← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فجلس، ولم يخاطبه حتى حضر الآخر، ثم أقبل عليهما، فقال: ويحكما، أخبراني، ألم أحسن إليكما، وأصطنعكما، وأنوّه بكما، وأسن أرزاقكما، وأعل مرتبتكما، وأخفّف الخدمة عليكما، وأتناه بجهدي، في قضاء حقوقكما؟ فأخذا يشكرانه. فقال: ما أريد هذا، إمّا أن تقولا: نعم، أو لا. فقالا: بلى، والله، وزيادة. قال: فمن حقّي عليكما، ومكافاة هذا، وشكره، أن تقطعا عنّي رجاء الناس؛ وتصدّانهم عن أملي، وتؤيسانهم من [١٥٣] برّي، وتنسباني عندهم إلى الضجر برقاع المؤمّلين، والبخل على المستحقين؟. ما كان عليكما، لو أخذتما رقعة الرجل، فإن أجرى الله على يدي خيرا، كنتما فيه شريكين، وإن ضجرت، كان الضجر إليّ منسوبا، وأنتما منه بريئان، وقد قضيتما حقّ قصد الرجل لكما، فلا حقّه قضيتما، ولا حقّ الله ، فيما أخذه على عباده من بذل الجاه، ولا حقّ إنعامي. قال: وأسرف في لومهما، وتوبيخهما، حتى كأنّهما قد جنيا أعظم جناية. قال: فأقبلا يعتذران، ويحلفان أنّهما ما أرادا إلّا التخفيف عنه بقراءة شيء طويل، وأرادا أن يخفّف الرجل الرقعة، فتخف قراءتها، وتكون أنجع لحاجته، وإنّهما ما قدّرا أنّه قد أيس، وانصرف مغموما، ولو علما بذلك، لقصداه، حتى يرتجعا رقعته، ويوصلانها. قال: فأقبلت الجماعة تدعو له، وتحلف، أنّ هذا التأديب، والتفضّل، والنيّة في الجود والكرم، أحسن من الفعل الذي عمله مع الرجل، على عظم حسنه، وأنّه ليس على [١٥٤] وجه الأرض من يعمله غيرك.

стр. 1017

١٢٢ الوزير حامد بن العباس يعذّب المحسّن بن الفرات حدّثنا أبو الحسين الحارثيّ النهرسابسيّ «١» ، قال: حدّثني شيخ من شيوخنا: إنّ أبا جعفر بن الشلمغانيّ «٢» ، كان في نهاية الاختصاص بحامد بن العبّاس «٣» ، فلما وزّر اجتذبه معه إلى بغداد، وكان يدخله في آرائه، ويشاوره في مهمّاته، ويوسّطه في كبار الأمور. قال: فلما جرى من حامد على المحسّن بن الفرات «٤» ، تلك القضيّة الشديدة «٥» ، كتب إلى ابن الشلمغانيّ، يسأله، مسألة حامد الرفق به،

стр. 1018

والتقدّم إلى المستخرج «١» بالتوقّف عن ضربه، وإذلاله، ليؤدّي على مهل. فتكفّل ابن الشلمغانيّ بأمره، وخاطب حامد بن العباس في ذلك، فردّه، فعاوده في مجلس حافل، ولجّ حامد، ولجّ ابن الشلمغانيّ، إلى أن قال حامد هاتم «٢» المحسّن، ابن كذا وكذا، وهاتم الغلمان والمقارع. قال: فقبّل ابن الشلمغانيّ يده، فلم يقنع، وحلف أنّه لا بدّ أن يصفعه، ويضربه في ذلك المجلس، وتوجّه الغلمان ليجيئوا به. فلما عادوا، ومعهم المحسّن، قام ابن الشلمغانيّ، من قبل [١٥٥] أن يدخل المحسّن، وانصرف، فاستشاط حامد، وجنّ، وكاد أن يقبض على ابن الشلمغاني، ويوقع به، ثم استرجع، وأخرج غيظه على المحسّن، وصفعه الصفع المشهور، الذي كان سبب قتل المحسّن له «٣» ، لما ولي أبوه الوزارة الثالثة. قال: ونهض ابن الشلمغاني، فدخل إلى دار حجبة حامد، مغموما، وأخذ يشكو ما يجده إلى الحاجب، ويتشاكيان، ويقول: هذا الرجل يريد أن يقتلنا كلّنا بعده، وأن لا يبقي لنا باقية، يا قوم، أيّ شيء يعمل بنفسه؟ قال: فهو كذلك، إذ دعا حامد بحاجبه، وقد قام عن مجلسه، وردّ حامد المحسّن إلى محبسه بعد ما جرى، وقال للحاجب: ويحك، أين ابن الشلمغانيّ؟ فقال: عندي في الحجرة. قال: فما قال؟ قال: لم يقل شيئا.

стр. 1019

فأمسك كالخجل، ثم قال: هاته. فلما جاء، قال: يا أبا جعفر، من حقّ مودّتي لك، أن تتوافى لأعدائي، وتقوم عن مجلسي، إذا رأيتني أوقع بأعدائي؟ فقال: ننصف؟ أو نقول: صدق الأمير؟ قال: أسمع وأنصف. قال: أيّها [١٥٦] الوزير، هذا رجل سألتك فيه، فاعمل «١» أنّه كان بقّالا، لابن وزير أنت تعلم حالته، وقديم رياسته، فما كان يحسن أن تردّني فيه، ولا إن رددتني، أن تسومني الجلوس، وحضور عذاب من شفعت فيه، ثم أنت تعلم، أنّ الأيّام دول، وأنّ لهذا الفعل عاقبة، يكفيك الله إيّاها، فأيّ شيء يضرّك من سلامة مهجتي، في حال العافية، وإفلات نعمتي من شرّ هؤلاء؟ وأن يقولوا غدا: داهننا، ولم يشفع لنا، ولو كان نصحنا ما خالفه الوزير، مع ما بينهما، وما قعد ليشاهد صفعنا، إلّا تشفّيا منا، وأيّ شيء أحسن بك من أن تنسب حاشيتك، ومن اخترته لمودتك وأنسك، إلى الخير، وبعدهم من الشرّ، فيقال: إنّه لو لم يكن خيّرا، لما استصحب الأخيار، وإنّما يحمله على ما فعله، الغضب، والحاجة إلى المال، وإلّا فالخير طبعه، والغالب عليه، ولا يقال: إنّه شرير جمع الأشرار حواليه، واعلم أنّي [١٥٧] ما قمت من مجلسك، إلّا وقد وضعت في نفسي، أنّك تنكبني، وعلمت أنّي قد أسأت أدبي، وأنّي غير آمن من عجلتك في نكبتي، ولكن قلت: أكون على حقّ، ومتمسّكا بحجّة وحزم، وإن جنى عليّ، وإن سلمت، فبفضل الله، وإن هلكت فالله يخلّصني. قال: فخجل حامد، واعتذر إليه وقال: اخرج الآن، وخذ بيد المحسّن، وتوسّط أمره، وخفّف محنته.

стр. 1020

١٢٣ من شعر المهلبي الوزير وجدت بخطّ المهلّبي الوزير «١» ، كتابا إلى أبي سلمة، أهداه إليّ، وقال: هذا كتابه إليّ، وهو بالخطّ الذي أعرفه، وفيه لنفسه: وصل الكتاب طليعة الوصل ... بغرائب الأفضال والفضل فشكرته شكر الفقير إذا ... أغناه ربّ المال بالبذل وحفظته حفظ الأسير إذا ... ورد الأمان له من القتل ووجدت بخطّ أبي محمد، كتابا، إلى أبي القاسم بن بلبل، كتب إليه به، وهو صغير الحال جدّا، وفيه: طلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللقاء يبدو الصباح [١٥٨] ذاك إن تمّ لي فقد عذب العيش ... ونيل المنى وريش الجناح وله إلى غيره: جاد لي بالعتاق «٢» من صرف دهري ... بكتاب يسرّني أو رسول فعلى قدر ما تكلّف من وصلي ... لعلمي بقطعه للوصول أشكر البذل من جواد وأزداد ... إذا البذل جاءني من بخيل وله أيضا: أمثلي يا أخي وشقيق روحي ... يفارق عهده عند الفراق

стр. 1021

ويسلو سلوة من بعد بعد ... وينسبه الشقيق إلى الشقاق وأقسم بالعناق، وتلك أوفى ... وأشفي من يميني بالعتاق لقد ألصقت بي ظنّا ظنينا ... تجافى جانباه عن التصاق وله أيضا: فديت أخا يواصلني بكتب ... أسرّ من البشارة حين تاتي [١٥٩] أخ لم يرض لي بالوصل حتى ... حباني بالبقيّة «١» من حياتي وله أيضا: ورد الكتاب فديته من وارد ... فيه لقلبي من حياتي مورد فرأيته كالدرّ نضّد عقده ... في كلّ فصل منه، فصل مفرد

стр. 1022

١٢٤ قال الخليفة المقتدر ما ظننت أنّ في الدنيا من يأكل طعاما بلا حلوى بعده حدّثنا أبو منصور القشوري، وكان من الجند المولّدين، قال: كنت أخدم وأنا حدث، في دار نصر القشوري «١» ، المرسومة بالحجبة من دار المقتدر بالله «٢» . فركب المقتدر بالله يوما، على غفلة، وعبر إلى بستان الخلافة، المعروف بالزبيدية، وأنا مشاهد لذلك، في نفر من الخدم والغلمان، وتشاغل أصحاب الموائد، والطبّاخون، بحمل الآلات، والطعام، وتعبيتها في الجون «٣» ، فانفلّت «٤» ، وأعجل هو في طلب الطعام، فقيل له: لم يحمل بعد. فقال: انظروا ما كان. فخرج الخدم، محتارين، ليس يجسروا يعودوا، فيقولوا ما جا شي «٥» [١٦٠] ، وهم يتشاورون فيما يفعلونه.

стр. 1023

فسمعهم جعفر، ملّاح طيّار المقتدر، الرئيس على الملاحين الذين برسم الخدمة، فنادى عليهم، وقال: معي طعام. قال: فهاتم ما معه. فأخرج من تحت الطيّار، جونة مليحة، خيازر «١» ، لطيفة، فيها جدي بارد «٢» ، وسكباج مبرّد «٣» ، وبزماورد «٤» ، وإدام «٥» ، وقطعة مالح ممقور «٦» طيّبة، وأرغفة سميذ جيّدة «٧» ، وكل ذلك نظيف، وإذا هي جونة تعمل له في منزله، في كلّ يوم، وتحمل إليه، فيأكلها في موضعه في الطيّار، ويلازم الخدمة. فلمّا حملت إلى المقتدر، استنظفها، وأكل منها، واستطاب المالح، والإدام، فكان أكثر أكله منه. ولحقته الأطعمة من مطبخه، فقال: ما آكل اليوم، إلّا من طعام جعفر الملّاح، فأتمّ أكله منه، وأمر بتفريق الطعام على من حضر. ثم قال: قولوا له: هات الحلوى. فقال: نحن لا نعرف الحلوى. فقال المقتدر: ما ظننت أنّ في الدنيا من يأكل طعاما، بلا حلوى بعده.

стр. 1024

فقال الملّاح: حلوانا [١٦١] التمر، والكسب «١» ، فإن تنشط له أحضرته. قال: لا، هذا حلو صعب، لا أطيقه، فاحضروا من حلوانا. فأحضرت عدّة جامات، فأكل، وجلس للشرب. ثم قال لصاحب المائدة: اعمل في كلّ يوم جونة، تنفق عليها، ما بين عشرة دنانير، إلى مائتي درهم، وسلّمها إلى جعفر الملّاح، تكون برسم الطيّار أبدا، فإن ركبت يوما على غفلة، كما ركبت اليوم، كانت معدّة، وإن حان المغرب، ولم أركب، كانت لجعفر. فعملت، إلى أن قتل المقتدر، وكان جعفر يأخذها، وربما حاسب عليها الأيّام، وأخذها دراهم. وما ركب المقتدر بعدها، على غفلة، ولا احتاج إليها.

стр. 1025

١٢٥ الخليفة المعتضد يأمر بصنع جزورية ويشبه هذا، ما بلغني عن المعتضد، أنّه طلب يوما لونا من طعام، فقيل له: ما عمل اليوم. فأنكر ذلك، وقال: يجب أن لا يخلو المطبخ من كلّ شيء، حتى إذا طلب لم يتعذّر. ووقّع إلى ديوان النفقات بإقامة ذلك اللون، إلى أن يرد التوقيع بقطعه، فكان يصلح، وينفق عليه دراهم [١٦٢] كثيرة، ولا يحضر المائدة، توقّعا أن يطلبه، فيقدّم عند الطلب، كما رسم. فمضى على ذلك سنة، ولم يطلبه. ثم رفعت إليه حسبة «١» ، وكان يقف بنفسه على حسباناته، فرأى ما أنفق على ذلك اللون في طول السنة، فاستهوله، وقال: أستغفر الله، ينفق لي من مال المسلمين، على لون لم آكله، هذا كلّه، إنّ هذا لعين السرف، اقطعوا عمله، ولا تقع معاودة لمثل هذا، في هذا ولا في غيره. وقالوا: كان اللون جزوريّة، فكان يذبح له الطبّاخ في كل يوم قلوصا «٢» ، فلذلك عظمت النفقة. وقالوا: بقريّة، فكان يذبح في كل يوم عجلا.

стр. 1026

وقالوا: مضيرة» بفراريج، كلّ ذلك سمعته «٢» .

стр. 1027

١٢٦ اللهم أنقذنا من ذلّ الطمع حدّثنا أبو إسحاق، إبراهيم بن [أحمد بن] محمد بن أحمد، الشاهد، المعروف بالطبريّ «١» ، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن صالح الأبهري «٢» ، الفقيه المالكي، وهو باق إلى الآن «٣» ، ومحلّه مشهور في الورع والعلم، قال: رأيت في المنام، رجلا من الزهّاد، ذكره لي، وكأنّي [١٦٣] أطلبه، فخرج عليّ، من بين نخل، وعليه فوطتان، متّزر بإحداهما، متّشح بالأخرى، كأنّه سنديّ «٤» . فقلت له: قل لي شيئا، أو عظني بشيء. فقال: قل: اللهم قصّر أملي، وحسّن عملي، واستنقذني من ذلّ الطمع.

стр. 1028

١٢٧ آلى على نفسه أن لا يأكل لحم فيل أبدا وحدّثنا «١» ، قال «٢» : حدّثنا جعفر الخلدي «٣» ، قال: حدثني الخوّاص الصوفيّ «٤» ، قال: ركبت في البحر، مع جماعة من الصوفيّة، فلمّا أوغلنا فيه كسر بنا، وركبنا خشبا من خشب المركب، ونجا منّا جماعة، فوقعنا إلى ساحل لا ندري أين هو، ولا ما هو، فأقمنا فيه أيّاما، لا نجد ما نقتاته، وأحسسنا بالهلاك. فاجتمعنا، وقال بعضنا لبعض: تعالوا حتى نجعل لله ، على أنفسنا، إن هو خلّصنا من هذا المكان، وأحيانا، أن ندع له شيئا. فقال بعضنا: لا أفطر الدهر. وقال بعضنا: أصلّي كلّ يوم كذا وكذا ركعة. وقال بعضنا: أدع الكذب. إلى أن قال كلّ واحد من الجماعة شيئا، وقالوا لي: ما تقول أنت؟ فقلت: لا آكل لحم فيل أبدا [١٦٤] .

стр. 1029

فقالوا: ما هذا الهزل في مثل هذا الموضع؟ فقلت: والله، ما تعمّدت الهزل، ولكني منذ بدأتم، أعرض على نفسي شيئا، أدعه لله ، فلا تطاوعني نفسي، إلى غير هذا الذي لفظت به، وما قلت إلا ما اعتقدته. فقالوا: لعلّ لهذا أمرا. وتفرّقنا بعد ساعة، نطوف تلك الأرض، نطلب شيئا للأكل، فوقعنا على فرخ فيل، في نهاية السمن، فأخذه أصحابنا، واحتالوا فيه، حتى ذبحوه، وشووه. وقالوا: تقدّم، فكل. فقلت: منذ ساعة، تركته لله ، ولعلّ ذلك الذي جرى على لساني من ذكره، إنّما هو سبب موتي، لأنّي لم آكل منذ أيّام شيئا، ولا أطمع في شيء آخر آكله، وما يراني الله انقض عهده، فكلوا، واعتزلتهم. فأكلوا، وشبعوا، وعاشوا «١» ، وأقبل الليل، فتفرّقوا في مواضعهم التي كانوا يبيتون فيها، وأويت إلى أصل شجرة، كنت أبيت عندها. فلم يكن إلّا ساعة، وإذا بفيل، أقبل من الموضع الذي استخرجنا منه الفرخ [١٦٥] ، وهو ينعر، والصحراء قد امتلأت بنعيره، وشدّة وطأته، وهو يطلبنا. فقال بعضنا لبعض: قد حضر الأجل، فاستسلموا، وطرحوا أنفسهم إلى الأرض، على وجوههم. فجاء الفيل، وجعل يقصد واحدا واحدا، فيشمّه من أوّل جسده، إلى

стр. 1030

آخره، فإذا لم يبق منه موضع إلّا شمّه، شال إحدى قوائمه، فوضعها على الرجل، حتى يفسّخه، فإذا علم أنّه قد تلف، شال قائمته، وقصد الآخر، ففعل به، مثل فعله بالأوّل. وظلّ على هذا، إلى أن لم يبق غيري، وأنا جالس منتصب، أشاهد ما يجري، وأدعو، وأستغفر، ما طرحت نفسي، ولا هربت، إلى أن قصدني، فحين قرب مني، طرحت نفسي على ظهري، فجاء حتى تشمّمني من سائر أعضائي، أو أكثرها، كما فعل بأصحابي، ثم أعاد تشمّمي مرتين، أو ثلاثا، ولم يكن فعل ذلك بهم، ثم لفّ خرطومه عليّ، وشالني في الهواء، فقلت: هذه قتلة أخرى، يريد أن يقتلني بها، فما نحّى خرطومه عنّي، حتى جعلني فوق ظهره، فانتصبت جالسا، وحفظت [١٦٦] نفسي، وحمدت الله سبحانه على تأخرّ القتل، وجعلت أعجب مرّة، وأتوقّع القتل أخرى، والفيل يهرول، ويسرع، إلى أن أضاء الفجر، فوقف، وأصعد خرطومه إليّ، فقلت: حضر الأجل، فلفّه عليّ، وأنزلني على رفق إلى الأرض، وتركني عليها، وجعل يسعى في الطريق التي جاء منها، وأنا لا أصدّق. فلما بعد عني، حتى لم أره، أقبلت أدعو وأصلّي، وتأمّلت موضعي، وإذا أنا على محجّة، فمشيت عليها نحو فرسخين، فإذا بلد عظيم، قد لاح لي، فقصدته، ودخلته، فإذا هو بلد من بلدان الهند عظيم، وذكر اسمه. قال: فعجب أهله منّي، وسألوني عن قصّتي، فأخبرتهم بها، فزعموا أنّ الفيل، قد سار في هذه اللّيلة الواحدة، مسيرة أيّام. وتسبّبت إلى الخروج من عندهم، والنقلة من بلد إلى بلد، حتى حصلت في بلدي سالما.

стр. 1031

١٢٨ يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه قال «١» : حدّثني جعفر «٢» ، قال: ودّعت في بعض حجاتي، المزيّن الكبير الصوفيّ «٣» ، وقلت له: زوّدني شيئا. فقال: إن ضاع [١٦٧] منك شيء، وأردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان، فقل: «يا جامع النّاس ليوم لا ريب فيه، إنّ الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا» ، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء، أو ذلك الإنسان «٤» .

стр. 1032

١٢٩ طلسم لإزالة الغم قال «١» : فجئت إلى الكتّاني الكبير «٢» الصوفيّ، فودّعته، وقلت له: زوّدني شيئا، فأعطاني فصّا عليه نقش كأنّه طلسم، وقال: إذا اغتممت فانظر إلى هذا، فإنّ غمّك يزول. قال: وانصرفت، فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء، إلّا استجيبت، ولا رأيت الفصّ، وقد اغتممت، إلّا وزال غمّي. فأنا ذات يوم أعبر، قد توجّهت إلى الجانب الشرقيّ من بغداد، حتى هاجت ريح عظيمة، وأنا في السميريّة، والفصّ في جيبي، فأخرجته لأنظر إليه، فلا أدري كيف ذهب مني، في الماء، أو في السفينة، أو [في] ثيابي. فاغتممت غمّا عظيما، فدعوت الله تعالى، وعبرت، وما زلت أدعو الله تعالى بها يومي وليلتي، ومن غد، وأيّاما. فلما كان بعد ذلك، أخرجت [١٦٨] صندوقا فيه ثيابي، لألبس شيئا منها، ففرّغت الصندوق، فإذا أنا بالفصّ، في أسفل الصندوق. فأخذته، وشكرت الله «٣» .

стр. 1033

١٣٠ رقية تنفع من لسعة العقرب وحدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن البهلول التنوخيّ «١» ، قال: حدّثني أحمد بن الطيّب «٢» ، قال: كنت بحضرة المعتضد «٣» ، فجاء رجل يصيح بالباب: نصيحة، فأخبر بذلك، فقال: اخرجوا إليه، وقولوا له يذكرها. فعادوا، وقالوا: قد قال: لا أذكرها إلّا لأمير المؤمنين. فقال: قولوا له: إن لم تكن نصيحة، بالغت في عقوبتك، فخرجوا، وعادوا، فقالوا: قد قال: رضيت. فأدخل، وأنا حاضر، فسلّم على الخليفة. فقال: ما نصيحتك؟ فقال: رقية وقعت إليّ، تحبس السمّ عن الملسوع، في الحال. فقال المعتضد: هاتوا عقربا. قال: فكأنّها كانت معدّة، فأتي بها في أسرع وقت، فأومى إلى الخادم بحضرته، فطرحت عليه، فلسعته، فصاح. فقال له الرجل: أرني موضع اللسعة، فأراه، فأخرج [١٦٩] حديدة، لا حدّ لها، وجعل يمسح بها من أعلى موضع اللسعة والسمّ، إلى أسفل، ويقول:

стр. 1034

«بسم الله، أوم سرا، ومربهل، بني تعبه، كرواري، أنهج أنهج، بهشتن، يهوذا، له مهر، أستروم، لوبه، قرقر، سعلهه» . ويكرّر ذلك دفعات، إلى أن قال الخادم، قد سكن الوجع عن يدي كليّة، إلّا موضع اللسعة، فإنّي أحسّ منه ببقيّة. قال: أعطوني إبرة. فجاءوه بها، ففتح الموضع، فخرج منه شيء أصفر، وقام الخادم معافى. فأمر المعتضد، فكتبت الرقية، وخلّدت [في] الخزانة. وأمر للرجل بجائزة سنيّة «١» .

стр. 1035

١٣١ والرقية تنفع أيضا في لسعة الزنبور قال لي أبو الحسن «١» ؛ وقد جرّبت «٢» ، على الزنبور، فصحّت، وسبيلها أن تجرّب على الحيّة، لأنّ قوله: تحبس السمّ، يدخل كلّ ذلك تحته. وأنا «٣» رأيت أحمد بن يوسف، يرقي بهذه الرقية، على هذا الموضع، فيقوم الملسوع من بين يديه، يمشي وهو معافى. حدّثني أبو الفرج، المعافى بن زكريا «٤» ، الفقيه على مذهب أبي جعفر الطبريّ، أحد خلفاء قاضي القضاة [١٧٠] على بعض السواد، قال: حدّثني أبو طالب بن البهلول القاضي «٥» ، عن رجل، عن ابن الطيّب «٦» ، بهذه الحكاية، هذا وأنسي أبو الفرج اسم الرجل، ولا أشك- والله أعلم- أنّه أبو أحمد الرازيّ. هذه الحكاية منتشرة جدا في آل البهلول، عن هذا الرجل، عن ابن الطيّب، وجميعهم يرقي بها، وينقلها قولا وعملا.

стр. 1036

١٣٢ لأبي الحسن بن المنجم، يعاتب صديقا له أنشدني أبو الحسن، عليّ بن هارون بن يحيى بن المنجّم «١» لنفسه، وكتب بها إلى عليّ بن هارون بن خلف بن طناب «٢» ، في غيبة كان غابها، وتأخرت عنه كتبه، وفيه صنعة لأبي الحسن بن طرخان «٣» : بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يمحه الإعتاب يا غائبا بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب ما غاب من لم ينأ صفو وداده ... والحاضرون وإن دنوا غيّاب [١٧١] لولا التعلّل بالرجاء تقطّعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب لا يأس من روح الإله فإنّه ... يصل القطوع فيقدم الغيّاب فإذا دنوت مواصلا فهو المنى ... سعد المحب وساعد الأحباب وإذا نأيت فليس لي متعلّل ... إلّا رسول بالرضا وكتاب

стр. 1037

١٣٣ لأبي الفتح بن المنجم في الغزل أنشدني أبو الفتح، أحمد بن عليّ بن يحيى بن المنجّم «١» ، لنفسه، والقافية في الأبيات كلّها لفظة واحدة، باختلاف المعنى: سيّدي أنت ومن عادته ... باعتداء أو بجور جاريه وهذه الأبيات قد مضت في غير هذا الجزء من الكتاب «٢» .

стр. 1038

١٣٤ لأبي أحمد بن سليمان متغزلا أنشدني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان «١» ، لنفسه: أيا من قدّه ألف ... ويا من صدغه لام [١٧٢] لقد أكثرت لوّامي ... ولو أنصفت ما لاموا

стр. 1039

١٣٥ أشهدوا العدول على الخليفة المطيع لمّا خلع نفسه وأخبرني شاهد من الشهود المقبولين ببغداد، وسألني أن لا أذكر اسمه وهو حيّ، فلذلك لم أسمّه، قال: كنت أحد الشهود الأربعة، الذين أدخلوا مع قاضي القضاة، أبي محمد «١» ، وهو إذ ذاك، غير متقلّد شيئا من الأعمال «٢» ، ومعنا أبو بكر الأصبهاني، صاحب سبكتكين التركيّ «٣» ، مولى معزّ الدولة، لما وثب على الأمر، وتسمى بالإمارة «٤» .

стр. 1040

فأدخلونا، وليس معنا سابع، حتى شهدنا على المطيع لله «١» ، بأنّه قد خلع نفسه «٢» ، وقرأنا عليه رقعة الخلع «٣» ، وقرّرناه بما فيها، وخرجنا. فأدخلنا إلى دار أخرى، من دور الخلافة، حتى حصلنا بحضرة الأمير أبي بكر عبد الكريم «٤» بن المطيع، فبايعناه بالخلافة، وسلّمنا عليه بها، وخرجنا، فجلسنا في مجلس قريب من مجلسه، لنوقّع خطوطنا بالشهادة في كتاب الخلع «٥» . قال: واستسقى أمير المؤمنين الطائع، ماء، فجاء بعض الخدم، بكوز فيه [١٧٣] ماء، فشرب، وخرج، فرأيت الكوز، وكنت عطشانا، فقلت له: يا أستاذ، اسقني، فجاءني بماء في ذلك الكوز بعينه، فشربت منه. وكتبنا خطوطنا، وخرجنا.

стр. 1041

١٣٦ الأمير الراسبي يأمر بقتل أحد المجرمين على مائدته كان أبو محمد المهلّبي، يكثر الحديث على طعامه، ويكون أطيب الحديث، وأكثره مذاكرة بالأدب، وضروب الحديث، على المائدة، لكثرة من يجمعهم عليها من العلماء والكتاب والندماء، وكنت كثيرا ما أحضر. فقدّم إليه في بعض الأيّام طيهوج «١» ، فقال: أذكرني هذا، حديثا طريفا. فسئل: ما هو؟ فقال: أخبرني بعض من كان يعاشر الراسبيّ الأمير «٢» ، قال: كنت آكل معه يوما، وعلى المائدة خلق عظيم، فيهم رجل من رؤساء الأكراد المجاورين لعمله، وكان ممّن يقطع الطريق، فاستأمن إليه، فأمّنه، واختصّه، وطالت أيّامه معه. فكان في ذلك اليوم على مائدته، إذ قدّم حجل، فألقى الراسبيّ منه

стр. 1042

واحدة إلى الكرديّ، كما يلاطف الرؤساء مواكليهم [١٧٤] ، فأخذها الكرديّ، وجعل يضحك. فتعجّب الراسبيّ من ذلك، وقال: ما سبب هذا الضحك؟ وما نرى ما يوجبه. فقال: خبر كان لي. فقال: أخبرني به. فقال: شيء طريف، ذكرته، لمّا رأيت هذه الحجلة. قال: ما هو؟ فقال: كنت أيّام قطعي الطريق، وقد اجتزت في بعض المحجّة. الفلانيّة، في الجبل الفلاني، وأنا وحدي، في طلب من آخذ ثيابه، حتى استقبلني رجل وحده، فاعترضته، وصحت عليه، فاستسلم إليّ، ووقف، فأخذت ما كان معه، وطالبته أن يتعرّى، ففعل، ومضى لينصرف. فخفت أن يلقاه في الطريق، من يستنفره على طلبي، فأطلب، وأنا وحدي، فأؤخذ، فقبضت عليه، وعلوته بالسيف، لأقتله. فقال: يا هذا، أيّ شيء بيني وبينك، قد أخذت ثيابي، وعرّيتني، ولا فائدة لك في قتلي. فكتّفته، ولم ألتفت إلى قوله، وأقبلت أقنّعه «١» بالسيف. فتلفّت، كأنّه يطلب شيئا، فرأى حجلة قائمة، وهي على الجبل، فقال: يا حجلة، اشهدي لي [١٧٥] عند الله تعالى أنّي أقتل مظلوما. فما زلت أضربه، حتى قتلته، وسرت، فما ذكرت هذا الحديث، حتى رأيت هذه الحجلة، فذكرت حماقة ذلك الرجل، فضحكت.

стр. 1043

قال: فانقلبت عين الراسبي حردا «١» ، وقال: لا جرم إنّ شهادة الحجلة عليك لا تضيع اليوم، في الدنيا قبل الآخرة، وما أمنتك إلّا على ما كان منك من فساد السبيل، فأمّا الدماء، فما أسقطها الله عنك بالأمان، وقد أجرى الله على لسانك الإقرار عندي، يا غلام، اضرب عنقه. قال: فبادر الغلام إليه، وغيره، بسيوفهم يخبطونه، وضرب كل واحد منهم قفاه، فكأنّ رأسه قثّاءة قطعت نصفين. فتدحرج رأسه بين أيدينا، ونحن على المائدة، وجرّت جثته. ومضى الراسبي في الأكل.

стр. 1044

١٣٧ رقعة إلى رجل تزوجت أمه أملى عليّ أبو إسحاق، إبراهيم بن هلال الكاتب، الصابئ «١» ، نسخة رقعة إلى رجل زوّج أمّه، كتبها إليه: قد جعلك الله، وله الحمد، من أهل التحصيل، والرأي الأصيل، وصحة الدين، وخلوص اليقين، كما أنّك لا [١٧٦] تتّبع الشهوة في محظور تحلّه، فكذلك لا تطيع الأنفة في مباح تحظره، وتأدّى إلينا من إيقاعك العقد، بين الوالدة- نفّس الله لها في مدّتك- وبين فلان، ما علمنا أنّك بين طاعة للديانة توخّيتها، ومشقّة فيها تجشّمتها، فإنّك جدعت أنف الغيرة لها، وأضرعت خدّ الحميّة فيها، وأسخطت نفسك لرضاها، وعصيت هواك لرأيها، فنحن نهنّئك بعزيمة صبرك، ونعزّيك عن فائت مرادك، ونسأل الله الخيرة لك، وأن يجعلها أبدا معك، فيما شئت وأبيت، وتجنّبت وأتيت، والسلام.

стр. 1045

١٣٨ رقعة الصابي إلى الوزير ابن بقية وأنشدني «١» لنفسه، قال: وكتبت بها وأنفذتها إلى [الوزير ابن بقيّة وهو في] «٢» حضرة الأمير «٣» ، [وقد كان] وعدني بتخليصي «٤» ، فأخّر ذلك «٥» : أيا ناصرا للدين والدولة التي ... رددت إليها العزّ إذ فات ردّه أيعجزك استخلاص عبدك بعد ما ... تخلّصت مولاك الذي أنت عبده «٦»

стр. 1046

١٣٩ تملّكت يا مهجتي مهجتي أنشدني رجل مصريّ، قال: أنشدني أبو الفتح الكاتب «١» ابن [١٧٧] البكتمري، رجل باق بالشام، من أهلها، لنفسه: تملّكت يا مهجتي مهجتي ... وأسهرت يا ناظري ناظري وما كان ذا أملي يا ملول ... ولا خطر الهجر في خاطري وفيك تعلّمت نظم الكلام ... فلقّبني الناس بالشاعر ١٤٠ لا فكك الله أنشدني ابن غسّان المتطبّب البصريّ «٢» : أفدي من السوء مولى بات معتنقي ... وقد أمال إليّ طائعا فاه وكلما قلت يا مولاي أوثقني ... لك الهوى قال لي: لا فكّك الله

стр. 1047

١٤١ كيف كان الأبزاعجي صاحب شرطة بغداد يحقّق مع المتّهمين حدّثني أبو القاسم بهلول بن أبي طالب القاضي وهو محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ، قال: حدّثني صاحب الربع، بباب الشام «١» ، وأسماه لي، قال: كنت أعمل في أصحاب الشرط، مع أبي الحسن الأبزاعجيّ، صاحب الشرطة ببغداد «٢» ، فأخرج لصوصا من الحبس، واستأذن معزّ الدولة في صلبهم، وقتلهم عند الجسر، فأذن في صلبهم عشيّا، وكانوا [١٧٨] عشرين رجلا، ووكّل بهم جماعة كنت فيهم، والرئيس علينا فلان. وقال: كونوا عند خشبهم بقيّة يومكم وليلتكم، حتى إذا كان من غد، ضربت أعناقهم هنا. وقضينا الليل نوما، فثقل رئيسنا في نومه، وجماعتنا. فاحتال بعض اللصوص، في أن قطع الحبل، ونزل من الخشبة، فما انتبهنا، إلّا بصوت وقعه، وعدوه. فعدا رئيسنا خلفه، وأنا معه، فما لحقناه.

стр. 1048

وخفنا أن يتشوّش الرجّالة الباقون، فيفلت إنسان آخر، فرجعنا مسرعين، وجلسنا مغمومين، مفكّرين ماذا نعمل. فقال رئيسنا: إنّ الأبزاعجيّ لا يقيل لي عثرة، ولا يقبل مني عذرا، ويقع له أنّني قد أخذت من أحد اللصوص مالا وأفلتّه، فيضربني للتقرير، فلا أقرّ، فيقع له، أنّني أتجلّد عليه، فيمرّ الضرب عليّ، إلى أن أتلف، فما الرأي؟ فقلت: تهرب. قال: فمن أين أعيش؟ فقلت: هذا نصف اللّيل، ولم يعلم بما جرى أحد، فقم حتى نطوف، فلا يخلو أن يقع بأيدينا مشؤوم، قد حانت منيّته، فنوثقه، ونصلبه، ونقول له: سلّمت إلينا [١٧٩] عشرين رجلا، فإنّه ما أثبت حلاهم «١» . فقال: هذا صواب. فقمنا نطوف، وسلكنا طريق الجسر، لنعبر [إلى] الجانب الغربيّ، فرأينا في أسفل كرسيّ الجسر رجلا يبول، فعدلنا إليه، فقبضنا عليه. فصاح: يا قوم ما لكم؟ أنا رجل ملّاح، صعدت من سميريّتي أبول، وهذه سميريّتي- وأومأ إليها- أيّ شيء بيني وبينكم؟ فضربناه، وقلنا: أنت اللّص الذي هرب من الخشبة، وجبناه «٢» ، ورقيناه إلى الخشبة، وصلبناه مكان اللّص الهارب، وهو يصيح طول الليل، ويبكي. فتقطّعت قلوبنا رحمة له، وقلنا: مظلوم، ولكن ما الحيلة؟

стр. 1049

فلما كان من الغد، ركب الأبزاعجي إلى الحبس، وجاء، وقد اجتمع الناس، ليضرب أعناق القوم. فصاح به الملّاح: أيّها الأستاذ- وكذا كان يخاطب، وهو رسم لكلّ من يتقلّد رئاسة الشرطة ببغداد- بوقوفك بين يدي الله، أدعني، واسمع منّي كلامي، فلست من اللصوص الذين أخرجتهم، وأمرت بصلبهم، وأنا مظلوم، وقد وقعت بي حيلة. فأنزله، وقال له: ما قصّتك؟ فشرح [١٨٠] له حديثه على حقيقته. فدعا بنا، وقال: ما هذا الرجل؟ فقلنا: ما نعرف ما يقول، سلّمت إلينا عشرين رجلا، وهؤلاء عشرون رجلا. فقال: قد أخذتم من أحد اللصوص دراهم، وأطلقتموه، واعترضتم هذا، من الطريق، رجلا، غريبا، بريئا، فأخذتموه. فقلنا: ما فعلنا هذا، اللصّ الذي سلّمته إلينا، هو هذا. فضرب أعناق الجماعة، وترك الملّاح، وقال: هاتم السجّانين، والبوّابين. فجاءوا، فقال لهم: هذا من جملة العشرين الذين أخذناهم؟ فتأمّلوه، بأجمعهم، وقالوا: لا. ففكّر ساعة، ثم أمر بإطلاقه. ثم قال: هاتموه إليّ، فرددناه. فقال: اشرح لي قصّتك، فأعاد عليه الحديث. فقال له: في نصف الليل، أيّ شيء كنت تعمل هناك، في ذلك الموضع؟

стр. 1050

فقال: كنت قد بتّ في سماريّتي، فأخذتني بولة، فصعدت أبول. قال: ففكّر ساعة، ثم قال له: اصدقني على الحقيقة، حتى أطلقك، أيّ شيء كنت تعمل هناك؟ فلم يخبره بغير ذلك. قال: وكان من رسمه، إذا أراد أن يقرّر إنسانا، قرّره [١٨١] وهو قائم بين نفسين، ووراءه جماعة بمقارع، فإذا حكّ رأسه، ضرب المقرّر، واحدة «١» جيّدة عظيمة، فيقول للذي ضربه: قطع الله يدك ورجلك، يا فاعل، يا صانع، من أمرك بضربه؟ ولم ضربته؟ تقدّم يا هذا، لا بأس عليك، أصدق، فقد نجوت. فإن أقرّ، وإلا حكّ رأسه ثانية، وثالثة، أبدا على هذا، وكذا كانت عادته في جميع الجناة، وهو رسم له معروف، عند المتصرفين بحضرته. قال: فلما أطال عليه الملّاح، حكّ رأسه، فضرب قفاه بعض القائمين، بمقرعة ضربة عظيمة. فصاح الملّاح. فقال الأبزاعجيّ: من أمرك بهذا، يا فاعل، يا صانع، قطع الله يديك. ثم قال للملّاح: اصدق، وانج بنفسك. فقال له الملّاح: أيّها الأستاذ، الله شاهد عليك، أنّي آمن على نفسي وأعضائي، حين أصدق؟ فقال له: نعم. قال: أنا رجل ملّاح، أعمل في المشرعة الفلانية، يعرفني جيراني بالستر، وقد كنت سرّحت سماريّتي، إلى سوق الثلاثاء «٢» ، البارحة بعد

стр. 1051

العتمة، أتفرّج [١٨٢] في القمر، فنزل خادم من دار لا أعرفها. فصاح: يا ملّاح؟ فقدّمت «١» . فسلّم إليّ امرأة، نظيفة، حسنة، ومعها صبيّتان، وأعطاني دراهم صحاحا، وقال: احمل هؤلاء إلى المشرعة الفلانية، بباب الشمّاسية. فصعدت بهم قطعة من الطريق، فكشفت المرأة وجهها، فإذا هي من أحسن الناس وجها، كالقمر، فاشتهيتها، فعلّقت مجاذيفي في الكرك «٢» ، وأخرجت السفينة إلى وسط دجلة، وتقدّمت إلى المرأة، فراودتها عن نفسها، فأخذت تصيح. فقلت لها: والله، لئن صحت، لأغرقنّك الساعة. فسكتت، وأخذت تمانعني عن نفسها، واجتهدت بأن أقدر عليها، فما قدرت. فقلت لها: من هاتان الصبيتان منك؟ فقالت: بناتي. فقلت لها: أيّما أحب إليك، تمكّنيني من نفسك، أو أغرق هذه؟ وقبضت على واحدة منهن. فقالت: أمّا أنا، فلا أطيعك، اعمل ما شئت. فرميت إحدى الصبيّتين في الماء، فصاحت، فضربت فاها، وصحت معها: والله لا أطلّقك ولو قتلتني، ليشتبه ذلك، على من عساه [١٨٣] يسمع الصياح في الليل.

стр. 1052

فسكتت، وأخذت تبكي، ثم تركتها ساعة، وقلت لها: دعيي أفعل بك وإلّا غرّقت الأخرى. فقالت: والله، لا فعلت. فأخذت الصّبية الأخرى، فرميت بها في الماء، فصاحت، وصحت معها، ثم قلت لها: ما بقي الآن إلا قتلك، فدعيني، وإلّا قتلتك، وأخذت بيدها، وشلتها لأرمي بها إلى الماء. فقالت: أدعك. فرددتها إلى السماريّة، فمكّنتني من نفسها، فوطئتها. وسرت، لأمضي بها إلى المشرعة، فقلت في نفسي: هذه الساعة تصعد إلى دارها، أو إلى الموضع الذي تأوي إليه، فتنذر بي، فأؤخذ، وأقتل، وليس الوجه إلّا تغريقها، فجمعت يديها، ورجليها، ورميت بها إلى الماء. فحين غرقت، فكّرت فيما ارتكبته، وعظم ما جنيته، فندمت، وكنت كرجل كان سكرانا، فأفاق. فقلت: أيّ شيء أعمل؟ ليس إلّا أن أنحدر إلى البصرة، وأغوص في أنهارها، فلا أعرف. فانحدرت، فلما صرت حذاء الجسر، أخذتني بطني، وقلت: أصعد، وأتفسّح [١٨٤] ، وأعود إلى سماريّتي. فصعدت، فأنا جالس أتغوّط، فما أحسست حتى قبض هؤلاء عليّ. قال: فقال له الأبزاعجي، مطايبا: يا هذا، أيّ معاملة بين مثلك وبيني، انصرف بسلام. فظنّ لجهله، أنّ ذلك حقيقة، فولّى لينصرف. فصاح به، وقال: يا فتى، هوذا تنصرف، وتدعنا من حقّا «١» ؟ فلا

стр. 1053

أقلّ من أن ترجع لنحلّفك، أنّك لا تعود إلى مثل هذا. فرجع. فقال: خذوه، فأخذوه. فقال: اقطعوا يده. فقال: يا سيّدي، أليس قد أمنتني؟ فقال: يا كلب، وأيّ أمان لمثلك؟ قد قتلت ثلاثة أنفس، وزنيت، وأخفت السبيل. قال: فقطعت يداه، ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرق جسده بالنار في مكانه. ١٤٢ لماذا لقب بالأبزاعجي أخبرني من أثق إليه من أهل بغداد، أنّ الأبزاعجيّ، إنّما لقّب بذلك، لأنّه كان يخدم قائدا من غلمان الموفق «١» ، تركيّا، وكان يسمى أبزاعج، فلقب بالأبزاعجيّ لذلك.

стр. 1054

١٤٣ وكيل دعاوى يحرم من أجره فيعرقل حسم الدعوى حدّثني أبو بكر بن عثمان الصيرفيّ، الشاعر، قال: سمعت عمر ابن أكثم «١» ، يقول: كان قوم يريدون تثبيت وفاة [١٨٥] ، وعدد ورثة، عند أبي عمر القاضي «٢» ، وكانوا قد ضمنوا للوكيل خمسين دينارا على ذلك. فلما ثبت عند القاضي، عدد الورثة، بشهادة شاهدين، ساموه أن يأخذ منهم البعض، ويدع عليهم البعض. فأخذ ما عفوا به «٣» ، وتقدّم إلى القاضي، وخصومهم في المجلس، وقال: قد وكّلني هؤلاء- أعز الله القاضي- وقد أخرجت نفسي من الأولين. فقال: تكلّم. فقال: شهد الشاهدان، عند القاضي، أنّهما لا يعلمان وارثا، غير من ذكروه، وعندي شاهدان عدلان، يعلمان وارثا آخر. فقال: أحضرهما. فقاموا، ودافع بالحكم، ولم يزل يدفع بهم شهرا، إلى أن جاءه الورثة، فقالوا: قد أهلكتنا.

стр. 1055

فقال: بما كسبت أيديكم، والله لأدفعنّ بأمركم سنة، أو تعطوني خمسين دينارا مستأنفة، لأمسك. وأعطوه ما طلب، وتقدّم، فقال: لا بيّنة لي. فحكم القاضي لهم. ١٤٤ إذا صرف الأمين زائدا عن الحاجة ألزم بتعويضه من ماله وحدّثنا أبو بكر «١» ، قال: حدّثنا عمر بن أكثم، قال: تقدّم يتيم كان في حجر أمين من [١٨٦] أمناء القاضي أبي جعفر بن البهلول «٢» ، إليه، وقد بلغ وفكّ حجره، فقال: أيها القاضي، إنّ فلانا الأمين، ضيّع من مالي هذا، كذا وكذا، وأنا أطالبه به. فقال: هاه، هاه «٣» ، أتقول [هذا] لأمين ثابت الأمانة عندي؟ فقال: أيّها القاضي، لم أقل خان فيه، ولكنّه أنفق عليّ أكثر مما كنت أحتاج إليه، بكذا وكذا، وهذا تضييع. فدعا أبو جعفر الأمين، فسأله، فأقّر بذلك. فألزمه المال في ذمّته.
следующие страницы →