Полный текст (2 817 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٥٧ مهاترة بين بصريّ وسيرافيّ
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر، قال: حدّثني أبو بكر سعيد بن هارون الطبيب، وكان أبوه سيرافيّا «١» وجيها في بلده وغيرها، موسرا، قال:
خاصم أبي رجل من أهل البصرة، فقال له الرجل: تكلّمني وأنت قطعة سيرافيّ؟
فقال له سعيد: أنا نجار «٢» في بلدي، وأنت عار في بلدك «٣» .
стр. 142
٥٨ الوزير أبو محمد المهلبيّ وحدّ الإقبال والإدبار
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف «١» ، قال: حدّثني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد»
، قال:
تجارينا بحضرة أبي محمد المهلّبيّ، ذكر الإقبال والإدبار، فقال:
ليس الإقبال أكثر من الحركة والتواضع، ولا الإدبار أكثر من الكسل والتكبّر.
стр. 143
٥٩ من شعر أبي الفرج الببغاء
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد النصيبينيّ المخزومي الكاتب، المعروف بالببغاء «١» لنفسه قصيدة منها:
جاورت بالحبّ قلبا لم تذر فكري ... للحبّ مستمتعا فيه ولم تدع
يصبو ولكن يكفّ الحلم صبوته ... وأشرف الحبّ أدناه من الورع
وبي أمسّ غرام لو أنست إلى الشكوى ... ولكن أعدّ الصبر للجزع
ما بال أهل زماني من تجاهلهم ... بموضعي بين مغبون ومختدع
من لم تزد قومه أفعاله شرفا ... بالفضل فهو لمعنى غير مخترع «٢» [٣٨ ب]
عفت الموارد لمّا «٣» لم أجد ظمأ ... في كثرة الماء ما يغني عن الجرع
стр. 144
٦٠ لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة
وأنشدني لنفسه قصيدة في سيف الدولة «١» ﵀ أوّلها:
أفادت بك الأيّام فرط تجارب ... كأنّك في فرق الزمان مشيب
وكلّ بعيد قرّب «٢» الحين نحوه ... سلاهبك الجرد الجياد قريب
تباشر أقطار البلاد كأنّها ... رياح لها في الخافقين هبوب
وتملأ ما بين الفضائين عثيرا ... مثارا بوجه الشمس منه شحوب
وما يدرك العلياء إلّا مهذب ... يصاب على مقداره ويصيب
فلا تصطف الإخوان قبل اختبارهم ... فما كلّ خلّ تصطفيه نجيب
стр. 145
٦١ من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله
حدّثني القاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن «١» ، قال: حدّثني وكيل كان لأبي المنذر النعمان بن عبد الله «٢» ، قال:
كان من عادة النعمان، إذا كان في انسلاخ كلّ شتوة، أن يعمد إلى جميع ما استعمله من خزّ وصوف وفرش وكوانين وآلة الشتاء، فيبيعه في النداء «٣» .
ثم ينفذ إلى حبس القاضي، فينظر من حبس بإقراره، دون قيام البيّنة عليه، ولا حال له، فيؤدّي ما عليه من ثمن تلك الآلات، أو يصالح عنه [٣٥ ط] ويخرجه، إن كان المال ثقيلا.
ثم يعمد إلى من يبيع بيعا يسيرا، مثل بقليّ «٤» ورهداريّ «٥» ، ومن رأس
стр. 146
ماله دينار، وديناران، وثلاثة، فيعطيه من عشرة دنانير إلى مائة درهم، وأقلّ وأكثر، ليزيد في رأس ماله.
ويعمد إلى من يبيع في الأسواق مثل طنجير، وقدر، وقميص خلق، وما يغلب على الظنّ أنّ مثله لا يباع إلّا من ضرّ شديد، وإلى امرأة تبيع غزلها عجوز، فيعطيهم أضعاف ثمنه، ويدعه عليهم.
ويعمل ألوانا من هذا الجنس كثيرة، يأمرني بفعلها، وصرف ثمن تلك الآلات إليها.
فإذا انقضى «١» الصيف عمد إلى ما عنده من دبيقيّ، وقصب، وحصر، ومزمّلات، وآلة الصيف، فيفعل به مثل ذلك.
فإذا جاء الشتاء والصيف ثانية، استجدّ جميع ما يحتاج إليه.
فلما كثر ذلك عليّ من فعله، قلت له: يا سيّدي، إنّك، هوذا، تفقر نفسك، من حيث لا تنفع غيرك، لأنّك تشتري هذه الثياب، والآلات، والفرش، في وقت الحاجة إليها بضعف قيمتها، وتبيعها وقت استغناء كافّة الناس عنها، فتشترى منك بنصف قيمتها، فيخرج منك في ذلك، مال عظيم، فإن أذنت لي، ناديت على كلّ ما يباع، فإذا استقرت العطيّة، وأخذت الدراهم «٢» ، أخذته لك بزيادة، وعزلته إلى الصيف أو الشتاء، ودفعت مثل ثمنه، من مالك، إلى هذه الوجوه.
فقال لي: ما أحبّ هذا، تلك الآلات قد متّعني الله بها طول شتائي أو صيفي، وبلّغني وقت الغناء «٣» [٣٩ ب] عنها، وما أنا على ثقة من أنّي
стр. 147
أعيش إلى وقت الحاجة إليها ثانيا، ولعلّي قد عصيت الله عليها، وفيها، فأنا أحبّ بيع أعيانها؛ وصرف الثمن بعينه، في هذه الوجوه، شكرا لله على تبليغي وقت الاستغناء عنها، وكفّارة لما عصيته فيها، ثم إن أحياني الله إلى وقت الحاجة إليها، فليس ذلك بغال، ولا يتعذّر شراء مثله، واستجداد خلفه، والتمتّع بالجديد.
وفي بيعي إيّاه رخيصا، وشراي له غاليا، فائدة أخرى، وهي أن ينتفع الضعفاء من التجّار الذين أبتاع ذلك منهم، وأبيعه عليهم، بما فيه من الأرباح عليّ، ولا يؤثّر ذلك في حالي.
стр. 148
٦٢ من مكارم أخلاق أبي المنذر النعمان بن عبد الله
أخبرني القاضي «١» ، وقال: أخبرني هذا الوكيل «٢» :
إنّ النعمان كان يعجبه، إذا قدّم إليه لون من طعام طيّب، أو حلو عجيب، أن لا يمعن في أكله، ويأمر بدفعه بعينه إلى السؤّال «٣» .
وكان رسمه، أن يفرّق في كلّ يوم، جميع ما يشال من مائدته، ويفضل في مطبخه، عن وظائف غلمانه، فكان يجتمع على بابه، كلّ يوم، منهم جمع عظيم.
قال: فأكل يوما عنده صديق له هاشميّ، فقدّم إليه لون طيّب، فما استتمّ أكله حتى أمر به للسؤّال، فشيل.
وقدّم جدي سمين، فما تهنّأوا بأكله حتى أمر به فرفع إلى السؤّال، وقدم جام لوزينج معمول بالفستق، وكان يعجب النعمان، ويلزمه على كلّ [٣٦ ط] جام خمسون درهما، وخمسة دنانير، وأقلّ، وأكثر، على قدر كبر الجام، فما أكلوا منه إلّا يسيرا، حتى قال: ارفعوه إلى السؤّال.
فقبض الهاشميّ على الجام، وقال: يا هذا، أحسب أنّنا نحن السؤّال، ودعنا نتهنّا بأكله، لم تدفع كل ما تشتهيه للسؤّال؟ وما للسؤّال وهذا؟
стр. 149
لهم في لحم البقر، وعصيدة التمر كفاية، والله لا شلته.
فقال: يا سيّدي، إنّ عادتي ما تراه.
قال: بئست العادة، لا نصبر لك عليها، تقدّم أن يعمل للسؤّال إذا كان لا بدّ لك من ذلك، مثل هذا، ودعنا نحن نتمتّع بأكله، أو ادفع إليهم مثل ثمنه.
فقال: أفعل مستأنفا، وأتقدّم بأن يصنع لهم مثله، فأمّا ثمنه، فإنّ السائل لا تسمو نفسه، ولا يتّسع صدره لعمل مثل هذا، ولو دفع إليه أضعاف ثمنه مرارا، لأنه إذا حصلت عنده الدراهم، صرفها إلى غير هذا، في أمره المختلّ الذي هو إلى إصلاحه أحوج، ولا يحسن أيضا، عمل مثل هذا، وأنا أحبّ أن يشاركوني في الالتذاذ بما آكل، يا غلام، تقدّم الساعة بعمل جامة «١» مثل هذه، وتفريقها على السؤّال، ففعل ذلك.
وكان بعدها إذا حضر من يحتشمه، أمر بعمل مثل ما يقدّم إليه، والصدقة به، ولم يأمر برفع ذلك من [٤٠ ب] حضرته، إلّا إذا بشمه الحاضرون.
стр. 150
٦٣ أبو القاسم بن الحواريّ وعظيم برّه بأمّه
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
كان يألف أبا القاسم بن الحواريّ «١» ، رجل من أهل عكبرا «٢» يخطب بأهلها، وكان ماجنا، خفيف الروح، مليح الحديث والكلام، طيّب النشوار والأدب، يكنى بأبي عصمة، وكان يؤاكله دائما، ويختصّ به «٣» ، وينفق عليه.
وكان أبو القاسم، شديد البرّ بأمّه، فكان يتنغّص لها بالماء فضلا عمّا سواه، ولا يتهنّأ بأكل شيء، إلّا إذا أكلت منه، وكان من عادته إذا استطاب لونا، أن ينفذه من مائدته إليها.
فأكل عنده أبو عصمة هذا، أوّل يوم، وهو لا يعرف رسمه، فقدّم
стр. 151
لوزينج طيّب، فما شبع منه أبو عصمة حتى أمر به أبو القاسم فرفع إلى والدته.
وقدمت مضيرة جيّدة، بفراخ مسمّنة، ودجاج هنديّ، ودهن الجوز والخردل، فما أكلوا منها حسبا «١» حتى أمر ابن الحواريّ، برفعها إلى والدته، فأخذ أبو عصمة رغيفا، وقام يمشي مع الغضارة.
فقال له ابن الحواريّ: إلى أين يا أبا عصمة؟
قال: إلى الوالدة يا سيّدي، آكل معها هذه المضيرة، فإنّ هذه المائدة خراب، والخصب عندها.
فضحك ابن الحواريّ، وتقدم بردّ اللون إليه.
стр. 152
٦٤ أبو عصمة الخطيب وأهل عكبرا
قال «١» ، وكان أبو عصمة هذا لي صديقا، وبي آنسا، فقال لي يوما:
إنّ أهل عكبرا سفّل، وأنا مبتلى بالخطبة «٢» بهم، فإذا صعدت المنبر، أو مأت إليهم بيدي، إيماء السلام، فيؤذّن المؤذّن، ويحسبون أنّي قد سلّمت عليهم، وإنّما أقول: لحاكم كلّكم في استي.
стр. 153
٦٥ أصل نعمة سليمان الثلاج في بغداد
حدّثنا أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ الكاتب «١» ، قال: حدّثني ابن سليمان الثلّاج «٢» قال: قال لي أبي:
كان أصل نعمتي من ثمن خمسة أرطال ثلجا، وذلك أنّه عزّ الثلج في بعض السنين ببغداد، وقلّ، وكان عندي منه شيء بعته، وبقي منه خمسة أرطال.
فاعتلّت شاجي «٣» جارية عبيد الله بن عبد الله [٣٧ ط] بن طاهر «٤» ، وهو إذ ذاك أمير بغداد، فطلبت منه ثلجا، فلم يوجد إلّا عندي.
فجاؤوني، فقلت: ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بخمسة آلاف درهم، وكنت قد عرفت الصورة.
فلم يجسر الوكيل على شراء ذلك، ورجع يستأذن عبيد الله، وكانت شاجي بمنزلة روحه، وهي تتضوّر على الثلج، وتلحّ في طلبه.
فشتمه عبيد الله، وقال: امض واشتره بأيّ ثمن كان ولا تراجعني.
فجاءني، فقال: خذ خمسة آلاف درهم، وهات الرطل.
стр. 154
فقلت: لا أبيعك إيّاه إلّا بعشرة آلاف درهم، فلم يجسر على الرجوع للاستئذان، فأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ الرطل.
وسقيت العليلة منه، فقويت نفسها، وقالت: أريد رطلا [٤١ ب] آخر.
فجاءني الوكيل بعشرة آلاف درهم، وقال: هات رطلا آخر، إن كان عندك، فبعت ذلك عليه.
فلما شربته العليلة، تماثلت، وجلست، وطلبت زيادة، فجاؤوني يلتمسون ذلك.
فقلت: ما بقي عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلا بزيادة، فداراني، وأعطاني عشرة آلاف درهم، وأخذ رطلا.
وداخلتني رغبة في أن أشرب أنا شيئا من الثلج، لأقول إنّي شربت ثلجا سعر الرطل منه عشرة آلاف درهم.
قال: فشربت منه رطلا.
وجاءني الوكيل قرب السحر، وقال: الله، ألله، قد والله صلحت العليلة، وإن شربت شربة أخرى برأت، فإن كان عندك منه شيء، فاحتكم في سعره.
فقلت له: والله، ما عندي إلّا رطل واحد، ولا أبيعه إلّا بثلثين ألفا.
فقال: خذ.
فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلثين ألفا، فقلت: هات عشرين ألفا، واعلم أنّك إن جئتني بعدها بملء الأرض ذهبا، لم تجد عندي شيئا، فقد فني.
فأعطاني العشرين ألف، وأخذ الرطل.
стр. 155
فلما شربته شاجي، أفاقت، واستدعت الطعام، فأكلت، وتصدّق عبيد الله بمال.
ودعاني من غد، فقال: أنت- بعد الله- رددت حياتي بحياة جاريتي، فاحتكم.
فقلت: أنا خادم الأمير وعبده.
قال: فاستخدمني في ثلجه وشرابه، وكثير من أمر داره.
فكانت تلك الدراهم التي جاءتني جملة، أصل نعمتي، وقويت بما انضاف إليها من الكسب مع عبيد الله، طول أيّامي معه «١» .
стр. 156
٦٦ بغداد في أيام المقتدر
تجارينا عند القاضي أبي الحسن محمد بن صالح بن عليّ الهاشميّ ابن أمّ شيبان «١» في سنة ستّين وثلاثمائة، عظم بغداد، وكثرة أهلها، في أيّام المقتدر، وما كان فيها من الأبنية، والشوارع، والدروب، وكبر البلد، وكثرة أهله، في سائر أنواع الناس.
وذكرت أنا كتابا رأيته، لرجل يعرف بيزدجرد بن مهبندان الكسرويّ «٢» ، كان على عهد المقتدر، بحضرة أبي محمد المهلّبيّ، كان سلّم إليّ وإلى جماعة ممّن حضر، كراريس منه، لننسخه، وننفذه إلى الأمير ركن الدولة، لأنّه التمس كتابا في وصف بغداد، وإحصاء ما فيها من الحمّامات، وإنّها كانت عشرة آلاف «٣» ، ذكر في الكتاب مبلغها وعدد من يحتوي عليه البلد من الناس، والسّفن، والملّاحين، وما يحتاج إليه في كلّ يوم من الحنطة [٣٨ ط] ، والشعير، والأقوات، وإنّه حصّل «٤» ما يصل إلى أصحاب المعابر فيه من الملّاحين «٥» فكان في كلّ يوم، أربعين
стр. 157
ألفا، أو ثلاثين ألفا.
وذكر غيري كتابا ألّفه أحمد ابن الطيّب «١» ، في مثل هذا.
فقال لي القاضي أبو الحسن: أمّا ذاك، فعظيم لا نعلمه، وقد شاهدنا [٤٢ ب] منه ما لا يستبعد معه أن يكون كما أخبر يزدجرد، وأحمد بن الطيّب، إلّا إنّا لم نحصه فنقطع العلم به، ولكن بالأمس، في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، لمّا ضمن محمد بن أحمد المعروف بترة، بادوريا «٢» ، عمّرها، وتناهى في ذلك، فأحصينا وحصّلنا ما زرع فيها من جربان الخسّ، في هذه السنة، وقدّرنا بكلواذى وقطربّل وقرب بغداد، ما يحمل إليها من الخسّ على تقريب، فكان الجميع ألفي جريب «٣» ، ووجدنا كلّ جريب خسّ يزرع فيه ستّة أبواب «٤» ، يقلع من كلّ باب من الأصول، كذا وكذا، ولم أحفظه، يكون للجريب كذا وكذا أصلا، وسعر الخسّ إذ ذاك، على أوسط الأسعار كلّ عشرين خسّة بدرهم واحد «٥» ، فحصل لنا أنّ ارتفاع الجريب، على أوسط الريع والسعر، ثلاثمائة وخمسون درهما،
стр. 158
قيمتها خمسة وعشرون دينارا، يكون لألفي جريب، خمسون ألف دينار، وكلّ ذلك يؤكل ببغداد، فما ظنّك ببلد يؤكل فيه في فصل من فصول السنة، صنف واحد من صنوف البقل، بخمسين ألف دينار.
ثم قال لنا القاضي، ولقد أخبرني رجل يبيع سويق الحمّص «١» ، دون غيره من الأسوقة، أسماه وأنسيته، إنّه أحصى ما يتّخذ في سوقه من سويق الحمّص في كلّ سنة، فكان مبلغه مائة وأربعون كرّا «٢» ، وأنّه يخرج في كلّ سنة منه، حتى لا يبقى منه شيء، فإذا حال الحول، طحنوا مثل ذلك.
هذا وسويق الحمّص، غير طيّب، وإنّما يأكله الضعفاء والمتجمّلون، شهرين أو ثلاثة من السنة، عند عدم الفواكه، وأضعافهم مرارا من الناس، من لا يأكل ذلك أصلا.
ثم قال: قال لي بعض مشايخ الحضرة: عمارة بغداد، في سنة خمس وأربعين «٣» ، عشر ما كانت عليه في أيّام المقتدر «٤» ، على تحصيل وضبط، يعني في الأبنية والناس.
стр. 159
٦٧ أحاديث في احتباس الحمل
جرى بحضرة القاضي أبي الحسن محمد بن صالح الهاشميّ «١» احتباس «٢» الحمل، وقول الشافعيّ ومالك فيه ما قالاه.
فحكيت أنا فيه، ما روي من أنّ محمد بن عجلان، ولد لأربع سنين، وأنّ أسنانه كانت تطحن «٣» .
فقال لي القاضي أبو الحسن: كان لأبي، زوجة من ولد الأشعث بن قيس، كوفيّة، فحملت منه أحد عشر شهرا بحساب صحيح ضبطناه وأعلمناه، مع شدّة الاستظهار والتحصيل، فيما يجب تحصيله والاستظهار به في مثل ذلك، فولدت بعد أحد عشر شهرا بنتا، فعاشت البنت سنين، ولها أولاد.
قال: وحدّثني أبي عن جدّي: إنّه شاهد بالكوفة، أربعة إخوة [٤٣ ب] ولدوا في بطن واحد، وعاشوا كلّهم، وأسنّوا، ومنهم من أعقب.
قال لنا القاضي: إنّ إسماعيل بن أبي خالد المحدّث، له ثلاثة إخوة ولدوا في بطن واحد، وكلهم عاشوا وأسنّوا «٤» .
стр. 160
٦٨ قد ينال الإنسان باللين ما لا ينال بالشدّة
حدّثني أبو العبّاس هبة الله بن محمد بن المنجّم [٣٩ ط] ، عن أسلافه:
إنّ المأمون «١» نكب عاملا له، يقال له: عمرو بن نهيوي، صهر موسى بن أبي الفرج بن الضحّاك، من أهل السواد، موسرا، فأمر محمد ابن يزداد «٢» أن يتسلّمه إليه، ويعذّبه، ويعاقبه، حتى يأخذ خطّه بعشرة آلاف ألف درهم، ويستخرجها منه.
فسلّم عمرو إلى محمد، فأكرمه، وألطفه، وأمر بخدمته وترفيهه، وأفرده في حجرة سريّة من داره، وأخدمه فيها من الفرش والغلمان بما يليق به، ولم يكلّمه ثلاثة أيّام، والمأمون يسأل عن الخبر، فيبلغه ترفيهه له، فيغتاظ، ويسأله، فيقول: هو مطالب.
فلما كان في اليوم الرابع، استدعى عمرو محمدا، فدخل إليه.
стр. 161
قال محمد بن يزداد: فقال لي: يا هذا، قد عرفت ما تقدّم به إليك الخليفة في أمري، ووالله ما رأيت هذا المال، ولا نصفه، ولا ثلثه قط، ولا يحتوي عليه ملكي، ولعلّ الخليفة يريد دمي، وقد جعل هذا إليه طريقا، وقد تفضّلت عليّ بما لا يسعني معه أن أدّخر جهدا في تجميلك عند صاحبك، وقد كتبت تذكرة بجميع ما يحتويه ملكي، ظاهرا وباطنا، وهي هذه، وسلّمها إليّ، وإذا هي تشتمل على ثلاثة آلاف ألف درهم، وعليّ، وعليّ، وحلف بالطلاق والعتاق، والأيمان المغلّظة، ما تركت لنفسي بعد ذلك، إلّا ما عليّ من كسوة تستر عورتي، وهذا وسعي، وجهدي، فإن رأيت أن تأخذه، وتسأل الخليفة الرضا به منّي، فإن فعل فقد خلّصني الله بك، ونجّاني من القتل على يدك، وإن أبى، فإنّه يسلمني إلى عدوّي الفضل بن مروان «١» ، وهو القتل، ووالله، لا أعطيت على هذا الوجه، درهما واحدا، ولا كنت ممن يجيء على الهوان، دون الإكرام، وسأتلف، ولا يصل الخليفة إلى حبّة من مالي، ولكنّ المنّة لك عليّ حاصلة «٢» ، فإن عشت شكرتها، وإن متّ فالله مجازيك عنّي.
قال: فأخذت التذكرة، ورحت إلى المأمون.
فقال: ما عملت في أمر عمرو بن نهيوي؟
فقلت: إنّه قد بذل ألفي ألف درهم، وليس عنده أكثر من ذلك.
стр. 162
فاستشاط، وقال: لا، ولا كرامة له، ولا أربعة آلاف ألف، ولا ثمانية آلاف ألف.
وقال لي الفضل: ما دمت ترفّهه، وتكرمه، وتجلسه على الدسوت، وتخدمه بنفسك وغلمانك، كيف لا يتقاعد؟
فقلت له: فتسلّمه أنت إن شئت.
فقال الخليفة [٤٤ ب] : خذه إليك.
فأخذه، وأرهقه، وطالبه بعشرة آلاف ألف، ودهقه «١» ، وضربه، وهو لا ينحلّ بشيء.
فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف، فلم يستجب.
فقنع منه بثلاثة آلاف ألف، فلم يجب.
فلما زاد عليه المكروه، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إيّاه، رفق به، وداراه، وخلع عليه، ورفّهه أيّاما.
وقال له: كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم، وقد قنعت بها منك، فهاتها.
فقال: ما ملكتها قط، ولا بذلتها لمحمّد.
فجاء الفضل إلى المأمون، فاقتصّ عليه خبره معه، في معاقبته، ومطالبته أولا، بالكلّ، واقتصاره ثانيا، وترفيهه له، وإكرامه، وقناعته منه بألفي ألف درهم، وإقامته على أنّه لا مال له، وإنكاره [٤٠ ط] أن يكون بذل ذلك، وكنت حاضرا.
فانقطع الحبل في يد المأمون، وكاد يهمّ بالفضل.
стр. 163
فقلت: يا أمير المؤمنين الرجال لا يكالون، وليس كلّ أحد يجيء على الهوان، وإنّ الفضل استخطأ رأيي فيما عاملت عمروا به، فصار إليه، وعامله بمثله حيث لم ينفع ذلك، ولو تركني معه في الأوّل، لاستخرجت منه ثلاثة آلاف ألف عفوا، وهذه تذكرة بخطّ عمرو تحتوي على ثلاثة آلاف ألف، فأخرجتها، وطرحتها بين يديه.
وقلت: لو كنت علمت أنّ أمير المؤمنين يجيبني في ذلك الوقت، إلى ثلاثة آلاف ألف، عنه، لبذلتها، فبذلت ألفي ألف، حتى إن لم يقنع، زدت ألف ألف، والآن فقد فسد هذا، ووالله، لا أعطي عمرو، مع ما جرى عليه، حبّة، فإن استحلّ أمير المؤمنين دمه، فذاك إليه، وإلّا فليس إلى استخراج شيء منه سبيل.
قال: فاستحيا المأمون، وأطرق مفكّرا مليّا، ثم رفع رأسه، وقال:
والله لا كان كاتب من كتّابي، ولا نبطيّ من عمّالي، أكرم، وأوفى، وأصحّ تدبيرا منّي، قد وهبت لك يا محمد، عمروا وما عليه، فخذه، واصنع به ما شئت.
فتسلّمته من الفضل بن مروان، وأطلقته مكرّما إلى بيته.
стр. 164
٦٩ الحجاج بن يوسف الثقفي يأمر بتعذيب آزادمرد
ويشبه هذا الحديث، حديثا، وجدته بخطّ القاضي أبي جعفر بن البهلول «١» ، ذكر أن محمّد بن أحمد الحشميّ «٢» ، أخبره، قال:
قال الحجّاج بن يوسف «٣» ، لمحمّد بن المنتشر: خذ إليك آزادمرد ابن الفرند، فدقّ يده على رجله، حتى تستخرج منه المال الذي عليه.
قال محمّد: فاستخرجت منه بالرفق، ثلاثمائة ألف درهم، في جمعة، فلم يرض ذلك الحجّاج، فأخذه منّي، ودفعه إلى معدّ، صاحب عذابه، فدقّ يده، ودهقه، ودقّ ساقه.
فمرّ به عليّ، وأنا في السوق، معترضا على بغل، فقال: يا محمد ادن، فدنوت منه.
стр. 165
فقال: إنّك وليت مني مثل هذا، فأحسنت إليّ، فأدّيت ما أدّيت عفوا، ووالله [٤٥ ب] لا يؤخذ مني درهم واحد كرها، ولي عند فلان ثلاثون ألفا، فخذها جزاء لما صنعت.
فقلت: والله، لا أخذت منك، وأنت على هذه الحال، شيئا.
قال: أتدري ما سمعت من أهل دينكم، يحكون عن نبيّكم؟
قلت: لا.
قال: سمعتهم يقولون ويحكون عنه، إنّه قال: إذا أراد الله بقوم خيرا ولّى عليهم خيارهم، وأمطرهم المطر في أوانه، وإذا أراد بقوم سوءا «١» ، ولّى عليهم شرارهم، وأمطرهم المطر في غير أوانه، ثم أمر قائد البغل، أن يقوده.
فلم أرم من مكاني «٢» ، حتى جاءني رسول الحجّاج، وقال: أجب، فمضيت إليه، فوجدته متنمّرا، والسيف منتضى في حجره.
فقال: ادن.
فقلت: لا والله، لا أدنو وهذا في حجرك.
فأضحكه الله، وأغمد السيف، وقال: ما خاطبك به المجوسيّ؟
قلت: والله، ما غششتك منذ ائتمنتني، ولا كذبتك منذ صدقتني، فقصصت عليه القصّة.
فلما أردت أن أذكر الرجل الذي عنده الثلاثون ألف، أعرض، وقال:
لا تذكره، أما إنّ الكافر عالم «٣» بآثار رسول الله [٤١ ط] ﷺ .
стр. 166
٧٠ الأمير معزّ الدولة البويهي ووزيره أبو محمد المهلّبيّ
كان معزّ الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه «١» ، لمّا ابتنى قصره بباب الشّماسية «٢» ، والإصطبلات المتّصلة بآخره من أحد جوانبه، التي لم يسبق إلى حسنها، وعمل الميدان على دجلة متّصلا بين القصر والبستان الشارع على دجلة، الذي يلازق «٣» دار صاعد بن مخلد «٤» ، الذي كان منزلا لأبي جعفر
стр. 167
محمّد بن يحيى بن شيرزاد «١» ثم صيّره أبو جعفر الصيمريّ «٢» بستانا، والجميع الآن داخل في جملة قصر معزّ الدولة.
أوّل ما بدأ بأن بنى السور المحيط بالقصر والميدان، والمسنّاة العظيمة التي من حدّ رقّة «٣» الشّماسية إلى بعض الميدان، وطول ما بناه منها ألف وخمسمائة ذراع، وعرضها نيّف وسبعون آجرّة كبارا، سوى الدّستاهيجات «٤» التي تخرج منها إلى داخلها لضبطها.
وكان العمل في ذلك متصلا، والصنّاع فيه متفرّقين.
وهذا بعد أن كان عمل على بناء مدينة لنفسه، وخرج إلى كلواذى «٥» ليتّخذها هناك، ثم أراد اتخاذها حيال كلواذى، ثم رحل إلى قطربّل «٦» ، فأراد أن يبنيها عندها، ثم تقرّر رأيه على بناء دار بباب الشمّاسية، حصينة، يستغني بها عن المدينة، وتخفّ عليه نفقتها.
وقدّر لذلك ألوف ألوف دراهم، وزادت النفقة على التقدير أضعافا.
وكان يطالب وزيره أبا محمّد المهلّبي بتوجيه وجوه الأموال لذلك،
стр. 168
مع قصور الدّخل «١» عن الخرج، فيلقى منه عنتا «٢» .
ثم كلّفه تولّي [٤٦ ب] البناء بنفسه وكتّابه، فكان، وهم، يتولّون ذلك.
فسعى بعض أصحاب معزّ الدولة إليه، أنّهم يسنفون «٣» البناء في السور، ليتعجّل بنفقة خفيفة، ويسرقون الباقي.
وأوقفه على موضع منه، كان فيه ساف لبن لم يحكمه الصنّاع، ومشى عليه بحضرة معزّ الدولة- لأنّه ركب إليه- فانقلعت منه لبنة.
فحمي طبعه، وكان حديدا جدّا، سليم الباطن مع ذلك، وإذا أخرج حدّته، وانقضت سورة غضبه، يندم على فعله، ولكن من يقوم على تلك الحدّة.
فأحضر المهلّبيّ، وواقفه على ما رآه، فأخذ يحتجّ عليه.
فحمي، وأمر به، فبطح، وضرب مقارع كثيرة.
ثم قال: اخنقوه، فجعل في عنقه حبل، وأمسكه ركابيّون فوق السور، ليشيلوه، فيخنق.
وبلغ خبره القوّاد، والأتراك، وخواصّه، فبادروا إلى تقبيل الأرض بين يديه، ومسألته الصفح عنه، فأنزله، وأطلقه.
فمضى إلى داره كالميت، وأظهر قلّة حفل بذلك، لئلّا يشمت أعداؤه، ويطمعوا في صرفه، ويتقوّلون «٤» عليه بانكسار إن بان منه، ولئلّا يبلغ صاحبه أنّه مستوحش من ذلك، فيستوحش منه.
стр. 169
وكانت عادته أن يشرب في تلك الليلة النبيذ، ويدعو الغناء، فجمع النّدماء، ليري قلّة الاكتراث بما جرى عليه.
وعاد إلى داره وقد قرب المساء، فدعا بما يأكله، فأكل، وندماؤه معه، وليس فيه فضل لشدّة الألم، وهو يتجلّد، ويتحدّث.
ثم دعا بنبيذ، فقالوا له: أيّها الوزير، لو استرحت، وطرحت نفسك، كان أولى من النبيذ، فليس هذا وقته، وذنّبوا له في هذا.
فأخذ هو يعزّيهم عمّا جرى [٤٢ ط] عليه، ويسلّيهم، وتمثّل في كلامه بهذا البيت:
فإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما صنع الدهر
ثم شرب أقداحا، وقام.
أخبرني بذلك، من حدّثه به «١» ، من ندماء أبي محمد، عن مشاهدة.
стр. 170
٧١ الأمير معز الدولة وحدّة طبعه
وكانت عادة الأمير معزّ الدولة، إذا حمي جدا، أن يأمر بالقتل، ويكره أن يتمّ ذلك، ويعجبه أن يسأل العفو.
وقد فعل هذا، كثيرا جدّا، بخلق من جملة أصحابه.
وأوّل ما عرف ذلك منه، وأقدم لأجله على مساءلته العفو، إذا أمر بقتل صاحب له، أنّه أنكر على رجل بالأهواز، وهو إذ ذاك مقيم بها، وكان الرجل ضرّابا «١» يعرف «٢» بابن كردم، أهوازيّ، ضمن منه عمالة دار الضرب بسوق الأهواز، فضرب دنانير رديئة، ولم يعلم الأمير بها، فأنفذها إلى البصرة ليشتري بها الدوابّ، والبريديّون إذ ذاك بها، فلم تؤخذ لشدّة فسادها، فردّت، وعاد الراضة الذين كان أنفذهم لذلك، فعرّفوه الخبر، فحمي [٤٧ ب] ، وأحضر ابن كردم هذا، وخاطبه، وازداد طبعه حميا، إلى أن أمر بأن يخنق على قنطرة الهندوان «٣» ، بالأهواز.
فأخرج من بين يديه، وخنق، ومات، وعاد من كان أمره بذلك، فوقف بحضرته.
فقال له: ما فعل الرجل؟ قال: خنقناه ومات.
فكاد أن يطير غضبا، وشتمه، وشتم الحاضرين، وقال: ما كان فيكم من يسألني أن لا أقتله؟ وأخذ يبكي، وكان فيه تحرّج من القتل.
فقالوا: ما علمنا، وخفناك.
فكان بعد ذلك إذا أمر بقتل إنسان، سئل، وروجع، فيعفو.
стр. 171
٧٢ من مكارم أخلاق الأمير سيف الدولة
أخبرني طلحة بن عبيد الله بن قناش، قال:
كنت يوما في مجلس حديث وأنس، بحضرة سيف الدولة، أنا وجماعة من ندمائه، فأدخل إليه رجل، وخاطبه، ثم أمر بقتله، فقتل في الحال.
فالتفت إلينا، وقال: ما هذا الأدب السيّء، وما هذه المعاشرة القبيحة التي نعاشر ونجالس بها؟ كأنّكم ما رأيتم الناس، ولا سمعتم أخبار الملوك، ولا عشتم في الدنيا، ولا تأدّبتم بأدب دين ولا مروءة.
قال: فتوهّمنا أنّه قد شاهد من بعضنا حالا يوجب هذا، فقلنا:
كلّ الأدب إنّما يستفاد من مولانا أطال الله بقاءه- وهكذا كان يخاطب في وجهه- وما علمنا أنّا عملنا ما يوجب هذا، فإن رأى أن ينعم بتنبيهنا، فعل.
فقال: أما رأيتموني، وقد أمرت بقتل رجل مسلم لا يجب عليه القتل، وإنّما حملتني السطوة والسياسة لهذه الدنيا النكدة، على الأمر به، طمعا في أن يكون فيكم [رجل] «١» رشيد فيسألني العفو عنه، فأعفو، وتقوم الهيبة عنده وعند غيره، فأمسكتم حتى أريق دم الرجل، وذهب هدرا.
قال: فأخذنا نعتذر إليه، وقلنا: لم نتجاسر على ذلك.
فقال: ولا في الدماء؟ ليس هذا بعذر.
فقلنا: لا نعاود.
واعتذرنا حتى أمسك.
стр. 172
٧٣ الخليفة المعتضد يعذب شخصا حاول الخروج عليه
حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدّثني أبي قال:
كنت أكتب لبدر اللاني «١» [٤٣ ط] في أيام الموفّق «٢» ، والمعتضد «٣» ، وأدخل الدار معه، وأليه، فرأيت محمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة «٤» ، وقد جعله كردناكا «٥» .
стр. 173
قال: فقلت له: كيف فعل ذلك؟ وما كان سببه؟
فقال: إنّ رجلا من أولاد الواثق، كان يسكن مدينة المنصور، سعى في طلب الخلافة، واستوزر شيلمة، فأخذ له البيعة على أكثر أهل الحضرة، من الهاشميّين، والقضاة، والقوّاد، والجيش، وأهل بغداد الأحداث، وأهل العصبيّة، وقوي أمره، وانتشر خبره، وهمّ بالظهور في المدينة، والاعتصام بها، والتحصّن، حتى إذا أخذ المعتضد، صار إلى دار الخلافة.
فبلغ المعتضد الخبر على شرحه، إلّا اسم المستخلف.
فكبس شيلمة [٤٨ ب] وأخذه، فوجد في داره جرائد «١» بأسماء من بايع، وبلغ الهاشميّ الخبر، فهرب.
وأمر المعتضد بالجرائد، فأحرقت ظاهرا، لئلّا يعلم الجيش بوقوفه عليها فتفسد نيّاتهم له، بما يعتقدون من فساد نيّته عليهم.
وأخذ يسائل شيلمة عن الخبر، فصدقه عن جميع ما جرى، إلّا اسم الرجل الذي يستخلف، فرفق به ليصدقه عنه، فلم يفعل.
وطال الكلام بينهما [فتوعّده] «٢» ، فقال له: والله، لو جعلتني كردناكا، ما أخبرتك باسمه.
فقال المعتضد للفرّاشين: هاتم أعمدة الخيم الكبار الثقال، [فجاءوه بها] «٣» وأمر أن يشدّ عليها شدّا وثيقا [فشدّ] «٤» ، وأحضروا فحما عظيما، وفرش على الطوابيق «٥» بحضرته، وأجّجوا نارا، وجعل الفرّاشون يقلّبون
стр. 174
شيلمة على تلك النار، وهو مشدود على الأعمدة «١» ، إلى أن مات وانشوى «٢» .
[وأخرج من بين يديه ليدفن، فرأيته على هذه الصورة] «٣» .
قال: وأمر المعتضد بهدم السور المحيط بالمدينة، فهدم منه شيء يسير، فاجتمع إليه الهاشميّون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، فخرنا، وذكرنا، ومأثرتنا «٤» فأمر بقطع الهدم، وصرف حفظة كانوا عليه متوكّلين برعيه، ورخّص فيه، وتركه وأهمله، وخلّى بينه وبين الناس.
فما مضت إلّا سنيّات، حتى هدم الناس أكثره، أوّلا فأوّلا، ووسّعوا به ما يجاوره من دورهم، واستضافوا مكانه إليها، حتى إنّ ذلك اتّسع، فجعل وزير «٥» المقتدر، على كل دار هذا حكمها، أجرة العرصة بحسب ذلك، وكان لها ارتفاع «٦» كثير.
ثم تبع ذلك بسنين، خراب المدينة، أوّلا فأوّلا، حتى بلغت إلى ما هي عليه.
стр. 175
٧٤ بابك الخرّمي وجلده وصبره على العذاب
ومن عجيب أخبار قوّة النفس:
إنّ أخا بابك الخرّمي «١» ، المازيار «٢» ، قال له لما أدخلا على المعتصم: يا بابك إنّك قد عملت ما لم يعمله أحد، فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد.
فقال له: سترى صبري.
فلما صار بحضرة المعتصم، أمر بقطع أيديهما وأرجلهما بحضرته.
فبدىء ببابك، فقطعت يمناه، فلما جرى دمها، مسح به وجهه كلّه، حتى لم يبق من حلية وجهه، وصورة سحنته، شيء.
فقال المعتصم: سلوه لم فعل هذا؟
فسئل، فقال: قولوا للخليفة، إنّك أمرت بقطع أربعتي، وفي نفسك قتلي، فلا شك أنّك لا تكويها، [٤٤ ط] وتدع دمي ينزف إلى أن تضرب عنقي، فخشيت أن يخرج الدم منّي، فتبين «٣» في وجهي صفرة يقدّر لأجلها
стр. 176
من حضر، أنّي قد فزعت من الموت، وانّها لذلك، لا من خروج الدم، فغطيّت وجهي بما مسحته عليه من الدم حتى لا تبين الصفرة.
فقال المعتصم: لولا أنّ أفعاله لا توجب العفو عنه، لكان حقيقا بالاستبقاء لهذا الفضل، وأمر بإمضاء أمره فيه.
فقطعت أربعته، ثم ضرب عنقه، وجعل الجميع على بطنه «١» ، وصبّ عليه النفط، وضرب [٤٩ ب] بالنار.
وفعل مثل ذلك بأخيه «٢» ، فما كان فيهما من صاح وتأوّه.
стр. 177
٧٥ عافية الباقلّاني وخالد الحذّاء يسيران حافيين على باب حديد محميّ
وقد حكي: أنّ عافية الباقلّاني، وخالد الحذّاء «١» ، رئيسي أصحاب العصبيّة في زمانهما، بايعا «٢» على أن يحمى لهما باب حديد، ويمشيان عليه، ففعلا ذلك. فلما حصلا فوقه، حلّ أحدهما مئزره، ثم ضرب يده إلى الآخر، وضبطه، وقال: انطرني أتوزّرهما عطفيّين «٣» ، أي انتظر حتى أتّزر.
قال: فما فارقه، حتى شدّ مئزره، وهما فوق الباب المحميّ، ثم تمّم مشيه، حتى خرج منه، وقد غلب بتلك الساعة «٤» ، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة، أو عادة، مثلما يكون أسفل القدر، كالنار إذا دام الوقود عليها، فيأخذها الإنسان [لساعته] «٥» على راحته، لأنّ البخار يتصاعد، ثم يدعها قبل أن ينعكس البخار إلى أسفلها.
وقد شاهدت أنا، أبا الأغرّ بن [أبي] «٦» شهاب التيميّ «٧» بالبصرة، فعل ذلك، وإلّا، فلا أدري ما هو.
стр. 178
وقد أخبرني غير واحد، أنّ القطعة الحديد، إذا أدخلت الكور، وأحميت حتى تبيضّ بياضا شديدا، فأخذها الإنسان، فلطعها مرتين، أو ثلاثة، قبل أن يرجع فيها الحمي، لم تضرّ لسانه.
وقد شاهدت أنا، أبا الحسن عليّ بن محمد بن أحمد التنوخيّ، وقد أدخل إلى فيه، غير مرّة، شمعة [مشعلة] «١» فيها رطل، وعضّ عليها، وكشّر شفتيه لي، حتى تبيّنت اتّقاد الشمعة في فيه، ساعة، ثم أخرجها غير منطفئة.
وسألته عن علّة ذلك، فقال: يحتاج إلى حذق في سرعة الإدخال، حتى لا تحرق الشفتين، فإذا حصلت في داخل الفم، لم تضرّ، لأنّ ما يتصاعد من حمي الجوف، يغلب على حماها «٢» ، فلا تضرّ.
стр. 179
٧٦ كيف قتل الخليفة المعتضد وزيره إسماعيل بن بلبل
ومن طريف عقوبات المعتضد، قتلته إسماعيل بن بلبل «١» ، حدّثني أبي، قال: أخبرني جماعة من أهل الحضرة، يعرفون ويحصّلون:
إنّ المعتضد أمر بإسماعيل بن بلبل، فاتّخذ له تغار «٢» كبير، وملىء إسفيداجا حيّا «٣» ، وبلّه، ثم جعل بالعجل رأس إسماعيل فيه، إلى آخر عنقه، وشيء من صدره، وأمسك حتى جمد الإسفيداج، فلم تزل روحه تخرج بالضراط، إلى أن مات «٤» .
стр. 180
٧٧ الخليفة المعتضد يقتل آخر بسدّ جميع منافذه
وأخبرني أيضا «١» ﵀:
إنّ المعتضد، أمر برجل «٢» فسدّ بالقطن أنفه، سدّا شديدا، وفمه، وعيناه، وأذناه، [ومنخراه] «٣» ، وذكره، وسوءته «٤» ثم كتّف وترك، فلم يزل ينتفخ، ويزيد، إلى أن طار قحف رأسه ومات «٥» .
следующие страницы →