يطلبهم، فقالوا: ليسوا هاهنا، قال: ماذا في البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا الباب، فإذاهم خنازير، فهموا بقتله، فهربت به أمه إلى مصر. قاله السُّدي.
ثم قال لهم: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فإن غير المؤمنين لا ينتفع بالمعجزات لعناده، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي: وجئتكم مصدقاً للتوراة، وشاهداً على صحتها، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في شريعة موسى ﵇ كالشحوم والثروب «١» ولحم الإبل والعمل في السبت. وهذا يدل على أنه ناسخ للتوراة، ولا يخل بكونه مصدقاً له، كما لا يخل نسخ القرآن بعضه لبعض بصحته. فإن النسخ في الحقيقة: بيان لانتهاء العمل بذلك الحكم. ثم قال لهم: (و) قد جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ واضحة مِنْ رَبِّكُمْ، قد شاهدتموها بأعينكم، فما بقي إلا عنادكم، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
ثم دعاهم إلى التوحيد بعد بيان الحجة فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ولا تعبدوا معه سواه، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا عوج فيه. قال البيضاوي: أي: لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، فَاتَّقُوا اللَّهَ في المخالفة، وَأَطِيعُونِ فيما أدعوكم إليه، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل، فقال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أشار إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايتُه التوحيد، وقال: فَاعْبُدُوهُ إشارة إلى استكمال القوة العملية بملازمة الطاعة، التي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي، ثم قرر ذلك بأن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة، ونظيره: قوله ﵊: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثم اسْتَقِمْ» .
الإشارة: كل من انقطع بكليته إلى مولاه، وصدف عن حظوظه وهواه، وأفنى شبابه في طاعة ربه، وجعل يلتمس في حياته دواء قلبه، تحققت له البشارة في العاجل والآجل، وحصل له التطهير من درن العيوب والرذائل، ورزقه من فواكه العلوم، ما تتضاءل دون إدراكه غاية الفهوم، هذه مريم البتول أفنت شبابها في طاعة مولاها، فقربها إليه وتولاها، وبشرها بالاصطفائية والتطهير، وأمرها شكراً بالجد والتشمير، ثم بشّرها ثانياً بالولد النزيه والسيد النبيه، روح الله وكلمة الله، من غير أب ولا سبب، ولا معالجة ولا تعب، أمره بأمر الله، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، هذا كله ببركة الانقطاع وسر الاتباع.
قال ﷺ : «من انقطع إلى الله كَفَاه الله كلَّ مُؤْنة، ورَزقه من حيثُ لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكَلَه الله تعالى إليها» .
стр. 352
وقال بعضهم: صِدْقُ المجاهدة: الانقطاع إليه من كل شيء سواه. فالانقطاع إلى الله في الصغر يخدم على الإنسان في حال الكبر، ومعاصي الصغر تجر الوبال إلى الكبر، فكما أن عيسى ﵇ كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، كذلك من انقطع بكُلِّيته إلى الله أبرأ القلوبَ السقيمة بإذن الله، وأحيا موتى القلوب بذكر الله، وأخبر بالغيوب وما تدخره ضمائر القلوب، يدل على طاعة الله، ويدعو بحاله ومقاله إلى الله، يهدي الناس إلى الصراط المستقيم، ويوصل من اتبعه إلى حضرة النعيم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما تمت البشارة بعيسى ﵇ وظهر إلى الدنيا، وبلغ وقت الدعوة، بعثه الله إلى بنى إسرائيل، فكفروا به، فلما تحقق كفرهم طلب من ينصره إلى الله، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)
قلت: (من أنصاري إلى الله) : الجار يتعلق بحال محذوفه، أي: ذاهباً إلى الله إلى نَصْر دينه، أو مُضيفاً نفسه إلى الله، أو ملتجئاً إلى الله، أو يتعلق ب- (أنصاري) مضمِّناً معنى الإضافة، أي: من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحوارى الرجل: خاصته، الذين يستعين بهم في نوائبه، وفى الحديث عنه- عليه الصلاة السلام-: «لكلِّ نبي حَوَاري، وحَوارِيي: الزّبير» . وحواريو عيسى: أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نبيتهم ونقاء سريرتهم. والحَوَرُ: البياض الخالص، وكل شيء بيَّضته فقد حوَّرْته، ويقال للبيضاء من النساء: حوارية. وقيل: كان الحواريون قًصَّارين «١» ، يُحَوِّرُون الثياب، أي: يبيضونها، وقيل: كانوا ملوكاً يلبسون البياض.
يقول الحق ﷻ : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى من بني إسرائيل الْكُفْرَ، وتحققه تَحَقُّقَ ما يدرك بالحواس، بعد ما بُعث إليهم، وأرادوا قتله، فرَّ منهم واستنصر عليهم، وقالَ مَنْ أَنْصارِي ملجئاً إِلَى اللَّهِ، أو ذاهباً إلى نصر دينه، قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي: أنصار دينه، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ علينا بأننا مُسْلِمُونَ لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم، رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ على نبيك من الأحكام، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى ﵇، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ بوحدانيتك، أو مع الذين يشهدون لأنبيائك
стр. 353
بالصدق، أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم، أو مع أمة محمد- ﵊ فإنهم شهداء على الناس.
قال عطاء: سَلَمَتْ مريمُ عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصَّارين وصباغين، فأراد مُعلّم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان، وقد علمتك الحرفة فاصبغها، فطبخ جُبّاً واحداً، وأدخل فيه جميع الثياب، وقال لها: كوني على ما أريد، فقدم الحواريُ، والثياب كلها في الجب، فلما رآها قال: قد أفسدتها، فأخرج عيسى ثوباً أصفر، وأحمر، وأخضر، إلى غير ذلك، فعجب الحواري، وعلم أنَّ ذلك من الله تعالى، ودعا الناس إليه، وآمنوا به، ونصروه، فهم الحواريون.
ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمُّوا بقتله، وتواطئوا عليه، وَمَكَرُوا أي: دبروا الحيل في قتله، وَمَكَرَ اللَّهُ بهم، أي: استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورُفع عيسى ﵇، فالمكر في الأصل: هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تُسند إلى الله إلا على حسب المقابلة والازدواج، كقوله:
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
، وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. أي: أشدهم مكراً، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه.
تنبيه: قيل للجنيد رضى الله عنه: كيف رَضِيَ المكرَ لنفسه، وقد عابه على غيره؟ قال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية:
فديتُك قد جُبِلْتُ على هواكَ ... ونفْسِي ما تَحِنُّ إلى سِوَاكَ
أُحِبّك، لا بِبَعْضِي بل بكلّى ... وإن لم يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا
وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدي ... وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَ «١»
فقال له السائل: أسألُك عن القرآن، وتجيبني بشعر الطبرانية؟ قال: ويحك، قد أجبتك إن كنت تعقل. إنَّ تخليته إياهم مع المكرية، مكرٌ منه بهم. هـ.
قلت: وجه الشاهد في قوله: (وتفعله فيحسن منك ذاك) ، ومضمن جوابه: أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية:
وَكلُّ قبِيح إنْ نَسَبْتَ لِحُسْنِهِ ... أَتَتْكَ مَعَانِي الْحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ
يُكَمِّلُ نُقصَانَ الْقَبِيحِ جَمَالُهُ ... فَما ثَمَّ نُقْصَانٌ وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ
стр. 354
وتخليته تعالى إياهم مع المكر، تسبب عنه الرفع إلى السماء، وإبقاء عيسى حيّاً إلى آخر الزمان، حتى ينزل خليفة عن نبينا- ﵊، فكان ذلك في غاية الكمال والإتقان، لكن لا يفطن لهذا إلا أهل العرفان.
الإشارة: يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين جعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح: «خَيْرُ مالِ المُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ «١» الجِبَالِ يَفِرُّ مِنَ الْفِتَنِ» . فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذين اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا: (آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون) منقادون لما تريد منا، (ربنا آمنا بما أنزلت) من الأحكام الجلالية والجمالية قد عرفناك في جميع الحالات، (فاكتبنا مع الشاهدين) لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فَغَيَّبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.
ثم ذكر الحق تعالى رفع عيسى إلى السماء فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٨]
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
قلت: (إذ قال) : ظرف لمقدر، أي: اذكر، أو وقع ذلك إذ قال، أو لمكروا، (متوفيك) أي: رافعك إليَّ وافياً تاماً، من قولهم: توفيت كذا واستوفيته: قبضته وافياً تامّاً، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، أو منيمك بدليل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، رُوِيَ أنه رُفع نائماً، والإجماع على أنه لم يمت،
стр. 355
قال تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وقوله: (ذلك) مبتدأ، و (نتلوه) : خبر، و (من الآيات) :
حال، أو (من الآيات) : خبر، و (نتلوه) : حال، أو خبر بعد خبر.
يقول الحق ﷻ : اذكر إِذْ قالَ اللَّهُ لعيسى ﵇ لما أراد رفعه: يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ، أي:
قابضك إليّ ببدنك تامّاً، وَرافِعُكَ إِلَيَّ أي: إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: من مخالطة دنس كفرهم، وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ممن صدق بنبوتك من النصارى والمسلمين، وقال قتادة والشعبي والربيع: هم أهل الإسلام. هـ. فو الله ما اتبعه من ادعاه ربا، فمن تبع دينه حقا جعل فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا به من اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يغلبونهم بالحجة والسيف. وقد حقق الله فيهم هذا الأمر، فإن اليهود لم ترفع لهم راية قط، ولم يتفق لهم ملك ولا دولة إلى زمننا هذا «١» .
ثم قال تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ بالبعث، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وأمر عيسى. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي: فأجمع لهم عذاباً الآخرة لعذاب الدنيا الذي أصابهم فيها من القتل والسبي. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ في الدارين بالنصر والعز في الدنيا، وبالرضا والرضوان في الآخرة، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ لا يرضى فعلهم ولا يقربهم إليه.
ذلِكَ الذي ذكرت لك من نبأ عيسى ومريم ومن ذكر قبلهما، نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ أي: العلامات الدالة على صدقك، لأنها أخبار عن أمور لم تشاهدها ولم تقرأها في كتاب، بل هي من الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وهو القرآن المبين.
الإشارة: كل مَن طَهَّر سره من الأكدار، وقدس روحه من دنس الأغيار، ورفع همته عن هذه الدار، عرج الله بروحه إلى سماء الملكوت، ورفع سره إلى مشاهدة سنا الجبروت، وبقي ذكره حيّاً لا يموت، وجعل من انتسب إليه في عين الرعاية والتعظيم، وفي محل الرفعة والتكريم، قال- ﵊: «هَاجِرُوا تكسبوا العز لأولادكم» ، فمن هاجر وطن الحظوظ والشهوات، والركون إلى العوائد والمألوفات، عرجت روحه إلى سماء القدس ومحل الأنس، وتمكن من العز الذي لا يفنى، ينسحب عليه وعلى أولاده ومن انتسب إليه إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، (وهو خير الوارثين) . هذه سُنة الله في خلقه، لأنهم نصروا دين الله ورفعوا كلمة الله، فنصرهم الله، ورفعهم الله، قال تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ، وقال تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا. وفي الحكم: «إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى» . والله تعالى أعلم.
стр. 356
وقال القشيري: الإشارة فيه: إني متوفيك عنك وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشرية، ومطهرك عن إرادتك بالكلية، حتى تكون مصدقاً لنا بنا، ولا يكون لك من اختيارك شيء، وتكون إسبال التولي عليك قائماً، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. هـ. وقال الورتجبي:
متوفيك عن رسم الحدوثية، ورافعك إليَّ بنعت الربوبية، ومطهرك عن شوائب البشرية. هـ.
ثم ذكر نشأة عيسى وخلقه، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٩ الى ٦٠]
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ أي: إن شأنه الغريب في كونه وجد من غير أب (كمثل آدم) . ثم فسر شأن آدم فقال: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أي: خلق قالبه من تراب، ثُمَّ نفخ فيه الروح، وقالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: فكان، فشأنه أغرب من شأن عيسى، لأنه وجد من غير أب ولا أم، بخلاف عيسى ﵇، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طَبع اللهُ على قلبه، فاستعجز القدرة الإلهية، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً. هّذاَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي: الشاكين في مخلوقيته، وهذا خطاب للنبى ﷺ ، على طريق التهييج لغيره، أو لكل سامع.
وسبب نزول الآية: أنَّ وفد نجران قالوا للنبى ﷺ : مالك تشتم صاحبنا، فتقول: إنه عبد؟ قال: أجل، هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟ فإن كنت صادقاً فأرنا مثله. فنزلت: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ. أي: فهو أعجب من عيسى، لكونه بلا واسطة أصلاً. رُوِيَ أن مريم حملت بعيسى وهي بنت ثلاث عشرة سنة، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين.
قال ﵊: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبيّ، فإنه نازل بأمتي وخليفتي فيهم، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر، وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، وليسلكن الروحاء «١» ، حاجّاً أو معتمراً، أو ليَثْنِينَّهما جميعاً، ويقاتل الناس على الإسلام، حتى يُهلك الله في زمانه الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة، الكذاب
стр. 357
الدجال، وتقع في الأرض الأمنة، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتزوج ويولد له ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه» . ويدفنونه في حجرة النبي ﷺ .
الإشارة: اعلم أن الحق- ﷻ أظهر هذا الآدمي في شكل غريب، وسر عجيب، جمع فيه بين الضدين، وأودع فيه سر الكونين، نوراني ظلماني، روحاني جسماني، سماوي أرضي، ملكوتي ملكي، معنوي حسيّ، أودع فيه الروح نورانية لاهوتية في نطفة ناسوتية، فوقع التنازع بين الضدين، فالروح تحن إلى وطنها اللاهوتي، والنطفة الطينية تحن إلى وطنها الناسوتي، فمن غلبت روحانية على طينته التحق بالروحانيين، وكان من المقربين في أعلى عليين، فصارت همته منصرفة إلى طاعة مولاه، والارتقاء إلى مشاهدة نوره وسناه، فانياً عن حظوظه وهواه، ومَن غلبت طينتُه على روحانيته التحق بالبهائم أو الشياطين، وانحط إلى أسفل سافلين، وكانت همته منصرفة إلى حظوظة وهواه، غائباً عن ذكر مولاه، قد اتخذ إلهه هواه.
وتأمل قضية السيد عيسى ﵇ لمَّا لم ينشأ من نطفة أمشاجية، كيف غلبت روحانيته، حيث لم تجد ما يجذبها إلى الحضيض الطيني، فلم يلتفت إلى هذا العالم الظلماني أصلاً، وكذلك الأنبياء حيث طهروا من بقاياها في الأصالة، والأولياء حيث طهروها بالمجاهدة، كيف صارت أرواحهم لاتشتاق إلا إلى الأذكار والعلوم والأسرار، فانية في محبة الواحد القهار، حتى لحقت بوطنها، ورجعت إلى أصلها، محل المشاهدة والمكالمة والمناجاة والمساررة، هّذاَ هُوَ الحق مِنْ ربك فلا تكن من الممترين في إدراك الروح هذا المقام، إن لم يغلب عليها عالم الصلْصَال. والله- تعالى- أعلم.
ولما قامت الحجة على النصارى، وتبيّن عنادهم، دعاهم إلى المباهلة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦١ الى ٦٣]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
قلت: أصل (تعالوا) : تَعالَيُوا، على وزن تفاعلوا، من العلو، فقلبت الياء ألفاً لتحركها، ثم حذفت، ومن قرأ بالضم نقل، وأصل معناها: ارتفع، ثم أطلق على الأمر بالمجيء. والابتهال: التضرّع والمبالغة في الدعاء.
يقول الحق ﷻ : فَمَنْ خاصمك يا محمد في شأن عيسى ﵇، وكان الذي خاصم في ذلك السيد والعاقب، لما قدموا مع انصارى نجران على النبي ﷺ ، قال لهما النبي ﷺ : «أسلما» ، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما عيسى لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير» ، قالا: إن
стр. 358
لم يكن عيسى ولداً لله فمن أبوه؟ فقال لهما النبي ﷺ : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيِّم كل شيء، ويحفظه، ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل ملك عيسى شيئاً من ذلك؟ فقالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما عُلِّم؟ قالوا: لا.
قال: فإن ربنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدث، قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غُذِّي كما يُغَذّى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى. قال: كيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا ... فأنزل فيهم السورة إلى هنا.
فقال الحقّ لنبيه- عليه الصلاة السلام-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ أي: في عيسى من النصارى، مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بعبوديته، فَقُلْ لهم: تَعالَوْا نَتَلاَعَنُ، أي: نلعن الكاذبَ منا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أي: يدعو كل واحد منا نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة، وإنما قدَّمهم على النفس لأن الرجل يخاطر بنفسه دونهم، فكان تقديمهم أبلغ في الابتهال، ثُمَّ نَبْتَهِلْ، أي نجهد في الدعاء على الكاذب، فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.
فلما قرأ النبي ﷺ هذه الآية على وفد نجران، ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا، فقالوا للعاقب- وكان ذا رأيهم-: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبيّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من أمر صاحبكم، والله ما لا عن قومٌ قط نبيّاً فعاش كبيرُهم، ولا نبت صغيرُهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكن، فوادِعُوا الرَّجُلَ. وانصرفوا، فأتوه وهو محتضنٌ الحسن آخذ بيد الحسين، وفاطمةُ تمشي خلفه، وعَلِيّ خلفها، وهو يقول لهم: «إِذَا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا» ، فقال الأسقُف: يا معشر النصارى، إني لأرى وجُوهاً لو سألوا الله أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تتباهلوا فتهلكوا جميعاً إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم، نرى ألا نلا عنك، فقال النبي ﷺ : أسْلِمُوا يَكُنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم، فأَبَوا، فقال: إنى أنابذكم، فقالوا: مالنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على ألا تغزونا ولا تَرُدَّنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفَيْ حلة ألفاً في صَفَر، ألفا في رجب، وثلاثين درعاً من حديد.
فصالحهم النبي ﷺ على ذلك، فقال النبيّ: «والذي نفسي بيده لو تلاعنوا لمُسِخُوا قِرَدَة، وخَنَازِيرَ، ولأضْرَمَ عَلَيْهِمْ الوَادِي نَاراً، ولا ستأصل اللهُ نَجْرَان وأهْلَهُ، ولَمَا حَالَ الحَوْلُ على النَّصَارى كلّهم حَتى هَلكوا» .
قال الله تعالى: إِنَّ هذا الذي أوحينا إليك لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ، خلافاً لما يزعم النصارى من التثليث، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ في صنعه، فلا أحد يساويه في قدرته التامة، ولا في حكمته البالغة، فَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عن الإيمان، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، الذين يعبدون غير الله.
стр. 359
ووضع المظهر موضع الضمير، ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، بل يؤدي إلى فساد العالم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للمريد، الذي تحقق بخصوصية شيخه، أن يلاعن من يخاصمه فيه، ويبعد عنه كل البعد، ولا يهين له لئلا يركبه، ويدفع عن شيخه ما استطاع، فإنَّ هذا من التعظيم الذي هو سببٌ في سعادة المريد، ولا يصغي إلى المفسدين الطاعنين في أنصار الدين. قلت: وقد جاءني بعض من ينتسب إلى العلم من أهل فاس، فقال لي: قد اتفقت علماء فاس على بدعة شيخكم، فقلت له: لو اتفق أهل السموات السبع والأرضين السبع، على أنه من أهل البدعة، لقلت أنا: إنه من أهل السنّة، لأني تحققت بخصوصيته، كالشمس في أفق السماء، ليس دونها سحاب. فالله يرزقنا حسن الأدب معهم والتعظيم إلى يوم الدين. آمين. فمن أعرض عن أولياء الله من المنكرين (فإن الله عليم بالمفسدين) .
ثم دعاهم إلى التوحيد الذي اتفقت عليه سائر الأديان، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٦٤]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)
قلت: (سواء) : مصدر، نعت للكلمة، والمصادر لا تثني ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا ضمت أو كسرت قصرت، كقوله: مَكاناً سُوىً أي: مستوٍ. وسواء كل شيء: وسطه، قال تعالى: فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ، أي: وسطه.
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد: يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى، تَعالَوْا: هلموا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ أي: عدل مستوية، بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ لا يختلف فيها الرسل والكتب والأمم، هي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ أي: نوحده بالعبادة، ونقر له بالوحدانية، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً أي: لا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: لا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل، لأنهم بشر مثلنا.
ولمّا نزل قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ... قال عدي بن حاتم: ما كُنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال: «أَلّيْس كانُوا يُحِلُّون لَكُمْ ويُحرِّمون، فتأخُذُون بقَوْلِهم؟ قال: بلى، قال: هُوَ ذَاكَ»
стр. 360
فَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، فقد لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، وأنتم كافرون بما نطقت به الكتبُ وتواطأت عليه الرسل.
تنبيه: انظر ما في هذه الآية من المبالغة وحسن التدرج في الاحتجاج، بيِّن أولاً أحوال عيسى وما تطاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإعجاز، ثم لمّا أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد، عاد عليهم بالإرشاد، وسلك طريقاً أسهل وألزم، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى وسائر الأنبياء والكتب، ثم لمّا لم يُجد ذلك فيهم شيئاً، وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم شيئاً أعرض عنهم، وقال: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. قاله البيضاوي.
الإشارة: الطرق كثيرة والمقصد واحد، وهو التوحيد الخاص، أعني مقام الفناء والبقاء. فالداعُون إلى الله كلهم متفقون على الدعوة إلى هذا المقصد، فكل طريق لا توصل إلى هذا المقصد لا عبرة بها، وكل داع لا يُبلغ إلى هذا الجمال فهو دجال، فإنْ رضي بتعظيم الناس، ولم يَبْنِ طريقه على الأساس، فليس لصاحبه إلا الإفلاس، وكل مَن أطاع المخلوق في معصية الله فقد اتخذه ربّاً من دون الله، وكل مَن تولى عن طريق الإرشاد فقد استوجب لنفسه الطرد والبعاد، فيقول له الواصلون أو السائرون: (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) . وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ولما قدم وفدُ نجران المدينة، التقوا مع اليهود، فاختصموا في إبراهيم ﵇ فأتاهم النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد إنا اختلفنا فى إبراهيم ودينه، فقالت النصارى: كان نصرانيّاً، وقالت اليهود: كان يهوديّاً، وهم أولى الناس به، فقال النبي ﷺ : «كلا الفريقين برئ من إبراهيم، بل كان إبراهيم حنيفاً مسلماً، وأنا على دينه، فاتبعوا دينه الإسلام» . فأنزل الله:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٥ الى ٦٨]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
стр. 361
قلت: (ها أنتم) : أصله: أنتم، دخلت عليه هاء التنبيه، وقال الأخفش: أصله: أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقوله: هرقت. وتوجيه القراءات معلوم في محله، و (أنتم) : مبتدأ، و (هؤلاء) : خبره، و (حاججتم) : جملة مبينة للأولى، أو (حاججتم) : خبر، و (هؤلاء) : منادى بحذف النداء، و (حنيفاً) : حال، أي: مائلاً عن الأديان إلا دين الإسلام.
يقول الحق ﷻ : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ، ويدعي كل فريق أنه كان على دينه، وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، فكيف يكون يهوديّاً، ودينكم إنما حدث بعد إبراهيم بألف سنة؟! وكيف يكون نصرانيّاً، ودين النصرانية إنما ظهر بعد إبراهيم بألفي سنة؟! أَفَلا تَعْقِلُونَ فتدعون المحال، ها أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ الحمقى حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من أمر محمد- ﵊ ونبوته، مما وجدتموه في التوراة والإنجيل، فأنكرتموه عناداً وحسداً، فَلِمَ تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر في كتابكم من شأن إبراهيم؟ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما خاصمتم فيه، وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، بل أنتم جاهلون.
ثم صرّح بتكذيب الفريقين فقال: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلاً عن العقائد الزائفة، (مسلماً) منقاداً لأحكام ربه. وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام، وإلا لكان مشترك الإلزام، لأن دين الإسلام مؤخر أيضاً، فكان إبراهيم إمام الموحدين، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما عليه اليهود والنصارى والمشركون. ففيه تعريض بهم، ورد لادعائهم أنهم على ملته.
ثم ذكر مَنْ أولى الناس به، فقال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي: أخصهم به وأقربهم منه، لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته في زمانه، وَهذَا النَّبِيُّ محمد ﷺ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا لموافقتهم له في أكثر الأحكام، قال ﷺ : «لكُلِّ نَبيَ وُلاة مِنَ النَّبيِّينَ، وإنَّ وَلِيِّي منهم أبِي وَخَلِيل ربِّي» . يعني: إبراهيم ﵇، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ أي: ناصرهم على سائر الأديان، ومجازيهم بغاية الإحسان.
الإشارة: ترى كثيراً من المتفقرة يخصون الكمال بطريقهم، ويخاصمون في طريق غيرهم، وهي نزعة أهل الكتاب، حائدة عن الرشد والصواب، فأولى بالحق من اتبع السنة المحمدية، وتخلق بالأخلاق المرضية، وزهد في الدارين، ورفع همته عن الكونين، ورفع حجاب الغفلة عن قلبه، حتى أشرقت عليه أنوار ربه، واتصل بأهل التربية النبوية، فزجوا به في بحار الأحدية، ثم ردوه إلى مقام الصحو والتكميل، فياله من مقام جليل، فهذه ملة إبراهيم الخليل، وبها جاء الرسول الجليل حبيب الرحمن، وقطب دائرة الزمان، سيد المرسلين، وإمام العارفين، ورسول رب العالمين، ﷺ دائماً إلى يوم الدين.
стр. 362
ثم شرع فى معاتبة اليهود وذكر مساوئهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٩ الى ٧١]
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
قلت: (لو) : مصدرية، أي: تمنوا إضلالكم.
يقول الحق ﷻ لبعض المسلمين- وهم حذيفة وعمار ومعاذ- دعاهم اليهود إلى دينهم وطمعوا فيهم:
وَدَّتْ طائِفَةٌ أي: تمنت طائفة مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أي: يفتنونكم عن دينكم، ويتلفونكم عن طريق الحق، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن المسلمين لا يقبلون ذلك منهم، فرجع الضلال عليهم، وعاد وباله إليهم، وتضاعف عذابه عليهم، وَما يَشْعُرُونَ أن وباله راجع إليهم.
ثم صرّح الحق تعالى بعتابهم، فقال: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على نبيه محمد ﷺ وتجحدون رسالته؟ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنها من عند الله، وأنه نبيّ الله، وهو منعوت عندكم في التوراة والإنجيل، والمراد أحبارهم، أو تشهدون أنه نبيّ الله بالمعجزات الواضحات. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ بالتحريف وإبراز الباطل في صورة الحق، حتى كتمتم نعت محمد وحرفتموه، وأظهرتم موضعه الباطل الذي سولت لكم أنفسكم؟ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ نبوة محمد ﷺ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه رسول الله حقّاً وأن دينه حق، أو:
وأنتم عالمون بكتمانكم.
الإشارة: ترى كثيراً من أهل الرئاسة والجاه من أولاد الصالحين، وممن ينتسب لهم، إذا رأوا من ظهر بالخصوصية في زمانهم يتمنون إضلالهم وإطفاء أنوارهم، خوفاً على زوال رئاستهم، وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون) ، وهذه نزعة يهودية سببها الحسد، والحسود لا يسود، وبعضهم يتحقق بخصوصية غيرهم، فيكتمها وهو يشهد بصحتها، فيقال لهم: لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون؟ ولم تلبسون الحق بالباطل، وتكتمون الحق وأنتم تعلمون؟.
ثم ذكر الحق- تعالى- خدع أهل الكتاب وحيلهم الفارغة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٢]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)
стр. 363
قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلاً من يهود خبير- يعني من أحبارهم- وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان لا بالاعتقاد، واكفروا به آخره، وقولوا: نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وإنما نفعل ذلك حتى نشكك أصحابه. هـ. فحذَّر الله تعالى المسلمين من قولهم، فقال ﷻ : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: أحبارهم: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا) وأظهروا الدخول في دينهم، وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ وقولوا: نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فلم نجد محمداً بالنعت الذي في التوراة، لعل أصحابه يشكون فيه- لعنهم الله وأضلّ سعيهم.
وقيل: نزلت في شأن الكعبة، فإنَّ كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف- من اليهود- قالا لأصحابهما: صلّوا معهم إلى الكعبة أول النهار، ثم صلّوا إلى الصخرة آخره، لعلهم يقولون: هم أعلم منا، وقد رجعوا، فيرجعون، ففضحهم الله وأبطل حيلتهم الواهية.
الإشارة: ترى كثيراً من الناسَ يدخلون في طريق القوم، ثم تثقل عليهم أعباؤها، فيخرجون منها إما لضعفهم عن حملها، أو لكونهم دخلوا مختبرين لها، أو على حرف أو حيلة لغيرهم، فإذا رجع أحد منهم قال الناس: لو كانت صحيحة ما رجع فلان عنها، ويصدون الناس عن الدخول فيها والدوام عليها، وهذه نزعة إسرائيلية، قالوا: آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون وقد قال ﵊: «لتَسْلُكن سَنَنَ مَنْ قَبْلكم شِبراً بشير، وذرَاعاً بِذرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخلُوا جُحْر ضَبٍّ لدخلْتُموه، قالوا: اليَهُود والنًّصَارَى؟ قال: نعم، فَمنْ إذن» . وبالله التوفيق.
ثم ذكر الحق- تعالى- مقالة أخرى من مقالاتهم الشنيعة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
قلت: يحتمل أن يكون قوله: (أن يؤتى) : مفعولاً ب- (تؤمنوا) ، و (قل إن الهدى هدى الله) : اعتراض، واللام في «لمن» صلة، (أو يحاجوكم) : عطف على (يؤتى) ، والتقدير: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا من كان على دينكم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم، بل أنتم تحاجون غيركم. فردَّ الله عليهم (قل إن الهدى هدى الله) ، و (أن الفضل بيد الله) . ويحتمل أن يكون قوله: (أن يؤتى) مفعولاً لأجله، والعامل فيه محذوف، والتقدير: أدبَّرتم ما دبرتم كراهية أن يوتى أحد ما أوتيتم، ومخافة أن يحاجوكم عند ربكم؟.
стр. 364
يقول الحق ﷻ ، حاكياً عن اليهود: (و) قالوا لا تُؤْمِنُوا أي: لا تقروا، أو تصدقوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من العلم والحكمة وفلق البحر وسائر الفضائل، إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دين اليهودية، وكان على دِينَكُمْ، ولا تؤمنوا أن يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لأنكم أصح ديناً منهم. قال الحق ﷻ : قُلْ لهم: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ يهدي به مَن يشاء، وإِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ.
أو يقول الحق ﷻ : وقالوا: لا تصدقوا ولا تذعنوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وكان من جلدتكم، فإن النبوة خاصة بكم. فكذبهم الحق بقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ، يخص بها مَن يشاء من عباده، فكيف تحصرونها فيكم؟ لأجل أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ قلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم، حسداً وبغياً، (أو) خوفاً أن يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، يغلبوكم بالحجة لظهور دينهم، قُلْ يا محمد: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فلا ينفع في رده حيلة ولا خدع.
أو يقول الحق ﷻ ، للمؤمنين، تثبيتاً لهم وتشجيعاً لقلوبهم: ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين أن يعطي أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين القويم إلا من تبع دينكم الحق، وجاء به من عند الحق، ولا تصدقوا أَوْ يُحاجُّوكُمْ في دينكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، أو يقدر أحد على ذلك، فإن الهدى هدى الله والفضل بيد الله، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والكرم، عَلِيمٌ بمن يستحق الخصوصية والفضل، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كالنبوة وغيرها، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ لا حصر لفضله، كما لا حصر لذاته.
الإشارة: يقول الحق- جلت ذاته، وعظمت قدرته- لأهل الخصوصية: ولا تقروا بالخصوصية إلا لمن كان على دينكم وطريقكم، وتزيّاً بزيكم، وبذل نفسه وفلسه في صحبتكم، مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الخصوصية، وهو ليس أهلاً لها، فيأخذها علماً، فإما أن يتزندق أو يتفسق، أو يحاجوكم بالشريعة فيريق دماءكم كما وقع للحلاج ﵁ وفي ذلك يقول الشاعر:
ومن شَهِدَ الحَقِيقَةَ فَلْيَصُنْهَا ... وإلا سوف يقتل بالسنان
كحلاج المحبة إذ تبدت ... له شمس الحقيقة بالتداني «١»
وقال آخر:
بالسِّرِّ إنْ بَاحُوا تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ ... وكَذَا دماء البائحين تباح
стр. 365
وقل أيها العارف، لمن طلب الخصوصية قبل شروطها أو أنكر وجودها عند أهل شرطها: إن الهدى هُدَى اللهِ يهدي به مَن يشاء، والفضل بيد الله يُؤتيه مَن يشاء، والرحمة- التي هي الخصوصية- في قبضة الله، يخص بها مَن يشاء، (والله ذو الفضل العظيم) فمن أراد الخصوصية فليطلبها من معدنها، وهم العارفون بها، فيبذل نفسه وفلسه لهم حتى يُعرفوه بها. وبالله التوفيق.
ثم ذكر الحق- تعالى- وصف اليهود بالخيانة، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٥ الى ٧٦]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)
قلت: الباء في (بقنطار) ، بمعنى على، و (يؤده) : جواب الشرط مجزوم بحذف الياء، ومن قرأ بإسكان الضمير فلأنه أقامه مقام المحذوف، فجزمه عوضاً عنه، وقال الفراء: مذهب بعض العرب: يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته ضرباً شديداً.
يقول الحق ﷻ : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من أسلم وآمن فصار من أهل الإيمان، إِنْ تَأْمَنْهُ على بِقِنْطارٍ من المال أو أكثر أداه إليك، ولم يخن منه شيئاً. وفي الحديث: «من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء» . وَمِنْهُمْ من بقي على دينه من أهل الخيانة والخسران، إِنْ تَأْمَنْهُ على بِدِينارٍ فأقل لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً على رأسه، مبالغاً في مطالبته. نزلت في عبد الله بن سلام، استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً، فأداها إليه، وفي فنحاص بن عازوراء اليهودي، استودعه قرشي آخر ديناراً، فجحده. وقيل: في النصارى واليهود، فإن النصارى: الغالب عليهم الأمانة، واليهود الغالب عليهم الخيانة.
وذلك الاستحلال بسبب أنهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي: ليس علينا في شأن من ليسوا أهل كتاب، ولم يكونوا على ديننا، حرج في أخذ مالهم وجحدها، ولا إثم، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم، وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة.
وقيل: عامل اليهود رجالا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم، فقالوا: سقط حقكم حيث تركتم دينكم. وقال ﷺ :
«كَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ، مَا مِنْ شَيءٍ فِي الجاهِلية إلاّ وَهُو تَحْتَ قَدَمَي، إِلاَّ الأمَانَةَ فإِنهَا مُؤداةٌ إلى الْبَر والفَاجِر» .
стр. 366
ثم كذَّبهم الحقّ- تعالى- فقال: بَلى عليهم في ذلك سبيل، فإن مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى الشرك والمعاصي فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ومن أحبّه الله كيف يباح ماله وتسقط حرمته؟! بل من أسقط حرمته فقد حارب الله ورسوله، أو مَنْ أَوْفى، بعهد الله من أهل الكتاب، فآمن بمحمد- ﵊ وَاتَّقى الخيانة، وأدى الأمانة، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. وأوقع المظهر موقع الضمير العائد إلى «من» لعمومه، فإن لفظ المتقين عام يصدق برد الودائع وغيره، إشعاراً بأن التقوى ملاك الأمر وسبب الحفظ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد رأينا بعض الفقراء دخل بلد الحقيقة فسقطت من قلبه هيبة الشريعة، فتساهل في أموال الناس وسقطت لديه حرمة العباد، حتى لا تثق به في حفظ مال ولا أهل، فإذا أودعته شيئاً أو قارضته لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. وهذه زندقة ونزعة إسرائيلية، لا يرضاها أدنى الناس، فما بالك بمن يدعي أنه أعلى الناس، وفي بعض الحكم: [كَمَالُ الديانة ترك الخيانة] ، وأعظم الإفلاس خيانة الناس، وفي الحديث: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فيه فهُوَ مُنَافقٌ، وإن صَلَّى وإن صَامَ وزَعم أنه مؤمن، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خَانَ» . فإذا احتج لنفسه الأمارة، وقال: لا سبيل علينا في متاع العوام، فقد خلع من عنقه ربقة الإسلام، واستحق أن يعلو مفرقه الحُسام. والله تعالى أعلم.
ومن جملة الخيانة: أكل أموال الناس بالأيمان الفاجرة، كما أشار إلى ذلك الحق- تعالى- فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٧]
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ أي: يستبدلون بالوفاء بعهد الله كالإيمان بالرسول- ﵊ الذي أخذ على بني إسرائيل في التوراة وبيان صفته، وأداء الأمانة، فكتموا ذلك واستبدلوا به ثَمَناً قَلِيلًا حطاماً فانياً من الدنيا، كانوا يأخذونه من سفلتهم، فخافوا إن بيَّنوا ذلك زال ذلك عنهم، وكذلك الأيمان التي أخذها الله عليهم لئن أدركوا محمدا ﷺ ليؤمنن به ولينصرنه، فنقضوها، خوفاً من زوال رئاستهم، فاستبدلوا بالوفاء بها ثمناً قليلا فانياً، أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ أي: لا نصيب لهم، فِي الْآخِرَةِ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بما يسرهم، أو بشيء أصلاً، وإنما الملائكة تسألهم، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ نظرة رحمة، بل يعرض عنهم، غضباً عليهم وهواناً بهم، وَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهرهم من ذنوبهم، أو لا يُثني عليهم، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي: موجع.
قال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أَبي الحقيق وحُيي بن أخطب، وغيرهم من رؤساء اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبي ﷺ من بيان صفته، فكتموا ذلك وكتبوا غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا يفوتهم الرشا من أتباعهم.
стр. 367
وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود كانوا ذا حظ من علم التوراة، فأصابتهم سنة، فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه، أي: يطلبون منه الميرة- وهو الطعام-، فقال لهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول في كتابكم؟
قالوا: نعم، أو ما تعلمه أنت؟ قال: لا، قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله، قال كعب: لقد قدمتم عليَّ، وأنا أريد أن أميركم وأكسوكم، فَحَرَمَكُم الله خيراً كثيراً، قالوا: فإنه شُبه لنا، فرُوَيْداً حتى نلقاه، فانطلقوا، فكتبوا صفة غير صفته، ثم أتوا نبى الله- ﵊ فكلموه، ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنا نرى أنه رسول الله، فأتيناه فإذا هو ليس بالنعت الذي نُعت لنا، وأخرجوا الذي كتبوه، ففرح كعب، ومارهم. فنزلت الآية. قلت: انظر الطمع، وما يصنع بصاحبه! والعياذ بالله.
وقيل: نزلت في رجل أقام سلعته في السوق، وحلف لقد أعطى فيها كذا وكذا، وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس، كانت بينه وبين رجل خصومة، فتوجهت اليمين على الرجل، فأراد أن يحلف. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد أخذ الله العهد على الأرواح ألا يعبدوا معه غيره، ولا يميلوا إلى شيء سواه، فكل من مال إلى شيء أو ركن بالمحبة إلى غير الله، فقد نقض العهد مع الله، فلا نصيب له في مقام المعرفة، ولا تحصل له مشاهدة ولا مكالمة حتى يثوب ويتوجه بكليته إلى مولاه. والله- تعالى- أعلم.
ومن مساوئهم أيضا: تحريفهم لكتاب الله، كما أشار إلى ذلك الحق- تعالى- بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧٨]
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
يقول الحق ﷻ : وَإِنَّ من أهل الكتاب لَفَرِيقاً، وهو كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ومالك بن الصيف، وأبو ياسر، وشعبة بن عامر، يَلْوُونَ أي: يفتلون أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي: التوراة عند قراءته، فيميلون عن المنزل إلى المُحرف، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ أي: لتظنوا أن ذلك المحرف من التوراة، وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فيما نسبوا إليه، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه ليس من عند الله.
قال ابن عباس: نزلت في اليهود والنصارى جميعاً، حرفوا التوراة والإنجيل، وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، فبيَّن الله كذبهم. وقيل: في الرجم، حيث كتموا الرجم، وألقى قارئ التوراة يده على آية الرجم، وقرأ ما حولها، فقال له ابنُ سلام: ارفع يديك، فإذا آية الرجم تلوح. والله أعلم.
стр. 368
الإشارة: هذه الآية تنسحب على علماء السوء، الذين يفتون بغير المشهور، لحظ يأخذونه من الدنيا، وعلى قضاة الجور الذين يحكمون بالهوى، ويعتمدون على الأقوال الواهية، ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله.
وكذلك بعض المنتسبين من الفقراء، يتصنعون إلى العامة، يطمعون فيما في أيديهم من الحطام، فيظهرون لهم علوماً ومعارف وحكماً، يلوون ألسنتهم بها وقلوبهم خاوية من معناها، فظاهر حالهم يُوهم أن ذلك موافق لقلوبهم، وأنهم عاملون بذلك، وباطنهم يكذبهم في ذلك، (وَاللَّهُ يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم) .
ثم أبطل الله تعالى شبهة اليهود والنصارى فى عبادة عيسى وعزير وغيرهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٩ الى ٨٠]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
قلت: البشر: اسم جمع لا مفرد له، يطلق على الجماعة والواحد. والرباني: هو الذي يُربي الناس ويؤدبهم ويُهذبهم بالعلم والعمل. وقال ابن عباس: (هو الذي يُربي الناس بصغار العلم قبل كباره) ، والنون فيه للمبالغة، كلحياني ورقباني. و (لا يأمركم) بالرفع، استئناف، وبالنصب: عطف على «يقول» ، و «لا» مزيدة،: أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر بعبادة نفسه، ويأمر باتخاذ الملائكة أرباباً. أو غير مزيدة، والتقدير: ليس له أن يأمر بعبادته ولا باتخاذ الملائكة أرباباً.
يقول الحق ﷻ : ما كانَ ينبغي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ أي: الفصل بين العباد، وَالنُّبُوَّةَ أي: الوحي بالأحكام، ثُمَّ يَقُولَ بعد ذلك لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أو مع الله، أو يرضى أن يعبد من دون الله، وَلكِنْ يقول لهم: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي: علماء بالله، فقهاء في دينه، حلماء على الناس، تُربون الناس بالعلم والعمل والهمة والحال، بسبب بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ من كتاب الله وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ منه، أو بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الناس من الخير بكتاب الله، وما كنتم تدرسونه عليهم. ولمّا مات ابن عباس- رضى الله عنهما- قال محمد بن الحنفية: (مات ربَّاني هذه الأمة) .
وَلا يَأْمُرَكُمْ ذلك البشر الذي خصه الله بالنبوة، أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً من دون الله، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي: منقادون لأحكام الله. قيل: سبب نزول الآية: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال النبي ﷺ : «معاذ الله أن نعبد غيرَ الله، أو نَأمُرَ بعبادة غيره» . وقيل: أن رجلاً قال: يا رسول الله: نُسلِّم عليك كما يُسلِّم بعضُنا على بعض، أفلا نسجُد لك؟ فقال:
«لا يَنْبَغِي ان يسجد احدٌ لأحدٍ من دُونِ اللهِ، ولكنْ أكْرِموا نَبِيَّكُمْ، واعْرِفُوا الحقَّ لأَهْلِه» .
стр. 369
الإشارة: ما زال الفقراء يعظمون أشياخهم، ويبالغون في ذلك حتى يُقبِّلون أرجلهم والترابَ بين أيديهم، ويجتهدون في خدمتهم «١» ، فإذا رءاهم الأشياخ فعلوا ذلك سكتوا عنهم، لأن ذلك هو ربحهم وسبب فتحهم، وفي ذلك قال القائل:
بذَبْح النفوس وحط الرءوس تصفى الكئوس لكنهم يرشدونهم إلى الحضرة، حتى يفنوهم عن شهود الواسطة، فيكون تعظيمهم وحط رأسهم إنما هو لله لا لغيره، وحينئذٍ يكونون ربانيين، علماء بالله مقربين، وكان شيخنا يقول: لا تزوروني على أني شيخكم، ولكن اعرفوا فينا، وافنوا عن رؤية حسناً، حتى يكون التعظيم إنما هو لله ربنا. هـ. فدلالة الأشياخ للفقراء على التعظيم والأدب ليس ذلك مقصوداً لأنفسهم، وحاشاهم من ذلك. ما كان لبشر أن يؤتيه الله الخصوصية ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين عارفين بالله، حتى يكون تعظيمكم إنما هو لله، ولا يأمر أيضاً بالفرق حتى يتخذوا الأشياء أرباباً من دون الله، ولكن يأمر بالجمع حتى يغيبوا عما سوى الله، وكيف يأمرهم بالفرق، وهو إنما يدلهم على الجمع؟ أيأمرهم بالكفر بعد أن كانوا مسلمين. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم في الإيمان بالنبي ﷺ فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)
قلت: اللام في (لما) ، موطئة للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستخلاف، و (ما) : يحتمل الشرطية، و (لتؤمنن) : جواب القسم، سد مسد الجواب، أي: مهما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله لتؤمنن به.
ويحتمل الموصولية، و (لتؤمنن) : خبر عنه، وحذف شرط يدل عليه السياق أي: للذي آتيناكم من كتاب وحكمة، ثم إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ومن قرأ بكسر اللام كان تعليلاً للأمر بالإيمان بالرسول، أي:
لأجل الذي خصصتكم به إذا جاءكُمْ رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وإذا كان أخذ الله الميثاق على الأنبياء كان على الأتباع أولى، أو استغنى بذكر الأنبياء عن ذكر أتباعهم لأنهم فى حكمهم.
стр. 370
يقول الحق ﷻ : واذكر إِذْ أخذنا الميثاق على النبيين من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇. وقلنا لهم: والله للذي خصصتكم به مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثم إن ظهر رسول مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ أنتم وأممكم، أو: لأجل الذي خصصتكم به مما تقدم لئن أدركتم محمداً لتؤمنن به ولتنصرنه. قال سيدنا علي- كرّم الله وجهه-: (لم يبعث اللهُ نبياً، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد، وأمره بأخذ العهد على قومه ليُؤْمنُنَّ به، ولئن بُعث وهم أحياءٌ لينْصُرُنَّه) .
قالَ الحق ﷻ لمَن أخذ عليهم العهد: أَأَقْرَرْتُمْ بذلك وقبلتموه، وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي:
عهدي وميثاقي؟ قالُوا أَقْرَرْنا وقبلنا، قالَ فَاشْهَدُوا على أنفسكم، أو ليشهدْ بعضكم على بعض بالإقرار، أو فاشهدوا يا ملائكتي عليهم، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وفيه توكيد وتحذير عظيم، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ الإقرار والشهادة، وأعرض عن الإيمان به، ونصره بعد ظهوره، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن الإيمان المتمردون في الكفران.
الإشارة: كما أخذ الله العهد على الأنبياء وأممهم في الإيمان به عليه الصلاة السلام، أخذ الميثاق على العلماء وأتباعهم من العامة، لئن أدركوا وليّاً من أولياء الله، حاملاً لواء الحقيقة، مصدقا لما معهم من الشريعة، ليؤمنن به ولينصرنه، فمن تولى وأعرض عن الإذعان إليهم فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن دائرة الولاية، محرومون من سابق العناية، فإن الحقيقة إنما هي لب الشريعة وخلاصتها، فإنما مثل الحقيقة والشريعة كالروح للجسد، فالشريعة كالجسد، والحقيقة كالروح، فالشريعة بلا حقيقة جسد بلا روح، والحقيقة بلا شريعة روح بلا جسد، فلا قيام لهذا إلا بهذا، فمن تشرَع ولم يتحقق فقد تفسق، ومن تحقق ولم يتشرّع فقد تزندق، ومَن جمع بينهما فقد تحقق، ومن خرج عنهما فقد خرج عن دين الله وطلب غيره. وإليه توجه الإنكار بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٣]
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
قلت: (أفغير) : مفعول مقدم، و (يبغون) : معطوف على محذوف، أي: أتتولون فتبغون غير دين الله، وقدم المعمول لأنه المقصود بالإنكار، و (طوعاً وكرهاً) : حالان، أي: طائعين أو كارهين.
يقول الحق ﷻ للنصارى واليهود، لمَّا اختصموا إلى النبي ﷺ ، وادعوا أن كل واحد على دين إبراهيم، فقال لهم- ﵊: «كِلاكما بَرِيءٌ مِنْ دِينه، وأنا على دِينه، فخذوا به» ، فغضبوا، وقالوا:
والله لا نرضى بحكمك ولا نأخذ بدينك، فقال لهم الحق ﷻ منكرا عليهم-: أفتبغون غير دين الله الذي ارتضاه لخليله وحبيبه، وقد انقاد له تعالى مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طائعين ومكرهين، فأهل السموات
стр. 371
انقادوا طائعين، وأهل الأرض منهم من انقاد طوعاً بالنظر واتباع الحجة أو بغيرها، ومنهم من انقاد كرهاً أو بمعاينة ما يُلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت، أو: «طوعاً» كالملائكة والمؤمنين، فإنهم انقادوا لما يراد منهم طوعاً، (وكرهاً) كالكفار فانقادوا لما يراد منهم كرهاً، وكلٍّ إليه راجعون، لا يخرج عن دائرة حكمه، أو راجعون إليه بالبعث والنشور. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن الدين الحقيقي هو الانقياد إلى الله في الظاهر والباطن، أما الانقياد إلى الله في الظاهر فيكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، وأما الانقياد إلى الله في الباطن فيكون بالرضى بحكمه والاستسلام لقهره.
فكل من قصَّر في الانقياد في الظاهر، أو تسخط من الأحكام الجلالية في الباطن، فقد خرج عن كمال الدين، فيقال له: أفغير دين الله تبغون وقد انقاد له (من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً) ، فإما أن تنقاد طوعاً أو ترجع إليه كرها. وفي بعض الآثار يقول الله ﵎: «منْ لم يَرْضَ بقضائي ولم يَصْبِرْ على بَلائِي، فليخرجْ من تحت سَمَائي، وليتخذْ ربّاً سِوَاي» .
وسبب تبرّم القلب عن نزول الأحكام القهرية مرضُه وضعف نور يقينه، فكل من استنكف عن صحبة الطبيب، فله من هذا العتاب حظ ونصيب، فالأولياء حجة الله على العلماء، والعلماء حجة الله على العوام، فمن لم يستقم ظاهره عُوتب على تفريطه في صحبة العلماء، ومن لم يستقم باطنه عاتبه الله تعالى على ترك صُحبة الأولياء، أعني العارفين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم بين الحق- تعالى- حقيقة الإيمان والإسلام الذي يجب اتباعه على جميع الأنام، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٤]
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)
قلت: (أُنزل) : يتعدى بإلى لأنه ينتهي إلى الرسل، ويتعدى بعلى، لأنه يأتي من ناحية العلو والاستعلاء، وفرَّق بعضهُم بين التعبير هنا بعلى وفي البقرة بإلى، فقال: لأن الخطاب هنا للرسول بالخصوص، وقد أنزل عليه الوحي مباشرة، وهناك الخطاب للمسلمين، وإنما أنزل الوحي متوجهاً إليهم بالواسطة، ولم يكن عليهم بالمباشرة.
والله تعالى أعلم.
стр. 372
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد لأهل الكتاب الذين فرقوا في إيمانهم بين الرسل: أما نحن فقد آمنا بالذي أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ على جميع الأنبياء والرسل لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كما فرَّقتم أنتم، فَضَلَلْتُم، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة، أو مخلصون في أعمالنا كلها، وقدَّم المنزل علينا على المنزل على غيرنا، لأنه عيار عليه ومُعَرَّفٌ به. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للفقير أن يبالغ في تعظيم شيخه، ويسوغ له التغالي في شأنه ما لم يخرجه عن طَوْر البشر، وما لم يؤد ذلك إلى إسقاط حُرمة غيره من الأولياء بالتنقيص أو غيره، فحرمة الأولياء كحرمة الأنبياء، فمن فرق بينهم حُرِم بركة جميعهم. وبالله التوفيق.
ثم إن ملة الإسلام التي جاء بها نبينا- ﵊ هى التي أحرزت هذا الاعتقاد الصحيح، فكل من خرج عنها فقد ضل عن الحق الصريح، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)
قلت: (وشهدوا) : عطف على ما في (إيمانهم) من معنى الفعل، والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا.
يقول الحق ﷻ لرجال من الأنصار ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم الحارث بن سويد الأنصاري: وَمَنْ يطلب غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً يتدين به فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ أبداً، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ لأنه أبطل الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، واستبدلها بالتقليد الرديء، بعد أن عاين سواطع البرهان، وشهدت نفسه بالحق والبيان، ولذلك وقع التعجب والاستبعاد من هدايته فقال: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بعد أن آمنوا، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي: المعجزات الواضحات، فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح، منهمك في الضلال، بعيد عن الرشاد، فقد ظلم نفسه وبخسها، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر، ووضعوا الكفر موضع الإيمان، ولعل هذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء.
стр. 373
ثم ذكر جزاءهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)
يقول الحق ﷻ : أُولئِكَ المرتدون عن الإسلام- جَزاؤُهُمْ: أن تلعنهم الملائكة والناسُ أجمعون، مؤمنُهم وكافرهم، لأن الكافر يلعنُ من ترك دين الحق، وإنْ كان لا يشعر بمن هو على الحقّ. خالِدِينَ في اللعنة، أو في النار، لدلالة السياق عليها، أو في العقوبة. لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ساعة، ولا هم يُمهلون عنها لحظة.
ثم إنَّ الحارث نَدِم، وأرسل إلى قومه أن اسألوا الرسول ﷺ ، هل لي من توبة؟ فنزل قوله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٩]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
يقول الحق ﷻ : إلا مَن تابَ من بعد الردة، فأسلم وأصلح ما أفسد، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له فيما فعل، رَحِيمٌ به حيث تاب.
ولمّأ نزلت الآية حملها إليه رجلٌ من قومه وقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله فيما علمت لصدوق، وإن النبي ﷺ لأصدق منك، وإن الله- تعالى- لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة، فأسلم وحَسُن إسلامُه.
الإشارة: كل مَن ابتغى الخصوصية من غير أهلها، أو ادعاها ولم يأخذْها من معدنها، فلن تُقبل منه، وهو عند القوم من الخاسرين في طريق الخصوص، فكل مَن لا شيخ له في هذا الشأن فهو لقيط، لا أب له، دعي، لا نسب له.
والمراد بأهلها: العارفون بالله، أهلُ الفناء والبقاء، أهل الجذب والسلوك، أهل السكر والصحو، الذين شربوا الخمر فسكروا ثم صحوا وتكملوا، فمعدنُ الخصوصية عند هؤلاء، فكل من لم يصحبهم ولم يشرب من خمرتهم، لا يُقتدى به، ولو بلغ من الكرامة ما بلغ، وأخسر من هذا مِنْ صحب أهل هذه الخمرة، وشهد بأن طريقهم حق، ثم رجع عنها، فهذا مغبون ملعون عند كافة الخلق، أي: مطرود عن شهود الحق، إلا مَن تاب ورجع إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله غفور رحيم.
ثم ذكر الحق تعالى من ارتدّ وبقي على كفره، حتى مات، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)
стр. 374
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ ارتدوا عن الإيمان، ثُمَّ ازْدادُوا في الكفر، وقالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أي: لا توبة لهم فتقبل، لأنه سبق لهم الشقاء، أو لأنهم لا يتوبون إلا عند الغرغرة، أو لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ما داموا على كفرهم. وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ المنهمكون في الضلالة.
قيل: نزلت في أصحاب الحارث بن سويد المتقدم، وكانوا أحد عشر رجلاً، لما رجع الحارثُ قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بَدا لنا، فمتى أردنا الرجعة رجعنا، فلما افتتح النبي ﷺ مكة، دخل في الإسلام بعضُهم، فقُبلت توبته، وبقي من بقي على كفره، فنزلت الآية فيهم. وقيل: نزلت في اليهود، كفروا بعيسى بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد ﷺ ، وقيل: نزلت في النصارى كفروا بمحمد ﷺ بعد إيمانهم بعيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بإصرارهم عليه. وقيل: نزلت في الفريقين معا، كفروا بنبينا محمد ﷺ بعد إيمانهم به قبل ظهوره، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بتمردهم فيه، وتماديهم على المعاصي. والله تعالى أعلم.
الإشارة: اعلم أن من دَخَل طريق التربية، وأخذ في تهذيب نفسه وتطهيرها من المساوئ وأوساخ الحس، ثم غلبته القهرية ورجع عنها، فإن تاب قريباً ورجع إليها سهل عليه الرجوع، ورجى نجحه وقبلت توبته، وإن استمر على رجوعه عنها حتى ألفت نفسه البطالة لن ترجى توبته وصار من الضالين، فمثله كآنية، فرَّغت منها لبناً أو عسلاً، وعَمَرْتها بالقطران، فإن بادرت بإهراقه منها قريباً سهل غسلها، وإن أمهلتها حتى صبغ فيها عسر غسلها، وتعذر زوال رائحته منها. [فإن مات على رجعته فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه الرفقة، ولو شفع فيه ألف عارف، بل من كمال المكر به أن يُلقي شَبَهَه في الآخرة على غيره، حتى يتوهم عارفوه من أهل المعرفة أنه هو، فلا يخطر بباله أنه يشفع فيه] . قاله القشيري.
قال المحشي: وما ذكره ربما ينظر إلى قضية الخليل مع أبيه، حين يلقاه وعليه القترة، فيريد الشفاعة له، فيمسخ ذيخاً «١» متلطخاً- أي: خنزيراً- فينكره، كما في الحديث الصحيح، فتذكر واعتبر. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم ذكر من مات على كفره، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩١]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)
стр. 375
قلت: (ذهباً) : تمييز، و (لو افتدى به) : محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً، أو عطف على محذوف، أي: فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً لو تقرب به في الدنيا، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة. قاله البيضاوي.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، واستمروا على كفرهم حتى ماتوا، لن يُقْبَلَ منهم فدية، ولو افتدوا بملء الأرض ذهباً، بل يحصل لهم الإياس من رحمة الله، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فلا ينفعهم فداء منه ولا شفاعة ولا حميم، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ينصروهم من عذاب رب العالمين.
قال النبي ﷺ : «يُجَاءُ بالكَافِر يومَ القيامةِ، فيُقال له: أرأيتَ لو كان لكَ ملءُ الأرض ذهباً- أكنْتَ مفتدِياً به؟
فيقولُ: نعم، نعم، فيُقال له: قد سُئلْتَ ما هو أيسرُ من ذلك» . يعني: لا إله إلا الله. ثبتنا الله عليها إلى الممات عالمين بها. آمين.
الإشارة: كل من كفر بطريق أهل الخصوصية، وحرم نفسه من دخول الحضرة القدوسية، واستمر على كفرانه إلى الممات، فلا شك أنه يحصل له الندم وقد زلّت به القدم، لأنه مات مُصرًا على الكبائر وهو لا يشعر، فإذا حشر مع عوام المسلمين، وسَكَن في رَبضِ الجنة مع أهل اليمين، ثم رأى منازل المقربين في أعلى عليين، ندم وتحسر «١» ، وقد غلبه القدر، فلو اشترى المُقَام معهم بملء الأرض ذهباً ما نفعه ذلك، فيمكث في غمّ الحجاب وعذاب القطيعة هنالك، مقطوع عن شهود الأحباب على نعت الكشف والبيان، ممنوع عن الشهود والعيان. وبالله التوفيق.
ولمّا حكم الحق تعالى بأن الفداء لا ينفع يوم القيامة ذكر أفضل ما يفتدى به العبد فى دار الدنيا لأنه ينفع فيها ذلك، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ٩٢]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
قلت: البرّ: كمال الطاعة.
يقول الحق ﷻ : لَنْ تَنالُوا كمال الطاعة والتقرب حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، أو: لن تنالوا برَّ الله، الذي هو الرضى والرضوان، حَتَّى تُنْفِقُوا بعض ما تُحِبُّونَ من المال وغيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، إن صحبه الإخلاص، وكبذل البدن فى طاعة الله، وكبذل المهج في سبيل الله. ولمّا نزلت الآية
стр. 376
جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إِليَّ بَيْرُحاء- وهو بستان كان خلف المسجد النبوي- وهو صدقة لله، أرجو برّها وذخرها، فقال له- ﵊ «بَخٍ بَخٍ ذَلَكَ مَالٌ رَابحٌ- أو رائح- وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبينَ» . فقسمها أبو طلحة في أقاربة.
وجاء زيدٌ بنُ حَارِثَةَ بفرسٍ كان يُحبها، فقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله ﷺ أسامة ولده، فقال زيد: إنما أردت أن أتصدق بها، فقال- عليه الصلاة السلام-: «إنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ قَبِلَهَا» . فدلّ ذلك على أن الصدقة على الأقارب أفضل. وأعتقت امرأةٌ جارية لا تملك غيرها، كانت تحبها، واشترطت عليها أن تقيم معها، فلما عُتِقَتْ، ذهبت، فقال لها ﵊: «دعيها فقد حجَبْتِك عن النار» .
وأمر عمر بن الخطاب بشراء جارية من سبي العراق، فلما جيء بها، ورآها عمرُ أعجبْته غايةً، فقال: إن الله تعالى يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، فأعتقها. وذكر ابن عمر هذه الآية، فلم يجد عنده أحبَّ من جارية كانت عنده، يطؤها فأعتقها، وقال: لولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها. وكان الربيع يعطي للسائل إذا وقف في بابه السكر، فإذا قيل له في ذلك، قال: إن الربيع يحب السكر.
ثم إن الله- تعالى- يقبل الصدقة من المحبوب أو غيره، ولذلك قال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازيكم بحسبه.
الإشارة: ليس للفقير شيء أحبّ إليه من نفسه التي بين جنبيه، بل عند جميع الناس، فمن بذل روحه في مرضاة الله نال رضوان الله ومعرفته، وهو غاية البر، فمن أذل نفسه لله أعزه الله، ومن أفقر نفسه لله أغناه الله، ومن تواضع لله رفعه، فبذل النفس لله هو تقديمها لشيخ التربية يفعل بها ما يشاء، فكل ما يشير به إليه بادر إليه بلا تردد، فمن فعل ذلك فقد نال غاية البر، وأنفق غاية ما يُحب، وكل من بذل نفسه بذل غيرها بالأحرى، إذ ليس أعز منها، وفي ذلك يقول ابن الفارض ﵁:
مالى سِوَى رُوحِي، وباذل نَفْسه «١» ... في حُبّ من يَهْوَاهُ ليس بُمُسْرِفِ
فَلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسْعَفْتَني ... يا خَيْبَةَ الْمَسْعَى إذا لم تُسْعِفِ
وقال الشيخ أبو عبد الله القرشي: حقيقة المحبة أن تهب كُلَّكَ لمن أحببته، حتى لا يبقى لك منك شيء. هـ.
وقال الجنيد ﵁: لن تنالوا محبة الله حتى تسخُوا بأنفسكم لله. هـ.
стр. 377
ولما قال ﵊ لليهود: «أنا على ملة إبراهيم» . - كما تقدم- قالوا: كيف تكون على ملة إبراهيم، وأنت تأكل لحوم الإبل وإلبانها؟، وكان ذلك حراما على إبراهيم، فأنزل الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
قلت: (إسرائيل) : هو يعقوب ﵇.
يقول الحق ﷻ : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حلالاً على بني إسرائيل، كما كان حلالاً على الأنبياء كلهم، إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ أي: يعقوب، عَلى نَفْسِهِ، كلحوم الإبل وألبانها، قيل: كان به عرق النسا «١» ، فنذر:
إن شفاه الله لم يأكل أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحب الطعام إليه. وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء، فترك ذلك بنوه ولم يحرم عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم.
فالطعام كله كان حلالاً على بني إسرائيل وعلى الأنبياء كلهم قبل نزول التوراة، فلما نزلت التوراة حرم الله عليهم أشياء من الطيبات لظلمهم وبغيهم، فإن ادعوا أن لحوم الإبل كانت حراماً على إبراهيم، وأن كل ما حرم عليهم كان حراماً على إبراهيم وعلى الأنبياء قبله، فقل لهم: كذبتم فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها هل تجدون ذلك فيها؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم: إنَّ كل شيء حرم عليكم كان حراماً على إبراهيم. رُوِيَ: أنه- ﵊ لما قال لهم ذلك بهتوا، ولم يجسروا أن يأتوا بالتوراة، فتبين افتراؤهم على الله فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
بزعمه أن الله حرَّم لحوم الإبل وألبانها قبل نزول التوراة، مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
البيان وإلزامهم الحجة، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
المكابرون بالباطل بعد ما وضَح الحق.
قُلْ لهم يا محمد: صَدَقَ اللَّهُ فيما أنزل، وكذبتم فيما قلتم، فتبين أن ملة إبراهيم هي الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ فأسلموا، واتبعوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً، فإن ملة الإسلام موافقة لملة إبراهيم، أو عينُها، فادخلوا فيه وتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة، وألزمَتْكُم تحريمَ طيباتٍ أحلها الله لإبراهيم ومن تبعه، وقد خالفتم التوراة التي زعمتم أنكم متمسكون بها، وأشركتم مع الله عزيراً وغيره، وقد كان إبراهيم حنيفاً مسلماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
стр. 378
قال البيضاوي: فيه إشارة إلى أن اتَّبَاعَهُ- أي: إبراهيم- واجبٌ في التوحيد الصرف والاستقامةِ في الدين، والتجنب عن الإفراط والتفريط، وتعريض بشرك اليهود. هـ.
الإشارة: إذا تحقق للفقير الإخلاص، وحصل على التوحيد الخاص، كان الطعام كله حلالاً له، لأنه يأخذه بالله، ويتناوله من يد الله ويدفعه لله، مع موافقة الشريعة، ولم يغض من أنوار الطريقة بحيث لا يصحبه شرهٌ ولا طمعٌ. وكان عبد الله بن عمر يقول: كُلْ ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف أو مخيلة. هـ.
وإنما امتنعت العباد والزهَّادُ من تناول الشهوات المباحات خوفاً على أنفسهم أن تجمح بهم إلى تناول أسبابهما، فتعطلهم عن العبادة، وكذلك المريدون السائرون، ينبغي لهم التقلل من تناولها لئلا يتعلق قلبهم بشيء منها، فتعطلهم عن السير، وأما الواصلون العارفون، فقد تحقق فناؤهم وبقاؤهم، فهم يأخذون بالله من يد الله، كما تقدم.
والحاصل: أن النفس ما دامت لم تُسلم ولم تنقد إلى مشاهدة ربها، وجب جهادها ومخالفتها، فإذا أسلمت وانقادت إلى ربها، وجب الصلح معها وموافقتها فيما يتجلى فيها. والله تعالى أعلم.
ولمّا كانت اليهود لا تحجُّ بيت الله الحرام، الذي بناه خليل الله إبراهيم ﵇، مع زعمهم أنهم على ملته، ردَّ الله تعالى عليهم بقوله: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ... الخ، وقيل: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل لأنه مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة أفضل لأنه أول بيت وضع في الأرض، أنزل الله تعالى:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)
قلت: (بكة) : لغة في مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، تقول: ضربة لازم ولازب، وأغبَطَتْ عليه الحُمِّى وأغْمَطَتْ، وقيل: (مكة) بالميم: اسم للبلد كله، وبكة: اسم لموضع البيت، سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة- أي: تدقها- فما قصدها جبّار قط بسوء إلا قصمه الله. و (مباركاً) : حال من الضمير في المجرور، والعامل فيه الاستقرار، أي: الذي استقر ببكة مباركاً، و (مقام إبراهيم) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: منها مقام إبراهيم، أو بدل من (آيات) ، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، على أن المراد بالآيات: أثر القدم في الصخرة الصّماء، وغوصها فيها إلى الكعبين، وتخصيصُها بهذه المزيَّة من بين الصخور، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة، فكان مقام إبراهيم، وإن كان مفرداً، في قوة الجمع، ويدل عليه أنه قرئ (آية) :
بالتوحيد.
стр. 379
وقيل: (الآيات) : مقام إبراهيم، وأمْنُ من دخله، فعلى هذا يكون: (ومن دخله) ، عطفاً على (مقام) ، وعلى الأول: استئنافاً. و (حج البيت) مبتدأ، و (لله) : خبر، والفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، و (من استطاع) : بدل من (الناس) ، وقيل: فاعل.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ في الأرض لِلنَّاسِ للذي استقر بمكة، وبعده بيت المقدس، وبينهما أربعون سنة. بنت الأولَ الملائكة حيالَ البيت المعمور، وأمر اللهُ مَنْ في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، ثم بُنِيَ الثاني. وقيل: بناهما آدم ﵇ ثم جدَّد الأول إبراهيمُ. حال كونه مُبارَكاً لأنه يتضاعف فيه الحسنات، بكل واحدة مائة ألف، وتكفر فيه السيئات، وتنزل فيه الرحمات، وتتوارد فيه النفحات.
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ واضحات، منها: الحجر الذي هو مَقامُ إِبْراهِيمَ، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء، حتى أكمل البناء، وغرقت فيه قدمه كأنه طين، ومنها: أن الطير لا تعلوه، ومنها: إهلاك أهل الفيل وردُّ الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر بهمز جبريل ﵇، وحفر عبد المطلب لها بعد دُثُورها، وأن ماءها ينفع لما شُرب له، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً من العقاب في الدارين لدعاء الخليل: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً، فكان في الجاهلية كل من فعل جريمةً، ثم لجأ إليه لا يُهَاج «١» ولا يعاقب مادام به، وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود ولا من القصاص. وقال أبو حنيفة:
الحكم باق، وإن من وجب عليه حد أو قصاص فدخل الحرم لا يهاج،، لكن يُضيَّق عليه، فلا يطعم ولا يباع له حتى يخرج.
قال- ﵊: «مَنْ مَاتَ في أحد الحرمين بعثه اللهُ من الآمنين» . وقال أيضاً: «مَنْ حَجَّ هذَا البَيْتَ- فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ من ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه» .
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ فرض عين على مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بالقدرة على الوصول بصحة البدن، راجلاً أو راكباً مع الزاد المُبلِّغ، والأمن على النفس والمال والدين. وقيل: الاستطاعة: الزاد والراحلة.
وَمَنْ تركه، وكَفَرَ به، كاليهود والنصارى، وكل من جحده، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عنه، وعَنِ حجه، وعن جميع الْعالَمِينَ، أو عبر بالكفر عن الترك، تغليظاً كقوله: «مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَر» روى أنه- ﵊ لما نزل صدر الآية- جمع أرباب الملل، فخطبهم، وقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» ، فآمنت به ملة واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل وَمَنْ كَفَرَ ... إلخ.
стр. 380
الإشارة: قد وضع الله للناس بيتين: أحدهما حسي، وهو الكعبة، والآخر معنوي، وهو القلب، الذي هو بيت الرب، فما دام بيت القلب خالياً من نور الرب اشتاق إلى حج البيت الحسي، فإذا تعمر البيت بنور ساكنه، صار قبلة لغيره، واستغنى عن الالتفات إلى غير نور ربه، بل صار كعبة تطوف به الواردات والأنوار، وتحفه المعارف والعلوم والأسرار، ثم يصير قطب دائرة الأكوان، وتدور عليه من كل جانب ومكان، فكيف يشتاق هذا إلى الكعبة الحسية «١» ، وقد طافت به دائرة الوفود الكونية؟ ولله در الحلاج ﵁ حيث قال:
يَا لاَئِمِي لا تَلُمْني في هواه فَلَوْ ... عايَنْتَ منه الذي عاينْتَ لم تَلُمِ
للنَّاسِ حجٍّ ولي حجٍّ إلى سَكَنِي ... تُهْدَى الأضَاحِي، وأُهْدِي مُهْجِتِي ودَمِي
يطوفُ بالبيت قومٌ لا بجارحةٍ، ... بالله طافوا فأغنَاهم عن الحَرَمِ «٢» .
في هذا البيت آيات واضحات، وهى إشراق شموس المعارف والأنوار، فى فضاء سماء الأرواح والأسرار، وسطوع أنوار قمر التوحيد في أرض التجريد والتفريد، وظهور أنوار نجوم العلم والحِكم، في أفق سماء ارتفاع الهمم، فهذا كان مقام إبراهيم، إمام الموحدين، فمن دخله كان آمناً من الطرد والبعاد إلى يوم الدين، ومن كفر وجوده فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالمين.
قال في الحاشية في قوله: (ومن دخله كان آمنا) ، قيل: وهكذا من دخل في قلب وليٍّ من أوليائه، فإن قلب العارف حرم المراقبات والمشاهدات. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم رجع الحقّ تعالى إلى معاتبة أهل الكتاب، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٨ الى ٩٩]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)
قلت: (تبغونها) : جملة حالية من الواو، أي: لِمَ تصدون عن السبيل باغين لها عوجاً. والعوج- بالكسر- في الدين والقول والعمل-، وبالفتح- في الجدار والحائط وكل شخص قائم.
يقول الحق ﷻ : قُلْ يا محمد في عتابك لليهود: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ السمعية والعقلية الدالة على صدق نبيه ﷺ فيما يدعوكم إليه من الإسلام؟ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ مطلع على سرها وجهرها، فيجازيكم عليها، فلا ينفعكم التحريفُ ولا الإسرار.
стр. 381
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن طريق الله مَنْ آمَنَ بها، وتبع من جاء بها، تَبْغُونَها عِوَجاً أي:
طالبين لها اعوجاجاً، بأن تلبسوا على الناس، وتُوهموا أن فيها عوجاً عن الحق، بزعمكم أن التوراة لا تُنْسخ، وبتغيير صفة الرسول- ﵊، أو بأن تحرشوا بين المسلمين لتختلف كلمتهم، ويختل أمر دينهم، وأنتم شهداء على أنها حق، وأن الصد عنها ضلال، أو: وأنتم عُدول عند أهل ملتكم، يثقون بأقوالكم، ويستشهدونكم في القضايا، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فلا بد ان يجازيكم على أعمالكم، فإنه يُمهل ولا يُهمل.
كرَّر الخطاب والاستفهام مرتين مبالغة في التقريع ونفي العذر، وإشعاراً بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه، مستقل باستجلاب العذاب. ولمَّا كان المنكَر عليهم في الآية الأولى: كفرهم، وهم يجهرون به، ختم بقوله:
وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ، ولمَّا كان في هذه الآية: صدهم المؤمنين عن الإسلام، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه، قال: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. قاله البيضاوي.
الإشارة: كل من جحد وجود الخصوصية عند أهلها، وصد القاصدين للدخول فيها، استحق هذا العتاب بلا شك ولا ارتياب. والله تعالى أعلم.
ثم حذّر المؤمنين من الاستماع لهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، الخطاب عامٌ، والمراد: نفر من الأوس والخزرج، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، وهو شاسُ بن قيس اليهودي، كان شيخاً كبيراً، وكان عظيمَ الكفر شديد الضغن على المسلمين، مرَّ بنفر من الأوس والخزرج، جلوساً يتحدثون، وكان بينهما عداوة في الجاهلية، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، وقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة بهذه البلاد، فما لنا معهم قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس بينهم ويُذكِّرهم يوم بعاث- وهو يوم حرب كان بينهم في الجاهلية- ويُنشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظفرُ في ذلك اليوم للأوس، ففعل، وتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجه إليهم رسول ﷺ وأصحابه، فقال: «أبدعْوَى الجَاهِليةِ وأنا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، بعدَ إذ أكْرَمَكْم اللهُ بالإسْلام، وقَطَعَ به عَنْكُم أمْرَ الجَاهِلِية، وألْفَ بَينكُم؟» فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيدٌ من عدوهم، فَأَلَقَوا السِّلاحَ، واستغفروا، وعانق بعضهم بعضاً، وانصرفوا مع الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- فنزلت الآية.
стр. 382
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً من اليهود يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ يُبيح بعضكم دماء بعض، كما كنتم في الجاهلية. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ الدالة على تحريم الدماء والشحناء، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو إنكار وتعجُّبٌ من كفرهم، بعد اجتماع الأسباب الداعية إلى الإيمان، الصارفة عن الكفران، وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد ما أمر الرسولَ بأن يخاطب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم، وإشعاراً بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم، دون أهل الكتاب لبعدهم عن استحقاق مواجهة الخطاب من الكريم الوهاب. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ويتمسك بدينه فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه وأصل الاعتصام: التمنع.
ثم حَضَّ على التقوى الكاملة والدوام على الإسلام، تنفيراً من الاستماع لمن يخرج عنها، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، قال ﵊: «حق تقاته هو أن يُطاعَ فلا يُعْصَى طرفةَ عين، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر» . ولما نزلت قالوا: يا رسول الله من يقوى على هذا؟ وشق عليهم، فنزلت: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فنسختها. وقال مُقاتل: معناه: (اتقوا الله حق تقاته، فإن لم تستطيعوا فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . وعن أنس ابن مالك، قال: (لا يتقي الله عبدٌ حق تقاته حتى يُخْزِن من لسانه) ، وقيل:
ليست بمنسوخة لأنَّ مَنْ جَانَبَ ما نهى الله عنه، وفعل من الطاعة ما استطاع، فقد اتقى الله حق تقاته، فمعناها واحد. وسيأتي تحديد ذلك في الإشارة، إن شاء الله.
قال البيضاوي: وقيل: معنى (حق تقاته) : أن يُنزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها، وفي هذا الأمر تأكيدٌ للنهي عن طاعة أهل الكتاب، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي: لا تكونوا على حالةٍ سوى الإسلام، إلى أن يدرككم الموت. هـ. أماتنا الله على حسن الختام، مع السلامة والعافية على الدوام.
الإشارة: كما نهى الله عن طاعة من يرد عن الإيمان، نهى عن طاعة من يصد عن مقام الإحسان، كائناً ما كان، وكيف يرجع عن مقام التحقيق، وقد ظهرت معالم الطريق لمَن سبقت له العناية والتوفيق!. قال بعضهم:
والله ما رجع مَن رجع إلا من الطريق، وأما من وصل فلا يرجع أبدًا. إذ لا يمكن أن يرجع من عين اليقين إلى علمِ اليقين، أو من اليقين إلى الظن. ومن أراد الثبات على اليقين فليعتصم بحبل الله المتين، وهو صحبة العارفين، فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ثم خاطب أهل الإحسان فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ بأن تغيبوا عما سواه، ولا تموتن إلا وأنتم منقادون لأحكام الربوبية، قائمون بوظائف العبودية. فهذه الآية خطاب لأهل الإحسان، وفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ: خطاب لأهل الإسلام والإيمان. أو هذه لأهل التجريد، والثانية لأهل الأسباب، أو هذه لأهل الباطن،
стр. 383
والثانية لأهل الظاهر، فلكل آية أهل ومحل، فلا نسخ ولا تعارض. وقال الشيخ أبو العباس ﵁: من أراد الجمع بين الآيتين فليتق الله حق تقاته بباطنه، وليتق الله ما استطاع بظاهره. هـ. وبالله التوفيق.
ثم حضّ الحق ﷻ على الاجتماع، ونهى عن الفرقة التي رام العدو منهم، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٣]
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)
قلت: أصل الحبل في اللغة: السبب المُوصِّل إلى البغية، سمى به الإيمان أو القرآن لأنه يُوصل إلى السعادة السرمدية، و (شفا حفرة) أي: طرفها، وأصله: (شفو) ، فقلبت ألفاً في المذكر، وحذفت في المؤنث، فقالوا: شفة.
يقول الحق ﷻ : وَاعْتَصِمُوا أي: تمسكوا يا معشر المسلمين بِحَبْلِ اللَّهِ أي: الإيمان، أو كتاب الله، لقوله ﵊: «إنَّ هذا القرآن هو حَبْلُ الله المّتِين، وهو النورُ المُبِينُ، والشِّفَاءُ النافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ به ... » . الحديث. حال كونكم جَمِيعاً أي: مجتمعين عليه، وَلا تَفَرَّقُوا تفرقكم الجاهلي، أو لا تفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب. قال ﵊: «إنَّ بَني إسْرائيلَ افتَرقَتْ على إحدى وسبعين فرقة، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ على ثِنتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلّها في النار إلا واحدة، فقيل: يا رسول الله، ما هذه الواحدة؟ فقبض يده وقال: الجَمَاعَةُ، ثمَّ قرأ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا.
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، التي من جملتها الهداية للإسلام المؤدِّي إلى التآلف وزوال الغِلِّ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً في الجاهلية، يقتل بعضُكم بعضاً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بالإسلام، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً متحابين مجتمعين على الأخوة فى الله. قال ﵊: «لا تَحَاسَدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وكُونُوا عبادَ الله إخوانا، المسلم أخو المسلمُ لا يَظْلِمُه ولا يَخْذُلُه» . الحديث. رُوي أن الأوس والخزرج كانوا أخَوَيْن لأبوين، فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحرب بينهما مائة وعشرين سنة، حتى أطفأها الله بالإسلام، وألف بينهم برسوله ﵊ فنزلت فيهم هذه الآية.
стр. 384
ثم قال لهم: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي: مُشرفين على نار جهنم، إذ لو أدرككم الموت لوقعتم في النار، فَأَنْقَذَكُمْ الله مِنْها برسوله- ﵊. رُوِيَ أن أعرابيّاً سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية، فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها، فقال ابن عباس ﵁ خذوها من غير فقيه. هـ. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي: مثل هذا التبيين يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى الخير، وتزيدون ثباتاً فيه.
الإشارة: المذاهب كلها وقع فيها الاختلاف والتفرق في الأصول والفروع، إلا مذاهب الصوفية فكلها متفقة بداية ونهاية، إذ بدايتهم مجاهدة، ونهايتهم مشاهدة، وإلى ذلك أشار في المباحث، حيث قال:
مذاهبُ الناسِ على اخْتلاف ... ومَذْهَبُ القَوْمِ على ائْتِلاَف
وإن وقع الاختلاف في بعض الطرق الموصلة إلى المقصود، فقد اتفقت في النهاية، بخلاف أهل الظاهر، لا تجدهم يتفقون إلا في مسائل قليلة، لأن مذهبهم مبني على غلبة الظن، ومذهب القوم مبني على التحقيق ذوقاً وكشفاً، وكذلك ائتلفت أيضاً قلوبهم وأرواحهم، إذ كلهم متخلقون بالشفقة والرأفة والمودة والألفة والصفا لأنهم دخلوا الجنة- أعني جنة المعارف- فتخلقوا بأخلاق أهل الجنة، قال تعالى: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، فيقال لهم بعد الفتح: واذكروا نعمةَ الله عليكم، إذ كنتم أعداء قبل اتصالكم بالطبيب، فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته أخواناً متحابين، وكنتم على شفا حفرة من نار القطيعة والحجاب فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها. مثل هذا البيان يوضح الله آياته، أي: تجلياته، لعلكم تهتدون إلى مشاهدة ذاته في أنوار صفاته. والله تعالى أعلم.
ثم أمرهم الحق تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجه اتصاله بما قبله: أنهم سكتوا حين حرّش بينهم اليهود حتى هموا بالقتال، ولم يأمرهم أحد بالإمساك عنه، فحذّرهم الله من نزغته، وحضّهم على الاجتماع، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن النكر إذا رأوا شيئا من ذلك، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٠٤]
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)
قلت: (مِنْ) : للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فُروض الكفاية إذ لا يصلح له كُلُّ أحد، أو للبيان، أي: كونوا أمة تأمرون بالمعروف، كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ الخ، و (يأمرون بالمعروف وينْهون عن المنكر) عطف على الخبر، من عطف الخاص على العام للإيذان بفضله.
стр. 385
يقول الحق ﷻ : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ يا أمة محمد ﷺ أُمَّةٌ أي: طائفةً يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وهو كل ما فيه صلاحٌ ديني، أو دنيوى إذا كان يؤول إلى الديني، أو صلاح قلبي أو روحاني، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وهو ما يستحسنه الطبع ويرتضيه الشرع، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو كل ما ينكره الطبعُ السليم والشرع المستقيم، فمن فعل ذلك فأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ المخصوصون بكمال الفلاح.
روى عنه ﵊: أنه سئل مَنْ خير الناس؟ فقال: «آمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم» . وقال أيضاً: «مَنْ أمَرَ بالمَعْروفِ ونَهَى عَنِ المُنْكَرِ كان خَلِيفَةَ اللهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةَ رَسُولِه وخَلِيفَةَ كِتَابِه. وقال على ﵁: (أفضل الجهاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنئان الفاسقين- أي بغضهم- فمن أمر بالمعروف شدَّ ظهرَ المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرْغَمَ أنف المنافق، ومن شَنَأَ الفاسقين وغَضب لله غَضبَ الله له) . وقال أبو الدرداء: (لتأمُرُن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليُسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً، لا يُجِلُّ كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ويدعو عليه خيارُكم فلا يستجاب لهم، ويَسْتنصِرون فلا يُنصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم) . وقال حذيفة: (يأتي على الناس زمان لأن تكون فيه جيفة حمار، أحب إليهم من مؤمنٍ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) .
وللمتصدِّي له شروط: العلم بالأحكام، ومراتب الاحْتِسَاب وكيفية إقامتها، والتمكن من القيام بها. ولذلك خاطب الحق تعالى الجميع، وطلب فعل بعضهم، إذ لا يصلح للقيام به إلا البعض، كما هو شأن فرض الكفاية، إذ هو واجب على الكل، بحيث لو تركوه لعوقبوا جميعاً، لكنه يسقط بفعل البعض.
والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً، على حسب ما يأمر به، والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام. وأما المكروه فليس بمنكر، فيستحب الإرشاد إلى تركه. والأظهر أن العاصي يجب أن ينهى عما يرتكبه هو لأنه يجب عليه تركه، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر. وقد قال ﵊:
«مُرُوا بالمَعْرُوفِ وإنْ لَمْ تَعمَلُوا بِكُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وإنْ لم تَنْتَهُوا عنه كُلهُ» .
الإشارة: (ولتكن منكم أمة) أي: طائفة ينهض حالهم ويدلُّ على الله مقالهم، يدعون إلى الخير العظيم، وهو شهود ذات السميع العليم، ويأمرون بالمعروف بالهمة العلية، وينهون عن المنكر بالحال القوية، فكلُّ من رآهم بالصفا ائتمر وانتهى، وكل من صحبهم بالوفاء أخذ حظه من الغنى بالمكيال الأوفى، إن لله رجالاً من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، فهؤلاء يأمرون بالمعروف وينْهون عن المنكر بالحال دون المقال.
يُحكى أن بعض الشيوخ مرَّ مع أصحابه بقوم يشربون الخمر تحت شجرة، فأراد أصحابه أن يُغيروا عليهم، فقال لهم: إن كنتم رجالاً فَغِيرُوا عليهم بحالكم دون مقالكم، فتوجهوا إلى الله بهممهم، فإذا القوم قد كسروا الأواني، وجاءوا إلى
стр. 386
الشيخ تائبين. وكذلك قضية معروف الكرخي مع أصحاب السفينة، الذين كانوا مشتغلين باللهو واللعب، فقال له أصحابه: ادع عليهم، فقال: اللهم كما فرَّحتَهم في الدنيا ففرِّحْهُم في الآخرة، فتابوا على يده جميعاً. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
ثم أعاد النهى عن الفرقة، تأكيدا لذمها، فقال:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٩]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
قلت: (يوم) : متعلق بالاستقرار في خبر (أولئك) ، أو بالذكر محذوفة، وقوله: (أكفرتم) : محكي بقول محذوف جواب (أما) ، أي: فيقال لهم: أكفرتم.
يقول الحق ﷻ : وَلا تَكُونُوا كاليهود والنصارى الذين (تفرقوا) في التوحيد والتنزيه، وَاخْتَلَفُوا في أحوال الآخرة. قال ﵊: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: ومَنْ تلك الواحدة؟ قال: ما أَنَا وأَصْحابِي عَلَيْه» . وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروْوُن الحديث بالمعنى، فلعلَّ الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم.
ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله ﵊: «اخْتلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ، ولقوله: «من اجْتَهَدَ وأصَابَ فله أجْرَانِ، ومن اجْتَهدَ وأخطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَاحد» .
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي: الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يستقر لهم هذا العذاب يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ المؤمنين المتقين على التوحيد، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الكافرين المتفرقين فيه، أو تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين، أو تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وبياض الوجوه وسوادها كِنَايتَان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف
стр. 387
فيه، وقيل: يُوسَم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيقال لهم يومئذ: أَكَفَرْتُمْ بمحمد- ﵊ بعد ظهوره، بَعْدَ إِيمانِكُمْ به قبل ظهوره، وهم اليهود أو أهل الردة، آمنوا فى حياته ﷺ وكفروا بعد موته.
أو جميع الكفار، آمنوا في عالم الذر وأقروا على أنفسهم، ثم كفروا في عالم الشهادة. ويقال لهم أيضا: فَذُوقُوا الْعَذابَ بسبب ما كنتم (تكفرون) .
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي: جَنته، هُمْ فِيها خالِدُونَ. وعبَّر بالرحمة عن الجنة تنبيهاً على أن المؤمن، وإنْ استغرق عمره في طاعة الله- تعالى-، لا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم حِلية المؤمنين لتقدُّم ذكرهم، لكن قصد أن يكون مطلعُ الكلام ومقطعُه حليةَ المؤمنين وثوابهم.
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ الواردة في وَعْده وَوَعِيدِه، نَتْلُوها عَلَيْكَ متلبسة بِالْحَقِّ لا شبهة فيها، فقد أعذر وأنذر، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ إذ لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يُمنع من شيء فيظلم بفعله، كما بيَّنه بقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مُلكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه وأوْعَدَه، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كلها فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.
الإشارة: قد نهى الله- تعالى- أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، مِن بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال: أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي: جنة المعارف فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. وبالله التوفيق.
ثم مدح الأمة المحمدية بامتثال ما أمرها به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال:
стр. 388
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٠ الى ١١٢]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
قلت: (كان) : على بابها من الدلالة على المُضِيِّ، أي: كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو: صلة، أي: أنتم خير أمة، و (للناس) : يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي: كنتم خير الناس للناس.
يقول الحق ﷻ لأمة نبينا محمد ﷺ : كُنْتُمْ في سابق علمي خَيْرَ أُمَّةٍ ظهرت لِلنَّاسِ تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بيَّن وجه فضلهم فقال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبجميع ما يجب الإيمان به.
وقد ورد في مدح هذه الأمة المحمدية أحاديث، منها: قوله ﷺ : «حُرِّمتْ الجنةُ على الأنبياء حتى أدخلها أنا، وحُرّمتْ الجنة على الأُمَمِ حتى تدخلها أمتي» . ومنها قوله ﷺ : «أمتي أمةٌ مَرْحُومَةٌ، إذَا كَانَ يَوْمُ القِيامةِ أَعطى الله كُلَّ رَجُلٍ مِن هذه الأمة رجُلاً فيقال: هذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» .
وعن أنس قال: «خرجت مع النبي ﷺ ، فإذا صوت يجيىء من شِعْبِ، فقال: يا أنس: قُمْ فانظرْ ما هذا الصوت، فانطلقت فإذا برجلٍ يُصلّي إلى شجرة، ويقول: اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ ، الأمة المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال: انطلق، فقل له: إن رسول الله ﷺ يقرئك السلام، ويقول لك: من أنت؟ فأتيته، فأعلمته ما قال النبي ﷺ ، فقال: اقرأ مني السلام على رسول الله ﷺ ، وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها» «١» . وقيل لعيسى بن مريم: هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد. قيل: وما أمة أحمد؟ قال: علماء، حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون باليسير من الرزق، ويرضى الله عنهم باليسير من العمل، يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله. هـ.
وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله ﷺ : «أمتي كالمطر، لا يدرى أولهُ خيرٌ أو آخرُه» ؟ وفي خبر آخر عنه ﷺ قال: «اشتقْتُ إلى إخواني، فقال أصحابه: نحن إخوانُك يا رسول الله، فقال: أنتم أصْحَابي، إخْواني: ناس يأتُون بعدي، يُؤمنون بي ولم يَرَوْنِي، يَوَدُّ أحدُهم لو يَرَاني بجميع ما يَمْلِكُ. يَعْدِلُ عملُ أحدهم سبعين منكم. قالوا:
مِنْهم يا رسول الله؟ قال: منكم. قالوا: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأنكم وَجَدْتُم على الخير أعواناً، وهم لم يَجِدُوا عليه أعواناً» . أو كما قال- ﵊.
قلت: التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء- ﵈ ويدل على هذا قوله- ﵊: «يعدل عمل أحدهم» ، ولم يقل إيمان أحدهم «٢» .
والله تعالى أعلم.
стр. 389
الإشارة: كنتم يا معشر الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهونَ عن كلِّ ما يُبعد عن الله ويفرق العبدَ عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته: (قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه) .
وقال الجنيد ﵁: لو نعلم أن تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبواً. هـ. وكان كثيراً ما ينشد:
عِلْمُ التصوفِ عِلمٌ ليس يَعْرِفُهُ ... إلاَّ أَخْو فِطْنَةِ بِالحقِّ معروفُ
وليسَ يُبْصِرهُ مَنْ ليس يَشْهدهُ ... وكيفَ يَشْهَدُ ضوءَ الشمس مكفوفُ
وقال الشيخ الصقلي: (كلُّ من صدَّقَ بهذا العلم فهو من الخاصة، وكل من فهمه فهو من خاصة الخاصة، وكل من عبّر به وتكلم فيه فهو من النجم الذي لا يُدرك والبحر الذي لا ينزف) . وقال في الإحياء- لمَّا تكلم على معرفة الله والعلم بالله، قال: (والرتبةُ العليا في ذلك للأنبياء، ثم للأولياء العارفين، ثم للعلماء الراسخين، ثم للصالحين) . فقد قدَّم الأولياء على العلماء. قال ابن رشد: وما قاله القشيري والغزالي متفق عليه. قال: ولا يشكُّ عاقلٌ أنَّ العارفين بالله وما يجب له من الكمال، أفضل من العارفين بأحكام الله. انظر تمامه في المعيار. وقال في المباحث:
حجّة من يرجّح الصُوفية ... على سواهم حُجَّةٌ قويَّة
هُمْ أَتْبَعُ النَّاسِ لخيرِ النَّاس ... مِنْ سَائِرِ الأَنَامِ والأُنَاس
ثم قال:
ثُمَّ بِشَيْئَيْنِ تقومُ الحُجَّه ... أنَّهمْ قَطْعاً على المَحَجَّه «١»
وَمَأ أَتَوْا فيه بخَرْقِ الْعَادَه ... إذْ لمْ تَكُنْ لِمَنْ سِوَاهُم عَادَه
قَدْ رَفَضُوا الآثَامَ والعُيوب ... وطَهَّرُوا الأبدَانَ والقُلُوب
وَبَلَغُوا حقيقَةَ الإيمَان ... وانْتَهَجُوا منَاهِجَ الإحْسَان
стр. 390
ثم دعا أهل الكتاب إلى الإيمان، وهوَّن أمرهم، فقال:
وَلَوْ آمَنَ ...
قلت: الاستثناء في قوله (إلا بحبل) : من أعم الأحوال، أي: ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال، إلا متلبسين بذمة من الله وذمة من الناس.
يقول الحق ﷻ : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ إيمانا كائنا كإيمانكم، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما هم عليه. وليس أهل الكتاب سواء، بل مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد الله بن سلام وأصحابه، وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر والفسوق، فلا يهولكم أمرهم، فإنهم لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا ضرراً يسيراً كأذى باللسان من عيب وسب وتحريش بينكم، ولا قدرة لهم على القتال، وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ ينهزموا، ويُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أبداً عليكم.
وهذه الآية من المُغيبات التي وافقها الواقع، إذ كان كذلك في بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر، فلم تُرْفع لهم راية أبداً، بل ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والخزي والهوان، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، أو لزمتهم لزوم الدرهم المضروب لضربه، فلا تنفك عنهم أَيْنَ ما ثُقِفُوا ووُجدوا، فلا يأمنون إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي: بسبب عهد من الله، وهو عقد الذمة التي أمر الله بها، إذا أدوا الجزية للمسلمين، فلهم حرمة بسبب هذا العقد، فلا يجوز التعرض لهم في مال ولا دم ولا أهل، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ، وهو عقد الذمة التي يعقدها مع الكفار إذا كانوا تحت ذمتهم. والحاصل أن الذلة لازمة لهم «١» فلا يأمنون إلا تحت الذمة، إما من المسلمين وإما من الكفار. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي: انقلبوا به مستحقين له، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي: أحاطت بهم، فاليهود في الغالب فقراء مساكين، لأن قلوبهم خاوية من اليقين، فالفقر والجزع لازم لهم، ولو ملكوا الدنيا بأجمعها.