت أمس؟ فدعا الله تعالى، فعاشت وولد لها. و (سام بن نوح) ، دعا باسم الله الأعظم، فخرج من قبره، وقد شاب نصف رأسه، فقال: أقامت الساعة؟ قال: لا، لكني دعوت الله فأحياك، مالى أرى الشيب في رأسك، ولم يكن في زمانك؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها. قيل: كان يحيي الموتى ب يا حيّ يا قيوم.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا: هذا سحر، أخبرنا بما نأكل وما ندخر؟ فكان يُخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه. ورُوِيَ أنه لمَّا كان في المكتب، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام، فيقول للغلام: انطلق ... غداء أهلك كذا وكذا، فيقول أهله: من أخبرك بهذا؟ قال: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى
стр. 351
يطلبهم، فقالوا: ليسوا هاهنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذاهم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر. قاله السُّدي.
ثم قال لهم: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي: وجئتكم مصدقاً للتوراة، وشاهداً على صحتها، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في شريعة موسى ﵇ كالشحوم والثروب «١» ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقاً له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: (و) قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ واضحة مِنْ رَبِّكُمْ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ولا تعبدوا معه سواه، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، فَاتَّقُوا اللَّهَ في المخالفة، وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايتُه التوحيد، وقال: فَاعْبُدُوهُ إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله ﵊: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثم اسْتَقِمْ» .
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكراً بالجد والتشمير، ثم بشّرها ثانياً بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع.
قال ﷺ : «من انقطع إلى الله كَفَاه الله كلَّ مُؤْنة، ورَزقه من حيثُ لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكَلَه الله تعالى إليها» .
стр. 352
وقال بعضهم: صِدْقُ المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكُلِّيته إلى الله أبرأ القلوبَ السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما تمت البشارة بعيسى ﵇ وظهر إلى الدنيا، وبلغ وقت الدعوة، بعثه الله إلى بنى إسرائيل، فكفروا به، فلما تحقق كفرهم طلب من ينصره إلى الله، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)
قلت: (من أنصاري إلى الله) : الجار يتعلق بحال محذوفه، أي: ذاهباً إلى الله إلى نَصْر دينه، أو مُضيفاً نفسه إلى الله، أو ملتجئاً إلى الله، أو يتعلق ب- (أنصاري) مضمِّناً معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحوارى الرجل: خاصته، الذين يستعين بهم في نوائبه، وفى الحديث عنه- عليه الصلاة السلام-: «لكلِّ نبي حَوَاري، وحَوارِيي: الزّبير» . وحواريو عيسى: أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نبيتهم ونقاء سريرتهم. والحَوَرُ: البياض الخالص، وكل شيء بيَّضته فقد حوَّرْته، ويقال للبيضاء من النساء: حوارية. وقيل: كان الحواريون قًصَّارين «١» ، يُحَوِّرُون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: كانوا ملوكاً يلبسون البياض.
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى من بني إسرائيل الْكُفْرَ، وتحققه تَحَقُّقَ ما يدرك بالحواس، بعد ما بُعث إليهم، وأرادوا قتله، فرَّ منهم واستنصر عليهم، وقالَ مَنْ أَنْصارِي ملجئاً إِلَى اللَّهِ، أو ذاهباً إلى نصر دينه، قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي: أنصار دينه، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ علينا بأننا مُسْلِمُونَ لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم، رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ على نبيك من الأحكام، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى ﵇، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ بوحدانيتك، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك
стр. 353
بالصدق، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد- ﵊ فإنهم شهداء على الناس.
قال عطاء: سَلَمَتْ مريمُ عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصَّارين وصباغين، فأراد مُعلّم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الحرفة فاصبغها، فطبخ جُبّاً واحداً، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال لها: كوني على ما أريد، فقدم الحواريُ، والثياب كلها في الجب، فلما رآها قال: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوباً أصفر، وأحمر، وأخضر، إلى غير ذلك، فعجب الحواري، وعلم أنَّ ذلك من الله تعالى، ودعا الناس إليه، وآمنوا به، ونصروه، فهم الحواريون.
ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمُّوا بقتله، وتواطئوا عليه، وَمَكَرُوا أي: دبروا الحيل في قتله، وَمَكَرَ اللَّهُ بهم، أي: استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورُفع عيسى ﵇، فالمكر في الأصل: هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تُسند إلى الله إلا على حسب المقابلة والازدواج، كقوله:
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
، وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. أي: أشدهم مكراً، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه.
تنبيه: قيل للجنيد رضى الله عنه: كيف رَضِيَ المكرَ لنفسه، وقد عابه على غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية:
فديتُك قد جُبِلْتُ على هواكَ ... ونفْسِي ما تَحِنُّ إلى سِوَاكَ
أُحِبّك، لا بِبَعْضِي بل بكلّى ... وإن لم يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا
وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدي ... وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَ «١»
فقال له السائل: أسألُك عن القرآن، وتجيبني بشعر الطبرانية؟ قال: ويحك، قد أجبتك إن كنت تعقل. إنَّ تخليته إياهم مع المكرية، مكرٌ منه بهم. هـ.
قلت: وجه الشاهد في قوله: (وتفعله فيحسن منك ذاك) ، ومضمن جوابه: أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية:
وَكلُّ قبِيح إنْ نَسَبْتَ لِحُسْنِهِ ... أَتَتْكَ مَعَانِي الْحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ
يُكَمِّلُ نُقصَانَ الْقَبِيحِ جَمَالُهُ ... فَما ثَمَّ نُقْصَانٌ وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ
стр. 354
وتخليته تعالى إياهم مع المكر، تسبب عنه الرفع إلى السماء، وإبقاء عيسى حيّاً إلى آخر الزمان، حتى ينزل خليفة عن نبينا- ﵊، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان.
الإشارة: يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين جعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح: «خَيْرُ مالِ المُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ «١» الجِبَالِ يَفِرُّ مِنَ الْفِتَنِ» . فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذين اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا: (آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون) منقادون لما تريد منا، (ربنا آمنا بما أنزلت) من الأحكام الجلالية والجمالية قد عرفناك في جميع الحالات، (فاكتبنا مع الشاهدين) لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فَغَيَّبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.
ثم ذكر الحق تعالى رفع عيسى إلى السماء فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٨]
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
قلت: (إذ قال) : ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، (متوفيك) أي: رافعك إليَّ وافياً تاماً، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافياً تامّاً، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك بدليل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، رُوِيَ أنه رُفع نائماً، والإجماع على أنه لم يمت،
стр. 355
قال تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وقوله: (ذلك) مبتدأ، و (نتلوه) : خبر، و (من الآيات) :
حال، أو (من الآيات) : خبر، و (نتلوه) : حال، أو خبر بعد خبر.
يقول الحق ﷻ : اذكر إِذْ قالَ اللَّهُ لعيسى ﵇ لما أراد رفعه: يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ، أي:
قابضك إليّ ببدنك تامّاً، وَرافِعُكَ إِلَيَّ أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: من مخالطة دنس كفرهم، وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. هـ. فو الله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقا جعل فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا به من اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يغلبونهم بالحجة والسيف. وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا «١» .
ثم قال تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ بالبعث، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وأمر عيسى. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي: فأجمع لهم عذاباً الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه.
ذلِكَ الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وهو القرآن المبين.
الإشارة: كل مَن طَهَّر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيّاً لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال- ﵊: «هَاجِرُوا تكسبوا العز لأولادكم» ، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، (وهو خير الوارثين) . هذه سُنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، وقال تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا. وفي الحكم: «إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى» . والله تعالى أعلم.