← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فقال شكر: [الأمر] كذلك، إلّا أن التسوّق على القاضي، لا منه، ثم قال لي عضد الدولة: عرّفنا ما قاله أبو الفضل. قلت: هو ما لا ينطلق به لساني. فقال: هاته، وكان يحبّ أن تعاد الأحاديث، والأقاويل، على وجهها، من غير كناية عنها، ولا احتشام فيها. فقلت: نعم، إنّك عند وفاة والدك بشيراز «١» ، أنفذت من كرمان «٢» ، وأخذت جاريته زرياب، وإنّ الخادم المخرج في ذاك، وافى ليلة الشهر، فاجتهدت به أن يتركها تلك الليلة، لتوفي أيّام الحق «٣» ، فلم يفعل، ولا رعى للماضي حقا ولا حرمة. فقال: والله، لقد أنكرنا على الخادم إخراجه إيّاها على هذا الإعجال، ولو تركها يوما، وأيّاما، لجاز، وبعد فهذا ذنب الخادم، ولا عمل لنا فيه، ولا عيب علينا به، ثم ماذا؟ قلت: قال: إنّ مولانا يعشق كنجك المغنّية، ويتهالك في أمرها، وربّما نهض إلى الخلاء، فاستدعاها إلى هناك، وواقعها. فقال: إنّا لله، لعنكما الله، ولا بارك فيكما، ثم ماذا؟ فأوردت عليه أحاديث سمعتها من غير أبي الفضل، ونسبتها إليه. وقلت: لم أعلم أنّني أقوم هذا المقام، فأحفظ أقواله، وقد ذكر أيضا هذا الأستاذ، وأومأت إلى أبي القاسم، وأبا الريان «٤» ، وجماعة الحواشي.

стр. 1262

فقال: ما قال في أبي القاسم؟ قلت: قال: إنّه ابتاع من ورثة ابن بقيّة «١» ، ناحية الزاوية من راذان «٢» بأربعة آلاف درهم، بعد أن استأذنك استئذانا سلك فيه سبيل السخريّة والمغالطة، واستغلّها في سنة واحدة، نيفا على ثلاثين ألف درهم، وإنّه أعطى فلانا، وفلانا، ثمانية آلاف درهم على ظاهر البضاعة والتجارة، فأعطياه نيفا وستين ألف درهم. فمات عند سماعه ذلك، وأوردت ما أوردته عنه، مقابلة على ما ذكرني به. قلت: وقال في أبي الريان كذا وكذا، لأمور ذكرتها. وحضرت آخر النهار المجلس في ذلك اليوم على رسمي، فعاود التقريب لي، والإقبال عليّ. واتفق أنّه سكر في بعض الأيّام، وولع بكنجك ولعا قال لي فيه: وهذا من حديث أبي الفضل، وأشار إليه. فقلق أبو الفضل، وقرب مني، وكنت أقعد، ويقوم «٣» ، وقال لي: ما الذي أومأ إليّ الملك فيه. قلت: لا أدري، فسله أنت عنه. ثم رحلنا عائدين إلى بغداد، فرآني الملك في الطريق، وعليّ ثياب حسنة، وتحتي بغلة بمركب وجناغ «٤» جداد «٥» ، فقال لي: من أين لك هذه البغلة؟.

стр. 1263

قلت: حملني عليها الصاحب أبو القاسم، بمركبها وجناغها، وأعطاني عشرين قطعة ثيابا، وسبعة آلاف درهم. فقال: هذا قليل مع ما تستحقّه عليه. فعلمت أنّه اتّهمني به، وبأنّي خرجت بهذا الحديث إليه، وما كنت حدّثته به. ووردنا إلى بغداد، فحكى لي أنّ الطائع متجاف عن ابنته المنقولة إليه «١» ، وأنّه لم يقربها إلى تلك الغاية «٢» ، فثقل ذلك عليه. وقال لي: تمضي إلى الخليفة، وتقول له عن والدة الصبية: إنّها مستزيدة لإقبال مولانا عليها، وإدنائه إليها، ويعود الأمر إلى ما يستقيم به الحال، ويزول معه الانقباض، فقد كنت وسيط هذه المصاهرة «٣» . فقلت: السمع والطاعة، وعدت إلى داري، لألبس ثياب دار الخلافة، فاتفق أن زلقت، ووثئت رجلي «٤» ، فانفذت إلى الملك أعرّفه عذري في تأخّري عن أمره، فلم يقبله، وأنفذ إليّ يستعلم خبري. فرأى الرسول لي غلمانا روقة «٥» وفرشا جميلا، فعاد إليه وقال له: هو متعالل، وليس بعليل، وشاهدته على صورة كذا وكذا، والناس يغشونه ويعودونه.

стр. 1264

فاغتاظ غيظا مجددا، حرّك ما في نفسه مني أوّلا، فراسلني: بأن الزم بيتك، ولا تخرج عنه، ولا تأذن لأحد في الدخول عليك فيه، إلّا نفر من أصدقائي استأذنت فيهم، فاستثنى بهم. ومضت الأيّام، وأنفذ إليّ أبو الريّان، فطالبني بعشرة آلاف درهم، كنت استسلفتها من إقطاعي، فأدّيتها إليه. واستمرّ عليّ السخط، والصرف عن الأعمال، إلى حين وفاة عضد الدولة «١» . معجم الأدباء ٦/٢٦٠

стр. 1265

٤٦ أبو العباس النحوي يمدح أبا القاسم التنوخي والد المؤلف أنشدني أبو القاسم التنوخيّ، عن أبيه، لأبي العباس النحوي، من قصيدة مدح بها جدّه أبا القاسم، أوّلها: والجفون المضانيات المراض ... والثنايا يلحن بالإغماض والعهود التي تلوح بها الصحف ... خلاف الصدود والإعراض قد برتني الخطوب حتى نضتني ... حرضا باليا من الأحراض وجدتني والدهر سلمي سليمى ... لم ينلني بنابه العضّاض بين برد من الشباب جديد ... ورداء من الصبا فضفاض [ومنها في المديح] : ومدير عرى الأمور برأي ... يقظ الحزم مبرم نقّاض دقّ معنى وجلّ قدرا فجادت ... في معانيه نهية الأغراض وأنشد له أيضا: لو قد وجدت إلى شفائك منهجا ... جبت الصباح إليه أو حلك الدجى لكن وجدتك لا يحيك العتب فيك ... ولا العتاب ولا المديح ولا الهجا فاذهب سدى ما فيك شر يتّقى ... يوما وليس لديك خير يرتجى وإذا امرؤ كانت خلائق نفسه ... هذه الخلائق فالنجا منه النجا معجم الأدباء ٦/٣٠٤

стр. 1266

٤٧ المفجع الشاعر يلاطف القاضي أبا القاسم التنوخي دخل المفجّع «١» يوما إلى القاضي أبي القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ، فوجده يقرأ معاني الشعر «٢» على العبيسي، فأنشد: قد قدّم العجب «٣» على الرويس «٤» ... وشارف الوهد «٥» أبا قبيس «٦» وطاول البقل «٧» فروع الميس «٨» ... وهبّت العنز «٩» لقرع «١٠» التيس «١١» وادّعت الروم أبا في قيس «١٢» ... واختلط الناس اختلاط الحيس «١٣» إذ قرأ القاضي حليف الكيس «١٤» ... معاني الشعر على العبيسي وألقى ذلك إلى التنوخي، وانصرف. معجم الأدباء ٦/٣١٩

стр. 1267

٤٨ المفجع الشاعر يعاتب القاضي أبا القاسم التنوخي ومدح المفجّع «١» ، أبا القاسم التنوخي «٢» ، فرأى منه جفاء، فكتب إليه: لو أعرض الناس كلّهم وأبوا ... لم ينقصوا رزقي الذي قسما كان وداد فزال وانصرما ... وكان عهد فبان وانهدما وقد صحبنا في عصرنا أمما ... وقد فقدنا من قبلهم أمما فما هلكنا هزلا ولا ساخت الأرض ... ولم تقطر السماء دما في الله من كلّ هالك خلف ... لا يرهب الدهر من به اعتصما حرّ ظننّا به الجميل فما ... حقّق ظنّا ولا رعى الذمما فكان ماذا؟ ما كلّ معتمد ... عليه يرعى الوفاء والكرما غلطت والناس يغلطون وهل ... تعرف خلقا من غلطة سلما من ذا الذي أعطي السداد فلم ... يعرف بذنب ولم يزل قدما شلّت يدي لم جلست عن ثقة ... أكتب شجوي وأمتطي القلما يا ليتني قبلها خرست فلم ... أعمل لسانا ولا فتحت فما يا زلّة ما أقلت عثرتها ... أبقت على القلب والحشى ألما من راعه بالهوان صاحبه ... فعاد فيه فنفسه ظلما معجم الأدباء ٦/٣١٩

стр. 1268

٤٩ من شعر أبي النضر الكندي حدّثنا الببغاء «١» قال: كان يجتمع معنا في خدمة سيف الدولة، شيخ من أهل الأدب، والتقدّم في النحو، وعلم المنطق، ممن درس على الزجّاج، وأخذ عنه، يكنى بأبي النضر، وهو محمد بن إسحاق بن أسباط الكنديّ المصريّ «٢» ، وحكى أنّه كان حسن الشعر. وأخبرنا: أنّ الأبيات التي ينسبها قوم إلى أبي المغيرة «٣» ، وآخرون إلى أبي نضلة «٤» - قلت أنا: وجدتها أنا، في ديوان أبي القاسم التنوخيّ، معزوّة إلى أبي القاسم- وتروى لغيرهم أيضا، أنّها لأبي النضر، من قديم شعره، وأنشدها لنفسه، وهي: وكأس من الشمس مخلوقة ... تضمّنها قدح من نهار هواء ولكنّه ساكن ... وماء ولكنّه غير جار فهذا النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار

стр. 1269

وما كان في الحكم أن يوحدا ... لفرط التنافي وفرط النفار ولكن تجاور سطحاهما ... البسيطان فاجتمعا بالجوار كأنّ المدير لها باليمين ... إذا طاف للسقي أو باليسار تدرّع ثوبا من الياسمين ... له فردكمّ من الجلّنار وقد أورد التنوخي هذه الحكاية، في كتاب النشوار، وحكى: أنّ أبا النضر، كان عالما بالهندسة، قيّما بعلوم الأوائل. ولأبي النضر أيضا: هات اسقني بالكبير وانتخب ... نافية للهموم والكرب فلو تراني إذا انتشيت وقد ... حرّكت كفي بها من الطرب لخلتني لابسا مشهّرة ... من لازورد يشفّ عن ذهب وقال أبو عليّ التنوخيّ: أنشدني أبو عمر بن حفص «١» الخلّال، لأبي النضر المصريّ النحويّ من قصيدة، يذكر فيها رجلا مدحه، وقال: وكان متّسعا في الشعر الجيّد المستحسن: ورأيت أحمدنا وسيّدنا ... متصدّرا للورد والصدر خلت النجوم خلقن دائرة ... موصولة الطرفين بالقمر معجم الأدباء ٦/٤٠٦

стр. 1270

٥٠ أبو مسلم الأصبهاني يكتب لمحمد بن زيد الداعي قال أبو عليّ التنوخيّ، وقد ذكر محمد بن زيد الداعي «١» ، فقال: وهو الذي كان أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني «٢» ، الكاتب المعتزليّ الشهير، العالم بالتفسير، وبغيره من صنوف العلم- وقد صار عامل أصبهان، وعامل فارس «٣» ، للمقتدر «٤» - يكتب له، ويتولّى أمره. معجم الأدباء ٦/٤٢٠

стр. 1271

٥١ الصلت بن مالك الشاري يدعو الله أن يوقف المطر حدّث أبو عليّ المحسّن، قال: حدّثني أبو القاسم الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن خلّاد الشاهد العكبريّ، أمام الجامع فيها، قال: حدّثني أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد «١» ، قال: كنت بعمان مع الصلت بن مالك الشاري «٢» ، وكانت الشراة «٣» تدعوه: أمير المؤمنين. وكانت السنة كثيرة الأمطار، ودامت على الناس، فكادت المنازل أن تتهدّم، فاجتمع الناس، وصاروا إلى الصلت، وسألوه أن يدعو لهم. فأجّل بهم أن يركب من الغد إلى الصحراء، ويدعو. فقال لي بكّر لتخرج معي في غد، فبتّ مفكّرا، كيف يدعو. فلما أصبحت، خرجت معه، فصلّى بهم، وخطب، ودعا، فقال: اللهم إنّك أنعمت فأوفيت، وسقيت فأرويت، فعلى القيعان «٤» ومنابت الشجر، حيث النفع لا الضرر. فاستحسنت ذلك منه. معجم الأدباء ٦/٤٩٢

стр. 1272

٥٢ من شعر ابن جمهور العمي قال أبو عليّ التنوخيّ: كان محمد بن الحسن بن جمهور العميّ الكاتب «١» من شيوخ أهل الأدب بالبصرة، وكثير الملازمة لأبي، وحرّر لي خطّي، لما قويت على الكتابة، لأنّه كان جيّد الخط، حسن الترسّل، كثير المصنّفات لكتب الأدب، فكثرت ملازمتي له، وكان يمدح أبي. فأنشدني لنفسه، وهو من مشهور شعره: إذا تمنّع صبري ... وضاق بالهجر صدري ناديت والليل داج ... وقد خلوت بفكري يا ربّ هب لي منه ... وصال يوم بعمري وأنشدني أيضا لنفسه: كثرت عندي أياديك ... فجلّ الوصف عنها فأحاطت بجميع الفهم ... حتى لم أبنها فمتى ازددتك منها ... كنت كالناقص منها معجم الأدباء ٦/٤٩٨

стр. 1273

٥٣ إنه الله ﵎ أخبرنا عبد الرحمن بن محمّد، قال: أخبرنا أحمد بن عليّ بن ثابت «١» ، قال: أخبرنا عليّ بن أبي عليّ «٢» ، قال: حدّثني أبي «٣» ، قال: حدّثنا القاضي محمد بن صالح الهاشميّ «٤» قال: حدّثني القاضي أبو عمر «٥» ، يعني محمد بن يوسف، وأبو عبد الله المحاملي القاضي «٦» وأبو الحسن عليّ بن العباس النوبختي «٧» ، قالوا: حدّثنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان «٨» قال: كنت أكتب لموسى بن بغا «٩» ، وكنّا بالريّ، وكان قاضيها إذ ذاك

стр. 1274

أحمد بن بديل الكوفي «١» . فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة كانت هناك، كانت له فيها سهام، وأن يعمّرها، وكان فيها سهم ليتيم. فصرت إلى أحمد بن بديل، أو قال: استحضرت أحمد بن بديل، وخاطبته في أن يبيع علينا حصّة اليتيم، ويأخذ الثمن. فامتنع، وقال: ما باليتيم حاجة للبيع، ولا آمن أن أبيع ماله وهو مستغن عنه، فيحدث على المال حادثة، فأكون قد ضيّعته عليه. فقلت: أنا أعطيك في ثمن حصّته ضعف قيمتها. فقال: ما هذا لي بعذر في البيع، والصورة في المال إذا كثر، مثلها إذا قلّ. فأدرته بكل لون وهو يمتنع، فأضجرني، فقلت له: أيّها القاضي، إلّا تفعل، فإنّه موسى بن بغا. فقال لي: أعزّك الله، إنّه الله ﵎. قال: فاستحييت من الله أن أعاوده بعد ذلك، وفارقته. ودخلت على موسى، فقال: ما عملت في أمر الضيعة؟ فقصصت عليه الحديث. فلما سمع «إنّه الله» بكى، وما زال يكرّرها. ثم قال: لا تعرض لهذه الضيعة، وانظر في أمر هذا الشيخ الصالح، فإن كانت له حاجة فاقضها.

стр. 1275

قال: فأحضرته، وقلت له: إنّ الأمير قد أعفاك من أمر الضيعة، وذلك انّي شرحت له ما جرى بيننا، وهو يعرض عليك قضاء حوائجك. قال: فدعا له، وقال: هذا الفعل أحفظ لنعمته، وما لي حاجة إلّا إدرار رزقي، فقد تأخّر منذ شهور، وقد أضرّ بي. فأطلقت له جاريه. المنتظم ٥/٩

стр. 1276

٥٤ بشرك الله بالنار حدثنا عليّ بن أبي عليّ «١» ، قال: حدّثنا القاضي أبو القاسم عمر بن محمد ابن إبراهيم البجلي «٢» - من لفظه وحفظه- قال: حدّثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي «٣» ، قال: كنت بسرّ من رأى، وكان عبد الله بن أيوب المخرّمي «٤» يقرب إليّ، فخرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سرّ من رأى إلى بغداد، حتى دققت على عبد الله بن أيوب، بابه، فخرج إليّ. فقلت: لك البشرى. فقال: بشّرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء، لأحد البلدين، إما سرّ من رأى، أو بغداد- أبو القاسم البجلي الشك منه-. قال: فأطبق الباب، وقال: بشّرك الله بالنار. وجاء أصحاب السلطان إليه، فلم يظهر لهم، فانصرفوا. تاريخ بغداد ١٠/٨١ المنتظم ٥/٥٢

стр. 1277

٥٥ أبو بكر الآدمي القارىء يقرأ لابن أبي الساج أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخيّ، عن أبيه، قال: حدّثني أبو السريّ عمر بن محمد القارىء «٢» ، قال: حدّثني أبو بكر الآدمي «٣» ، قال: لما أدخل مؤنس «٤» ، أبا القاسم بن أبي الساج «٥» أسيرا، خرجت إلى تلقّيه على فراسخ، ودخلت بغداد معه «٦» . فقال لي لما قربنا: إذا كان غدا، فإنّي سأركب مع ابن أبي الساج وأشهره، فاركب بين يديه، واقرأ.

стр. 1278

فقلت: السمع والطاعة. فلما كان من الغد شهر ابن أبي الساج ببرنس «١» ، فبدأت، فقرأت، وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ «٢» وأتبعتها بكل ما في القرآن من هذا الجنس. قال: وحانت مني التفاتة، فوجدت ابن أبي الساج يبكي. ومضى ذلك اليوم. فلمّا كان بعد أيّام، رضي عنه السلطان، بشفاعة مؤنس، فأطلقه إلى داره. فأنا كنت يوما بحضرة مؤنس أقرأ، إذ استدعاني وقال لي: قد طلبك اليوم ابن أبي الساج، فامض إليه. فقلت له: أيّها الأستاذ، الله، الله، فيّ، لعلّه وجد في نفسه من قراءتي ذلك اليوم. فضحك، وقال: امض إليه. فمضيت إليه، فرفعني، وأجلسني، وقال: أحبّ أن تقرأ تلك الآيات التي قرأتها بين يديّ يوم كذا. فقلت: أيّها الأمير، تلك حالة اقتضت ذلك، وليس مثلك بمؤاخذ مثلي عليها، وقد كشفها الله الآن، ولكن أقرأ لك غيرها. فقال: لا، إلّا تلك، فإنّه تداخلني لها خشوع وخوف، أحبّ أن أكسر به نفسي، فردّد سماعها عليّ. قال: فاستفتحت، فقرأتها، فما زال يبكي وينتحب، إلى أن قطعت القراءة.

стр. 1279

ثم قال: تقدّم إليّ. فخفته والله أن يبطش بي، ثم قلت في نفسي: هذا محال، فتقدّمت، فأخرج من تحت مصلاه دنانير كثيرة، وقال: افتح فاك. ففتحته بكل ما استطعته، فما زال يملأه حتى لم يبق في فمي موضع. ثم قال للغلام: هات، فجاء بكيس فيه ألفا درهم، فجعلها في كمّي «١» . ثم خرجت، فقدّمت إليّ بغلة فارهة مسرجة، فحملت عليها، وأصحبني ثيابا، وقال: إذا شئت فعد إلينا، ولا تنقطع عنّا، ما دمنا مقيمين. فكنت أجيئه في كلّ أسبوع أقرأ في داره، فيعطيني في كل شهر مائة دينار، إلى أن خرج من مدينة السلام. المنتظم ٥/٨٠

стр. 1280

٥٦ إبراهيم بن شبابة يشكو فلا يجاب أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزّاز، عن عليّ بن المحسّن التنوخيّ، عن أبيه، قال: أخبرني أبو الفرج الأصبهانيّ، قال: حدّثني حبيب بن نصر المهلّبي، قال: حدّثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدّثني عبد الله بن أبي نصر المروزي، قال: حدّثني محمد بن عبد الله الطلحي، قال: حدّثني سليمان بن يحيى بن معاذ، قال: قدم على نيسابور إبراهيم بن شبابه «١» الشاعر البصري، فأنزلته عليّ، فجاء ليلة من الليالي، وهو مكروب قد هاج، فجعل يصيح بي: يا أبا أيّوب. فخشيت أن يكون قد غشيته بليّة، فقلت: ما تشاء؟ فقال: أعياني الشادن الربيب. فقلت: بماذا؟ فقال: إليه أشكو فلا يجيب. فقلت: داره وداوه. فقال: من أين أبغي دواء دائي ... وإنّما دائي الطبيب فقلت: إذن يفرّج الله . فقال: يا ربّ فرّج إذن وعجّل ... فإنّك السامع المجيب قال: ثمّ انصرف. المنتظم ٥/١١٩

стр. 1281

٥٧ عضد الدولة وإيمانه بالمنامات حدّث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي، قال: حدّثني عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو «١» ببغداد، وذلك في سنة ٣٧٠ قال: حدّثتني أمّي رحمها الله: أنّها ولدت للأمير ركن الدولة «٢» ، ولدا قبلي، كنّاه أبا دلف، وعاش قليلا ومضى لسبيله. قالت: فحزنت عليه حزنا شديدا، أسفا على فقده، وإشفاقا من أن ينقطع ما بيني وبين الأمير بعده. فسلّاني مولاي، وسكّنني، وأقبل عليّ، وقرّبني، ومضت الأيّام، وتطاول العهد، وسلوت. ثم حملت بك، بأصبهان، فخفت أن أجيء ببنت، فلا أرى مولاي، ولا يراني، لما أعرف من كراهيته للبنات، وضيق صدره بهنّ، وطول إعراضه عنهنّ، ولم أزل على جملة القلق والجزع، إلى أن دخلت في شهري، وقرب ما أترقّبه من أمري، وأقبلت على البكاء والدعاء، ومداومة الصلاة والأدعية إلى الله، في أن يجعله ولدا، ذكرا، سويّا، محظوظا. ثم حضرت أيّامي، واتّفق أن غلبني النوم، فنمت في مخادعي، ورأيت في منامي، رجلا شيخا، نظيف البزّة، ربعة، كثّ اللحية، أعين «٣» ، عريض الأكتاف، وقد دخل عليّ، وعندي أنّه مولاي ركن الدولة،

стр. 1282

فلما تبيّنت صورته ارتعت منه، وقلت: يا جواري، من هذا الهاجم علينا؟ فتساعين إليه، فزبرهنّ، وقال: أنا عليّ بن أبي طالب. فنهضت إليه، وقبّلت الأرض بين يديه، فقال: لا. لا. وقلت: قد ترى يا مولاي ما أنا فيه، فادع الله لي بأن يكشفه، ويهب لي ذكرا سويا محظوظا فقال: يا فلانة، وسمّاني باسمي- وكذا كنى الملك عضد الدولة عن الاسم- قد فرغ الله ممّا ذكرت، وستلدين ذكرا، سويا، نجيبا، ذكيا، عاقلا، فاضلا، جليل القدر، سائر الذكر، عظيم الصولة، شديد السطوة، يملك بلاد فارس وكرمان، والبحر وعمان، والعراق والجزيرة، إلى حلب، ويسوس الناس كافّة، ويقودهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة، ويجمع الأعمال الكثيرة، ويقهر الأعداء، ويقول بجميع ما أنا فيه- يقول الملك ذاك- ويعيش كذا وكذا سنة، لعمر طويل، أرجو بلوغه- ولم يبيّن الملك قدره- ويملك ولده من بعده، فيكون حالهم كذا وكذا لشيء طويل، هذه حكاية لفظه. قال الملك عضد الدولة: وكلّما ذكرت هذا المنام، وتأمّلت أمري، وجدته موافقا له حرفا بحرف. ومضت على ذلك السنون، ودعاني عمّي عماد الدولة إلى فارس، واستخلفني عليها، وصرت رجلا، وماتت أمّي. واعتللت علّة صعبة، أيست فيها من نفسي، وأيس الطبيب مني، وكانت سنتي المتحوّلة فيها، سنة رديئة الدلائل، موحشة الشواهد، وبلغت إلى حدّ أمرت فيه، بأن يحجب الناس عنّي، حتى الطبيب، لضجري بهم، وتبرّمي بأمورهم، وما أحتاج إلى شرحه لهم، ولا يصل إليّ إلّا حاجب النوبة.

стр. 1283

وبينما أنا على ذلك، وقد مضت عليّ فيه ثلاثة أيام، أو أربعة، ولا شغل لي إلّا البكاء على نفسي، والحسرة على مفارقة الحياة، إذ دخل حاجب النوبة، فقال: أبو الحسين الصوفي «١» في الدار، منذ الغداة، يسأل الوصول، وقد اجتهدت به في الانصراف، فأبى إلّا القعود، وترك القبول، وهو يقول: لا بدّ لي من لقاء مولانا، فإنّ عندي بشارة، ولا يجوز أن يتأخّر وقوفه عليها، وسماعه إيّاها، فلم أحبّ أن أجدّ به في المنع والصرف، إلّا بعد المطالعة وخروج الأمر. فقلت له- على مضض غالب، وبصوت خافت- قل له: كأنّي بك، وأنت تقول قد بلغ الكوكب الفلاني، إلى الموضع الفلاني، وتهذي عليّ في هذا المعنى، هذيانا لا يتسع له صدري، ولا يحتمله قلبي وجسمي، وما أقدر على سماع ما عندك، فانصرف. فخرج الحاجب، وعاد متعجّبا، وقال: إمّا أن يكون أبو الحسين قد اختلّ، وإمّا أن يكون عنده أمر عظيم، فإنّي أعدت عليه ما قاله مولانا، فقال: ارجع، وقل له: والله، لو أمرت بضرب رقبتي، لما انصرفت أو أراك، ومتى أوردت عليك في معنى النجوم حرفا، فحكمك ماض فيّ، وإذا سمعت ما أحدثك به، عوفيت في الوقت، وزال ما تجده. فعجبت من هذا القول، عجبا شديدا، مع علمي بعقل أبي الحسين، وشدّة تحقيقه، وقلّة تحريفه، وتطلّعت نفسي إلى ما عنده، فقلت: هاته. فلمّا دخل، قبّل الأرض، وبكى، وقال: أنت والله يا مولاي في عافية، ولا خوف عليك، اليوم تبلّ، وتستقلّ، ومعي دلالة على ذلك.

стр. 1284

قلت: وما هي؟ ولم أكن حدّثته من قبل بحديث المنام الذي رأته أمّي، ولا سمعه أحد منّي. فقال: رأيت البارحة في منامي، أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب ﵇، والناس يهرعون إليه، ويجتمعون عليه، ويفاوضونه أمورهم، ويسألونه حوائجهم، وكأنّي تقدمت إليه، وقلت له: يا أمير المؤمنين، أنا رجل في هذا البلد غريب، تركت نعمتي وتجارتي بالريّ، وتعلّقت بخدمة هذا الأمير الذي أنا معه، وقد بلغ في علّته، إلى حدّ آيس فيه من عافيته، وأخاف أن أهلك بهلاكه، فادع الله له بالسلامة، قال: تعني فناخسرو بن الحسن بن بويه؟ فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: امض إليه غدا، وقل له: أنسيت ما أخبرتك به أمّك عنّي في المنام الذي رأته وهي حامل بك؟ ألم أخبرها مدّة عمرك، وأنّك ستعتلّ إذا بلغت كذا وكذا سنة، علّة يأيس فيها منك أهلك، وطبّك، ثم تبرأ منها؟ وفي غد يبتدى برؤك، ويتزايد إلى أن تركب، وتعود إلى عاداتك كلّها، في كذا وكذا يوما، ولا قاطع على أجلك إلى الوقت الذي أخبرتك به أمّك عنّي. قال الملك عضد الدولة: وقد كنت أنسيت أنّ أمّي ذكرت ذلك في المنام، وأنّي إذا بلغت هذه السنة من عمري، اعتللت هذه العلّة التي ذكرها، فذكرت ذلك عند قول أبي الحسين ما قاله. فحين سمعت ما سمعت، حدثت لي في الحال قوّة نفس لم تكن من قبل وقلت: أقعدوني. فجاء الغلمان وأجلسوني. فلما استقللت على الفراش، قلت لأبي الحسين: اجلس، وأعد الحديث.

стр. 1285

فجلس، وأعاد، وتولّدت بي شهوة الطعام، واستدعيت الطب، فأشاروا بتناول غداء عمل في الوقت، وأكلته، ولم يتصرّم الوقت، حتى أحسست بالصلاح الكثير، وتدرّجت العافية، فركبت، وعاودت عاداتي، في اليوم الذي قاله أبو الحسين. وكان الملك يشرح هذا الشرح، وأبو الحسين حاضر، يقول: كذا والله قلت لمولانا، وأعيذه بالله، فما أحسن حفظه وذكره. ثم قال لي: بقي في نفسي من هذا المنام شيء. قلت: يبلغ الله مولانا آماله، ويزيل عنه كل ما يهوله، ويصرم عنه كل ما يخشاه. ولم أتجاوز الدعاء، لعلمي بأنّ سؤاله عن ذلك، سوء أدب، فعلم ما في نفسي، وقال: وقوفه على أنّني أملك حلب، ولو كان عنده أنّني أتجاوزها، لقال، حتى إنّه لما ورد الخبر بإقامة ابن شيخ الدعوة لي بها، ذكرت المنام فتنغّص عليّ أمرها، إشفاقا من أن تكون آخر حدود مملكتي في ذلك الصقع. فدعوت له، وانقطع المجلس. تجارب الأمم ٢/٤١٨

стр. 1286

٥٨ أبو العلاء الكاتب ووفاؤه للمهلبي وروي أيضا عن أبي علي التنوخي، الحكاية التي وردت في إرشاد الأريب (٣/١٩٣) «١» ، وقال أيضا: وكان المهلّبي «٢» ، قد اصطنع أبا العلاء، عيسى بن الحسين بن أبرونا النصراني الكاتب، واستكتبه على خاصّته، وأطلعه على أموال وذخائر دفنها. فأخذ أبو العلاء في جملة المأخوذين، وعوقب أشدّ عقوبة، وضرب أبرح ضرب، وهو لا يقرّ بشيء، ولا يعترف بذخيرة. فعدل أبو الفضل، وهو العباس بن الحسين الشيرازي «٣» ، وأبو الفرج وهو محمد بن العباس بن الحسين بن فسانجس «٤» إلى تجنّي «٥» وهي أمّ أبي الغنائم الفضل بن الوزير المهلبي، وأمرا بضرب ابنها أبي الغنائم بين يديها «٦» . فبكى من عرفها من الذي يتمّ عليها، وقالت لهم: إنّ مولاي المهلّبي فعل هذا بي، حين استدعى آلات العقوبة لزوجة أبي عليّ الطبري «٧» ، لما قبض عليها بعد وفاته.

стр. 1287

ثم قالت: أحضروني أبا العلاء بن أبرونا، فاحضروه، وحمل في سبنيّة «١» بين أربع فرّاشين، فطرح بين يديها. فجعلت تسأله عن شيء شيء، وهو يخبرها بمكانه، حتى كان في جملة ذلك ثلاثون ألف دينار. فقال له من حضر: ويلك، ألست من الآدميين، تقتل هذا القتل «٢» ، ويفضي حالك إلى التلف، وأنت لا تعترف. فقال: يا سبحان الله، أكون ابن أبرونا الطبيب الفصّاد على الطريق، بدانق ونصف دانق، يأخذني الوزير أبو محمد، ويصطنعني، ويجعلني كاتب سرّه، وأعرف بخدمته، وأطلع الناس على ذخيرة ذخرها لولده؟ والله ما كنت لأفعل هذا ولو هلكت. فاستحسن فعله، وكان ذلك سببا لإطلاقه، وتقدّم بذلك عند أبي الفضل، وأبي الفرج، وابن بقيّة. وتوفي سنة ٣٦٩ في أيّام عضد الدولة. تجارب الأمم ٢/١٩٧

стр. 1288

٥٩ المعتضد والملاح القاتل أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي، قال: أنبأنا عليّ بن المحسّن، عن أبيه، عن جدّه، قال: حدّثني أبو [محمد] «١» الحسن بن محمد الصلحي، قال: حدّث أحد خدم المعتضد المختصّين بخدمته، قال: كنّا حول سرير المعتضد «٢» ، ذات يوم نصف النهار، وقد نام بعد أن أكل، وكان رسمنا أن نكون عند سريره، أوقات منامه، من ليل أو نهار. فانتبه منزعجا، وقال: يا خدم، يا خدم. فأسرعنا الجواب. فقال: ويلكم، أعينوني، والحقوا الشط، فأوّل من ترونه منحدرا في سفينة فارغة، فاقبضوا عليه، وجيئوني به، ووكّلوا بسفينته. فأسرعنا، فوجدنا ملّاحا في سميريّة، فأصعدناه، فحين رآه الملاح، كاد يتلف. فصاح عليه صيحة واحدة عظيمة، كادت روحه تخرج معها، قال: أصدقني يا ملعون، عن قصّتك مع المرأة التي قتلتها وسلبتها اليوم، وإلّا ضربت عنقك. قال: فتلعثم، وقال: نعم، كنت اليوم سحرا في المشرعة الفلانية فنزلت امرأة لم أر مثلها، عليها ثياب فاخرة، وحلي كثيرة، فطمعت فيها،

стр. 1289

واحتلت عليها، حتى سددت فاها، وغرّقتها، وأخذت جميع ما كان عليها، ولم أجترىء على حمل سلبها إلى بيتي، لئلا يفشو الخبر، فعملت على الهرب، وانحدرت الساعة، لأمضي إلى واسط، فعوّقني هؤلاء الخدم، وحملوني. فقال: وأين الحلي والسلب؟ فقال: في صدر السفينة تحت البواري. فقال المعتضد للخدم: جيئوني به، فمضوا، وأحضروه. وقال: خذوا الملاح فغرّقوه، ففعلوا. ثم أمر أن ينادى في بغداد كلّها، على امرأة خرجت إلى المشرعة الفلانية سحرا، وعليها ثياب وحلي، يحضر من يعرفها، ويعطي صفة ما كان عليها ويأخذه، فقد تلفت المرأة. فحضر في اليوم الثاني، أو الثالث، أهل المرأة، فأعطوه صفة ما كان عليها، فسلّم إليهم. فقلنا: يا مولاي أوحي إليك؟ فقال: رأيت في منامي كأنّ شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب، وهو ينادي: يا أحمد خذ أوّل ملاح ينحدر الساعة، فاقبض عليه، وقرّره خبر المرأة التي قتلها اليوم، وسلبها، وأقم عليه الحدّ. فكان ما شهدتم. المنتظم ٥/١٢٧

стр. 1290

٦٠ المدائني يثني على إسحاق الموصلي وأخبرنا التنوخي، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن سيف- إجازة- وحدّثنا أحمد بن عبد الله الدوريّ الورّاق «١» ، عنه، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن العبّاس «٢» اليزيدي، قال: حدّثني أحمد بن زهير بن حرب «٣» ، قال: كان أبي «٤» ، ويحيى بن معين «٥» ، ومصعب الزبيري «٦» يجلسون بالعشيّات على باب مصعب، قال: فمر عشية من العشيّات، رجل على حمار فاره،

стр. 1291

وبزّة حسنة، فسلّم، وخصّ بمسائلته يحيى بن معين. فقال له يحيى: إلى أين يا أبا الحسن؟ فقال: إلى هذا الكريم الذي يملأ كمّي من أعلاه إلى أسفله دنانير ودراهم. فقال: ومن هو يا أبا الحسن؟ فقال: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلّي «١» . قال: فلما ولّى، قال يحيى بن معين: ثقة، ثقة، ثقة. قال: فسألت أبي، فقلت: من هذا الرجل؟ قال: المدائني «٢» . تاريخ بغداد ١٢/٥٤

стр. 1292

٦١ لو رضيته لما بعته أخبرنا التنوخيّ، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن عيسى بن عليّ الرمانيّ «١» ، قال: حدّثنا ابن دريد «٢» ، قال: أخبرنا العكلي، قال: حدّثني شيخ من أهل البصرة، قال: رأيت محمد بن واسع الأزديّ «٣» ، بسوق مرو «٤» ، يعرض حمارا. فقال له رجل: يا عبد الله، أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لما بعته. تاريخ بغداد ١٢/١٦

стр. 1293

٦٢ أبو سعيد القرامطي يبعث برسالة إلى المعتضد أنبأنا محمد بن أبي طاهر «١» ، قال: أنبأنا عليّ بن المحسّن «٢» ، عن أبيه «٣» ، قال: حدّثنا القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشميّ «٤» ، قال: سمعت العبّاس بن عمرو الغنوي «٥» يقول: لما أسرني أبو سعيد القرمطي «٦» ، وأسر العسكر الذي كان بعثه معي المعتضد إلى قتاله «٧» ، وحصلت في يده، يئست من الحياة. فأنا يوما على هذه الصورة، إذ جاءني رسوله، فأخذ قيودي، وغيّر ثيابي، وأدخلني إليه، فسلّمت عليه، وجلست.

стр. 1294

فقال: أتدري لم استدعيتك؟ قلت: لا. قال: أنت رجل عربيّ، ومن المحال إذا استودعتك أمانة أن تخفرها. قلت: هو كذلك. فقال: إنّي فكرت، فإذا لا طائل في قتلك، وفي نفسي رسالة إلى المعتضد «١» ، لا يجوز أن يؤدّيها غيرك، فرأيت إطلاقك، وتحميلك إيّاها، إن حلفت أنّك إذا سيّرتك إليه، تؤدّيها. فحلفت له. فقال: قل للمعتضد، يا هذا، لم تخرق هيبتك، وتقتل رجالك، وتطمع أعداءك في نفسك، وتبعث في طلبي الجيوش، وأنا رجل مقيم في فلاة، لا زرع فيها ولا ضرع، وقد رضيت لنفسي بخشونة العيش، والعزّ بأطراف هذه الرماح، وما اغتصبتك بلدا، ولا أزلت سلطانك عن عملك، ومع هذا، فو الله، لو أنفذت إليّ جيشك كلّه، ما جاز أن يظفر بي، لأنّي رجل نشأت في العسف «٢» فاعتدته، أنا ورجالي، لا مشقة علينا فيه، وأنت تنفذ جيوشك من الخيوش «٣» والثلج والريحان «٤» ، فيجيئون من المسافة البعيدة الشاقّة، وقد قتلهم السفر قبل قتالنا، وإنّما غرضهم أن يبلغوا غرضا من مواقفتنا ساعة، ثم يهربون، وإن هم هزموني، بعدت عشرين فرسخا، أو ثلاثين، وجلت في الصحراء شهرا أو شهرين، ثم كبستهم على غرّة، فقتلتهم، وإن كانوا محترسين، فما يمكنهم أن يطوفوا خلفي في الصحاري،

стр. 1295

ولا تحملهم الإقامة في أماكنهم، فأنت تنفق الأموال، وتكلّف الرجال الأخطار، وأنا سليم من ذلك، وهيبتك تنخرق في الأطراف، كلّما جرى عليك هذا، فإن اخترت بعد هذا محاربتي فاستخر الله، وإن أمسكت، فذاك إليك. ثم سيّرني، وأنفذ معي عدّة إلى الكوفة، وسرت منها إلى الحضرة «١» . ودخلت على المعتضد، فأخبرته بما قال، في خلوة، فرأيته يتمعّط في جلده غيظا، حتى ظننت أنّه سيسير إليه بنفسه، وخرجت. فما رأيته بعد ذلك ذكره. المنتظم ٥/١٣٣

стр. 1296

٦٣ الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان يقلد عليّ بن محمد قضاء القضاة أخبرنا القزاز «١» ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ «٢» ، قال: أخبرنا عليّ بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر «٣» ، قال: لما مات إسماعيل بن إسحاق «٤» ، مكثت بغداد بغير قاض، ثلاثة أشهر، وسنة عشر يوما، فاستقضي في يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين، عليّ بن محمد بن عبد الملك «٥» ، على قضاء المدينة «٦» ، مضافا إلى ما كان يتقلّده من القضاء بسرّ من رأى وأعمالها «٧» . قال: وقبل هذا كان [أخوه الحسن] «٨» على قضاء القضاة بسر من رأى

стр. 1297

في أيّام المعتز «١» والمهتدي «٢» . فلمّا توفي الحسن «٣» ، وجّه المعتمد «٤» بعبيد الله بن يحيى بن خاقان «٥» إلى عليّ بن محمد، فعزّاه بأخيه، وهنّأه بالقضاء، فامتنع من قبول ذلك. فلم يبرح الوزير عبيد الله من عنده حتى قبل «٦» ، وتقلّد قضاء القضاة «٧» ، ومكث يدعى بذلك، إلى أن توفي «٨» . وهو رجل صالح، ضيّق الستر، عظيم الخطر، ثقة، أمين، على طريق الشيوخ المتقدمين، حمل الناس عنه حديثا كثيرا. المنتظم ٥/١٦٤

стр. 1298

٦٤ ابن أبي زيد يثني على عليّ بن عيسى الربعيّ سمعت التنوخيّ يقول: كان أبو عليّ، يقول: سمعت ابن أبي زيد- وكان ابن أخت أبي عليّ الفارسيّ النحوي «١» - يقول: قولوا لعليّ البغدادي «٢» : لو سرت من الشرق إلى الغرب، لم تجد أنحى «٣» منك. تاريخ بغداد ١٢/١٧

стр. 1299

٦٥ أبو خازم القاضي وشدّته في الحكم أخبرنا عبد الرحمن بن محمد «١» ، قال: أخبرنا أبو بكر بن عليّ بن ثابت «٢» ، قال: أخبرنا عليّ بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر «٣» ، قال: أخبرني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبيّ «٤» ، قال: قال لي ابن حبيب الذرّاع: كنّا ونحن أحداث مع أبي خازم «٥» ، وكنّا نقعده قاضيا، ونتقدّم إليه في الخصومات. قال: فما مضت الأيّام واللّيالي، حتى صار قاضيا. قال أبو الحسين: وبلغ من شدّته في الحكم، أنّ المعتضد «٦» ، وجّه إليه بطريف المخلدي «٧» ، فقال له: إنّ لي على الضبعيّ- بيّع «٨» كان

стр. 1300

للمعتضد ولغيره- مالا، وقد بلغني أنّ غرماءه، أثبتوا عندك، وقد قسّطت لهم في ماله، فاجعلنا كأحدهم. فقال له أبو خازم: قل له: أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- ذاكر لما قال لي وقت ما قلّدني، أنّه قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدّع إلّا ببيّنة. فرجع إليه طريف، فأخبره. فقال: قل له فلان وفلان يشهدان، يعني رجلين جليلين كانا في ذلك الوقت. فقال: يشهدان عندي، وأسأل عنهما، فإن زكّيا، قبلت شهادتهما، وإلّا أمضيت ما ثبت عندي. فامتنع أولئك من الشهادة، فزعا. ولم يدفع إلى المعتضد شيئا. المنتظم ٦/٥٣
следующие страницы →