Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
اختلّ، فقال له: أريد أن تعمل شيئا في الفراق الساعة.
فأخذ الدواة، وفكّر، وقال:
عيني، أكنت عليك مدّعيا ... أم حين أزمع بينهم خنت
إن كنت فيما قلت صادقة ... فعلى فراقهم ألا بنت
الوزراء للصابي ١٦٢
стр. 1227
٣٣ رسالة كتبها والد المؤلف
قال أبو عليّ التنوخي في النشوار: حدّثني أبو العلاء صاعد بن ثابت «١» ، قال:
كتب إليّ القاضي التنوخيّ أبو القاسم عليّ بن محمّد «٢» جواب كتاب كتبته إليه:
وصل إليّ كتابك:
فما شككت، وقد جاء البشير به، ... أنّ الشباب أتاني بعدما ذهبا
وقلت نفسي تفدي نفس مرسله ... من كل سوء ومن أملى ومن كتبا
وكاد قلبي، وقد قلّبته، قرما ... إلى قراءته أن يخرق الحجبا
قال: والشعر له، وأنشدنيه بعد ذلك لنفسه.
قال أبو عليّ: ولست أعرف له ذلك، ولا وجدته في كتبه منسوبا إليه، ويجوز أن يكون ممّا قاله ولم يثبته، أو ضاع فيما ضاع من شعره، فإنّه أكثر ممّا حفظ «٣» .
معجم الأدباء ٥/٣٤٠
стр. 1228
٣٤ من شعر أبي الفتح بن المنجم
كان لعليّ بن هارون بن المنجّم «١» ، ولد يقال له أبو الفتح أحمد بن عليّ ابن هارون المنجم «٢» ، كان أديبا فاضلا، إلّا أنّي لم أقف له على تصنيف، فلم أفرده بترجمة، والمقصود ذكره، وقد ذكر هاهنا، روى عنه أبو عليّ التنوخيّ في نشواره، فأكثر، وقال: أنشدني أبو الفتح أحمد بن عليّ بن هارون لنفسه:
ما أنس منها لا أنس موقفها ... وقلبها للفراق ينصدع
وقولها إذ بدا الصباح لها ... قول فزوع أظلّه الجزع
ما أطول الليل عند فرقتنا ... وأقصر الليل حين نجتمع
قال التنوخيّ: وأنشدني أبو الفتح لنفسه، وكتب بها إلى أبي الفرج محمد ابن العباس بن فسانجس «٣» في وزارته، وقد عمل على الانحدار إلى الأهواز:
قل للوزير سليل المجد والكرم ... ومن له قامت الدنيا على قدم «٤»
معجم الأدباء ٥/٤٤٥
стр. 1229
٣٥ أبو معشر وعلم التنجيم
وحدّث أبو عليّ التنوخيّ في نشواره، قال: حدّثني أبو الحسن ابن أبي بكر الأزرق «١» قال: حدّثني أبي «٢» ، قال:
كان بكركر «٣» من نواحي القفص «٤» ، ضيعة نفيسة، لعليّ بن يحيى بن المنجم «٥» ، وقصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة، يسميها: خزانة الحكمة، يقصدها الناس من كلّ بلد، فيقيمون فيها، ويتعلّمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة في ذلك لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال عليّ بن يحيى.
فقدم أبو معشر المنجّم «٦» من خراسان «٧» ، يريد الحجّ، وهو إذ ذاك لا
стр. 1230
يحسن كبير شيء من النجوم، فوصفت له الخزانة، فحضر وراها، فهاله أمرها، فأقام بها، وأضرب عن الحجّ، وتعلّم فيها علم النجوم، وأغرق فيه حتى ألحد.
وكان ذلك آخر عهده بالحجّ، وبالدين، والإسلام أيضا.
معجم الأدباء ٥/٤٦٧ فرج المهموم ١٥٧
стр. 1231
٣٦ من إخوانيات الجاحظ
قال أبو علي التنوخيّ، حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأخباري «١» ، قال: حدّثني أبو الفرج الأصبهانيّ «٢» ، قال: أخبرني الحسن بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر الوكيل، قال:
كنت يوما عند إبراهيم بن المدبّر «٣» ، فرأيت بين يديه رقعة يردّد النظر إليها.
فقلت له: ما شأن هذه الرقعة، كأنّه استعجم عليك شيء منها؟
فقال: هذه رقعة أبي عثمان الجاحظ «٤» ، وكلامه يعجبني، وأنا أردّده على نفسي، لشدّة إعجابي.
فقلت: هل يجوز أن أقرأها؟
قال: نعم، وألقاها إليّ، فإذا فيها:
ما ضاء لي نهار، ولا دجا ليل، مذ فارقتك، إلّا وجدت الشوق إليك قد حزّ في كبدي، والأسف عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي، فأنا بين حشى خافقة، ودمعة مهراقة، ونفس قد ذبلت بما تجاهد، وجوانح قد بليت بما تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض،
стр. 1232
ممنوع من لذة الإغماض، قول الشاعر:
إذا هتف القمريّ نازعني الهوى ... بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى الله إلّا أن يفرّق بيننا ... وكنّا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زمانا وبينها ... كما كان بين المسك والعنبر الورد
فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه، ونجري في مودتنا إليه، في شعره هذا، وذكرت أيضا، ما رماني به الدهر، من فرقة أعزّائي من أخواني الذين أنت أعزّهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصائي الذين أنت أحبّهم وأخلصهم، ويجرّعنيه من مرارة نأيهم، وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتا تقصر عن صفة وجدي، وكنه ما يتضمّنه قلبي، وهي:
بخدّي من قطر الدموع ندوب ... وبالقلب مني مذ نأيت وجيب
ولي نفس تحت الدجى يصدع الحشا ... ورجع حنين للفؤاد مذيب
ولي شاهد من ضرّ نفسي وسقمه ... يخبّر عنّي أنّني لكئيب
كأنّي لم أفجع بفرقة صاحب ... ولا غاب عن عيني سواك حبيب
فقلت لابن المدبّر: هذه رقعة عاشق، لا رقعة خادم، ورقعة غائب، لا رقعة حاضر.
فضحك، وقال: نحن ننبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أرقّ من هذا وألطف، فأمّا الغيبة، فإنّنا نجتمع في كل ثلاثة أيّام، وتأخّر ذلك لشغل عرض لي، فخاطبني مخاطبة الغائب، وأقام انقطاع العادة، مقام الغيبة.
معجم الأدباء ٦/٦٧
стр. 1233
٣٧ الوزير علي بن عيسى يقر بأن صنيعة الوزير ابن الفرات
حدّث القاضي أبو عليّ قال: حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق «١» ، قال:
لما حمل عليّ بن عيسى «٢» إلى ابن الفرات في وزارته الثالثة «٣» ، رآه ابن الفرات، وهو مقبل إليه، فبدأ يكتب كتابا.
وجاء عليّ بن عيسى، وهو كالميت، خوفا وجزعا، فوقف قائما، وابن الفرات يكتب، وعند عليّ بن عيسى، والحاضرين، أنّه لم يره.
وبقي واقفا، نحو ساعة، إلى أن فرغ ابن الفرات من كتابته، ثم رفع رأسه، وقال: اقعد، بارك الله عليك.
فأكبّ عليّ بن عيسى عليه، يقبّل يده، وهو يقول: أنا عبد الوزير، وخادمه، وصنيعته القديم، وصنيعة أبي العباس «٤» أخيه، رحمه الله تعالى، ومن لا يعرف صاحبا، ولا أستاذا غيره.
فقال: هو كذلك، وأنت فيه صادق، وإنّي لأرعى لك حق خدمتك القديمة، لي، ولأخي ﵀، وما عليك بأس في نفسك، ولولا طاعة
стр. 1234
السلطان، ما أفسدنا صنيعتنا عندك.
وقرّر عليه من المصادرة، ما قرّره.
وعمل المحسّن بن عليّ بن الفرات «١» ، على قتل عليّ بن عيسى، فلم يدعه أبوه، واستقرّ الأمر على نفيه، وإبعاده عن الحضرة.
واختار هو الخروج إلى مكّة، وأظهر أنّه يريد الحجّ والمجاورة.
وخرج بعد أن ضمّ إليه موكّلون «٢» ، ووصّاهم المحسّن بسمّه في الطريق، إن تمكنوا، أو قتله بمكّة.
وعرف عليّ بن عيسى ذلك، فتحرّز، في مأكله ومشربه.
ووصل إلى مكّة [وفيها] رجل يعرف بأحمد بن موسى الرازي، وكان داهية ذا مكر وخبث، وقد اصطنعه عليّ بن عيسى في وزارته، وقلّده القضاء هناك.
فلما اجتمع عليّ بن عيسى معه، حدّثه بحديثه، وسأله إعمال الحيلة في تخليصه، وحراسة نفسه.
فتلطّف في ذلك، بأن واضع أهل البلد، وقد كانوا قدّموه، وأطاعوه، على أن اجتمعوا، وثاروا بالموكّلين.
وخاف أن يجري ما يلحقه فيه إثم، أو إنكار من السلطان، فطرح نفسه عليهم، حتى خلّصهم، وأخرجهم ليلا إلى بغداد، بعد أن أعطاهم نفقة.
وأقام بمكّة.
وقد كان أبو العبّاس، أحمد بن محمد بن الفرات، في خلافة عبيد الله ابن سليمان، على الأمور، عمل ديوانا سماه: ديوان الدار، وجمع إليه
стр. 1235
سائر الأعمال، ودبّره بنفسه، وكتّابه، واستناب أخاه أبا الحسن عليّ ابن محمد بن الفرات فيه، واصطنع كتّابا، قلّدهم مجالسه، منهم أبو الحسن عليّ بن عيسى، وأبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح، عمّه، فكانا يجلسان بحضرة أبي الحسن، ويأمرهما وينهاهما، ويسمّيانه أستاذنا، على رسم أصحاب الدواوين إذ ذاك.
وجرى الأمر على هذا الترتيب، إلى أن عزم المعتضد بالله، على إخراج المكتفي بالله، إلى الجبل، ومعه عبيد الله بن سليمان، والخروج بنفسه إلى آمد والثغور، ومعه القاسم بن عبيد الله.
فقال عبيد الله، لأبي العباس بن الفرات: أريد كاتبا يصحبني، ويتصفّح أعمال كلّ بلد نفتحه، ويقرّر معاملاته، على ما يدلّ عليه الديوان القديم من رسومه.
فقال: ذاك محمّد بن داود، وإليه في ديوان الدار، مجلس ما فتح من أعمال المشرق، وفيه الحسبانات العتيقة.
وقال القاسم: وأنا أريد آخر يكون معي إلى المغرب.
فقال: يكون عليّ بن عيسى.
وخرج محمد بن داود، وعليّ بن عيسى، في جملة عبيد الله، والقاسم، فنفق محمد على عبيد الله، وقرب منه، واختصّ به، ورأى من فضله، وصناعته، ما أعجبه، وانتهى أمره معه إلى أن زوّجه عبيد الله بنته، وانتزع مجلس المشرق، من ديوان الدار، وجعله ديوانا مفردا، وقلّده محمد بن داود، رئاسة.
وحصلت لعليّ بن عيسى حرمة بالقاسم، وشاهد من كفايته، وسداده، وكتابته، ونفاذه، ما عظم به في عينه، فقدّمه، وتوفّر عليه، وفعل مثل فعل أبيه مع محمد بن داود، في انتزاع مجلس المغرب من ديوان الدار،
стр. 1236
وتقليده عليّ بن عيسى رئاسة، ولم يجعلا لأبي العباس بن الفرات، بعد ذلك، عليهما يدا.
وكان قول عليّ بن عيسى، لابن الفرات، ما قاله: من أنّني عبدك، وصنيعتك، وعبد وصنيعة أبي العباس أخيك، وقبول ابن الفرات ذلك منه، وتصديقه إيّاه فيه، على هذا الأصل.
الوزراء للصابي ١٤٧
стр. 1237
٣٨ ابن دريد يكتب دروسه لتلامذته
ومن خطّ أبي عليّ المحسّن، قال:
سألت القاضي أبا سعيد السيرافيّ «١» ﵀، عن الأخبار التي يرويها عن أبي بكر بن دريد «٢» ، وكنت أقرأها عليه، أكان يمليها من حفظه؟
فقال: لا، كانت تجمع من كتبه وغيرها، ثم تقرأ عليه.
وسألت أبا عبيد الله محمد بن عمران المرزباني «٣» ﵀، عن ذلك، فقال: لم يكن يمليها من كتاب ولا حفظ، ولكن كان يكتبها، ثم يخرجها الينا بخطّه، فاذا كتبناها خرّق ما كانت فيه.
معجم الأدباء ٦/٢٤٨
стр. 1238
٣٩ القاضي التنوخي وقاطع الطرق
قال المحسّن، وحدّثني أبي «١» ، قال:
لمّا كنت أتقلّد القضاء بالكرخ، كان بوّابي بها رجل من أهل الكرخ، وله ابن عمره حينئذ عشر سنين أو نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن، ويمتزج مع غلماني، وأهب له في الأوقات الدراهم والثياب، كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم.
ثم خرجت عن الكرخ، ورحلت عنها، ولم أعرف للبوّاب ولا لابنه خبرا.
ومضت السنون، وأنفذني أبو عبد الله البريدي «٢» من واسط «٣» ، برسالة إلى ابن رائق «٤» ، فلقيته بدير العاقول «٥» ، ثم انحدرت أريد واسطا «٦» ، فقيل لي إنّ في الطريق لصّا يعرف بالكرخي، مستفحل الأمر.
وكنت خرجت بطالع اخترته على موجب تحويل مولدي لتلك السنة «٧» .
стр. 1239
فلمّا عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في سفن عدّة بسلاح شاك «١» في نحو مائة رجل، وهو كالعسكر العظيم.
وكان معي غلمان يرمون بالنشّاب، فحلفت أنّ من رمى منهم سهما ضربته إذا رجعت إلى المدينة، مائتي مقرعة «٢» ، وذلك إنّني خفت أن يقتل أحد منهم، فلا يرضون إلّا بقتلي.
وبادرت فرميت بجميع ما كان معي، ومع الغلمان، من السلاح، في دجلة، واستسلمت طلبا لسلامة النفس.
وجعلت أفكّر في الطالع الذي خرجت به، فإذا ليس مثله ممّا يوجب عندهم قطعا، والناس قد أديروا إلى الشاطئ، وأنا في جملتهم، وهم يضربون، ويقطّعون بالسيوف.
فلمّا انتهى الأمر إليّ، جعلت أعجب من حصولي في مثل ذلك، والطالع لا يوجبه.
فبينا أنا كذلك، وإذا بسفينة رئيسهم قد دنت، وطرح عليّ «٣» كما صنع بسائر السفن، ليشرف على ما يؤخذ.
فحين رآني زجر أصحابه عنّي، ومنعهم من أخذ شيء من سفينتي، وصعد بمفرده إليّ، وجعل يتأمّلني، ثم أكبّ علي يديّ يقبّلهما، وهو متلثّم.
فارتعت، وقلت: يا هذا، ما شأنك؟
فأسفر عن لثامه، وقال: أما تعرفني يا سيّدي؟
стр. 1240
فتأمّلته، فلجزعي لم أعرفه، فقلت: لا والله.
فقال: بلى، أنا عبدك ابن فلان الكرخيّ، بوّابك هناك، وأنا الصبيّ الذي تربيت في دارك.
قال: فتأمّلته، فعرفته، إلّا أنّ اللحية قد غيّرته في عيني.
فسكن روعي قليلا، وقلت: يا هذا، كيف بلغت إلى هذه الحال؟
فقال: يا سيّدي، نشأت، فلم أتعلّم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان «١» فما قبلني أحد، وانضاف إليّ هؤلاء الرجال، فطلبت قطع الطريق، ولو كان أنصفني السلطان، وأنزلني بحيث أستحقّ من الشجاعة، وانتفع بخدمتي، ما فعلت بنفسي هذا.
قال: فأقبلت عليه، أعظه، وأخوّفه الله، ثم خشيت أن يشقّ ذلك عليه فيفسد رعايته لي، فأقصرت.
فقال لي: يا سيّدي لا يكون بعض هؤلاء أخذ منك شيئا.
قلت: لا، ما ذهب مني إلا سلاح رميته أنا في الماء، وشرحت له الصورة.
فضحك، وقال: قد والله أصاب القاضي، فمن في الكار «٢» ممن تعتني به؟
فقلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة في الغمّ بهم، فلو أفرجت عن الجميع.
فقال: والله، لولا أنّ أصحابي قد تفرّقوا ما أخذوه، لفعلت ذلك، ولكنّهم لا يطيعونني إلى ردّه، ولكني أمنعهم عن أخذ شيء آخر ممّا في السفن، ممّا لم يؤخذ بعد.
فجزيته الخير، فصعد إلى الشاطئ، وأصعد جميع أصحابه، ومنعهم عن أخذ شيء آخر ممّا في السفن، ممّا لم يؤخذ، وردّ على قوم أشياء
стр. 1241
كثيرة، كانت أخذت منهم، وأطلق الناس.
وسار معي إلى حيث أمن عليّ، وودّعني، وانصرف راجعا.
معجم الأدباء ٥/٣٤٧
٤٠ ابن سكرة الهاشمي يهجو غلاما
قال أبو عليّ: وكنت مع أبي الحسن بن سكّرة «١» على المائدة، فحمل بعض الغلمان غضارة «٢» فيها مضيرة «٣» ، فاضطربت يده، وانقلب منها شيء على ثياب أبي الحسن، فادّعى عليه أنّه ضراط، وهجاه بأبيات، لم يبق من حفظي منها غير بيتين، وهما:
قليل الصواب كثير الغلط ... شديد العثار قبيح السقط
جنى بالمضيرة ما قد جنى ... ولم يكفه ذاك حتى ضرط
معجم الأدباء ٦/٣٤٨
стр. 1242
٤١ عناية الوزير أبي محمد المهلبي بالتنوخي المؤلف
قرأت في كتاب الوزراء لهلال بن المحسّن «١» : حدّث القاضي أبو عليّ قال:
نزل الوزير أبو محمد المهلبي «٢» السوس «٣» ، فقصدته للسلام عليه، وتجديد العهد بخدمته.
فقال لي: بلغني أنّك شهدت عند ابن سيّار «٤» قاضي الأهواز «٥» .
قلت: نعم.
قال: ومن ابن سيار حتى تشهد عنده، وأنت ولدي، وابن أبي القاسم التنوخي «٦» أستاذ ابن سيّار؟
قلت: إلّا أنّ في الشهادة عنده، مع الحداثة، جمالا، وكانت سني يومئذ عشرين سنة.
قال: وجب أن تجيء إلى الحضرة، لأتقدّم إلى أبي السائب، قاضي
стр. 1243
القضاة، بتقليدك عملا، تقبل أنت فيه شهودا «١» .
قلت: ما فات ذاك إذا أنعم سيّدنا الوزير به، وسبيلي إليه الآن مع قبول الشهادة أقرب.
فضحك، وقال لمن كان بين يديه: انظروا إلى ذكائه، كيف اغتنمها؟
ثم قال لي: اخرج معي إلى بغداد.
فقبّلت يده، ودعوت له، وسار من السوس إلى بغداد.
ووردت إلى بغداد في سنة ٣٤٩ هـ، فتقدّم إلى أبي السائب في أمري بما دعاه إلى أن قلّدني عملا بسقي الفرات «٢» .
وكنت ألازم الوزير أبا محمد، وأحضر طعامه، ومجالس أنسه.
واتفق أن جلس يوما مجلسا عامّا، وأنا بحضرته، وقيل له: أبو السائب في الدار.
قال: يدخل، ثم أومأ إليّ بأن أتقدم إليه، فتقدّمت ومد يده ليسارّني، فقبّلتها.
فمدّ يدي، وقال: ليس بيننا سرّ، وإنّما أردت أن يدخل أبو السائب، فيراك تسارّني في مثل هذا المجلس الحافل، فلا يشكّ أنّك معي في أمر من أمور الدولة، فيرهبك، ويحشمك، ويتوفّر عليك، ويكرمك، فإنّه لا يجيء إلّا بالرهبة، وهو يبغضك بزيادة عداوة كانت لأبيك، ولا يشتهي أن يكون له خلف مثلك.
وأخذ يواصل معي في مثل هذا الفنّ من الحديث، إلى أن دخل أبو السائب.
стр. 1244
فلما رآه في سرار، وقف، ولم يحب أن يجلس إلّا بعد مشاهدة الوزير له، تقرّبا إليه، وتلطّفا في استمالة قلبه، فإنّه كان إذ ذاك فاسد الرأي فيه.
فقال الحاجب لأبي السائب: يجلس قاضي القضاة.
وسمعه الوزير، فرفع رأسه، وقال له: اجلس يا سيّدي.
وعاد إلى سراري، وقال لي: هذه أشدّ من تلك، فامض إليه في غد، فسترى ما يعاملك به.
وقطع السرار، وقال لي ظاهرا: قم فامض فيما أنفذتك فيه، وعد إليّ الساعة بما تعمله.
فوهم أبو السائب بذاك أنّنا في مهمّ.
فقمت، ومضيت إلى بعض الحجر، وجلست إلى أن عرفت انصراف أبي السائب، ثم عدت إليه، وقد قام عن ذلك المجلس.
وجئت من غد إلى أبي السائب، فكاد يحملني على رأسه «١» ، وأخذ يجاذبني بضروب من المحادثة والمباسطة.
وكان على ذلك دهرا طويلا «٢» .
معجم الأدباء ٦/٢٥٣
стр. 1245
٤٢ التنوخي المؤلف في مجلس أنس عضد الدولة
حدّث أبو عليّ، قال:
كنت جالسا بحضرة عضد الدولة «١» في مجلس أنسه، بنهاوند «٢» ، فغنّاه محمد بن كاله الطنبوري «٣» ، شيخ كان يخدمه في جملة المغنّين، باق إلى الآن:
ذد بماء المزن والعنب ... طارقات الهمّ والكرب
قهوة لو أنّها نطقت ... ذكرت قحطان في العرب
وهي تكسو كفّ شاربها ... دستبانات من الذهب
فاستحسن الشعر والصنعة، وسأل عنها، فقال له ابن كاله: هذا شعر غنّت به مولانا، سلمة بنت حسينة، فاستعاده منها استحسانا له، فسرقته منها.
قال التنوخي: فقلت له: أمّا الشعر، فللخبّاز البلديّ «٤» ، وأظن أبا الحسن بن طرخان «٥» قال لي: إنّ الصنعة فيه لأبيه «٦» ، والمعنى حسن، ولكنّه مسروق.
стр. 1246
فقال: من أين؟
فقلت: أمّا البيت الثاني، فمن قول أبي نؤاس «١» :
عتّقت حتى لو اتّصلت ... بلسان صادق «٢» وفم
لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصّت قصّة الأمم
ووصفها بالعتق والقدم، كثير في القوم، وأبلغ من هذا البيت، ولكنّ التشبيه في البيت الثالث، هو الحسن، وقد سرقه ممّا أنشدناه أبو سهل بن زياد القطان «٣» ، قال أنشدنا يعقوب بن السكيت «٤» ، ولم يسمّ قائلا:
أقري الهموم إذا ضافت معتّقة ... حمراء يحدث فيها الماء تفويفا
تكسو أصابع ساقيها إذا مزجت ... من الشعاع الذي فيها تطاريفا
وقد كشف- أطال الله بقاء مولاي- هذا المعنى من قال:
كأنّ المدير لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسار
تدرّع ثوبا من الياسمين ... له فرد كمّ من الجلّنار
стр. 1247
وكان أبو عليّ، أحمد بن عليّ المدائني، المعروف بالهائم الراوية «١» ، قائما في المجلس، فقال: قد كشف معنى الأبيات الفائية، السريّ الرفاء، حيث يقول في صفة الدنان:
ومستسلمات هززنا لها ... مداري القيان لسفك الدماء
وقد نظم الصبح أجسامها ... مع الجدر نظم صفوف اللقاء
تمدّ إليها أكفّ الرجال ... فترجع مثل أكفّ النساء «٢»
وكشف المعنى الثاني في الأبيات بقوله:
إزدد من الراح وزد ... فالغيّ في الراح رشد
يديرها ذا غنّة ... أغيد يثنيه الغيد
مدّ إليها يده ... فالتهبت إلى العضد «٣»
قال القاضيّ التنوخي: فقلت له: فأين أنت عمّا هو خير من هذا؟
وهو قول ابن المعتز:
تحسب الظبي إذا طاف بها ... قبل أن يسقيكها مختضبا
стр. 1248
قال الهائم: فقد قال بكارة الرسعنيّ «١» :
وبكر شربناها على الورد بكرة ... فكانت لنا وردا إلى ضحوة الغد
إذا قام مبيضّ اللباس يديرها ... توهّمته يسعى بكمّ مورّد
وقول أبي النضر النحويّ «٢» :
فلو رآني إذا اتّكأت وقد ... مددت كفّي للهو والطرب
لخالني لابسا مشهّرة ... من لا زورد يشف عن ذهب
فبدأت أذكر شيئا، فقال الهائم: اصبر، اصبر، فهاهنا ما لا يلحقه شعر أحد كان في الدنيا قطّ، حسنا وجودة، وهو قول مولانا الملك من أبيات:
وشرب الكأس من صهباء صرف ... تفيض على الشروب يد النضار
فقطعت المذاكرة، وأقبلت أعظّم البيت، وأفخّم أمره، وأفرط في استحسانه، والاعتراف بأنّي لا أحفظ ما يقاربه في الحسن والجودة فأذاكر به.
معجم الأدباء ٦/٢٥٤
стр. 1249
٤٣ أبيات من نظم عضد الدولة
قال التنوخيّ:
كنت بحضرة الملك عضد الدولة «١» في عشية من العشايا في مجلس الأنس، وكان هذا بعد خدمتي له في المؤانسة «٢» بشهور يسيرة، فغنّي له من وراء ستارته الخاصّة، صوت، وهو:
نحن قوم من قريش ... ما هممنا بالفرار
وبعده أبيات، بعضها ملحون، وبعضها جيّد.
فاستملح اللحن، وقال: هو شعر ركيك جدّا، فتعلمون لمن هو، ولمن اللحن؟.
فقال له أبو عبد الله المنجم «٣» : بلغني أنّ الشعر للمطيع لله «٤» ، وأنّ اللحن له أيضا.
فقال لي: اعمل أبياتا تنقل هذا اللحن إليها، في وزنها وقافيتها.
فجلست ناحية، وعملت:
أيّهذا القمر الطالع ... من دار القمار
стр. 1250
رائحا من خيلاء الحسن ... في أبهى إزار
والذي يجني ولا يتبع ... ذنبا باعتذار
أنا من هجرك في بعد ... على قرب المزار
أوضح العذر عذاراك ... على خلع العذار
وعدت فأنشدته إيّاها في الحال، فارتضاها، وقال: لولا أنّه قد هجس في نفسي أن أعمل في معناها، لأمرت بنقل اللحن إليها.
ثم أنشدنا بعد أيّام لنفسه:
نحن قوم نحفظ العهد ... على بعد المزار
ونمرّ السحب سحبا ... من أكفّ كالبحار
أبدا ننجز للضيف ... قدورا من نضار
وأمر جواريه بالغناء فيه.
وأمّا أبياتي [فقد] تمّمتها قصيدة، ومدحته بها وهي مثبتة في ديوان شعري «١» .
معجم الأدباء ٦/٢٥٧
стр. 1251
٤٤ عضد الدولة يحتفل بتحوّل سنة شمسية من يوم مولده
قال [التنوخيّ] :
وجلس عضد الدولة «١» ، وقد تحوّلت له سنة شمسية «٢» ، من يوم مولده، على عادة له في ذلك.
وكانت عادته، أنّه إذا علم أنّه قد بقي بينه وبين دخول السنة الجديدة ساعة أو أقلّ أو أكثر، أن يأكل، ويتبخّر، ويخرج في حال التحويل، إلى مجلس عظيم، قد عبّى فيه آلات الذهب والفضّة، وليس فيه غيرهما، وفيها أنواع الفاكهة والرياحين، ويجلس في دست «٣» عظيم القيمة.
ويجيء المنجّم، فيقبّل الأرض بين يديه، ويهنّئه بتحويل السنة، وقد حضر المغنّون، وأخذوا مواضعهم، وجلسوا، وحضر الندماء، وأخذوا مواقفهم قياما.
ولم يكن أحد منهم يجلس بحضرته، غيري «٤» ، وغير أبي عليّ الفسويّ «٥» ،
стр. 1252
وأبي الحسين الصوفيّ المنجّم»
، وأبي القاسم عبد العزيز بن يوسف «٢» ، صاحب ديوان الرسائل، فإنّه كان يجلس ليوقّع بين يديه.
ويستدعى له إذا نشط، نبيذ، فيجعل بين يديه، ويشرب منه، ومن قبل أن يشرب، يوقّع بمال، ثم يجيء المهنّون من أهل المجلس، مثل رؤساء دولته، ووجوه الكتّاب، والعمّال، وكبار أهل البلد من الأشراف وغيرهم، فيدخلون إليه، فيهنّونه، والشعراء، فيمدحونه.
فلما جلس ذلك اليوم، على هذه الصفة، قيل له: إنّ الناس قد اجتمعوا للخدمة، وفيهم أبو الحسن بن أمّ شيبان «٣» قد حضر.
فعجب من هذا، ثم قال: أبو الحسن رجل فاضل، وليس هذا من أيّامه، وما حضر إلّا لفرط موالاته، وأنّه ظنّ أنّه يوم لا شرب فيه، وإن حجبناه غضضنا منه، وإن أوصلناه فلعلّه لا يحب ذلك لأجل الغناء والنبيذ، ولكن اخرج إليه يا فلان- لبعض من كان قائما من الندماء- واشرح له صفة المجلس، وما قلته في أمره، وأدّ الرسالة إليه ظاهرا، ليسمعها الناس، فإن أحبّ الدخول فأدخله قبلهم، وإن أراد الانصراف، فلينصرف، والناس يسمعون، وقد علموا منزلته منّا.
فخرج الحاجب، وأبلغ ذلك.
فدعا، وشكر، وآثر الانصراف، فانصرف، وهم جلوس يسمعون.
стр. 1253
ثم قال لحاجب النوبة: اخرج، وأدخل الناس، وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، وأخوه أبو محمد عليّ بن العباس، يتقدّمان الناس جميعهم، لرئاستهم القديمة «١» ، حتى دخلوا، وقبّلوا الأرض على الرسم في ذلك، وأعطوه الدينار والدرهم «٢» ، ووقفوا.
وابتدأ الشعراء، فكان أوّل من ينشد من الشعراء السلاميّ، أبو الحسن محمد بن عبد الله «٣» ، إلّا أنّه يريد مني أن أنشده في الملأ شيئا، فإنّه كان يأمرني بذلك في الليل، فأحضر، وأبتدئ، فأنشده، أو يحضر رجل علويّ ينشد شعرا لنفسه، فيجعل عقيبي، ثم ينشد السلاميّ أبو الحسن، ثم أبو القاسم عليّ بن الحسن التنوخي الشامي، من أهل معرّة النعمان «٤» ، يعرف بابن جلباب، ثم يتتابع الشعراء.
فلما انصرف الناس، وتوسّط الشرب، جاءه الحاجب، فقال: قد حضر أبو بكر بن عبد الرحيم الفسويّ، وكان هذا شيخا، قد أقام بالبصرة،
стр. 1254
وشهد عند القاضي بها، وقد وفد إلى باب عضد الدولة، قبل ذلك، وأقام، وكان خادما له، فيما يخدم فيه التجار، يختصّه بعض الاختصاص.
فأقبل، وكان بين يدي، الدست التمريّ، الذي يوضع بين يديّ في كل يوم، وفيه من الأشربة المحلّلة، ما جرت عادتي بشرب اليسير منه بين يدي عضد الدولة، على سبيل المنادمة والمؤانسة والمباسطة، وكان قد سامني وألزمني ذلك، بعد امتناعي منه شهورا، حتى تهدّدني وأخافني.
فقال لي: يا قاضي، إنّ هذا الرجل الذي استؤذن له، عامّي، جاهل بالعلم، وإنّما استخدمته رعاية لحرمات له عليّ، ولأنّه كان يخدم أمّي في البزّ، ويدخل إليها بإذن ركن الدولة، لتقاه وأمانته، فلا تستتر عنه، وهذا قبل أن أولد، فلما ولدت كان يحملني على كتفه، إلى أن ترجّلت، ثم صار يشتري البزّ، ويبيعه عليّ، واستمرّت خدمته لحرمته، وهو قاطن بالبصرة، ولعلّه يدخل فيرى ما بين يديك، فيظنّه خمرا، فيرجع إلى البصرة، فيخبر قاضيها وشهودها بذلك، فيقدح فيك، ومحلّه يوجب أن يكشف لك عذرك، ولكن أزح الدست الذي بين يديك حتى يصير بين يدي أبي عبد الله بن المنجّم- وكان أبو عبد الله بن إسحاق بن المنجم، يجلس دوني بفسحة في المجلس- فإذا دخل رأى الدست بين يديه دونك، فلم يقدر على حكاية يطعن بها عليك.
فقبّلت الأرض شكرا لهذا التطوّل في الإنعام، وباعدت الدست إلى أبي عبد الله.
ثم قال: أدخلوه، فأدخلوه، وشاهد المجلس، وهنّأ، ودعا، وأعطى دينارا ودرهما كبيرين، فيهما عدّة مثاقيل، وانصرف.
قال أبو عليّ، ويقرب من هذا ما عاملني به الوزير أبو محمد المهلّبي،
стр. 1255
وذكر الحكاية التي سبق ذكرها آنفا مع قاضي القضاة أبي السائب «١» ، وحديث تقريبه منه، ومسارّته إيّاه في المحفل ليعظم بذلك قدره، وتكبر منزلته، في عين قاضي القضاة أبي السائب.
ولله در القائل:
لولا ملاحظة الكبير صغيره ... ما كان يعرف في الأنام كبير
معجم الأدباء ٦/٢٥٨
стр. 1256
٤٥ لماذا سخط عضد الدولة على التنوخي المؤلف
قال الرئيس أبو الحسين هلال «١» :
في شهر ربيع الأوّل «٢» سخط عضد الدولة «٣» على القاضي أبي عليّ المحسّن ابن عليّ التنوخيّ «٤» ، وألزم منزله، وصرف عمّا كان يتقلّده، وقسم ذلك على أبي بكر بن أبي موسى «٥» ، وأبي بكر بن المحامليّ «٦» ، وأبي محمد بن عقبة، وأبي تمام بن أبي حصين، وأبي بكر الأزرق «٧» ، وأبي محمّد بن الجهرميّ.
وكان السبب في ذلك، ما حدّثني به أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي، قال: حدّثني القاضي أبو عليّ، والدي، قال:
كنت بهمذان «٨» مع الملك عضد الدولة، فاتّفق أن مضيت يوما إلى أبي
стр. 1257
بكر بن شاهويه «١» رسول القرامطة «٢» والمتوسّط بين عضد الدولة، وبينهم، وكان لي صديقا، ومعي أبو عليّ الهائم «٣» ، وجلسنا نتحدّث، وقعد أبو عليّ بباب خركاه «٤» كنّا فيه، وقدّم إليه ما يأكله.
فقال: اجعل أيها القاضي في نفسك المقام في هذه الشتوة في هذا البلد.
فقلت: لم؟
فقال: إنّ الملك مدبّر في القبض على الصاحب أبي القاسم بن عبّاد «٥» ،- وكان قد ورد إلى حضرته بهمذان- وإذا كان كذلك، تشاغل بما تتطاول معه الأيّام، وانصرفت من عنده.
فقال أبو علي الهائم: قد سمعت ما كنتما فيه، وهذا أمر ينبغي أن تطويه، ولا تخرج به إلى أحد، ولا سيّما إلى أبي الفضل بن أبي أحمد الشيرازي «٦» .
стр. 1258
فقلت: أفعل.
ونزلت إلى خيمتي، وجاءني من كانت له عادة جارية بملازمتي، ومواصلتي، ومؤاكلتي، ومشاربتي، وفيهم أبو الفضل بن أبي أحمد الشيرازي.
فقال لي: أيّها القاضي، أنت مشغول القلب، فما الذي حدث؟
فاسترسلت على أنس كان بيننا، وقلت: أما علمت أنّ الملك مقيم، وقد عمل على كذا في أمر الصاحب، وهذا دليل على تطاول السنة.
فلم يتمالك أن انصرف، وأستدعى ركابيّا «١» من ركابيّتي، وقال له: أين كنتم اليوم؟
فقال: عند أبي بكر بن شاهويه.
قال: وما صنعتم؟
قال: لا أدري، إلا أنّ القاضي أطال عنده الجلوس، وانصرف إلى خيمته، ولم يمض إلى غيره.
فكتب إلى عضد الدولة، رقعة، يقول فيها: كنت عند القاضي أبي عليّ التنوخيّ، فقال كذا وكذا، وذكر أنّه قد عرفه من حيث لا يشكّ فيه، وعرفت أنّه كان عند أبي بكر بن شاهويه، وربّما كان لهذا الحديث أصل، وإذا شاع الخبر به، وأظهر السرّ، فسد ما دبّر في معناه.
فلمّا وقف عضد الدولة على الرقعة، وجم وجوما شديدا «٢» ، وقام من سماط كان قد عمله في ذلك اليوم على منابت الزعفران للديلم، مغيظا.
واستدعاني، وقال لي: بلغني أنّك قلت كذا وكذا، حاكيا عن أبي بكر ابن شاهويه، فما الذي جرى بينكما في ذلك؟
стр. 1259
قلت: لم أقل من ذلك شيئا، فجمع بيني وبين أبي الفضل بن أبي أحمد، وواقفني، وأنكرته، وراجعني، وكذّبته.
وأحضر أبو بكر بن شاهويه، وسئل عن الحكاية، فقال: ما أعرفها، ولا جرى بيني وبين القاضي قول في معناها.
وثقل على أبي بكر هذه المواقفة، وقال: ما نعامل الأضياف هذه المعاملة.
وسئل أبو عليّ الهائم عمّا سمعه، فقال: كنت خارج الخركاه، وكنت مشغولا بالأكل، وما وقفت على ما كانا فيه.
فمدّ، وضرب مائني مقرعة، وأقيم، فنفض ثيابه «١» .
وخرج أبو عبد الله ابن سعدان «٢» ، وكان لي محبّا، فقال لي: الملك يقول لك، ألم تكن صغيرا فكبّرناك، ومتأخّرا فقدّمناك، وخاملا فنبّهنا عليك، ومقترا فأحسنّا إليك؟ فما بالك جحدت نعمتنا، وسعيت في الفساد على دولتنا؟
قلت: أمّا اصطناع الملك لي، فأنا معترف به، وأمّا الفساد على دولته، فما علمت أنّني فعلته، ومع ذلك، فقد كنت مستورا فهتكني، ومتصوّنا ففضحني، وأدخلني من الشرب والمنادمة بما قدح فيّ.
فقال أبو عبد الله: هذا قول لا أرى الإجابة به، لئلّا يتضاعف ما نحن محتاجون إلى الاعتذار والتخلّص منه، ولكنّي أقول عنك كذا وكذا، بجواب
стр. 1260
لطيف، فاعرفه، حتى إذا سئلت عنه، وافقتني فيه، وتركني وانصرف.
وجلست مكاني طويلا، وعندي أنّني مقبوض عليّ، ثم حملت نفسي على أن أقوم وأسبر «١» الأمر.
وقمت، وخرجت من الخيمة، فدعا البوابون دابّتي على العادة، ورجعت إلى خيمتي منكسر النفس، منكسف البال.
فصار الوقت الذي أدعى فيه للخدمة، فجاءني رسول ابن الحلّاج على الرسم، وحضرت المجلس، فلم يرفع الملك إليّ طرفا، ولا لوى إليّ وجها، ولم يزل الحال على ذلك خمسة وأربعين يوما.
ثم استدعاني، وهو في خركاه، وبين يديه أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف «٢» ، وعلى رأسه أبو الثناء شكر الخادم «٣» .
فقال: ويلك، اصدقني عمّا حكاه أبو الفضل بن أبي أحمد.
فقلت: كذب منه، ولو ذكرت لمولانا ما يقوله، لما أقاله العثرة.
فقال: أومن حقوقي عليكم، أن تسيئوا غيبتي، وتتشاغلوا بذكري.
فقلت: أمّا حقوق النعمة فظاهرة، وأمّا حديثك فنحن نتفاوضه دائما.
فالتفت إلى أبي القاسم، وقال: اسمع ما يقول.
فقال له بالفارسية، وعنده أنّني لا أعرفها: هؤلاء البغداديّون مفتونون، ومفسدون، ومتسوّقون «٤» .
стр. 1261
فقال شكر: [الأمر] كذلك، إلّا أن التسوّق على القاضي، لا منه، ثم قال لي عضد الدولة: عرّفنا ما قاله أبو الفضل.
قلت: هو ما لا ينطلق به لساني.
فقال: هاته، وكان يحبّ أن تعاد الأحاديث، والأقاويل، على وجهها، من غير كناية عنها، ولا احتشام فيها.
فقلت: نعم، إنّك عند وفاة والدك بشيراز «١» ، أنفذت من كرمان «٢» ، وأخذت جاريته زرياب، وإنّ الخادم المخرج في ذاك، وافى ليلة الشهر، فاجتهدت به أن يتركها تلك الليلة، لتوفي أيّام الحق «٣» ، فلم يفعل، ولا رعى للماضي حقا ولا حرمة.
فقال: والله، لقد أنكرنا على الخادم إخراجه إيّاها على هذا الإعجال، ولو تركها يوما، وأيّاما، لجاز، وبعد فهذا ذنب الخادم، ولا عمل لنا فيه، ولا عيب علينا به، ثم ماذا؟
قلت: قال: إنّ مولانا يعشق كنجك المغنّية، ويتهالك في أمرها، وربّما نهض إلى الخلاء، فاستدعاها إلى هناك، وواقعها.
فقال: إنّا لله، لعنكما الله، ولا بارك فيكما، ثم ماذا؟
فأوردت عليه أحاديث سمعتها من غير أبي الفضل، ونسبتها إليه.
وقلت: لم أعلم أنّني أقوم هذا المقام، فأحفظ أقواله، وقد ذكر أيضا هذا الأستاذ، وأومأت إلى أبي القاسم، وأبا الريان «٤» ، وجماعة الحواشي.
стр. 1262
فقال: ما قال في أبي القاسم؟
قلت: قال: إنّه ابتاع من ورثة ابن بقيّة «١» ، ناحية الزاوية من راذان «٢» بأربعة آلاف درهم، بعد أن استأذنك استئذانا سلك فيه سبيل السخريّة والمغالطة، واستغلّها في سنة واحدة، نيفا على ثلاثين ألف درهم، وإنّه أعطى فلانا، وفلانا، ثمانية آلاف درهم على ظاهر البضاعة والتجارة، فأعطياه نيفا وستين ألف درهم.
فمات عند سماعه ذلك، وأوردت ما أوردته عنه، مقابلة على ما ذكرني به.
قلت: وقال في أبي الريان كذا وكذا، لأمور ذكرتها.
وحضرت آخر النهار المجلس في ذلك اليوم على رسمي، فعاود التقريب لي، والإقبال عليّ.
واتفق أنّه سكر في بعض الأيّام، وولع بكنجك ولعا قال لي فيه:
وهذا من حديث أبي الفضل، وأشار إليه.
فقلق أبو الفضل، وقرب مني، وكنت أقعد، ويقوم «٣» ، وقال لي:
ما الذي أومأ إليّ الملك فيه.
قلت: لا أدري، فسله أنت عنه.
ثم رحلنا عائدين إلى بغداد، فرآني الملك في الطريق، وعليّ ثياب حسنة، وتحتي بغلة بمركب وجناغ «٤» جداد «٥» ، فقال لي: من أين لك هذه البغلة؟.
стр. 1263
قلت: حملني عليها الصاحب أبو القاسم، بمركبها وجناغها، وأعطاني عشرين قطعة ثيابا، وسبعة آلاف درهم.
فقال: هذا قليل مع ما تستحقّه عليه.
فعلمت أنّه اتّهمني به، وبأنّي خرجت بهذا الحديث إليه، وما كنت حدّثته به.
ووردنا إلى بغداد، فحكى لي أنّ الطائع متجاف عن ابنته المنقولة إليه «١» ، وأنّه لم يقربها إلى تلك الغاية «٢» ، فثقل ذلك عليه.
وقال لي: تمضي إلى الخليفة، وتقول له عن والدة الصبية: إنّها مستزيدة لإقبال مولانا عليها، وإدنائه إليها، ويعود الأمر إلى ما يستقيم به الحال، ويزول معه الانقباض، فقد كنت وسيط هذه المصاهرة «٣» .
فقلت: السمع والطاعة، وعدت إلى داري، لألبس ثياب دار الخلافة، فاتفق أن زلقت، ووثئت رجلي «٤» ، فانفذت إلى الملك أعرّفه عذري في تأخّري عن أمره، فلم يقبله، وأنفذ إليّ يستعلم خبري.
فرأى الرسول لي غلمانا روقة «٥» وفرشا جميلا، فعاد إليه وقال له:
هو متعالل، وليس بعليل، وشاهدته على صورة كذا وكذا، والناس يغشونه ويعودونه.
стр. 1264
فاغتاظ غيظا مجددا، حرّك ما في نفسه مني أوّلا، فراسلني: بأن الزم بيتك، ولا تخرج عنه، ولا تأذن لأحد في الدخول عليك فيه، إلّا نفر من أصدقائي استأذنت فيهم، فاستثنى بهم.
ومضت الأيّام، وأنفذ إليّ أبو الريّان، فطالبني بعشرة آلاف درهم، كنت استسلفتها من إقطاعي، فأدّيتها إليه.
واستمرّ عليّ السخط، والصرف عن الأعمال، إلى حين وفاة عضد الدولة «١» .
معجم الأدباء ٦/٢٦٠
стр. 1265
٤٦ أبو العباس النحوي يمدح أبا القاسم التنوخي والد المؤلف
أنشدني أبو القاسم التنوخيّ، عن أبيه، لأبي العباس النحوي، من قصيدة مدح بها جدّه أبا القاسم، أوّلها:
والجفون المضانيات المراض ... والثنايا يلحن بالإغماض
والعهود التي تلوح بها الصحف ... خلاف الصدود والإعراض
قد برتني الخطوب حتى نضتني ... حرضا باليا من الأحراض
وجدتني والدهر سلمي سليمى ... لم ينلني بنابه العضّاض
بين برد من الشباب جديد ... ورداء من الصبا فضفاض
[ومنها في المديح] :
ومدير عرى الأمور برأي ... يقظ الحزم مبرم نقّاض
دقّ معنى وجلّ قدرا فجادت ... في معانيه نهية الأغراض
وأنشد له أيضا:
لو قد وجدت إلى شفائك منهجا ... جبت الصباح إليه أو حلك الدجى
لكن وجدتك لا يحيك العتب فيك ... ولا العتاب ولا المديح ولا الهجا
فاذهب سدى ما فيك شر يتّقى ... يوما وليس لديك خير يرتجى
وإذا امرؤ كانت خلائق نفسه ... هذه الخلائق فالنجا منه النجا
معجم الأدباء ٦/٣٠٤
следующие страницы →