Полный текст (2 817 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فقال: يا أبا جعفر، التراب والجندل بفيك وعلى رأسك، والويل والويح محيطان بك، أتطمع أن تعلّمهم بهذه الهيبة؟ حفّت بك اللعنة والخيبة، أسبابك أفسدت، أمن قدري بضحكك وضعت؟ أم سترك عند هؤلاء الأنكاد هتكت؟ أشهد الله، لا أكلمك، أو تعتذر.
وأخذ أبو جعفر، يداريه، ويعتذر إليه، حتى رضي لوقته.
وكان يقول الشعر، وينشده أبا جعفر دائما، وما حفظت منه شيئا.
ولولا أنّ هذه الألفاظ، تعاودناها في المكتب ونحن صبيان، لم تعلق بحفظي، فلما ترعرعت، كتبتها [١١٩] في موضع، وأنسيتها، ثم نقلتها منه، إلى هذا الموضع، وبقيت عندي إلى الآن.
١٠١ مؤدب يتشاتم مع التلاميذ
وسمعت، وأنا في الكتاب، أنّه جاء إلى معلمي، فأسلم إليه ابنه، فقال له: لم نقلته من عند المعلّم الأوّل؟
قال: لأنّني جزت به يوما، والصبيان يتشاتمون، وهو لا يمنعهم بأكثر من أن يقول: قيّدوا ألفاظكم، أخزى الله حرماتكم، لا تتشاتموا يا بني البظر.
وإذا هو، ليس يمنعهم من سوء الأدب، ويدخل في جملة المتشاتمين، فنقلته.
стр. 982
١٠٢ رقية للمرأة كي لا تسقط حملها
حدّثني عبد الله بن عمر بن الحارث «١» ، قال:
كان أبي يكتب آي الرقى، على أصل وقع إليه في ذلك.
وكان ممّا يكتبه رقية للمرأة، إذا خافت أن تسقط ولدها، وتعلّق في وسطها، فلا تسقط.
قال: وجرّبنا عليه ذلك، على طول السنين، فلم يخطئ.
يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
، الآية «٢» ، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
، الآية «٣» وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ [١٢٠] اللَّهُ
«٤» ، إلى آخر السورة «٥» ، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
، الآية «٦» .
стр. 983
١٠٣ رقية لإعادة الآبق
قال «١» : وكان يكتب رقية الآبق، ما رأيتها أخلفت، وهي أن تأخذ رقّا «٢» فتكتب فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
«٣» ، إلى: نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
، أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ، يَغْشاهُ مَوْجٌ
، إلى آخر قوله تعالى: فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
«٤» ، فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
«٥» ، أدركه بآيات الله، يردّه رب السموات والأرض، فاجعل ما بينهما أضيق على فلان- يعني الآبق- من مسك «٦» حمل، حتى تمكّن منه، فإنّه من فضلك وعطائك.
ويدفن الرق في عتبة باب.
стр. 984
١٠٤ رقية لإمساك الرعاف
قال «١» : وكان يكتب للرعاف «٢» ، في ورقة، ويعلقه على جبهة المرعوف:
بسم الله الرحمن الرحيم، وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
«٣» - إلى قوله تعالى: لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
. وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ، وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
«٤» .
١٠٥ رقية للخراج
وكان يكتب للخراج «٥» [١٢١] على ورقة سلق، وتوضع على الخراج:
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ...
الآية «٦» .
стр. 985
١٠٦ القطيعي الطبيب وذكاؤه ومكارم أخلاقه
حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن أبي محمد الصلحيّ الكاتب، قال:
رأيت [بمصر] طبيبا كان بها، مشهورا، يعرف بالقطيعيّ، وكان يقال: إنّه كان يكسب في كلّ شهر ألف دينار، من جرايات يجريها عليه قوم من رؤساء العسكر، ومن السلطان، وممّا يأخذ من العامّة.
قال: وكان له دار، قد جعلها شبيه البيمارستان، من جملة داره، يأوي إليها ضعفاء الأعلّة، يعالجهم، ويقوم بأودهم، وأدويتهم، وأغذيتهم، وخدمتهم، وينفق أكثر كسبه في ذلك.
قال أبو الحسن: فأسكت بعض فتيان الرؤساء بمصر- وأسماه لي، فذهب عنّي اسمه- وكنت هناك، فحمل إليه أهل الطب، وفيهم القطيعيّ، فأجمعوا على موته، إلّا القطيعيّ.
وعمل أهله على غسله، ودفنه.
فقال القطيعيّ: دعوني أعالجه، فإن برئ، وإلّا ليس يلحقه أكثر من الموت، الذي قد أجمع [١٢٢] عليه هؤلاء.
فخلّاه أهله معه.
فقال: هاتم غلاما جلدا، ومقارع، فأتي بذلك.
فأمر به فمدّد، فضربه عشر مقارع، من أشدّ الضرب، ثم مس مجسّه، وضربه عشرا أخرى شديدة، ثم مسّ مجسّه، وضربه عشرا أخرى.
ثم مسّ مجسّه، فقال للطبّ: أيكون للميت، نبض يضرب؟
فقالوا: لا.
قال: فجسّوا.
стр. 986
فجسّوه، فقالوا: قد زاد نبضه.
فضربه عشرا أخرى، فقوي النبض.
فضربه عشرا أخرى، فتحرّك الميت.
فضربه عشرا أخرى، فصاح.
فقطع عنه الضرب، فجلس العليل يجسّ بدنه، ويتأوّه، وقد ثابت قوّته إليه.
فقال: ما تجد؟
فقال: أنا جائع.
فقال: أطعموه الساعة.
فجاءوه بما أكل، ورجعت قوّته، وقمنا، وقد برئ.
فقال له الطبّ: من أين لك هذا؟
قال: كنت مسافرا في قافلة فيهم أعراب يخفروننا، فسقط منهم فارس عن فرسه، فأسكت، فقالوا: قد مات، فعمد شيخ منهم، فضربه ضربا عظيما كثيرا، وما رفع الضرب [١٢٣] عنه، حتى أفاق، فعلمت أنّ الضرب، جلب إليه حرارة أزالت سكتته.
فقست عليه أمر هذا العليل.
стр. 987
١٠٧ مهاترة بين رجلين من الخاصة
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد الأزديّ، قال: حدّثني أبو عليّ الحسن بن محمد الأنباري «١» الكاتب، قال:
كنت، وأنا حدث، أوقّع بين يدي، [أبي] محمد دلويه «٢» ، وهو، إذ ذاك، يكتب للمؤتمن سلامة- أخي نجح الطولوني- حاجب القاهر.
فجاءه يوما أبو عليّ الحسين بن القاسم بن عبيد الله «٣» ، وأبو جعفر الكرخي «٤» مسلّمين، فحبسهما للأنس، وأجلسهما في دست، في صدر قبّة كانت له، وجلس دونهما على مطرح «٥» ، وفرش في بيت إلى جانب القبّة، له باب إليها، وأجلس فيه ابنه، وأجلسني معه، وكأنّه رفع الرجلين عن معاشرتهما لنا، ونحن أحداث، وأراد بذلك سماع كلامهما، والأنس بسماع الغناء.
وكان إلى جانب القبّة، بيت آخر، فأجلس الغناء «٦» فيه، ومدّت ستارة على بابه.
وأخذوا في الشراب، ونحن نسمع الغناء، وما يجري من [١٢٤] كلامهم، ولا نرفع أصواتنا بالكلام، لئلّا يسمعوا ذلك.
стр. 988
فلما توسّطوا الشراب، أحضر باكورة «١» ، فقبّلها، ثم أقبل عليهما، وقال: الإنصاف أن أقسمها أثلاثا، ولكنّي قد وفّرت قسمي عليكما يا سيّديّ، فاقتسماها أنتما.
فأخذها الحسين بن القاسم، فقال: يا سيّدي، يا أبا جعفر، هذه تحبّ أن آخذ أنا ثلثيها، وأعطيك ثلثها؟
فقال الكرخي: فعلام يا سيّدي؟
فقال: لأنّك، أنت وأخوك، ولدتما توأما، فأنت نصف توأم، وأنا تامّ لأنّي ولدت وحدي، ولو كان أخوك حاضرا، لكان لي ولك وله أثلاثا، ومع غيبته، فأنت لا تستحقّ أكثر من الثلث.
فقال له أبو جعفر: ما أعجب هذا، أنت رجل كان جدّك نصرانيا، يعتقد أنّ الله ثالث ثلاثة، ونشأ أبوك فصار ثنويا، وترك مرتبة، ونشأت أنت فكان القياس أن تترك مرتبة واحدة أخرى، ولكنّك تركت مرتبتين، فنشأت ملحدا، لا تعتقد شيئا أصلا، ولم نعيّرك بذلك، تعيّرنا أنت [١٢٥] بالتوأم، ولا ذنب لنا فيه، وما هو عار على الحقيقة.
فغضب الحسين بن القاسم، وابتدر ليجيب.
فقام دلويه، وقال: الطلاق ثلاثا، لازم لي، وكلّ ما أملكه صدقة، إن أجبت يا سيّدي بشيء، ولا تكلّمت أنت يا سيّدي، يا أبا جعفر بشيء، فإنّ هذا يخرج الآن عن المزاح إلى العربدة، والأحقاد، والوحشة التي تبقى، وقدركما يرتفع عن هذا.
قال: فسكتا ساعة واجمين، ولم يزل أبو محمد، يداريهما، ويبسطهما، ويستعطف كل واحد منهما لصاحبه، حتى اصطلحا.
стр. 989
١٠٨ ابن سكرة الهاشمي يهجو القاضي ابن أبي الشوارب
أنشدني محمد بن عبد الله بن سكّرة الهاشميّ «١» ، وهو من ولد عبد الله ابن علي بن المهدي، المعروف بابن ريطة «٢» ، غلب عليه اسم أمّه، كما غلب على إبراهيم بن المهديّ، اسم أمّه شكلة «٣» ، يهجو أبا العباس بن أبي الشوارب «٤» ، وهو من ولد خالد بن أسيد الأموي، أخي عباد بن أسيد صاحب النبيّ ﷺ ، لما تقلّد قضاء القضاة، وكانت العامّة تلقّبه [١٢٦] بحدندل:
خلعت على حدندل من مديحي ... قميصا لا اكتسى رجل كساه
على نفسي دعوت لأنّ جهلي ... دعاني أن شرهت إلى نداه
وكيف رجوت جودا من عدوي ... ولم أغسل حسامي من دماه
стр. 990
١٠٩ من مختار شعر أبي فراس
لأبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون العدوي التغلبي «١» ، قصيدة أوّلها:
وقوفك في الديار عليك عار ... وقد ردّ الشباب المستعار «٢»
ويقول فيها:
وطال الليل بي ولربّ دهر ... نعمت به لياليه قصار
وندماني السريع إلى ندائي ... على عجل وأقداحي الكبار
عشقت بها عواريّ الليالي ... أحق الخيل بالركض المعار «٣»
إذا انحسر الظلام امتدّ آل ... كأنّا درّه وهو البحار
يموج على النواظر فهو ماء ... ويلفح بالهواجر فهو نار
فكم بلد شتتناهنّ فيه ... ضحى وعلى منابره المغار «٤» [١٢٧]
وكنّ إذا أغرن على ديار ... رجعن ومن طرائدها الدمار «٥»
وكم ملك نزعنا الملك منه «٦» ... وجبّار بها دمه جبار
стр. 991
وله قصيدة أوّلها:
عذيري من طوالع في عذاري «١»
يقول فيها:
أرى نفسي تطالبني بأمر ... قليل دون غايته اصطباري «٢»
وما يغنيك من همم طوال ... إذا قرنت بأحوال قصار «٣»
وقيل لي انتظر زمنا «٤» ومن لي ... بأنّ الموت ينتظر انتظاري
стр. 992
١١٠ للشاعر الببغاء يصف شرابا
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزوميّ، المعروف بالببغاء «١» ، الكاتب، لنفسه، يصف شرابا في قدح أبيض، أبياتا ثابتة في ديوانه، اختصرت منها قوله:
بالقفص «٢» للقصف منزل كثب «٣» ... ما للتصابي «٤» في غيره أرب [١٢٨]
دارت نجوم الكؤوس في فلك ... منه له من فتوّتي قطب
من كلّ جسم كأنّه عرض ... يكاد لطفا باللحظ ينتهب
نور وإن لم يغب ووهم ولو صحّ ... وماء لو كان ينسكب
لا عيب فيه سوى إذاعته السرّ ... الذي في حشاه يحتجب
كأنّما صاغه النفاق فما ... يخلص منه صدق ولا كذب
فهو إلى لون ما يجاوره ... على اختلاف الطباع ينتسب
إذا ادّعاه اللجين أكذبه ... بالراح في صبغ جسمه الذهب
جلت عروس المدام حالية ... فيه علينا الأدوار والنخب
فالراح بدر والجام هالته ... والأفق كفّي والأنجم الحبب
стр. 993
١١١ زمان الهوى ألذ زمان
وأنشدني لنفسه مقطوعة: [١٢٩]
فليالي الصبا أسرّ ليال ... وزمان الهوى ألذّ زمان
وأسرّ البلاد ما حمد الساكن ... فيها خلائق الجيران «١»
стр. 994
١١٢ مريض بالاستسقاء تشفيه أكلة جراد
حدّثني «١» بعض المتطبّبين، قال: حدّثنا أبو منصور بن مارية «٢» ، كاتب أبي مقاتل، صالح بن مرداس «٣» الكلابيّ، صاحب حلب «٤» ، وكان أبو منصور من رؤساء أهل الصراة، الذين يضرب بهم المثل، في كل فنّ، وكان أديبا، وقد شاهدته، ولم أسمع منه هذه الحكاية، قال: أخبرني [أحد] شيوخنا، قال:
كان بعض أهلنا قد استسقى، وأيس من الحياة، فحمل إلى بغداد، فشوور الطبّ «٥» فيه، فوصفوا له أدوية كثارا، فعرفوا أنّه قد تناولها بأسرها، فلم تنجع، فأيسوا منه، وقالوا: لا حيلة لنا في برئه، وهذا تالف.
فسمع العليل ذلك، فقال لمن كان معه: دعوني الآن أتزوّد من الدنيا، وآكل ما أشتهي، ولا تقتلوني بالحمية «٦» قبل أجلي.
فقالوا: كل ما تريد.
стр. 995
فكان يجلس على دكان «١» باب الدار التي نزلها ببغداد، فمهما رآه يجتاز [١٣٠] على الطريق، اشتراه، وأكله.
فمرّ به رجل يبيع الجراد مطبوخا، فأجلسه، واشترى منه عشرة أرطال، وأكلها بأسرها.
فلما كان بعد ساعة من أكله، انحلّ طبعه «٢» ، وتواتر قيامه، حتى قام في ثلاثة أيّام أكثر من ثلاثمائة مجلس، وضعف، وأيس منه.
ثم انقطع القيام، وقد زال كل ما كان في جوفه، وأنابت إليه قوّته، وبرأ.
فخرج برجليه، في اليوم الخامس، يتصرّف في حوائجه، فرآه أحد الطب، وعجب من أمره، وسأله عن الخبر، فعرّفه.
فقال: ليس من شأن الجراد، أن يفعل هذا الفعل، ولا بدّ أن يكون في الجراد الذي فعله، خاصيّة، فأحب أن تدلّني على بائع الجراد.
قال: فما زالوا في طلبه، حتى اجتاز بالباب، دفعة ثانية، ورآه الطبيب، فقال: ممّن اشتريت هذا الجراد؟.
فقال: ما اشتريته، أنا أصيده، وأجمع منه شيئا كثيرا، وأطبخه على الأيّام، وأبيعه.
فقال: من أين تصطاده؟
قال: فذكر قرية على فراسخ يسيرة من بغداد.
فقال [١٣١] له الطبيب: أعطيك دنانير، وتدع شغلك، وتجيء معي إلى الموضع الذي اصطدت منه الجراد.
стр. 996
قال: نعم.
فخرجا، وعاد الطبيب من غد، ومعه من الجراد شيء، وحشيشة.
قالوا له: ما هذا؟
فقال: صادفت الجراد الذي يصيده هذا الرجل، يرعى في صحراء جميع نباتها حشيشة يقال لها: مازريون «١» ، وهي من دواء الاستسقاء «٢» ، وإذا دفع إلى العليل منها وزن درهم، أسهله إسهالا يزيل الاستسقاء، ولكن لا يؤمن أن ينضبط، ولا يقف، فيقتله بالذرب، فالعلاج بها خطر جدا، وهي مذكورة في الكتب، ولفرط غررها «٣» ، لا يكاد أن يصفها الطبّ، فلما وقع الجراد على هذه الحشيشة، وأنضجتها معدته، ثم طبخ الجراد، فضعف فعلها، بطبخين اجتمعا عليها، وقصر، وتناولها هذا، وقد تعدّلت بمقدار ما أبرأته، ولم تدفع طبعه دفعا لا ينقطع، فبرأ.
стр. 997
١١٣ مريض بالاستسقاء يبرأ بعد أن طعم لحم أفعى
حدّثنا محمد بن أحمد بن طوطو الواسطي، أبو الحسين، قال: سمعت أبا علي عمر بن يحيى العلويّ الكوفيّ [١٣٢] ، يقول «١» :
كنت في بعض حججي، في طريق مكة، فاستسقى رجل كان معنا، من أهل الكوفة، وثقل في علّته.
وسلّ «٢» الأعراب قطارا «٣» من القافلة، وكان العليل على جمل منه، فلما افتقد، جزعنا عليه، وعلى القطار، وكنّا راجعين إلى الكوفة.
فلما كان بعد مدة، جاءنا العليل إلى الكوفة، معافى.
فسألته عن قصّته، وسبب عافيته، فقال: إن الأعراب، لما سلّوا القطار ساقوه إلى خيمهم، وكانت قريبة من المحجّة، على فراسخ يسيرة، فأنزلوني، ورأوا صورتي، فطرحوني في آخر بيوت الحيّ، وتقاسموا ما كان في القطار.
وكنت أزحف، وأتصدّق بين البيوت ما آكله، فأطعم، فتمنيت الموت، وسهل عليّ، وكنت أدعو الله تعالى، به.
فرأيتهم يوما، وقد عادوا من ركوبهم، فأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، وقطعوا رؤوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوا.
فقلت: هؤلاء يأكلون هذه الأفاعي، ولا تضرّهم للعادة التي تربوا
стр. 998
عليها [١٣٣] ، ولعلّي أنا، إن أكلت شيئا منها، تلفت، فأستريح ممّا أنا فيه.
فقلت لبعضهم: أطعمني من هذه الحيّات، فرمى إليّ بواحدة، فيها أرطال، مشوية، فأكلتها بأسرها، وأمعنت، طلبا للموت، فأخذني نوم عظيم، وانتبهت، وقد عرقت عرقا عظيما، واندفعت طبيعتي، فقمت في بقيّة يومي وليلتي، أكثر من مائتي مجلس، إلى أن سقطت طريحا، والطبع يجري، فقلت: هذا طريقي إلى الموت، فأقبلت أتشهّد، وأدعو بالمغفرة.
فلما أضاء الصبح، تأمّلت بطني، وإذا هي قد ضمرت جدا، وزال عنها ما كان بها، فقلت: أيش ينفعني هذا، وأنا ميت؟
فلما أضحى النهار، انقطع القيام، ووجبت الظهر، فلم أحس بقيام، وجعت، فجئت لأزحف على العادة، فوجدت نفسي خفيفا، وقوّتي صالحة، فتحاملت، وقمت، ومشيت، وطلبت منهم مأكولا، فأطعموني، فقويت، فبتّ تلك اللّيلة الثانية معافى، ما أنكرت شيئا من أمري.
فأقمت أيّاما، إلى أن وثقت من نفسي، بأنّي إن مشيت نجوت، فأخذت الطريق مع بعضهم [١٣٤] ، إلى أن صرت على المحجّة «١» ، ثم سلكتها منزلا، منزلا، إلى الكوفة مشيا.
стр. 999
١١٤ ابن نصرويه يجيز شاعرا مدحه بثلاثة دراهم
حدّثني أبو أحمد الفضل بن محمد، ابن بنت المفضّل بن سلامة البصريّ، قال:
كنت عند أبي الحسين محمد بن عبيد الله بن نصرويه «١» فدخل إليه شاعر غريب، ورد [إلى] «٢» البصرة، يعرف بالمطرّف الحميري، فامتدحه بقصيدة حسنة، فأمر غلامه أن يعطيه عطيّة، سارّه بها، فلما قام الشاعر معه، أعطاه إيّاها، فإذا بالشاعر، قد رجع من الدهليز، فرمى بالقرطاس، في حجر ابن نصرويه، فكان فيه ثلاثة دراهم، ثم استخفّ به، بكلام قبيح، وأنشده ثلاثة أبيات هجاء له باسمه، ونسبه، طيّبة، ارتجلها، وخرج.
فقال لي أبو الحسين: يا أبا أحمد، الحقه، وردّه، وترضّاه «٣» ، وابذل له عنّي مائة درهم، وأن لا يعيد في هجائي شيئا.
فتبعته، وسعيت على أثره، حتى لحقته، وما زلت أداريه، إلى أن بذلت له المائة درهم، فقال:
لا ألبس النعماء من رجل ... ألبسته عارا على الدهر [١٣٥]
وانصرف، فلا أدري، الشعر له، أو لغيره.
стр. 1000
١١٥ بحث في شكوى الزمان
وحدّث أبو العباس الحسين بن عليّ بن الفضل بن سليمان الواسطيّ، قال:
كنت جالسا ببغداد، في سنة ثماني عشرة «١» ، عند صديق لي بباب الطاق»
، فتشاكينا الهمّ والغمّ، وفساد الزمان، إذ ذاك، ولو كان لنا ذاك الفساد الآن، لكان غاية الصلاح.
فقال لي: يا أبا العبّاس، هوّن عليك، فلو وقف الإنسان في هذه السوق العظيمة، وأشار بيده إلى باب الطاق، وصاح: يا مكروب، لما بقي فيها أحد، إلّا قال له: لبيك.
стр. 1001
١١٦ توقيع للقاضي ابن معروف
لما تقلّد الطائع لله، أمير المؤمنين، الخلافة «١» ، طالب القاضي أبا محمد، عبيد الله بن أحمد بن معروف «٢» ، أن يتولى له الوزارة، فامتنع عليه من ذلك، وبذل له أن يتدبر أمره، ويقوم له بترتيب الأمور إلى أن يستكتب من يراه.
فكان يحضر دائما، ويعينه بنفسه، ويدبّر الأمور، وربما لم يكن في الدار كاتب، فيوقّع بخطّه في الأمور.
وأمّا أول يوم، فكان نظر الوزراء، فمن ذلك، أنّه وقّع بتوقيع نسخته: [١٣٦] ليكتب للحسين بن موسى الهاشميّ «٣» ، من الحضرة بالمظالم، وتسيير الحجيج أيّام المواسم، ونقابة الطالبيّين من بني هاشم.
وكتب عبيد الله بن أحمد في يوم كذا من شهور كذا «٤» .
стр. 1002
١١٧ كتاب كتبه أبو إسحاق الصابي
قرأت كتابا كتبه أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، الكاتب «١» ، في جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة عن ابن بقيّة، وهو إذ ذاك وزير «٢» إلى أبي المظفّر حمدان «٣» بن ناصر الدولة، وهو بحلوان متقلدا لها ولطريق خراسان، وقد أنزل عياله في دار أبي العلاء صاعد «٤» ببغداد، يسأله تفريغها «٥» ، وخطّ «٦» أبو إسحاق نسخته، نقلتها من خطّه:
كتابي أطال الله بقاء سيّدي الأمير، وأدام تأييده ونعمته، يوم كذا، عن سلامة، وسيّدي الأمير، أدام الله عزّه، يعرف مذهبي في رعاية الحقوق التي تضعف أسبابها، ويصغر أصحابها، فما عنده فيما تناهى عندي، يزيد تأكّدا ووجوبا، وتقدّما وتمهيدا، وما منزلة أبي العلاء صاعد بن ثابت، عندي، تخفى على سيدي الأمير [١٣٧] أدام الله عزّه، فأذكرها، وهو بضعة مني لا تتميّز، وكاللحمة التي لا تنفصل، وليس ما تحدثه أحوال الزمان والتصرّف، من شوائب تشوب، وتوائب تنوب، مغيّرا للأصول، ولا قادحا في الاعتقاد، و [ما] كانت صورته في الوحشة التي لحقته، وأخلت
стр. 1003
منه داره، موجبة للرخصة في أن تنزل، ولو رام ذلك منها غير سيّدي الأمير أدام الله عزّه، لعزّ عليه أن يناله، وإنّما سمحت له بذلك، لثقتي بطاعته لي، وعلمه بأنّ ذلك المنزل منزلي، وأنّني أعيره وأسترده، وأتصرّف فيه تصرّف من يملكه، وقد قبح بي أن يكون أبو العلاء، مع أواصره الوكيدة، وملازمته لي المتّصلة، ممنوعا منه «١» ، وأسبابه منتقلين عنه، وتردّد منّي في ذلك، مراسلات ومكاتبات، أحمدت نتاجها، الحكاية عن الحرّة- يعني امرأة حمدان- أيدّها الله، في التذمّم، ومعرفة الحقّ، وإيثار الانتقال، وأنكرت أن يقف الأمر مع هذه الحال، فالأعراض «٢» كثيرة مبذولة، وأنا أسأل سيّدي الأمير أيّده الله، أن يوجب ما أوجبت، ويعرف ما عرفت [١٣٨] ، ويراعيني أوّلا، ثم حقوق أبي العلاء ثانيا، ويكتب إلى من ينوب عنه، بقبول ما يعرضه، والانتقال إليه، ويسلم الدار، فلو كانت [له] ، لاستنزلته- والعياذ بالله- «٣» عن ملكها، ولم أقنع بخروجها عن اليد، فكيف إذا، وهي مستعارة، والحكم فيها الردّ، وسيّدي الأمير وليّ ما يراه في هذا الأمر الخاص بي، وحاشاي أن أعيد فيه قولا أو كتابا، أو أتجشّم من أجله قصدا أو إعادة، فقد أنفذت بكتابي هذا، قاصدا يوصله أبو الفتح قرّة بن دنحا، في معناه، ما يعرفه الأمير من جهته إن شاء الله.
ونسخة التوقيع بخطّ الوزير: أنا راغب إلى الأمير، أدام الله عزّه، في هبة هذه الدار لي، ولا أقول أكثر من هذا، والسلام.
стр. 1004
١١٨ أبو العلاء صاعد يفتخر
[حدّثني] أبو العلاء صاعد بن ثابت «١» ، قال:
لما كثر دخولي إلى الملك عضد الدولة «٢» ، ببغداد، سنة أربع وستين وثلاثمائة، وكان إذا رآني، يقول لي سائلا: يا أبا العلاء، ما أنحل جسمك؟
فلما كثر ذلك عليّ، عملت [١٣٩] أبياتا، وأنشدته إيّاها، وهي:
يقول مليك الأرض جسمك ناحل ... على ذاك عرضي والثناء جميل
وأحسن ما في الهندوانيّ أنّه ... نحيف رقيق الشفرتين صقيل
فان أك معروق العظام فإنّني ... نهوض بأعباء الأمور حمول
أقوّم أغصان الخطوب إذا التوت ... برفقي ومثلي في الكفاة قليل
أرى الملك المنصور أنكر مضربي ... وأيّ حسام ليس فيه فلول
وكم لك عندي من يد وصنيعة ... أقصّر عن شكري لها فتطول
ومن لفظة تسري إليّ ونظرة ... عليها من الرأي الجميل دليل
إذا صحّ لي من حسن رأيك لمحة ... فليس لمقدور إليّ سبيل [١٤٠]
стр. 1005
١١٩ كظم الغيظ من مكارم الأخلاق
حدّثني إبراهيم بن عيسى بن نصر السوسيّ، النصرانيّ، الكاتب «١» ، قال: قال أبي:
قام في نفسي حقد على رجل، لقبيح عاملني به، أربعين سنة، ما كافأته عليه إلى أن مات.
стр. 1006
١٢٠ الأمير سيف الدولة يصفح عن أحد أتباعه ويعيد إليه نعمته
حدّثنا «١» أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن معروف، أخو قاضي القضاة، أبي محمّد عبيد الله بن أحمد بن معروف، قال:
كنت بمصر، وكان بها رجل يعرف بالناظريّ، من تنّاء حلب، وقد قبض سيف الدولة «٢» ضيعته، وصادره، فهرب منه إلى كافور الإخشيدي «٣» ، فأجرى عليه جراية في كلّ شهر، سائغة، كما كان يجري على جميع من يقصده، من الجرايات التي سمّاها: الراتب، وكان مالا عظيما، مقداره في كلّ شهر [خمسون ألف دينار، لأرباب النعم، وأجناس الناس، وليس فيها لأحد من الجيش ولا من الحاشية، ولا من المتصرّفين في الأعمال شيء] «٤» .
قال: فجرى ذكر هذا الناظريّ، بحضرة كافور، وقيل إنّه بغّاء «٥» ، وكثرت الحكايات عنه بحضرته، فأمر بقطع جرايته.
فرفع إليه، يشكو انقطاع المادّة، ويسأل التوقيع، بإجرائه على رسمه، فأمر، فوقّع على ظهر الرقعة: قد صحّ عندنا أنّك رجل تصرف [١٤١]
стр. 1007
ما نجريه عليك، فيما يكره الله ، من فساد نفسك، وما نرى أن نعينك على ذلك، فالحق بحيث شئت، فلا خير لك عندنا.
قال: وخرج التوقيع إلى الرجل، فأعضل به، فعمل محضرا، وأخذ فيه خطوط خلق كثير، ممن يعرفه بالستر، وأنّه ما عرف قط ببغاء، ولا صحبة الأحداث، وجعله طيّ رقعة إلى الأستاذ كافور، يحلف فيها بالطلاق والعتاق، والأيمان المغلظة، أنّه ليس ببغّاء، واحتجّ بالمحضر، وتركه في طيّ الرقعة.
وقال: إنّه لم يكن يدفع إليه ما دفع، لأجل حفظ فرجه، أو هتكته، وإنّما كان ذلك، لأنّه منقطع، وغريب، وهارب، ومفارق نعمة، ويسأل ردّه إلى رسمه.
ورفع القصة إلى كافور.
قال: فلا أدري إلى أين انتهى أمره، إلّا أنّه صار فضيحة، وتحدّث الناس بحديثه.
واتّفق خروجي من مصر، عقيب ذلك، إلى حضرة سيف الدولة، بحلب «١» ، وجرت أحاديث المصريّين، وكان يتشوّق إلى أن يسمع حديثهم، فقلت: أمر عجب، جرى بها [١٤٢] اتّفاقا، إنّه كان بها رجل يقال له الناظريّ، فقصصت القصّة عليه.
فاستضحك من ذلك ضحكا عظيما، وقال: هذا المشؤوم بلغ إلى مصر؟
قال: فقال لي محمد الأسمر، علمت أنّ هذا الرجل، صديقي جدا، وقد هلك، وافتقر، وفارق نعمته، فأحبّ أن تخاطبه في أمره، عقيب ما
стр. 1008
جرى، لأعاونك، فلعلّ الله أن يفرّج عنه.
قال: فقلت: افعل.
قال: فأخذ يسألني عن الأمر، فأعدت عليه شرحه، فعاد يضحك.
فقلت له: أطال الله بقاء مولانا، قد سررت، وضحكت، فيجب أن يكون لذلك ثمرة، إمّا لي، أو للرجل الذي قد صيّرته فضيحة بحلب، بما أخبرت بحديثه.
فقال: أمّا لك، فنعم، وأمّا له، فما يستحقّ، فإنّه فعل، وصنع، وأخذ يطلق القول فيه.
قال: فقلت له: فوائدي من مولانا متّصلة، ولست أحتاج مع إنعامه، ودوام إحسانه، إلى التسبّب إلى الفوائد، ولكن، إن رأى أن يجعلها لهذا المفتضح المشؤوم.
قال: فقال: تنفذ إليه سفتجة بثلاثة آلاف درهم.
قال: فشكرته، والجماعة [١٤٣] ، وخاطبته بأن يأذن له بالعود إلى وطنه، ويؤمّنه.
فقال: ويكتب له أمان، ويؤكّد، ويؤذن له في العود إلى وطنه.
قال: فغمزني الأسمر في الاستزادة، فقلت: أطال الله بقاء مولانا، إنّ الثلاثة آلاف درهم، لو نفذت إليه، إلى مصر، من غير أن يؤذن له في العود، ما كفته لمن يحمله على نفسه، لأنّ أكثر أهل مصر بغّائين، وقد صافّوه في الناكة، وغلبوه باليسار، فلا يصل هو إلى شيء، إلّا بالغرم الثقيل.
قال: فأعجبه ذكري لأهل مصر بذلك، فقال: كيف قلت أيّها الأخ؟
فقلت: المياسير من أهل مصر، لهم العبيد العلوج، يأتونهم، لكلّ واحد منهم عدّة غلمان، والمتوسّطين يدعون العلوق والزنوج المشهورين
стр. 1009
بكبر الأيور، فينفقون أموالهم عليهم، ولا يصل الفقير والمتجمّل إليهم.
ولقد بلغني آنفا، وأنا بمصر، أنّ رجلا من الفقراء، اشتدّ عليه حكاكه، فطلب من يأتيه، فلم يقدر عليه، فخرج إلى الموضع الفلاني- قرية ذكرها، قريبة من مصر- فأقام بها [١٤٤] ، فكان إذا اجتاز به المجتازون، استغوى منهم من يمتاز بهذا الحال، فحمله على نفسه، وكان يعيش بالمجتاز بعد المجتاز، ويتمكّن من إرضائه بما لا يمكن بمصر، فعاش بذلك برهة، حتى جاءه يوما بغّاء آخر، فسكن معه في الموضع، فكان إذا جاء الغلام الذي يصلح لهذه الحال، تنافسا عليه، فأفسد على الأوّل أمره، فجاء إلى الثاني، فقال له: بيني وبينك، شيخنا ابن الأعجميّ الكاتب، رئيس البغّائين فجذبه إلى مصر، واحتكما إليه.
فقال: إنّي كنت لمّا اشتدّ بي أمري الذي تعرفه، ومنعني فقري من اتّخاذ الناكة بمصر، عدلت إلى الموضع الفلانيّ، فعملت كذا، وقصّ عليه القصّة، فجاء هذا، وصنع، وقصّ عليه القصّة، وشرح له أمره، فإن رأيت أن تحكم بيني وبينه، فاحكم.
فحكم بينهما ابن الأعجميّ، ومنع الثاني من المقام في الناحية، وقال:
ليس لك أن تفسد عليه عمله، وناحيته، اطلب لنفسك موضعا آخر.
فيمكن الناظريّ- أيّد الله مولانا [١٤٥] الأمير سيف الدولة- أن يستشفي بثلاثة آلاف درهم، أمرت له بها، في بلد هذه عزّة الناكة فيه، وكثرة البغّائين؟. هذا لو كان مقيما، فكيف وقد أنعمت عليه بالمسير، ويحتاج إلى بغال يركبها في الطريق بأجرة، وديون عليه يقضيها، ومؤن.
قال: فضحك ضحكا شديدا، من حكاية البغّائين، وحكم ابن الأعجميّ بينهما، وكان هذا من مشهوري كتّاب مصر، فقال: اجعلوها خمسة آلاف درهم.
стр. 1010
قال: فقلت له، أنا والجماعة: فيرد أطال الله بقاء الأمير مولانا، بخمسة آلاف درهم، قد أنفقها في الطريق، إلى سوء المنقلب؟.
قال: وكان يعجبه أن يماكس، فيجود مع المسألة، والدخول عليه مدخل المزاح في ذلك، والطيبة، واقتضاء الغرماء بعضهم لبعض، وما أشبه هذا «١» .
قال: فقال: قد طوّلتم عليّ، في أمر هذا الفاعل الصانع، أطلقوا له عن ضيعته بأسرها، ووقّعوا له بذلك إلى الديوان، وعن مستغلّه، وانقلوا من في داره عنها، وتقدّموا بأن تفرش أحسن [١٤٦] من الفرش الذي كان نهب له منها، لمّا سخط عليه.
قال: فأكبت الجماعة، تقبّل يده ورجله، وتحلف أنّها ما رأت مثل هذا الكرم قطّ، هذا، مع سوء الرأي فيه، وسوء حديثه، ويقولون: ما على الأرض بغاء أبرك على صاحبه منه.
فضحك، ونفذت الكتب، والتوقيعات، بما رسمه.
فلما كان بعد مدّة، جاء الرجل، وعاد إلى نعمته، وخلع عليه سيف الدولة، ونظر في حوائجه.
стр. 1011
١٢١ سخاء الأمير سيف الدولة
حدّثنا أبو القاسم بن معروف، قال:
دخلت إلى حلب، إلى أبي محمد الصلحيّ الكاتب «١» ، وأبي الحسن المغربيّ «٢» ، أسلّم عليهما، وكانا في خدمة سيف الدولة «٣» ، وهما في دار واحدة نازلان لضيق الدور، وكان وكيل كلّ واحد منهما، يبكّر يوما، فيقيم لهما، ولغلمانهما، ما يحتاج إليه، للمادّة «٤» والوظائف «٥» ، فإذا كان من الغد، بكّر الآخر، فأقام الوظائف، لهما، ولغلمانهما، على هذا.
قال: فلمّا استقررت عندهما، دخل إليهما رجل ضرير، فسلّم، وجلس، ثم قال [١٤٧] : إنّ لي بالأمير سيف الدولة، حرمة قديمة، وجوارا، واختصاصا، أيّام مقامه بالموصل، وقد قصدته، ومعي رقعة، فإن رأيتما
стр. 1012
أن توصلاها إليه، وأخرج رقعة عظيمة، هائلة جدّا، فلما رأياها، قالا له: هذه عظيمة ولا ينشط الأمير أن يقرأها، فغيّرها، واختصرها، وعد في وقت آخر، فإنّا نأخذها، ونوصلها إليه.
فقال: الذي أحبّ، أن تتفضلا بعرض هذه الرقعة.
فدفعاه عن ذلك، فقام كالآيس، يجرّ رجله، منكسر القلب، فداخلتني عليه رقّة.
وركبت، فدخلت على سيف الدولة، وهو جالس، وكان رسمه، أن لا يصل إليه بتة، أحد، إلّا برقعة، يكتبها الحاجب باسم من حضر، واحدا كان أو أكثر، فإذا قرأ اسم الرجل، فإن شاء دعا به، وإن شاء أمر بصرفه.
فلما استقررت، عرض عليه الحاجب، رقعة، فيها: فلان بن فلان الموصليّ، الضرير.
فقال: وهذا يعيش؟ أين هو؟
فقال: بالباب.
قال: يدخل، فما أظنّه- مع ما أعرفه من زهده في الطلب- قصدنا إلا لجهد لحقه [١٤٨] .
قال: فدخل، فإذا الشيخ الذي رأيته عند الصلحيّ والمغربيّ.
فلما قرب منه، استدناه، وبشّ به، وقال: يا هذا، ما سمعت بأنّا في الدنيا؟ ما علمت مكاننا على وجه الأرض؟ ما جاز لك أن تزورنا، مع ما بيننا من الحرمة الأكيدة، والسبب الوكيد؟ لقد أسأت إلى نفسك، وأسأت الظنّ بنا.
قال: فجعل الرجل، يدعو له، ويشكره، ويعتذر، فقرّبه، وأجلسه.
فجلس ساعة، ثم قام، فسلّم إليه الرقعة بعينها، فأخذها، وقرأها
стр. 1013
إلى آخرها، وقال: يا يونس بن بابا- وكان خازنه- فحضر، فأوعز إليه بشيء، ثم استدعى حاجب الكسوة، فسارّه بشيء، واستدعى رئيس الإصطبل، فأمره بشيء.
وانصرفت الجماعة، وجاء ابن بابا، فوضع بين يديه، صرّتين عظيمتين، فيهما دنانير تزيد على خمسمائة دينار.
وجاء حاجب الكسوة، بثياب كثيرة صحاح، من ثياب الشتاء والصيف، منثّرة بطيب كثير، وصياغات، من ربع، ومرآة، وما جرى مجرى ذلك.
وجاء عريف الفراشين «١» ببسط، وزلاليّ «٢» [١٤٩] ، وثياب ديباج للفرش، وسبنيّات، وأشياء كثيرة من أنواع الفرش بألوف دنانير، فصار ذلك كالتلّ بين يديه.
وكان يعجبه، إذا أمر لإنسان بشيء، أن يحضره إلى حضرته، بحيث يراه، ثم يعطيه لمن وهبه له.
قال: فأخرج ذلك، والضرير لا يعلم، وعنده، أنّه قد تغافل عنه، [فهو في الريب] «٣» وأخذ لا يسارّ الضرير، ولا يقول له شيئا.
وجاء صاحب الكراع، ومعه بغلة تساوي ثلاثة آلاف درهم، بمركب ثقيل حسن.
وجاء الخادم، ومعه خادم بثياب جدد، فسلّمت البغلة إليه، فأمسكها في الميدان أسفل الدكّة التي عليها سيف الدولة.
ثم قال للخادم: كم جرايتك؟
стр. 1014
قال: عشرون دينارا في الشهر.
قال: قد جعلتها لك ثلاثين دينارا، وخدمتك لهذا الشيخ خدمة لنا، فلا تقصّر فيها ولا ينكسر قلبك، وأحسن خدمته، ادفعوا له جرايته لسنة، فدفعت في الحال إليه.
ثم قال: فرّغوا الدار الفلانية. فتقدّم بتفريغها.
ثم تقدّم: أن يحمل إلى [١٥٠] عياله، زورق من تلّ فافان»
، إلى الموصل، فيه كرّان «٢» حنطة، وكرّ شعير، ويملأ ببقولة الشام، ومآكلها.
ففعل ذلك كلّه.
ثم استدعى أبا إسحاق بن شهرام، المعروف بابن ظلوم المغنّية، وكان يكتب له، ويترسّل، إلى ملك الروم، ويبعثه في صغير أموره، وكبيرها، فسارّه بشيء.
فأخذ أبو إسحاق، الشيخ، وجعل يخاطبه عن الأمير سيف الدولة، باعتذار طويل، ويقول: إنّك جئتنا في وقت، هو آخر السنة، وقد تقسّمت أموالنا الحقوق، والزوّار، والجيوش، وببابنا خلق من الرؤساء، ونحتاج أن نواسيهم، ولولا ذلك، لأوفينا على أملك، وقد أمرنا لك بكذا ...
قال: وجعل ابن شهرام، يقرأ عليه من فهرست «٣» قد عمل، ثبتا للمجموع الذي أمر له به، من صنوف الثياب والفرش، وغير ذلك.
قال: فقلت للأمير سيف الدولة: يا مولانا، لا تورد على هذا الشيخ، هذه الجائزة، جملة، عقب اليأس العظيم الذي قد لحقه، فتنشقّ مرارته.
стр. 1015
قال: فلما استوفى الشيخ الكلام [١٥١] ، بكى بكاء شديدا، وقال: أيّها الأمير قد والله زدت على أملي بطبقات، وأوفيت على غناي بدرجات، وقضيت حقّي، وما هو أعظم من حقّي، وما أحسن أن أشكرك، ولكن الله يتولى عنّي شكرك، ومجازاتك، فتمنّ عليّ بتقبيل يدك، فإنّه أفضل من كلّ عطيّة.
فأذن له في ذلك، فدنا الشيخ، فقبّل يده دفعات، فجذبه إليه سيف الدولة، وشاوره «١» بشيء، فضحك الشيخ وقال: إي والله، إي والله، أيّها الأمير.
قال: فاستدعى خادم حرمه، وسارّه بشيء.
وانصرف الشيخ إلى الدار التي أخليت له، وقال له: أقم فيها، إلى أن أنظر في أمرك، وتخرج إلى عيالك.
قال: فسألت عما سارّه خادم حرمه، فقال: أخرج إليه جارية من وصائف أخته، في نهاية الحسن، بثياب، وزيّ، تزيد قيمتها على عشرة آلاف درهم. فحملت إليه.
قال: فقمت قائما، وقلت: والله، أيّها الأمير، ما سمع بهذا الفعل، عن البرامكة ولا غيرها.
فقال: دعني من هذا، ما معنى [١٥٢] قولك لأبي إسحاق بن شهرام، لا تورد عليه هذا، عقيب اليأس، فتنشقّ مرارته؟
فقلت: كنت منذ ساعة، عند أبي محمد الصلحيّ، وأبي الحسن «٢» المغربيّ، فجرى كذا وكذا، وقصصت عليه القصّة، وانصرف هذا الشيخ، أخزى منصرف، ثم جاء بنفسه، فعامله مولانا، بمثل هذا الفعل العظيم، فخفت [أن] يعرّفه فجأة، فتنشق مرارته.
فقال: هاتم الساعة، الصلحيّ، والمغربيّ، فجاء أحدهما قبل الآخر،
стр. 1016
فجلس، ولم يخاطبه حتى حضر الآخر، ثم أقبل عليهما، فقال: ويحكما، أخبراني، ألم أحسن إليكما، وأصطنعكما، وأنوّه بكما، وأسن أرزاقكما، وأعل مرتبتكما، وأخفّف الخدمة عليكما، وأتناه بجهدي، في قضاء حقوقكما؟
فأخذا يشكرانه.
فقال: ما أريد هذا، إمّا أن تقولا: نعم، أو لا.
فقالا: بلى، والله، وزيادة.
قال: فمن حقّي عليكما، ومكافاة هذا، وشكره، أن تقطعا عنّي رجاء الناس؛ وتصدّانهم عن أملي، وتؤيسانهم من [١٥٣] برّي، وتنسباني عندهم إلى الضجر برقاع المؤمّلين، والبخل على المستحقين؟. ما كان عليكما، لو أخذتما رقعة الرجل، فإن أجرى الله على يدي خيرا، كنتما فيه شريكين، وإن ضجرت، كان الضجر إليّ منسوبا، وأنتما منه بريئان، وقد قضيتما حقّ قصد الرجل لكما، فلا حقّه قضيتما، ولا حقّ الله ، فيما أخذه على عباده من بذل الجاه، ولا حقّ إنعامي.
قال: وأسرف في لومهما، وتوبيخهما، حتى كأنّهما قد جنيا أعظم جناية.
قال: فأقبلا يعتذران، ويحلفان أنّهما ما أرادا إلّا التخفيف عنه بقراءة شيء طويل، وأرادا أن يخفّف الرجل الرقعة، فتخف قراءتها، وتكون أنجع لحاجته، وإنّهما ما قدّرا أنّه قد أيس، وانصرف مغموما، ولو علما بذلك، لقصداه، حتى يرتجعا رقعته، ويوصلانها.
قال: فأقبلت الجماعة تدعو له، وتحلف، أنّ هذا التأديب، والتفضّل، والنيّة في الجود والكرم، أحسن من الفعل الذي عمله مع الرجل، على عظم حسنه، وأنّه ليس على [١٥٤] وجه الأرض من يعمله غيرك.
стр. 1017
١٢٢ الوزير حامد بن العباس يعذّب المحسّن بن الفرات
حدّثنا أبو الحسين الحارثيّ النهرسابسيّ «١» ، قال: حدّثني شيخ من شيوخنا:
إنّ أبا جعفر بن الشلمغانيّ «٢» ، كان في نهاية الاختصاص بحامد بن العبّاس «٣» ، فلما وزّر اجتذبه معه إلى بغداد، وكان يدخله في آرائه، ويشاوره في مهمّاته، ويوسّطه في كبار الأمور.
قال: فلما جرى من حامد على المحسّن بن الفرات «٤» ، تلك القضيّة الشديدة «٥» ، كتب إلى ابن الشلمغانيّ، يسأله، مسألة حامد الرفق به،
стр. 1018
والتقدّم إلى المستخرج «١» بالتوقّف عن ضربه، وإذلاله، ليؤدّي على مهل.
فتكفّل ابن الشلمغانيّ بأمره، وخاطب حامد بن العباس في ذلك، فردّه، فعاوده في مجلس حافل، ولجّ حامد، ولجّ ابن الشلمغانيّ، إلى أن قال حامد هاتم «٢» المحسّن، ابن كذا وكذا، وهاتم الغلمان والمقارع.
قال: فقبّل ابن الشلمغانيّ يده، فلم يقنع، وحلف أنّه لا بدّ أن يصفعه، ويضربه في ذلك المجلس، وتوجّه الغلمان ليجيئوا به.
فلما عادوا، ومعهم المحسّن، قام ابن الشلمغانيّ، من قبل [١٥٥] أن يدخل المحسّن، وانصرف، فاستشاط حامد، وجنّ، وكاد أن يقبض على ابن الشلمغاني، ويوقع به، ثم استرجع، وأخرج غيظه على المحسّن، وصفعه الصفع المشهور، الذي كان سبب قتل المحسّن له «٣» ، لما ولي أبوه الوزارة الثالثة.
قال: ونهض ابن الشلمغاني، فدخل إلى دار حجبة حامد، مغموما، وأخذ يشكو ما يجده إلى الحاجب، ويتشاكيان، ويقول: هذا الرجل يريد أن يقتلنا كلّنا بعده، وأن لا يبقي لنا باقية، يا قوم، أيّ شيء يعمل بنفسه؟
قال: فهو كذلك، إذ دعا حامد بحاجبه، وقد قام عن مجلسه، وردّ حامد المحسّن إلى محبسه بعد ما جرى، وقال للحاجب: ويحك، أين ابن الشلمغانيّ؟
فقال: عندي في الحجرة.
قال: فما قال؟
قال: لم يقل شيئا.
стр. 1019
فأمسك كالخجل، ثم قال: هاته.
فلما جاء، قال: يا أبا جعفر، من حقّ مودّتي لك، أن تتوافى لأعدائي، وتقوم عن مجلسي، إذا رأيتني أوقع بأعدائي؟
فقال: ننصف؟ أو نقول: صدق الأمير؟
قال: أسمع وأنصف.
قال: أيّها [١٥٦] الوزير، هذا رجل سألتك فيه، فاعمل «١» أنّه كان بقّالا، لابن وزير أنت تعلم حالته، وقديم رياسته، فما كان يحسن أن تردّني فيه، ولا إن رددتني، أن تسومني الجلوس، وحضور عذاب من شفعت فيه، ثم أنت تعلم، أنّ الأيّام دول، وأنّ لهذا الفعل عاقبة، يكفيك الله إيّاها، فأيّ شيء يضرّك من سلامة مهجتي، في حال العافية، وإفلات نعمتي من شرّ هؤلاء؟ وأن يقولوا غدا: داهننا، ولم يشفع لنا، ولو كان نصحنا ما خالفه الوزير، مع ما بينهما، وما قعد ليشاهد صفعنا، إلّا تشفّيا منا، وأيّ شيء أحسن بك من أن تنسب حاشيتك، ومن اخترته لمودتك وأنسك، إلى الخير، وبعدهم من الشرّ، فيقال: إنّه لو لم يكن خيّرا، لما استصحب الأخيار، وإنّما يحمله على ما فعله، الغضب، والحاجة إلى المال، وإلّا فالخير طبعه، والغالب عليه، ولا يقال: إنّه شرير جمع الأشرار حواليه، واعلم أنّي [١٥٧] ما قمت من مجلسك، إلّا وقد وضعت في نفسي، أنّك تنكبني، وعلمت أنّي قد أسأت أدبي، وأنّي غير آمن من عجلتك في نكبتي، ولكن قلت: أكون على حقّ، ومتمسّكا بحجّة وحزم، وإن جنى عليّ، وإن سلمت، فبفضل الله، وإن هلكت فالله يخلّصني.
قال: فخجل حامد، واعتذر إليه وقال: اخرج الآن، وخذ بيد المحسّن، وتوسّط أمره، وخفّف محنته.
стр. 1020
١٢٣ من شعر المهلبي الوزير
وجدت بخطّ المهلّبي الوزير «١» ، كتابا إلى أبي سلمة، أهداه إليّ، وقال:
هذا كتابه إليّ، وهو بالخطّ الذي أعرفه، وفيه لنفسه:
وصل الكتاب طليعة الوصل ... بغرائب الأفضال والفضل
فشكرته شكر الفقير إذا ... أغناه ربّ المال بالبذل
وحفظته حفظ الأسير إذا ... ورد الأمان له من القتل
ووجدت بخطّ أبي محمد، كتابا، إلى أبي القاسم بن بلبل، كتب إليه به، وهو صغير الحال جدّا، وفيه:
طلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللقاء يبدو الصباح [١٥٨]
ذاك إن تمّ لي فقد عذب العيش ... ونيل المنى وريش الجناح
وله إلى غيره:
جاد لي بالعتاق «٢» من صرف دهري ... بكتاب يسرّني أو رسول
فعلى قدر ما تكلّف من وصلي ... لعلمي بقطعه للوصول
أشكر البذل من جواد وأزداد ... إذا البذل جاءني من بخيل
وله أيضا:
أمثلي يا أخي وشقيق روحي ... يفارق عهده عند الفراق
следующие страницы →