جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعًا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدّم المفعول. هـ.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأنَّ هداية الله يخص بها بعضًا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيهًا على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمّن هداه الله بالمهتدي: تعظيمٌ لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصلُ له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي.
الإشارة: في الحديث: «أشَدُّ الناس عذاباً يومَ القيامةِ عَالِمٌ لَم يَنفَعهُ عِلمُه» «١» . والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحبه استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجًا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مُكِرَ به في الأزل، فكان مكره مستدامًا إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارئ. هـ.
وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشُبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. هـ. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منّة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيًا الإجابة، قائلاً: اللهم سَلِّم سَلِّم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. هـ. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق.
стр. 877
ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٧٩]
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
يقول الحق ﷻ : وَلَقَدْ ذَرَأْنا خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ كتبنا عليهم الشقاء في سابق الأزل، فهم من قبضة أهل النار، كما قال: «هؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي» «١» .
ثم ذكر علامتهم فقال: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها المواعظ والتذكير للأكنة التي جعلت عليها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها دلائل وحدانيتنا وكمال قدرتنا، فلا ينظرون بها نظر اعتبار، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآيات والمواعظ، سماع تأمل وتدبر، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم التفقه والاستبصار، أو في أن هممهم ومشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش، مقصورة عليها، فهممهم في بطونهم وفروجهم، بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، وأيضًا: الأنعام رُفع عنها التكليف فلا تعذب، بخلاف الكافر، وأيضًا: البهائم تقبل الرياضة والتأديب لِمَا يراد بها، والكافر عاص على الدوام، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة المنهمكون فيها.
الإشارة: النار على قسمين: حسية ومعنوية، كما أن الجنة كذلك، فالنار الحسية لتعذيب الأشباح، والنار المعنوية لتعذيب الأرواح، والجنة الحسية لنعيم الأشباح، والمعنوية لنعيم الأرواح. النار الحسية معلومة. والنار المعنوية هي نار القطيعة وغم الحجاب، وأهلها هم أهل الغفلة، وهم كثير من الجن والإنس، ليس لهم قلوب تجول في معاني التوحيد، وليس لهم أعين تنظر بعين الاعتبار، وليس لهم آذان تسمع المواعظ والتذكار، إن هم إلا كالأنعام، غير أن الله تعالى تفضل عليهم برسم الإسلام. والجنة الحسية هي جنة الزخارف، والجنة المعنوية هي جنة المعارف، وأعدها الله لقلوب تجول في الأنوار والأسرار، ولأعين تنظر بعين الأعتبار والاستبصار، حتى تشاهد أنوار الواحد القهار، ولآذان تسمع المواعظ والتذكار، وتعي ما تسمع من الحكم والأسرار، وبالله التوفيق.
стр. 878
ثم عرّف بذاته بتعريف أسمائه، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٠]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
يقول الحق ﷻ : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تسعة وتسعين، فَادْعُوهُ بِها أي: سموه بها. قال ابن جزي: أي: سموه بأسمائه، وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله سبحانه، فأما ما ورد منها في القرآن والحديث فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا، وأما ما لم يرد، وفيه مدح ولا تتعلق به شُبهة، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله، ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله تعالى موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث. وقد ورد في حديث الترمذي عدتها «١» ، أعني: تعيين التسعة والتسعين.
واختلف أهل الحديث: هل هي مرفوعة أو موقوفة على أبي هريرة؟ والذي في الصحيح: «إنَّ للهِ تِسعَةً وتِسعِينَ اسْمًا، مائَةً إلاَ وَاحِدًا، مَن أحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» «٢» . وهل الإحصاء بالحفظ أو بالعلم أو بالتخلق أو بالتعلق أو بالتحقق؟ أقوال. قلت: كونها موقوفة بعيد جدًا إذ ليس هذا مما يقال بالرأي.
وسبب نزول الآية: أن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرة، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أن الإله واحد، وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية مُبيِّنة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد، و (الحسنى) :
مصدر وُصف به، أو تأنيث أحسن، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد، وقيل: الدعاء بها:
التوسل بكل واحد منها.
قال تعالى: وَذَرُوا أي: اتركوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ أي: يميلون فِي أَسْمائِهِ عن الكمال إما بتعطيلها، أو إنكار شيء منها، وإما بزيادة فيها، مما يوهم نقصًا أو فسادًا.
قال القشيري: الإلحاد: هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين: بالزيادة والنقصان فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا. هـ. قال البيضاوي: أي: اتركوا تسمية الزائغين فيها، الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، إذ ربما يوهم معنىً فاسدًا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، أو لا تبالُوا بإنكارهم ما سمى به نفسه، كقولهم: ما نعرف إلا رحمان اليمامة، أو: وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام، واشتقاقها منه كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم عليه، أو أعرضوا عنهم ولا تحاوروهم. هـ.
стр. 879
قال ابن جزي: قيل: معنى (ذروا) : اتركوهم فلا تجادلوهم ولا تتعرضوا لهم، فالآية، على هذا، منسوخة بالقتال، وقيل: معنى (ذروا) للوعيد والتهديد، كقوله: ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ «١» ، وهو الأظهر. هـ. قلت: وهو أليق بقوله بعده: سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الإلحاد وغيره.
الإشارة: قال القشيري بعد كلام: ويقال إن الله سبحانه وقف الخلق بأسمائه، فهم يذكرونها قالةً، وتعزَّزَ بذاته، والعقول- وإن صَفَت- لا تهجم على حقائق الإشراف إذ الإدراك لا يجوز على الحق، فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عن التعرض للإدراك، وطلبه في أحوال الرؤية. والحق سبحانه عزيز باستحقاق نعوت التعالي مُتَفَرِّد. هـ.
قلت: وأسماء الله الحسنى كلها تتجلى في مظاهر الإنسان، وتتوارد عليه انفرادًا واجتماعًا، وقد تجتمع في واحد، إذا كان عارفًا، كلها، بحيث يتخلق بها، غير أن تجلياتها تختلف عليه، تارة ملكًا قدوسًا، وتارة رحمانيًا رحيمًا، وهكذا. وقد تقدم بيان كيفية التعلُّق والتخلُّق والتحقُّق بها، في شرحنا: الفاتحة الكبير، والله تعالى أعلم.
ولما ذكر فيما تقدم خواص قوم سيدنا موسى، ذكر هنا خواص هذه الأمة المحمدية، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨١]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
يقول الحق ﷻ : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي: ومن جملة ما خلقنا: أُمَّةٌ: طائفة يَهْدُونَ الناس بِالْحَقِّ ويحملونهم عليه، وَبِهِ يَعْدِلُونَ في حكوماتهم وقضاياهم. رُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: «هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم موسى» «٢» .
قال البيضاوي: ذكر ذلك بعد ما بيَّن أنه خلق للنار طائفة ضالين، ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضًا للجنة أمة هادين بالحق، عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله ﷺ : «لاَ تَزالُ مِنْ أمَّتِي طَائِفةٌ عَلى الحَقِّ، إِلى أن يأتيَ أَمرُ اللهِ» «٣» إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة، فإنه معلوم. هـ.
الإشارة: هذه الأمة التي خلقها الله لهداية خلقه، وهى الطائفة التي لا تزال على الحق، وهي مؤلفة من العلماء الأنقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم، ومن الأولياء العارفين، فالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها، والأولياء العارفون يهدون إلى التحقق بالحقائق وأذواقها، فالعلماء داعون إلى أحكام الله، والعارفون داعون إلى
стр. 880
معرفة ذات الله، العلماء لإصلاح الظواهر، والأولياء لإصلاح البواطن، ولا يقوم هذا إلا بهذا، فالظاهر من غير باطن فسق، والباطن من غير ظاهر إلحاد، وسيأتي عند قوله: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ... «١» الآية، تمثيل منزلتهم عند الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر ضدهم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٢ الى ١٨٣]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
قلت: أصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومعناه: نسوقهم إلى الهلاك شيئًا فشيئًا.
يقول الحق ﷻ : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وألحدوا في أسمائنا، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أي: ندرجهم إلى الهلاك شيئًا فشيئًا، مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما نريد بهم، وذلك أَن تتواتر النعم عليهم، فيظنوا أنها لطفٌ من الله بهم، فيزدادوا بطرًا وانهماكًا في الغي، حتى تحق عليهم كلمة العذاب. وَأُمْلِي لَهُمْ أي: وأمهلهم، أي:
وأمدهم بالأموال والبنين والعُدة والعَدد، حتى نأخذهم بغتة، إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: أخذي شديد، وإنما سماه كيدًا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان.
الإشارة: قال الشيخ زروق رضى الله عنه: الاستدراج: هو كُمون المحنة في عين المنة، وهو من درج الصبي إذا أخذ في المشي شيئًا بعد شيء، ومنه: الدرج الذي يرتقي عليه إلى العلو، كذلك المستدرج هو الذي تُؤخذ منه النعمة شيئًا بعد شيء وهو لا يشعر. قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. هـ. فالاستدراج ليس خاصًا بالكفار، بل يكون في المؤمنين خواصهم وعوامهم.
قال في الحكم: «خف من وجود إحسانه إليك، ودوام إساءتك معه، أن يكون ذلك استدراجًا لك سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» . وقال سهل بن عبد الله رضى الله عنه: نمدهم بالنعم، وننسيهم الشكر عليها، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم: أُخذوا.
وقال ابن عطاء رضى الله عنه: كلما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عبّاد رضى الله عنه: الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين. يقال: من أمارات الاستدراج: ركوب السيئة والاغترار بزمن المُهلة، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة، وهذا من المكر الخفي. قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ أي: لا يشعرون بذلك،
стр. 881
وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء، وليسوا كذلك، يستدرجهم في ذلك شيئًا فشيئًا، حتى يأخذهم بغتة، كما قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم، بعد ما رأوا من الشدة، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: فتحنا عليهم أسباب العوافي وأبواب الرفاهية، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الحظوظ الدنيوية، ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي: فجأة، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ «١» آيسون قانطون من الرحمة. هـ.
ثم ندبهم إلى التفكر، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٤ الى ١٨٦]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
قلت: (وما خلق) : عطف على (ملكوت) ، و (أن عسى) : مخففة، و (أن يكون) : مصدرية، أو عطف على (ملكوت) أيضًا.
يقول الحق ﷻ : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أمر محمد ﷺ حتى يتحققوا أنه مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: نبينا محمدا ﷺ . روى أنه ﷺ لما أُمر بالإنذار صعد الصَّفا، فدعاهم، فَخْذًا فخذًا، يُحذّرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون، بات يُصوِّت إلى الصباح، فنزلت «٢» .
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: بين الإنذار واضح أمره، لا يخفى على ناظر. أَوَلَمْ يَنْظُرُوا «٣» نظر استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: في عظمتهما وما اشتملتا عليه من العجائب، وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي: وينظروا فيما خلق الله من شيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه.
وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ أي: أوَ لم ينظروا أيضًا في اقتراب أجلهم وتوقع حلول الموت بهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم من عذابه، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي: بعد القرآن، يُؤْمِنُونَ إن لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان؟ كأنه إخبار عنهم بالطبع
стр. 882
على القلوب والتصميم على الكفر، بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، وقيل: هو متعلق بقوله: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يُبادرون بالإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه؟ وإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به؟! .. قاله البيضاوي.
ثم بيَّن أن أمرهم بيده، فقال: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ أصلاً، ولا يقدر أحد عليه، وَنَذَرُهُمْ «١» فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: يتحيرون. ومن قرأ بالياء فمناسب لقوله: (من يضلل) ، ومن جزمه فعطف على محل: (فلا هادي له) لأنه جواب الشرط.
الإشارة: قد أرشد الحق- تعالى- عباده إلى التفكر والاعتبار، وقد تقدّم الكلام عليه في «آل عمران» ، وقد علَّم هنا أهل الاستدلال كيفيته وهو أن ينظر الإنسان في آمر الرسول ﷺ ، وما ظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وأعظمها القرآن العظيم، ثم ما أتى به من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وما نطق به من الحكم العجيبة، وما أخبر به من قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة، مع كونه أُميًّا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجالس أحدًا ممن له خبرة بذلك، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا يخالطه وهمٌ، ولا يخطر بساحته خاطر سوء، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السموات والأرض، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات، وعجائب المخلوقات، فيتحقق بوجود الصانع القادر على كل شيء، هذا إن لم يجد شيخاً يُخرجه من سجن الدليل، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان، والخروج إلى فضاء الشهود والعيان.
ثم ذكر أمر الساعة، التي خوّفهم بها بقوله: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٧]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧)
قلت: إنما سميت القيامة ساعة: لسرعة حسابها، أو وقوعها، لقوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ.
стр. 883
يقول الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ أي: قريش، عَنِ السَّاعَةِ أي: قيام الناس من قبورهم للحساب، أَيَّانَ مُرْساها أي: متى إرساؤها، أي: ثبوتها ووقوعها؟ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي استأثر بعلمها، لم يُطلع عليها ملكاً مقربًا، ولا نبيًا مرسلاً، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها أي: لا يُظهرها عند وقت وقوعها، إِلَّا هُوَ، والمعنى إن إخفاءها يستمر إلى وقت وقوعها، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنه إشارة إلى الحكمة في إخفائها. أو ثقلت على السموات والأرض أنفسهما لتبدلهما وتغير حالهما، لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً: فجأة على غفلة، كما قال ﷺ : «إنَّ الساعَة تَهِيجُ بالنَّاسِ، والرَّجُلُ يُصلِحُ حَوضَهُ، والرَّجُلُ يسقى ما شيته، والرَّجلُ يُقَوَّم سِلعَته في سُوقِه، والرَّجُل يَخفِضُ مِيزَانَهُ ويرفعه» . «١» . والمراد:
النفخ في الصور للصعق، لأن الساعة مُرَتَّبة عليه وقريبة منه.
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها أي: عالم بها، من حفى على الشيء: إذا سأل عنه، فإنَّ من بالغ في السؤال عن الشيء، والبحث عنه، استحكم علمه فيه، أي: يسألونك عن وقت قيامها، كأنك بليغ في السؤال عنها فعلمتها، وليس كما يزعمون، وأما قوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها «٢» : فقيل: معناه: التعجب عن كثرة اهتمامه بالسؤال، أي: في أي شغل أنت من ذكراها والسؤال عنها؟ ولا يُعارض ما هنا لأنه استغنى عن ذلك بتلك الآية، وبعدها نزلت هذه، والله أعلم.
وقيل: «عنها» : يتعلق ب (يسألونك) ، أي: يسألونك عنها كأنك حفي بهم، أي: شفيق بهم، قيل: إن قريشًا قالوا:
إنَّ بيننا وبينك قرابة، فقل لنا: متى الساعة؟ فقال له الحق تعالى: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لا يعلمها غيره، وكرره لتكرر «يسألونك» . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن عِلْمُها عند الله لم يؤته أحدًا من خلقه.
الإشارة: إذا أشرق نورُ اليقين في القلب صارت الأمور المستقبلة حاصلة، والغائبة حاضرة، والآجلة عاجلة، فأهل اليقين الكبير قدّموا ما كان آتيًا، فحاسبوا أنفسهم قبل ان يُحاسبوا، ووزنوا أعمالهم قبل أن تُوزن عليهم، وجازوا الصراط بسلوكهم المنهاج المستقيم، ودخلوا جنة المعارف قبل حصول جنة الزخارف، فالموت في حقهم إنما هو انتقال من حالٍ إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن دار الغرور إلى دار الهناء والسرور. وفي الحِكم: «لو أشرق لك نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفناء عليها» .
стр. 884
قال الشيخ ابن عباد رضى الله عنه: نور اليقين تتراءى به حقائق الأمور على ما هي عليه، فيحق به الحق، ويبطل به الباطل، والآخرة حق، والدنيا باطل، فإذا أشرق نور اليقين في قلب العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه، حتى كأنها لم تزل، فكانت أقرب إليه من أن يرتحل إليها، فحق بذلك حقها عنده، وأبصر الدنيا الحاضرة لديه، قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب، فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة، فظهر له بطلانها، حتى كأنها لم تكن، فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة فى الدنيا والتجافي عن زهرتها، والإقبال على الآخرة، والتهيؤ لنزول حضرتها، ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور. كما قال النبي- ﷺ : «إنَّ النورَ إذا دَخَلَ القلبَ انشرحَ له الصَّدرُ وانفسح، قيل يا رسول الله: هَل لذلكَ مِن عَلامَةٍ يعرف بها؟ قال: نعم. التَّجَافي عَن دَارِ الغُرُورِ، والإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، والاستِعدَادُ للمَوتِ قَبل نُزُولهِ» «١» . أو كما قال- ﷺ .
وعند ذلك تموت شهواته وتذهب دواعي نفسه، فلا تأمره بسوء، ولا تطالبه بارتكاب منهي، ولا تكون له همة إلا المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة لاغتنام الساعات والأوقات، وذلك لاستشعاره حلول الأجل، وفوات صالح العمل، وإلى هذا الإشارة بحديثي حارثة ومعاذ- رضى الله عنهما-. رَوى أنس بن مالك رضى الله عنه قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي إذ استقبله شابٌ من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : «كَيْفَ أصبحَتَ يا حارثةٌ؟ قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا، قال: انظر ما تقول، فإن لكلِّ قَولٍ حقيقة؟ فقال: يا رسولَ الله عَزَفت نَفسِي عن الدنيا فأسهَرْتُ لَيلي وأظمَأتُ نهاري، وكأني بعَرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهلِ الجنّةِ يَتَزَاوَرُون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال: أبصَرتَ فالزَم، عَبدٌ نوّر اللهُ الإيمانَ في قلبه..» إلى آخر الحديث «٢» .
وروى أنس رضى الله عنه أيضًا: أن معاذَ بن جبل دخل على النبي ﷺ وهو يبكي، فقال له: كيف أصبحتَ يا معاذ؟
فقال: أصبحتُ بالله مؤمنًا، قال النبي ﷺ : «إنَّ لكل قول مصداقًا، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول؟» فقال:
يا نبيَّ اللهِ، ما أصبحتُ صباحًا قط إلا ظننتُ أني لا أُمسي، ولا أمسَيتُ قط إلا ظننت إني لا أُصبِح، ولا خَطَوتُ خطوةً قط إلا ظننت أني لا أُتبِعُها أُخرَى، وكأني أنظرُ إلى كل أمةٍ جاثية تُدعى إلى كتابها، معها نبيُها وأوثَانُها التي كانت تعبدُ من دون اللهِ، وكأني أنظرُ إلى عُقُوبَةِ أهلِ النَّارِ وثوابِ أهلِ الجنة. قال رسول الله ﷺ : «عَرَفَت فالزَم» . انظر بقية كلامه رضى الله عنه.
стр. 885
ثم أمر نبيه ﷺ بالاعتراف بالتقصير عن علم الغيب، الذي اختص الله به كعلم الساعة وغيرها، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٨٨]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
قلت: «وما مسني السوء» : عطف على «استكثرتُ» ، أي: لو علمتُ الغيب لاستكثرتُ الخير واحترست من السوء، أو استئناف، فيوقف على ما قبله، ويراد حينئذٍ بالسوء: الجنون، والأول أحسن لاتصاله بما قبله، و (لقوم) : يجوز أن يتعلق ببشير ونذير، أي: أُبشر المؤمنين وأُنذرهم، وخصهم بالبشارة والنذارة لانتفاعهم بهما، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، فيُوقف على (نذير) ، ويكون المتعلق بنذير محذوف، أي: نذير للكافرين، والأول أحسن. قاله ابن جزي.
يقول الحق ﷻ : قُلْ لهم يا محمد: أنا لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي: لا أجلب لها نفعًا ولا أدفع عنها ضررًا، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من ذلك، فيعلمَني به، ويوقفني عليه، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أي: لو كنت أعلم ما يستقبلني من الأمور المغيبة كشدائد الزمان وأهواله، لاستعددت له قبل نزوله باستكثار الخير والاحتراس من الشر، حتى لا يمسني سوء، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي: ما أنا إلا عبد مرسل بالإنذار والبشارة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإنهم المنتفعون بهما، أو نذير لمن خالفني بالعذاب الأليم، وبشير لمن تبعني بالنعيم المقيم.
الإشارة: العبودية محل الجهل وسائر النقائص، والربوبية محل العلم وسائر الكمالات، فمن آداب العبد أن يعرف قدره، ولا يتعدى طوره، فإن ورد عليه شيء من الكمالات فهو وارد من الله عليه، وإن ورد عليه شيء من النقائص فهو أصله ومحله، فلا يستوحش منه، وكان شيخنا يقول: إن علمنَا فمن ربنا، وإن جهلنا فمن أصلنا وفصلنا. أو كلام هذا معناه، فالاستشراف إلى الاطلاع على علم الغيوب من أكبر الفضول، وموجب للمقت من علام الغيوب. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر أصل النشأة، ليدل على نقص العبد وجهله، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٨٩ الى ١٩٠]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)
стр. 886
يقول الحق ﷻ : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم ﵇، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي: خلق من ضلعها زوجها حواء، سلها منه وهو نائم، لِيَسْكُنَ إِلَيْها ليستأنس بها، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه.
فَلَمَّا تَغَشَّاها أي: جامعها حين رُكبت فيه الشهوة، حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي: خف عليها، ولم تلق منه ما تلقى بعضُ الحبالى من حملهن من الأذى والكرب، أو حملاً خَفيفًا، يعني النطفة قبل تصورها، فَمَرَّتْ بِهِ أي: ذهبت وجاءت به، مخففة، واستمرت إلى حين ميلاده، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي: ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبره في بطنها، دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما آدم وحواء، قائلين: لَئِنْ آتَيْتَنا ولدًا صالِحاً أي: سويًا سالمًا في بدنه، تام الخلقة، لَنَكُونَنَّ لك مِنَ الشَّاكِرِينَ على هذه النعمة المجددة.
فَلَمَّا آتاهُما ولدًا صالِحاً كما سألا، جعل أولادُهما لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يُعاتبُ المِلكُ الأب على ما فعل أولادهُ، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك.
وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليسُ في صورة الرجل، فقال لها: وما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب، وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك، ثم قال لها: إن أطعتيني، وسميته عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس في الملائكة: الحارث، وإن عصيتنى قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها: إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى، فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة ثالثة، فسمياه عبد الحارث طمعًا في حياته «١» ، فقوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله.
والقول الأول أصح، لثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقتضي براءة آدم وحواء من الشرك، قليله وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء- ﵈. والثاني: أنَّ جمع الضمير في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، يقتضي أن الشرك وقع من أولادهما، لا منهما. الثالث: أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح، وهو غير موجود. انظر: ابن جزي.
الإشارة: قال الورتجبي: في قوله لِيَسْكُنَ إِلَيْها: لم يجد آدم ﵇ في الجنة إلاسنا تجلى الحق، فكاد أن يضمحل بنور التجلي، لتراكمه عليه، فعلم الله- سبحانه- أنه لا يتحمل أثقال التجلي، وعرف أنه يذوب فى نور
стр. 887
حسنه، وكل ما في الجنة مستغرق في ذلك النور، فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت، فخلق منه حواء ليسكن آدم إليها، ويستوحش بها سُوَيعات من سطوات التجلي، ولذلك قال ﷺ لعائشة- ﵂: «كلميني يا حُميراء» . ثم قال: وقال بعضهم: خلقها ليسكن آدم إليها، فلما سكن إليها غفل عن مخاطبة الحقيقة، بسكونه إليها، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. هـ. فكل من سكن إلى غير الله تعالى كان سكونه بلاء في حقه، يخرجه من جنة معارفه. والله تعالى أعلم.
ثم ردّ على من أشرك من بنى آدم، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩١ الى ١٩٥]
أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥)
يقول الحق ﷻ : أَيُشْرِكُونَ مع الله أصنامًا جامدة، لا يَخلقون شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم عِبادٌ أَمْثالُكُمْ من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنها تستحق أن تُعبد، والأمر للتعجيز لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد ثم عاد عليهم بالنقض فقال: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون
стр. 888
إلهًا، فإنَّ من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تُسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: أَلَهُمْ: للاستفهام مع التوبيخ، و (أم) ، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليست عاطفة. قاله ابن جزي. قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ استعينوا بهم في عداوتي، ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة.
الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث: «لو اجتَمَعَ الإنسُ والجنُّ على أن ينفَعُوكَ بشَيءٍ لم يَنفَعُوكَ إلاَّ بشَيءٍ قد كَتَبَه اللهَ لك، ولو اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدَّرَهُ اللهُ عليكَ» . أو كما قال ﷺ ، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها- أي: في الآية- إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء.
ثم أفصح بذلك، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ١٩٦]
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)
يقول الحق ﷻ : قل لهم أيضًا يا محمد: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ أي: هو ناصري وحافظي منكم، فلا تضرونني ولو حرصتم أنتم وآلهتكم، الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ أي: القرآن، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي: ومن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلاً عن أنبيائه، فلا أخافكم بعد أن تَولى حفظي منكم.
الإشارة: قال القشيري: مَن قام بحقِّ الله تولّى أمورَه على وجه الكفاية، فلا يحوجه إلى أمثاله، ولا يَدَعُ شيئاً من أحواله إلا أجراه على ما يريد بحُسنِ إفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبد راضيًا بما يفعله، فرَوحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب. هـ.
ثم قال تعالى:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٧ الى ١٩٨]
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)
стр. 889
يقول الحق ﷻ ، في إتمام الرد على المشركين: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي: تعبدونها من دونه، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، فلا تُبال بهم أيها الرسول، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا، يحتمل أن يريد الأصنام، فيكون تحقيرًا لها، وردا على من عبدها فإنها جماد موات لا تسمع شيئًا، أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، يعني: سمعًا ينتفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم، وَتَراهُمْ أي: الأصنام، يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ لأنهم مصورون بصورة من ينظر، فقوله:
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ: مجاز، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ حقيقةً، لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئا، هذا إن جعلناه وصفًا للأصنام، وإن كان وصفًا للكفار فقوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ حقيقة، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ مجاز، لأن الأبصار وقع منهم في الحس، لكن لمَّا لم ينفعهم لعمى قلوبهم، نفاه عنهم كأنه لم يكن.
قال المحشي: شاهدوا بأبصار رؤوسهم، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر أسرارهم وقلوبهم، فلم يعتد برؤيتهم. هـ.
الإشارة: في الآية تحويش للعبد إلى الأعتماد على الله واستنصاره به في جميع أموره، فلا يركن إلى شيء سواه، ولا يخاف إلا من مولاه، إذ لا شيء مع الله.
وقوله تعالى: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ... الآية. قال المحشي: يقال: رُؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن لِما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب، وذلك على مقدار الاحترام وحضور الإيمان. هـ.
يعني: أن النظر إلى الأكابر، من العارفين بالله، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم، وإنما هي مقصودة لفيضان أمدادهم، وذلك على قدر التعظيم والاحترام، وصدق المحبة والاحتشام، فكل واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه. رُوِي أن بعض الملوك زار قبر أبي يزيد البسطامي، فقال: هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي؟ فأتى بشيخ كبير، فقال: أنا أدركته، فقال: ما سمعتَه يقول؟ فقال: سمعتُه يقول: (من رآني لا تأكله النار) . فقال الملك: هذا لم يكن للنبى- ﵊ فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار، فكيف يكون لغيره؟ فقال له الشيخ: يا هذا، الكفار لم يروه ﷺ على أنه رسول الله، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله، فسكت. والله تعالى أعلم.
ثم أمر نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩٩ الى ٢٠٠]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)
стр. 890
يقول الحق ﷻ لنبيه ﷺ : خُذِ الْعَفْوَ أي: اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها، أو: خذ من الناس، في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم لئلا ينفروا. فهو كقول الشاعر:
خُذِ العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمي مَوَدَّتِي «١» ....
أو: خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط، ولا تأخذ كرائم أموالهم مما يشق عليهم، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تُعاقبه، وهذا أوفق لتفسير جبريل الآتي، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي: المعروف، وهو أفعال الخير، أو العرف الجاري بين الناس. واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي يجري بين الناس.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي: لا تكافئ السفهاء على قولهم أو فعلهم، واحلم عليهم. ولمّا نَزَلَت سأل رسولُ الله ﷺ جبريلَ عنها، فقال: «لا أَدري حَتَّى أسأَلَ، فعرج، ثم رَجَعَ فَقَالَ: يا مُحَمَدَّ، إِنَّ الله يَأمُركَ أن تَصِلَ مَن قَطَعَك، وتُعطِي مَن حَرَمَكَ، وتَعفُو عَمَّن ظَلَمَكَ» «٢» . وعن جعفر الصادق: (أمر الله نبيه ﷺ فيها بمكارم الأخلاق) ، وهي على هذا ثابتة الحكم، وهو الصحيح. وقيل: كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب، ومقابلة سفيه، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ والتجئ إليه إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع استعاذتك، ويعلم ما فيه صلاح أمرك، فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة، وفي الحديث: أن رجلاً اشتد غضبه، فقال ﷺ : «إنّي لأَعلَمُ كلِمة لو قالَهَا لذَهَبَ عنهُ ما به أعُوذُ باللهِ من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» «٣» .
الإشارة: كل ما أمر به الرسول ﷺ تُؤمر به أمته، وخصوصًا ورثته من الصوفية، فهم مطالبون بالتخلق بأخلاقه ﷺ أكثر من غيرهم، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم. وقال الورتجبي: خُذِ الْعَفْوَ: أي: فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي: تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الذين ليس لهم استعداد النظر إليك، ولا يعرفون حقوقك، فإنَّ منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى درجة القوم. قال بعض المشايخ- حين ذكر أهل الظاهر-: دع هؤلاء الثقلاء. هـ. فوصف علماء الظاهر بالثقلاء لثقل ظهورهم بعلم الرسوم، فلم ينهضوا إلى حقائق العلوم ودقائق الفهوم، وفي تائية ابن الفارض:
стр. 891
وجُزْ مُثَقلاً لو خَفَّ طَفَّ مُوكلاًّ ... بمَنْقُولِ أَحْكَامٍ ومَعْقُولِ حِكْمَه
قال شارحه: أمره بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة، من الفقهاء، والمتكلمين بأحكام المنقولات، والفلاسفة الموكلين بالمعقولات والحكمة، ووصف مُثقلاً بأنه: لو خف طفا، أي: لأنه لو كان خفيفًا بوضع الأثقال عنه كان طفيفًا، لا يرى لنفسه قدرًا، واللازم منتف فالملزوم مثله هـ.
ثم إن البشر لا بد أن تعتريه أحكام البشرية، كالغضب وشبهه، كما بيّنه الحق تعالى بقوله:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠١ الى ٢٠٢]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)
قلت: الطيف- بسكون الياء-: مصدر طاف به الخيال يطيف طيفًا، أو مخفف من طيّف كهين ولين وميت.
ومن قرأ (طائف) : فاسم فاعل، والمراد به: لَمَّةُ الشيطان ووسوسته. وحذف مفعول (تذكروا) للعموم على ما يأتي في المعنى. وقوله: (فإذا هم مبصرون) : أتى بإذا الفجائية ليقتضي سرعة تيقظهم، وبالجملة الاسمية ولم يقل:
تذكروا فأبصروا ليفيد أنهم كانوا على البُصرى، وإنما السَّنة طرقتهم ثم رجعوا عنها.
يقول الحق ﷻ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والمعاصي، إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ أي:
لَمَّةُ منه، كما في الحديث: «إنَّ للشَّيطَانِ لَمّةٌ وللمَلكِ لَمّةَ ... » «١» الخ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا تَذَكَّرُوا عقابَ الله وغضبه، أو ثواب الله وإنعامه، أو مراقبته والحياء منه، أو مننه وإحسانه، أو طرده وإبعاده، أو حجبه وإهماله، أو عداوة الشيطان وإغواءه، كلٌ على قدر مقامه، فلما تذكروا ذلك فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ بسبب ذلك التذكر، أي: فإذا هم على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس، أو: فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في الغفلة، كما قال تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ أي: وإخوان الشياطين، الذين لم يتقوا، يمدونهم، أي: ينصرونهم، ويكونون مددًا لهم في الضلال والغي بالتزيين والحمل عليه، ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ لا يُمسكون عن إغوائهم حتى يُوردوهم النار، أو: لا يقصر الكفار عن غيهم وضلالهم حتى يهلكوا.
الإشارة: البصيرة حارسة للقلب، الذي هو بيت الرب، فإذا نامت طرقها الشيطان، فإن كان نومها خفيفًا أحست به وطردته، وهذه بصيرة المتقين، الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا، وإذا كان نومها ثقيلاً سرق الشيطان ما فيها، ولم تفطن به، وهذه بصيرة الغافلين، الذين هم إخوان الشياطين.
стр. 892
قال القشيري: إنما يمس المتقين طيفُ الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقَربُ قلبًا في حال شهوده الله لأنه يخنس عند ذلك، ولكل عازمٍ فترة، ولكلِّ عالم هفوة، ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارف حجبة. قال- ﵊: «الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي» «١» . فأخبر بأن خيار الأمة، وإن جلت رتبتهم، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم. هـ. وكأنه يُشير إلى أن طائف الشيطان يمس الواصلين والسائرين، وهو كذلك بدليل أول الآية في قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ... الآية، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به، وترقية له، وتحويش له إلى ربه، والله تعالى أعلم.
ثم ردّ الله على من طلب الآيات، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٣]
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)
يقول الحق ﷻ : وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ أي: الكفار، بِآيَةٍ بمعجزة مما اقترحوا، أو من القرآن حين يتأخر الوحي، قالُوا لَوْلا هلا اجْتَبَيْتَها أي: تخيرتها وطلبتها من ربك، أو هلا اخترعتها وتقولتها من نفسك كسائر ما تقرأ؟ قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي فلا أطلب منه آية، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٢» ، أو: لا أخترع القرآن من عند نفسي، بل أَتبع ما يُوحى إليَّ من ربي.
هذا القرآن بَصائِرُ للقلوب مِنْ رَبِّكُمْ، أي: من عند ربكم، بها تُبصر الحق وتُدرك الصواب، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وإرشاد أو طمأنينة لقلوب المؤمنين.
الإشارة: قد تقدّم مراراً ما في طلب الآيات من ضعف اليقين، وعدم الصدق بطريق المقربين، وإنما على الأولياء أن يقولوا: هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بطريق المخصوصين. وبالله التوفيق.
ثم أمر بالإنصات للقرآن، الذي هو أعظم الآيات، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : آية ٢٠٤]
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)
يقول الحق ﷻ : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ، مطلقًا، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لكي تعتبروا وتتدبروا، فإنما نزل لذلك، وهل على الوجوب أو الاستحباب- وهو الراجح؟ قولان، وقيل: الاستماع المأمور به
стр. 893
لقراءة الإمام في الصلاة، وقيل: في الخطبة، والأول الراجح، لوجهين: أحدهما: عموم اللفظ، ولا دليل على تخصيصه، والثاني: أن الآية مكيّة، والخطبة إنما شُرعت بالمدينة. وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي: بسبب ما تكتسبه القلوب من الرقة والخشية عند استماع القرآن، قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن لهذه الآية. قاله ابن جزي.
الإشارة: الاستماع لكلام الحبيب أشهى للقلوب من كل حبيب، لا سيما لمن سمعه بلا واسطة، فكل واحد ينال من لذة الكلام على قدر حضوره مع المتكلم، وكل واحد ينال من لذة شهود المتكلم على قدر رفع الحجاب عن المستمع، والله تعالى أعلم.
ثم أمر بالذكر القلبي، فقال:
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٠٥ الى ٢٠٦]
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
يقول الحق ﷻ ، لنبيه ﷺ ولمن تبعه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ أي: في قلبك بحركة لسان القلب، أو في نفسك سرًا بحركة لسان الحس، تَضَرُّعاً وَخِيفَةً أي: متضرعًا وخائفًا، وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي: متكلمًا كلامًا فوق السر ودون الجهر، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص، ولا حجة فيه لمن منع الذكر جهرًا لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبًا، فكانوا يسبون الذاكر والمذكور، ولما هاجر المصطفى- ﵊ إلى المدينة، جهر الصحابةُ بالتكبير والذكر. فالآية منسوخة. انظر: الحاوي في الفتاوى للإمام السيوطي. فقد أجاب عن الآية بأجوبة.
فقوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي: في الصباح والعشي، حين تتيقظ من نومك الشبيه بالبعث، وحين تريد النوم الشبيه بالموت، وقيل: المراد صلاةَ العصر والصبح، وقيل: صلاةَ المسلمين، قبل فرض الخمس، وقيل: للاستغراق، وإنما خص الوقتين لأنهما محل الاشتغال، فأولى غيرهما. وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ عن ذكر الله.
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني ملائكة الملأ الأعلى، لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ يُنزهونه عما لا يليق به، وَلَهُ يَسْجُدُونَ أي: يخصونه بالعبادة والتذلل، لا يشركون به غيره، وهو تعريض بالكفار،
стр. 894
وتحريض للمؤمنين على التشبه بالملأ الأعلى، ولذلك شرع السجود عند قراءتها. وعن النبي ﷺ قال: «إذا قَرَأَ ابنُ آدمَ السجدةَ، فَسَجَدَ، اعتَزَلَ الشيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلهُ أمِرَ هذا بالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنّةُ، وأُمِرْتُ بالسُجُودِ فعصَيت فَلِي النارُ» «١» .
الإشارة: اعلم أن الذكر على خمسة أقسام: ذكر اللسان فقط لعوام المسلمين، وذكر اللسان مع القلب لخواص الصالحين وأول المتوجهين، وذكر القلب فقط للأقوياء من السائرين، وذكر الروح لخواص أهل الفناء من المُوحدين، وذكر السر لأهل الشهود والعيان من المتمكنين، وفي قطع هذه المقامات يقع السير للسائرين، فيترقى من مقام، إلى مقام، حتى يبلغ إلى ذكر السر، فيكون ذكر اللسان في حقه غفلة.
وفي هذا المقام قال الواسطي رضى الله عنه: الذاكرون في حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره لأن ذكره سواه.
وفيه أيضًا قال الغزالي: ذكر اللسان يُوجب كثرة الذنوب. وقال الشاعر:
مَا إِنْ ذَكَرْتُكِ إلاّ همَّ يَلْعَنُني ... سرِّي، وقَلْبِي، وَرُوحِي، عند ذِكْرَاكَ
حَتَّى كَأَنَّ رَقيباً مِنْكَ يَهْتِفُ بِي: ... إِيَّاكَ، وَيْحَك، والتَّذْكَارَ إِيَّاكَ
أَمَا تَرَى الْحقَّ قَدْ لاَحَتْ شَوَاهِدُهُ ... وَوَاصَلَ الْكُلَّ مِنْ مَعْنِاهُ مَعْنَاكَ
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ... الآية، قال القشيري: أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم، وهذه سُنَّة الله تعالى مع خواصِّ عباده، يلقاهم بخصائص عين الجمع، ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق، لئلا يُخِلّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة. هـ.
стр. 895
سورة الأنفال
مدنية. وآياتها: ست وسبعون آية، نزلت كلها فى غزوة بدر الكبرى، حين اختلف الصحابة- رضى الله عنهم- فى قسمة الغنائم، وهى الأنفال. ووجه المناسبة لما قبلها: تحريض المؤمنين على الطاعة، والانقياد في شأن الغنائم وغيرها حتى يتشبهوا بالملائكة فى سرعة الانقياد والخضوع لله تعالى، في قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ الآية «١» .
قال الحق ﷻ :
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
يقول الحق ﷻ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ قسمة الْأَنْفالِ وهي الغنائم، سميت الغنيمة نفلاً لأنها عطية من الله تعالى، وزيادة فضل، كما يسمى ما يشترطه الإمام للشجاع المقتحم خطراً، نفلاً لأنه عطية له زيادة على سهمه، وكما سمى يعقوب ﵇ نافلة لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم ﵇، حيث كان حفيده. ثم أجابهم الحق تعالى فقال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي: أَمرها إلى الله ورسوله، يقسمها رسول ﷺ حيث يأمره الله تعالى، وفي الوضع الذي يعينه له.
وسبب نزولها: اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم، هل في المهاجرين لفقرهم، أو في الأنصار لنصرهم، أو فيهما معاً. قال ابن جزي: وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي ﷺ في العريش تحرسه وتؤنسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس، ورأت كل فرقة أنها أحق بالغنيمة من غيرها، اختلفوا فيما بينهم. فنزلت الآية. هـ.
стр. 896
وقيل: شرط رسول الله ﷺ لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلاً، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا ردءا لكم، وفئة تنحازون إلينا، فلا تختصوا بشيء دوننا، فنزلت، فقسمها رسول الله ﷺ بينهم على السواء. ولهذا قيل: لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد، وهذا قول الشافعي رضى الله عنه.
وعن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه قال: لمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتل أَخي عُمَيْرٌ، وقتلتُ سَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وأخذتُ سَيْفَهُ، وأتيتُ به رسول الله ﷺ ، واستوهبته منه، فقال: «لَيْسَ هَذَا لِي، ولكن ضَعهُ في القَبض «١» » ، فَطَرحْتُهُ، وفي قلبي مَا لا يَعْلَمُهُ إِلا الله من قَتَلِ أَخِي وأَخْذِ سَلَبي، فَمَا جَاوَزْتُها إلا قليلاً حتى نزلت سُورَةُ الأَنْفَال، فقال لى رسول الله ﷺ : «سَأَلَتنِي السَّيف ولَيْس لِي، وإِنّهُ قد صَارَ لِي فاذْهَبْ فَخُذْهُ» «٢» .
فَاتَّقُوا اللَّهَ في المشاجرة والاختلاف، وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي: أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور، والمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله تعالى ورسوله، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان.
ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكاملون في الإيمان: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ خافت واقشعرت لذكره استعظاماً له وهيبة من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فيقال له: اتق الله، فينزع عنها خوفاً من عقابه، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ القرآنية زادَتْهُمْ إِيماناً أي: يقيناً وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها. وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق: أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية، وسيأتي في الإشارة الكلام عليه.
ومن أوصاف أهل الإيمان: التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وقد تقدم في «آل عمران» الكلام على التوكل «٣» ، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
стр. 897
في الواجب والتطوع. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب، من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العِيار عليها، كالصلاة والصدقة، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، وَمَغْفِرَةٌ لما فرط من ذنوبهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم.
الإشارة: الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب، من حضرة الغيوب من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، لا تزال تتوالى على القلوب، حتى تغيب عما سوى المحبوب، فيستغني غناء لا فقر معه أبداً، وهذه غنائم خصوص الخصوص، وغنائم الخصوص: هي القرب من الحبيب، ومراقبة الرقيب، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد، وهذه غنائم العباد والزهاد، وغنائم عوام أهل اليمين: مغفرة الذنوب، والستر على العيوب، والنجاة من النار، ومرافقة الأبرار، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ عِندَ نَوْمِهِ: أسْتَغْفِر اللِّه َالعَظِيمَ الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم وَأَتُوبُ إِليْهِ، غَفَرَ الله ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زبد البحر، وعدد الرمال وعَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» «١» .
قال الشيخ زروق: وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله ﷺ وهو معنى قوله:
قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، ثم دل على موجباتها فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ... الآية، وقوله تعالى: زادَتْهُمْ إِيماناً: اعْلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص، وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومَنْ تعلق بهم من المريدين السائرين، فهؤلاء إيمانهم دائما فى الزيادة، وأرواحهم دائما فى الترقي فى المعرفة، يزيدون بالطاعة والمعصية لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم: «وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول» . وقال أيضا: «معصية أورثت ذُلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً» والله تعالى أعلم.
ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥ الى ٦]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)
стр. 898
قلت: (كما أخرجك) : خبر عن مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال، وهي عزلهم عن تولية الأَنفال في كراهتهم لها، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها، أو حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة، مثل حالهم في كراهية خروجك، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله: لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، أي: الأنفال تثبت لله وللرسول ﷺ ، مع كراهتهم، ثباتاً مثل ثبات إخراجك ربُّك من بيتك، يعني المدينة لأنها مسكنه أو بيته منها، وجملة: (وإن فريقاً) :
حال مِن أخرجك، أي: أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين.
يقول الحق ﷻ لنبيه ﷺ : قد كره أصحابُك قسمتك للأنفال كما كرهوا إخراجك رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ لقتال العدو، والحال أن فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ خروجك لذلك، وتلك الكراهية من قِبل النفس وطبع البشرية، لا من قِبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله، فإنهم راضون مستسلمون، غير أن الطبع ينزع لِحَظَّه، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده.
وذلك الفريق الذي كره خروجك للقتال يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ أي: يخاصمونك في إيثارك الجهاد لإظهار الحق، حيث أرادوا الرجوع للمدينة، وقالوا: إنا لم نخرج لقتال، قالوا ذلك بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم منصورون أينما توجهوا، بإعلام الرسول لهم، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي: يكرهون القتال كراهة من يُساق إلى الموت، وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، إذ رُوي أنهم كانوا رجّالة، وما كان فيهم إلاَّ فارسان، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يخرج لقصد الجهاد، وإنما لملاقاة عير قُرَيْش، لمّا سمع أنها قدمت من الشّام، وفيها تجارةٌ عَظيِمةٌ، ومعها أربعُون رَاكباً، فيهم أَبُو سُفْيان، وعمرو بنُ العاص، ومخرفة بن نوفل، وعمرو بن هِشَام، فأراد رَسُول اللَّه ﷺ أن يتعرض لها ويأخذها غنيمة، حيث أخبره جبريلُ بقدومها من الشام، فأخبرَ رسول الله ﷺ المسلمين، فأعْجَبَهُم تلقيها، لكثرةِ المال وقلةِ الرجالِ، فلما خرجُوا، بَلَغ الخبرُ أبا سفيان، فسلك بالعير طريق السَاحِل، واستأجر من يذهب إلى مكة يستنفرها، فلما بلغهم خروج رسول الله ﷺ لعيرهم، نادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة، النَّجَاء النجاء، على كل صَعْبٍ وذَلُولٍ، عِيرُكُمْ وأَمْوالكم إن أصَابَهَا مُحَمَّدٌ لن تُفْلِحُوا بعدها أبداً.
وقد رأت، قبل ذلك بثلاث ليال، عاتكةُ بنت المطلب، رؤيا وهو أن رجلاً تمثل على جبل قبيس فنادى:
يا آل لكع، اخرجوا إلى مصارعكم، ثم تمثل على الكعبة، فنادى مثل ذلك، ثم أخذ حجراً فضرب به، فلم يبق بيت في مكة إلا دخلة شيء من ذلك الحجر، فحدثت بها العباس، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم؟ لنتربص ثلاثاً، فإن لم يظهر ما تقول لنكتبن عليكم يا بني هاشم أنكم أكذب بيت في العرب، فلما مضت ثلاث ليال جاء رسولُ أبي سفيان ليستنفرهم.
стр. 899
فخرج أبو جهل بجموع أهل مكة، ومضى بهم إلى بدر، وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوماً في السنة، وكان رسول ﷺ بوادي ذَفِران، فنزل عليه جبريل بالوعد بإحدى الطائفتين: إما العيرُ وإما قُرَيْش، فاستشار فيه أصحابه، فقال بعضهم: ما خرجنا لقتال ولا تهيأنا له، وردد عليهم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله، عَلَيكَ بالعيرِ ودَع العَدو، فغضب رسول الله ﷺ ، فقام أبو بكر وعُمَرُ فأحْسَنَا، ثم قام سَعْدُ بن عُبادة فقال: انظرُ فى أمرك، وامض، فو الله لَو سِرْتَ إلى عَدَنٍ ما تَخَلَفَ رجلٌ مِنْ الأنْصارِ، ثم قام المقِدَادُ بنُ عَمْرٍو فقال: امْضِ يا رسول الله لما أمرك ربك، فإنا معك حيثما أحببتَ، لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيل: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «١» ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتِلاَ إنا معكُما مقاتلونَ، فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال: أشيروا عَلَيَّ أيّها الناسُ، يريدُ الأنصار لأنهم كانوا عددهم، وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم بُرءاء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف ألاّ يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سَعْدُ بنُ معَاٍذ وقال: لَكأنَّكَ تُرِيدُنَا يا رسولِ الله؟ فقال: أجَلْ، فقال: قد آمنّا بِك وصَدَّقْنَاكَ، وشهدنا أن ما جئْتَ بِهِ هو الحقُّ، فأعطَيْنَاكَ على ذلِك عُهُودَنَا ومَوَاثِيقَنَا على السَّمْعِ والطَّاعّةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللهِ لما أردت، فو الذي بَعَثَكَ بالْحق لو اسْتَعْرَضت بنا هذا البَحْرَ فخُضته لخضْنَاهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكرَهُ أن تَلقِي بِنَا عَدُوِّنَا، وإنا لَصُبُرٌ عِندَ الحَربِ، صُدُقٌ عندَ الِّلقَاءِ، ولعَلَّ اللَّهَ يُريكَ منا ما تقرُّ بِه عينُكَ، فَسِرْ بنا على بَركَةِ اللهِ، فنشطه قوله، ثم قال: «سيروا على بَركَةِ الله، وأبْشِرُوا فِإنَّ الله قد وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائفَتَينِ، واللهِ لكأنّي أنْظرُ إلى مَصارع القَوْم» .
ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل بأصحابه آخر مياه من مياه بدر، فَبُني له هناك عريش، فجلس فيه هو وأبو بكر، فلما انتشب القتال أخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فلم تبق عين من الكفار إلا وقع فيها شيء منها، ونزلت الملائكة في العنان، أي: السماء، فقتل منهم سبعون، وأُسر سبعون، وقيل: إن رسول الله ﷺ لما فرغ من غزوة بدر، قيل له: عليك بالعير، فقال العباس- وهو فى وثاقه: لا يصلح، فقيل له: لم؟
فقال له: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك، فكره بعضهم قوله، ثم رجع ﷺ إلى المدينة منصوراً فرحاً مسروراً، وقد أنجزه الله ما وعده.
الإشارة: من حكمته تعالى الجارية في عبادة أن كل ما يثقل على النفوس ويشق عليها في بدايته تكون عاقبته الفتح والنصر، والهناء والسرور، فكل ما تكرهه النفوس فغايته حضرة القدوس، وما تحقق سير السائرين إلا
стр. 900
بمحاربة نفوسهم ومخالفة عوائدهم. وفى الحديث عنه ﷺ ، قال لابن عباس في حديث طويل: «وفي الصبر على ما تَكْرَهُ خَيْر كَثِير» . والله تعالى أعلم.
ثم ذكر بقية قصة بدر، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٧ الى ٨]
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)
قلت: (وإذ) : ظرف لا ذكر، محذوفة، و (أنها لكم) : بدل اشتمال من (إحدى الطائفتين) ، والشوكة: الحدة، مستعارة من واحد الشوك، وسميت الحرب شوكة لحدة سلاحها.
يقول الحق ﷻ : وَاذكروا إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قريشاً، أو عِيرهَم، وعدكم أَنَّها لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ وتتمنون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي: ذات الحرب تَكُونُ لَكُمْ وهي العير، فإنها لم يكن فيها إلا أربعون رجلاً، وتكرهون ملاقاة النفير لكثرة عَدَدِهِمِْ وعُددهم، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي: يظهر الحق، وهو الإسلام، بقتل الكفار وهلاكهم في تلك الغزوة، بِكَلِماتِهِ أي: بإظهار كلماته العليا، أو بكلماته التي أوحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالإمداد، أو بنفوذ كلماته الصادقة بهلاكهم، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ أي: يستأصلهم ويقطع شوكتهم.
ومعنى الآية: أنكم تُريدون أن تُصيبوا مالاً ولا تلقوا مكروهاً، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم من فوز الدارين. وإنما فعل ما فعل من سوقكم إلى القتال لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي: ليُظهر الدين ويبطل الكفر.
قال البيضاوي: وليس بتكرار لأن الأول لبيان المراد، وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول ﷺ على اختيار ذات الشوكة وقصره عليها. هـ. وقال ابن جزى: ليس تكرارا للأول لأن الأول مفعول يريد، وهذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام، فيكون المعنى: أنه نصرهم ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي: يُبطل الكفر، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ذلك، فإن الله لا بد أن يظهر دينه على الدين كله، ولو كره الكافرون.
стр. 901
الإشارة: وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سر الخصوصية، وهي الولاية، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس لأن الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب، وترى كثيراً من الناس يتمنون أن تكون لهم من غير حرب ولا قتال، ويريد الله أن يحق الحق بكشف الحجب عن القلوب، حتى لا يشاهدوا إلا الحق، ويُبطل الباطل، وهو السَّوي، ولا يكون في العادة إلا بعد موت النفوس وتهذيبها وتطهيرها بالرياضة على شيخ عارف. قال الششتري مترجماً عن لسان الحقيقة:
إنْ تُرِدَ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ ... لا يَنَالُ الوِصَالَ من فيه فضله
ثم ذكر إمدادهم بالملائكة، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٩ الى ١٠]
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)
قلت: (إذ) : بدل من (إذ يعدكم) ، أو متعلق بقوله: (ليحق الحق) ، أو باذكر.
يقول الحق ﷻ : واذكروا حين كنتم تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ وتدعون بالغوث والنصر، وذلك أن الصحابة- رضى الله عنهم- لمّا علموا ألاّ محيص لهم عن القتال أخذوا يقولون: ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا.
وعن عمر: رضى الله عنه (أنه ﷺ نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهُمْ أَلفٌ، وإلى أَصْحَابِهِ وهُمْ ثَلاثُمائةٍ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةِ ومدَّ يديهِ يدعوه: «اللهم أَنْجِزْ لي ما وَعدْتَنِي، اللهُم إن تهلك هذه العصابة لم تُعْبَد في الأرْضِ» ، فما زَالَ كَذَلِك َحتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فقال أَبُو بكر: يا نبىّ الله، كَفَاكَ مُنَاشَدَتك رَبَّكَ، فإِنَّهُ سيُنْجِزُ لَكَ ما وَعَدَكَ) «١» . وقد تقدم أن الأنبياء وكبراء الأولياء لا يقفون مع ظاهر الوعد والوعيد، لسعة دائرة علمهم، بل لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، ولعل ذلك الوعد يكون متوقفاً على شروط أخفاها الحق تعالى لتظهر قهريته وانفراده بالعلم المحيط.
ولما استغاثوا بالله وأظهروا الحاجة إليه أجابهم فقال: فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ مقويكم ومكثركم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ يتبع بعضهم بعضا، ويتبع المؤمنين، فكانوا خلفهم ردْءاً لهم، فمن قرأ بفتح الدال
стр. 902
فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل، وصح معنى القراءتين، لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضاً، فمنهم تابعون ومتبوعون، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين بالمؤمنين، فكانوا مقدمة الجيش، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين تابعين لهم، فكانوا ساقة للجيش.
ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي: الإمداد، إِلَّا بُشْرى أي: بشارة بالنصر، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ فيزول ما بها من الوجل لقلتكم، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا يتوقف على سبب، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغلب، حَكِيمٌ في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية، فإمداد الملائكة، وكثرة العدد، والتأهب، وسائط، لا تأثير لها، فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها، فحكم الأزل جلّ أن يُضَافَ إلى العِلَلِ.
الإشارة: إظهار الفاقة والابتهال لا يقدح في صحة التوكل على الكبير المتعال، بل هو شرف للإنسان، وتقريب من الكريم المنان، بل من شأن العارف الكامل الرجوع إلى الله في كل شيء، والتعلق به في كل حال، ولو وعده بالنصر أو الإجابة، لا يقطع عنه السؤال، عبوديةً وتملقاً بين يدي الحبيب.
وقد اختلف الصوفية: أيّ الحالين أشرف: هل الدعاء والتضرع؟ أو السكوت والرضى تحت مجاري الأقدار؟ وقال بعضهم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه، صاحب رضى بقلبه، ليجمع بين الأمرين. قال القشيري:
والأَوْلى أن يُقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضلُ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل، وإنما يُعرف ذلك في الوقت لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء منه أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. هـ. وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد «١» . وبالله التوفيق.
ثم ذكر تأمينهم، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١١ الى ١٢]
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)
стр. 903
قلت: (إذ) : بدل ثان من (إذ يعدكم) ، أو متعلق بالنصر، لِمَا في (عند الله) من معنى الفعل، أو بإضمار اذكروا. ومَن قرأ بضم الياء، فهو من أغشى، أي: غطى، ومن قرأ بالتشديد، فهو من غشي المضعف، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين، الكاف الأول والنعاس الثاني، ومن قرأ بالفتح والتخفيف، فهو من غشى يغشى المتعدي إلى واحد، و (أمنة) : مفعول من أجله.
يقول الحق ﷻ : واذكروا إِذْ يُغَشِّيكُمُ، أي: حين كان يغشيكم النُّعاسَ وأنتم في القتال، حين ينزل عليكم الأمْن من العدو بعد شدة الخوف، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم.
قال ابن مسعود رضى الله عنه: النعاس عند حضور القتال علامة أَمْنٍ مِنَ العدو.
ثم ذكّرهم بمنة أُخرى، فقال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الحدث والجنابة، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي: وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، رُوي أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس، تسوخ فيه الأقدام، على ماء قليل، وناموا فاحتلم أكثرهم، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تُنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين، وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله؟، فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمُطروا ليلاً حتى جرى الوادي، فاتخذوا الحياض على عدوته، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة، وهذا معنى قوله: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي: وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف الله وزوال ما وسوس إليهم الشيطان، وذهاب الكسل عنها. وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت فى مداخص الحرب.
واذكروا أيضاً: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ أي: أُثبت أقدامكم حين أُوحي إلى الملائكة أني معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بتكثير عددهم، أو بالبشارة لهم، أو بمحاربة أعدائهم، على قول من قال: إنهم باشروا القتال. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ والجزع، حتى لا يثبتوا لقتالكم، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة، أو استئناف إخباراً للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلاً وآجلاً.
ثم قال للملائكة أو للمؤمنين: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي: أعاليها التي هي المذابح والرؤوس، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي: أصابعهم، أي: جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
الإشارة: كان شيخ شيخنا يُشير على الفقراء، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس، بالنوم، ويقول: من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس، فإنه يجد قلبه لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله، ويربط على القلوب في الحضرة لأنه زوال، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل.
стр. 904
وقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً: هو ماء الغيب الذي يطهر القلوب من شهود السَّوى، ويذهب به رجز الشيطان، وهي ظلمة الأكوان، التي تنعقد في القلب من حب الهوى الذي هو من تزيين الشيطان، ويثبت به الأقدام، حتى تثبت عند مصادمة أنوار الحضرة، التي هي تجلي الذات، فلا يثبت لها إلا الشجعان والأبطال وأكابر الرجال. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر علة أمرهم بقتل الكفار، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٣ الى ١٤]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)
قلت: (ذلكم) : مبتدأ حُذف خبره، أي: ذلكم العقاب أو العذاب، أو خبر، أي: الأمر ذلكم، أو منصوب بمضمر يفسره فذوقوه، و (أن للكافرين) : عطف على (ذلكم) ، أو نصب على المفعول معه، وقرىء بالكسر استئنافاً.
يقول الحق ﷻ : لِكَ
الضرب لأعناق الكفار، أو الأمر به أَنَّهُمْ
بسبب أنهم اقُّوا
أي: خالفوالَّهَ وَرَسُولَهُ
، وصاروا كأنهم في شق وهو في شق مبالغة في المخالفة والمباعدة، مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
ويبعد عنهماإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لكل من خالفه أو خالف رسوله، وهو تقرير للتعليل، أو وعيد بما أعدَّ اللهُ لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا، ذلِكُمْ العذاب فَذُوقُوهُ وباشروا مرارته، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ، والمعنى: ذُوقوا ما عجل لكم من النقمة في الدنيا مع ما يحل عليكم في الآخرة من عذاب النار، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن الكفر سبب العذاب العاجل والآجل.
الإشارة: مخالفة الله ورسوله توجب الطرد والبعاد، وموافقة الله ورسوله توجب القرية والوداد، وهذه الموافقة التي توجب للعبد المحبة والوداد تحصل بخمسة أشياء: امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإكثار من ذكره، والاستسلام لقهره، والاقتداء بنبيه ﷺ والتأدب بآدابه، والتخلق بأخلاقه، وبأضداد هذه الأشياء يحصل للعبد المخالفة التي توجب طرده وبُعده، وهي مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، والغفلة عن ذكره، والتسخط عند نزول قهره، وعدم الاقتداء بنبيه ﷺ بارتكاب البدع المحرمة والمكروهة، حتى يُفضى به الحال إلى المشاققة والمباعدة، مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
. وبالله التوفيق.
стр. 905
ثم نهى عن الفرار فى الحرب، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٥ الى ١٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
قلت: (زحْفاً) : مصدر، وزحف الصبي إذا دب على مقعده قليلا قليلا، سمى به الجيش المقابل للقتال لأنه يندفع للقتال شيئاً فشيئاً، ونصبه على الحال من فاعل «لقيتم» ، أو «من الذين كفروا» ، و (متحرفاً) و (متحيزاً) :
حالان، و (إلا) مُلغاة، ووزن متحيز: متفيْعل، لا متفعل، وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يحوز.
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زاحفين لهم، تدبون إليهم ويدبون إليكم، تريدون قتالهم متوجهين إليهم، فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ بالانهزام عنهم، فإنه حرام، وهو من الكبائر، ويفيد بألا يكون الكفار أكثر من ثلثي المسلمين، فإن زادوا على ثلثي المسلمين حلَّ الفرار، وأن يكون المسلمون مسلحين، وإلا جاز الفرار ممن هو بالسلاح دونه، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ، وهو أن يكرّ راجعاً أمام العدو ليرى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو من مكائد الحرب، أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ أي:
منحازاً إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، أو قريبة، فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضراً.
ويُروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: أنا فئة لكل مسلم. ورُوي عن ابن عمر: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله ﷺ ، ففرّوا إلى المدينة، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، نحن الفَرَّارُونَ، فقال: «أًنْتُم الكرَّارُونَ، وأنا فِئَتُكُمْ» «١» .
فمن فرَّ من الجهاد بالشرط المتقدم فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، ومن هذا يفهم أنه من الكبائر. قال البيضاوي: وهذا إذا لم يزد العدو على الضعف، لقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... «٢»
الآية، وقيل: الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب. هـ.
الإشارة: يقول الحق ﷻ للمتوجهين إليه بالمجاهدة والمكابدة: إذا لقيتم أعداءكم من القواطع كالحظوظ، والشهوات، وسائر العلائق، فاثبتوا حتى تظفروا، ولا ترجعوا وتولوهم الأدبار فيظفروا بكم، إلا متحرفا
стр. 906
لقتال بإيثار بعض الرخص، ليقوى على ما هو أشد منها مشقة عليها، أو متحيزاً إلى جماعة من أكابر العارفين، فإنهم يُغنونه بالمشاهدة عن المجاهدة، إذا ملكهم زمام نفسه، وفعل كل ما يُشيرون به عليه، فإن ذلك يُفضي به إلى الراحة بعد التعب، والمشاهدة بعد المجاهدة، إذ لا تجتمع المجاهدة في الظاهر مع مشاهدة الباطن عند أهل الذوق.
قال القشيري- بعد كلامه على الآية: فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء يُنفقون على مريديهم من هِمَمِهم يجبرون كَسْرَهم وينوبون عنهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم، ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه، أو خالف شيخاً وهو يعرف فضله وحَقَّه، فقد بَاءَ من الله بسخط، واللهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه. هـ.
ثم عزلهم عن الحول والقوة، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١٧ الى ١٨]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)
يقول الحق ﷻ : فَلَمْ تقتلوا الكفار بحولكم وقوتكم وذلتكم، وقلّة عدتكم وعددكم، وكثرة عدد عدوكم وعُدتهم، وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بواسطة مباشرتكم، حيث أيدكم وسلطكم عليهم، وإمداد الملائكة لكم، وإلقاء الرعب في قلوب عدوكم.
قال البيضاوي: رُوي أنه لما أَطلَّتْ قريش من العقنقل- اسم جبل- قال ﷺ : «هذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بخُيَلائِهَا وفَخْرِهَا، يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مَا وَعَدْتَنِي» ، فأَتَاهُ جِبْرِيلُ، وَقَال له: خُذْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فارْمِهِمْ بِهَا، فلمَّا التَقَى الجَمعَأن تناول كفّاً من الحَصْبَاءِ فَرَمَى بها في وُجُوهِهِم، وقال: «شَاهَتْ الوُجُوهُ» ، فَلَمْ يَبق مُشْرِكٌ إلا شُغِلَ بَعَيْنَيْهِ، فانْهَزَمُوا. وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل:
قتلتُ وأسرتُ، فنزلت الآية، وإلغاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلَمْ تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وَما رَمَيْتَ يا محمد رميا توصلها إلى أعينهم، ولم تقدر عليه إِذْ رَمَيْتَ أي: حين ألقيت صورة الرمي، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها إلى أعينهم جميعاً، حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم. هـ. فالرمي، حقيقة، إنما وقع من الله تعالى، وأن ظهر حسا من النبي ﷺ .
стр. 907
وإنما فعل ذلك ليقطع طرفاً من الكفار، ويحد شوكتهم، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً أي: ليختبر المؤمنين منه اختباراً حسناً، ليظهر شكرهم على هذه النعمة، أو لينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغائتهم ودعائهم، عَلِيمٌ بنياتهم وأحوالهم. ذلِكُمْ أي: البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي، واقع لا محالة، أو الأمر ذلكم، وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ أي: مضعف كيد الكافرين، ومبطل حيلهم، أي: المقصود بذلك القتل أو الرمي إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم.
الإشارة: يقول الحق ﷻ للمريدين المتوجهين لحضرة محبوبهم: فلَمْ تقتلوا نفوسكم بمجاهدتكم إذ لا طاقة لكم عليها، ولكن الله قتلها بالنصر والتأييد، حتى حييت بمعرفته، ويقول للشيخ: وما رميت القلوب بمحبتي ومعرفتي، ولكن الله رمى تلك القلوب بشيء من ذلك، وإنما أنت واسطة وسبب من الأسباب العادية، لا تأثير لك في شيء من ذلك.
حُكي أن الحلاج، لما كان محبوساً للقتل، سأله الشبلي عن المحبة، فقال: الغيبة عما سوى المحبوب، ثم قال:
يا شبلي، ألست تقرأ كتاب الله؟ فقال الشبلي: بلى، فقال: قد قال الله لنبيه- ﵊: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، يا شبلى إذا رَمَى اللَّهُ قَلْبَ عبده بِحَبََّةٍ من حُبّه، نادى عليه مدى الأزمان بلسان العتاب. هـ. والمقصود بذلك: تخصيص أوليائه المقربين بالمحبة والمعرفة والتمكين، وتوهين كيد الغافلين المنكرين لخصوصية المقربين. والله تعالى أعلم.
ولما أرادت قريش الخروج إلى غزوة بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وطلبوا الفتح، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله:
[سورة الأنفال (٨) : آية ١٩]
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
يقول الحق ﷻ لكفار مكة على جهة التهكم: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا أي: تطلبوا الفتح، أي: الحكم على أهْدى الفئتين وأعلى الجندين وأكرم الحزبين، فَقَدْ جاءَكُمُ الحكم كما طلبتم، فقد نصر الله أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، وهو محمد ﷺ وحزبه، وَإِنْ تَنْتَهُوا عن الكفر ومعاداة الرسول، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين، وَإِنْ تَعُودُوا لمحاربته نَعُدْ لنصره، وَلَنْ تُغْنِيَ تدفع عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ جماعتكم شَيْئاً من المضار وَلَوْ كَثُرَتْ فئتكم، إذ العبرة بالنصرة لا بالكثره، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ بالنصر والمعونة.
стр. 908
ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أي: ولأن الله مع المؤمنين، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال، والرغبة عما يختاره الرسول، فهو خير لكم، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار، أو تهييج العدو، ولن تغني، حينئذٍ، عنكم كثرتكم إذ لم يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم. قاله البيضاوي.
الإشارة: إن تستفتحوا أيها المتوجهون، أي: تطلبوا الفتح من الله في معرفته، فقد جاءكم الفتح، حيث صح توجهكم وتركتم حظوظكم وعلائقكم، لأن البدايات مَجْلاَةُ النهايات، من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو علامة القبول آجلاً، وإن تنتهوا عن حظوظكم وعوائقكم فهو خير لكم، وبه يقرب فتْحُكُم، وإن تعودوا إليها نعد إليكم بالتأديب والإبعاد، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئاً في دفع التأديب، أو البعد، ولو كثرت، وإن الله مع المؤمنين الكاملين في الإيمان بالنصر والرعاية.
ثم أمر بالسمع والطاعة، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١)
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه، وَرَسُولَهُ فيما ندبكم إليه، من الجهاد وغيره، وَلا تَوَلَّوْا أي: تُعرضوا عن الرسول وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ القرآن يأمركم بالتمسك به، والاقتداء بهديه. والمراد بالآية: النهي عن الإعراض عن الرسول. وذكرُ طاعة الله إما هو للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول، لقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «١» ، ثم أكد النهي بقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا بآذاننا، كالكفرة والمنافقين، ادَّعَوْا السماع، وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماعاً ينتفعون به، فكأنهم لا يسمعون رأساً.
الإشارة: لما غاب ﵊ بقي خلفاؤه في الظاهر والباطن وهم العلماء الأتقياء، والعارفون الأصفياء. فمن تمسك بهم، واستمع لقولهم، فقد تمسك بالرسول ﷺ ، ومن أعرض عنهم فقد أعرض عنه ﷺ ، فمن تمسك بما جاءت به العلماء، فاز بالشريعة المحمدية، وكان من الناجين الفائزين. ومن تمسك بالأولياء العارفين، واستمع لهم، وتبع إرشادهم، فاز بالحقيقة الربانية، وكان من المقربين. ومن سمع منهم الوعظ والتذكير،
стр. 909
ثم صرفه عن نفسه إلى غيره، يصدق عليه قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وكان من شر الدواب التي أشار إليهم تعالى بقوله:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٣]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
يقول الحق ﷻ : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ وهو كل من يدب على وجه الأرض، الصُّمُّ عن سماع الحق، الْبُكْمُ عن النطق به، الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ الحق ولا يعرفونه، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لإبطالهم ما مُيزوا به وفُضلوا لأجله، وهو استعمال العقل فيما ينفعهم من التفكر والاعتبار. قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين، يعني يوم بدر، وحكمها عام.
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً سعادة كتبت لهم، أو انتفاعاً بالآيات، لَأَسْمَعَهُمْ سماع تَفَهُّم، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ، مع كونه قد علم الأخير فيهم، لَتَوَلَّوْا عنه، ولم ينتفعوا به، وارتدوا بعد التصديق والقبول، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عنه، لعنادهم، وقيل: إنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يُحيي لهم قُصي بن كلاب، ويشهد له بالرسالة، حتى يسمعوا منه ذلك، فأنزل الله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ كلامه بعد إحيائه، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، لسبق الشقاوة في حقهم.
الإشارة: اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي وفضل غيره هو معرفة خالقه، واستعمال العقل فيما يقربه إليه، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه، فإذا فقد هذا كان كالبهائم أو أضلّ، ولله در ابن البنا، حيث يقول في مباحثه:
وَاعْلَمْ أَنَّ عُصْبَةَ الجُهَّالِ ... بَهَائِمٌ في صُوَرِ الرِّجَال
واعلم أيضاً أن بعض القلوب لا تقبل علم الحقائق، فأشغلها بعلم الشرائع، ولو علم فيها خيراً لأسمعها تلك الأسرار، ولو أسمعها، مع علمه بعدم قبولها، لتولت عنها وأعرضت لضيق صدرها وعدم التفرغ لها.
ثم دل على ما فيه حياة القلوب، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
стр. 910
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ أي: أجيبوه فيما دعاكم إليه، وَلِلرَّسُولِ فيما دلكم عليه من الطاعة والإحسان، إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ من العلوم الدينية فإنها حياة القلب، كما أن الجهل موته، أو إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ الحياة الأبدية، في النعيم الدائم، من العقائد والأعمال، أو من الجهاد، فإنه سبب بقائكم إذ لو تركتموه لغلبكم العدو وقتلكم، أو الشهادة، لقوله تعالى: أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» ، ووحد الضمير في قوله: إِذا دَعاكُمْ باعتبار ما ذكر، أو لأن دعوة الله تُسمع من الرسول.
وفي البخاري: أن الرسول ﷺ دعا أبيّ بْنَ كَعْبٍ، وهو في الصَّلاة، فلم يجب، فلما فرغ أجاب، فقال له ﷺ :
«ما مَنَعَكَ أن تجيبني؟ فقال: كُنْتُ أُصلّي، فقال: ألم تسمع قوله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ.» «٢» فاختلف فيه العلماء، فقيل لأن إجابته ﷺ لا تقطع الصلاة، فيُجيب، ويبقى على صلاته، وقيل: إن دعاءه كان لأمر لا يقبل التأخير، وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله، كإنقاذ أعمى وشبهه.
ثم قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فينقله من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن اليقين إلى الشك، ومن الشك إلى اليقين، ومن الصفاء إلى الكدر، ومن الكدر إلى الصفاء. قال البيضاوي: هو تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «٣» ، وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب، مما عسى أن يغفل عنها صاحبها، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها، قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويحول بينه وبين الكفر، إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان، إن قضى شقاوته. هـ. وَاعلموا أيضاً أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فيجازيكم بأعمالكم وعقائدكم.
الإشارة: قد جعل الله، من فضله ورحمته، في كل زمان وعصر، دعاة يدعون الناس إلى ما تحيا به قلوبهم، حتى تصلح لدخول حضرة محبوبهم، فهم خلفاء عن الله ورسوله، فمن استجاب لهم وصحبهم حيي قلبه، وتطهر سره ولُبه، ومن تنكب عنهم ماتت روحه في أودية الخواطر والأوهام.
стр. 911
وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ حيلولة الحق تعالى بين المرء وقلبه هو تغطيته وحجبه عن شهود أسرار ذاته وأنوار صفاته، بالوقوف مع الحس، وشهود الفرق بلا جمع، ويعبر عنه أهل الفن بفَقْد القلب، فإذا قال أحدهم: فقدتُ قلبي، فمعناه: أنه رجع لشهود حسه ووجود نفسه، ووجدان القلب هو احتضاره بشهود معاني أسرار الذات وأنوار الصفات، فيغيب عن نفسه وحسه، وعن سائر الأكوان الحسية، وفقدان القلب يكون بسبب سوء الأدب، وقد يكون بلا سبب اختباراً من الحق تعالى، هل يفزع إليه فى فقده أو يبقى مع حاله.
وقد تكلم الغزالي على القلب فقال، في أول شرح عجائب القلب من الإحياء: إن المطيع بالحقيقة لله هو القلب، وهو العالم بالله، والعامل لله، وهو الساعي إلى الله، والمتقرب إليه، المكاشف بما عند الله ولديه، وإنما الجوارح أتباع، والقلب هو المقبول عند الله، إذا سَلِمَ من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً في غير الله، وهو المطالب والمخاطب، وهو المعاتب والمعاقب، وهو الذي يسعد بالقرب من الله، فيفلح إذا زكاه، ويخيب ويشقى إذا دنسه ودساه. ثم قال: وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه، وإذا جهله فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه، جهل ربه، ومن جهل قلبه فهو لغيره أجهل، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته، ومعرفة صفاته، وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين، ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيهم:
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ «١» الآية. هـ.
وقد أنشد من وجد قلبه، وعرف ربه، وغنى بما وجد، فقال:
أَنَا القُرآنُ والسَّبْعُ المَثَانِي ... وروحُ الرُّوح لا روح الأَوَاني
فؤادي عند معلوم مقيم ... تناجيه وعندكم لسانى
فلا تنظر بِطَرْفِكَ نَحْوَ جِسْمِي ... وعُدْ عن التنعم بالأوانى
فأَسْرارِي تراءت مبهمات ... مُسَتَّرَةً بأَنْوار المَعَاني
فَمَنْ فَهِمَ الإشَارَةَ فليَصُنْها ... وإلاّ سوف يقتل بالسنان
كحلاج المحبة إذ تبدت ... له شمس الحقيقة بالتدانى
стр. 912
ومن أسباب تشتت القلب وفقده دخول الفتنة عليه، الذي أشار إليه بقوله:
[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٥]
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)
قلت: دخلت النون في (لا تصيبن) لأنه في معنى النهي، على حد قوله: لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ «١» .
انظر البيضاوي.
يقول الحق ﷻ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً، إن نزلت، لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، بل تعم الظالم وغيره، ثم يبعث الناس على نيتهم، وذلك كإقرار المنكَر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، واقتراف الكبائر، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد، وعن الفرائض، وغير ذلك من أنواع الذنوب، وفي الحديث:
«لَتأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ ولتنهون عن المنكر، أو لَيَعُمَّنَّكُمْ اللَّهُ بِعَذَابِهِ» «٢» . أو كما قال ﷺ . قالت عائشة رضى الله عنه: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخبث» «٣» .
قال القشيري، في معنى الآية: احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمُّ شؤمُها مَنْ تعاطاها ومن لم يتعاطاها. وغير المجرم لا يُؤخْذَ بجُرْم من أذنب، ولكن قد ينفرد واحدٌ بجُرم فيحمل أقوامٌ من المختصين بفاعل هذا الجُرْم، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بحكم ذلك الجرّم، فبعد ألا يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالماً في الحال، بل تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم، ورضاه به. هـ. وسيأتي تمامه في الإشارة.
وحكى الطبري أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل. هـ. قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن ارتكب معاصيه وتسبب في فتنة غيره.
الإشارة: في القشيري، لما تكلم على تفسير الظاهر، قال: وأما من جهة الإشارة فإن العبدّ إذا باشر زّلّةٍ بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة، وهي العقوبة المعجلة، ونصيب النفس من الفتنة العقوبة، والقلبُ إذا حصلت
стр. 913
منه فتنة، وهو همه بما لا يجوز، تَعدَّتْ فتنته إلى السر وهي الحُجْبَةُ. وكذلك المُقَدًّمُ في شأنه، إذا فعل ما لا يجوز، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى مُتَّبعِيهِ وتلامذتِهِ، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة، وهم لم يعملوا ذنباً، ويقال: إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر أصابتهم فتنة بتَرْكِهِم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام.
ثم قال: ويقال: إن الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع في اخذ الزيادة من الدنيا بما فوق الكفاية- وإن كانت من وجه حلال- تعدت فتنتهُ إلى من يتخرج على يديه من المبتدئين، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا، وتَرْكِ التقلل، فيؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة في الأشغال الدنيوية. والعابد إذا جَنَحَ إلى سوء ترك الأوراد تعدَّى ذلك إلى ما كان ينشط في المجاهدة به، ويتوطَّن الكسل، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات، فيصير كما قيل:
إن الشبابَ والفراغ والجدَةْ ... مفسدةٌ للمرء أي مفسده»
فهذا يكون نصيبهم من الفتنة، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظَّ له، نَظَرَ إليه المريدُ فتتداخله فتنة فَتْرَةٌ فيما هو به من صدق المنازلة، فيكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. وبالجملة: إذا غفل المَلِكُ، وتَشَاغَلَ عن سياسة رعيته، تَعَطَّلَ الجندُ والرعية، وعَظُمَ فيهم الخَلَلُ والبَليَّة، وفي معناه أنشدوا:
رُعَاتُك ضيَّعوا- بالجهل منهم ... غُنَيْمَاتٍ فَساسَتْها ذِئابُ.
انتهى كلامه رضى الله عنه.
ثم ذكّرهم بالنعم، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٦]
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)
يقول الحق ﷻ : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ أي: اذكروا هذه النعمة، حيث كنتم بمكة وأنتم قليل عَددكم مع كثرة عدوكم، مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أي: أرض مكة، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ أي: قريش، أو من عداهم، فَآواكُمْ إلى المدينة، وجعلها لكم مأوى
стр. 914
تتحصنون بها من أعدائكم، وَأَيَّدَكُمْ أي: قواكم بِنَصْرِهِ على الكفار، أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من الغنائم، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النعم.
والخطاب للمهاجرين، وقيل: للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم، يخافون أن يتخطفهم الناس من كثرة الفتن، فكان القوي يأكل الضعيف منهم، فآواهم الله إلى الإسلام، فحصل بينهم الأمن والأمان، وأيدهم بنصره، حيث نصرهم على جميع الأديان، وأعزهم بمحمد ﷺ ، ورزقهم من الطيبات، حيث فتح عليهم البلاد، وملكوا ملك فارس والروم، فملكوا ديارهم وأموالهم، ونكحوا نساءهم وبناتِهم، لعلهم يشكرون.
الإشارة: التذكير بهذه النعمة يتوجه إلى خصوص هذه الأمة، وهم الفقراء المتوجهون إلى الله، فهم قليل في كل زمان، مستضعفون في كل أوان، حتى إذا تمكنوا وتهذبوا، وطهروا من البقايا، منَّ عليهم بالنصر والعز والتأييد، كما وعدهم بقوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية «١» ، والغالب عليهم شكر هذه النعم، لَمَا خصَّهم به من كمال المعرفة. والله تعالى أعلم.
ثم نهاهم عن الخيانة، فقال:
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)
يقول الحق ﷻ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ بتضييع أوامره وارتكاب نواهيه، وَالرَّسُولَ بمخالفة أمره وترك سنته، أو بالغلول في الغنائم، أو بأن تُبطنوا خلاف ما تظهرون.
قيل: نزلت في أبي لبابة في قصة بَني قُرَيْظَةَ. روى أنه ﷺ حاصرهم إِحْدَى وعشرين ليلةً، فَسَأَلوا الصُّلْحَ كما صَالَحَ إِخْوانَهُمْ بَني النَّضِير، عَلَى أَنْ يَصيروا إلى إخوانهم بأذْرِعَاتٍ وأريحا من الشَّام، فأبَى إلا أن يَنْزِلوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأبَوْا وقَالوا: أرْسِلَ لنا أبا لُبَابَةَ، وكان مُنَاصِحاُ لهُمْ لأنَّ عيَالهُ ومَالَهُ في أَيْدِيِهِمْ، فَبَعَثَه إليْهِمْ، فقالوا:
ما تَرَى؟ هَلْ نَنْزِلُ على حُكْم سَعْدٍ؟ فأَشارَ إلى حَلْقِهِ، أنه الذَّبْحُ، فقال أبو لُبَابَة: فما زَالت قَدَمَاي حَتَّى عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ الله ورسُولَهُ، فنزل وشدَّ نَفْسَهُ إلى ساريةٍ في المسجد، وقال: والله لا أَذُوقُ طعاماُ ولا شَرَاباً حتى أمُوتَ، أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيام حتى خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيهِ، ثم تَابَ الله عليه، فقيل له: قد تِيب عَلَيْكَ فحُلّ نفسك، فقال:
стр. 915
لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاء رسول الله ﷺ فحلَّه، فقال: إِنَّ من تَمام تَوْبَتِي أن أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الّتِي أصَبْتُ فيها الذَّنْب، وأن أنخَلِعَ من مالى، فقال ﷺ : «يَجْزِيكَ الثُّلثُ أنْ تَتَصَّدَّقَ بِه» «١» .
ثم قال تعالى: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ فيما بينكم، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الخيانة ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن اللئام، كما قال الشاعر:
لا يَكتُمُ السرَّ إلا كُلُّ ذِي ثِقَةٍ ... فالسرُّ عِنْدَ خِيَارِ النَّاسِ مَكْتُومُ
أو: وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح.
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة، كما فعل أبو لبابة. وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
لمَن آثر رضا الله ومحبته عليهم، وراعى حُدود الله فيهم، فعلّقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم، ورضاه العميم، حتى تفوزوا بالخير الجسيم.
الإشارة: خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح، وهذا من أقبح الخيانة، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق، وهو من أقبح العقوق لهم، وأما خيانة الأمانة فهى إفشاء أسرار الربوبية لغير أهلها، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه، إذا كان سالكاً غير مجذوب، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل، وكان خائناً، ومن كان خائناً لا يُؤمن على السر، فهو حقيق أن ينزع منه، إن لم يقتل أو يتب، ولله در القائل:
سَأَكْتُم عِلْمِي عَنْ ذَوِي الجَهْلِ طَاقَتِي «٢» ... وَلاَ أَنْثُرُ الدُّر النَّفيس على الْبَهَمْ
فإنْ قَدَّرَ اللَّهُ الكَريمُ بلطفه ... ولا قيت أَهلاً للعُلُوم وللحِكَمْ
بَذَلْتُ عُلُومِي واستَفَدْتُ عُلُومَهُم ... وإِلاّ فمخزونٌ لديَّ ومكتتم