Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
٨٤ قرمطي يتحدث عن اعتقادات القرامطة
قال المحسّن، وحدّثني أبو أحمد الحارثيّ، قال: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أسرته القرامطة «١» ، سنة الهبير «٢» ، واستعبدته سنين، ثم هرب منها لمّا أمكنه، قال:
كان يملكني رجل منهم، يسومني سوء العذاب، ويستخدمني أعظم خدمة، ويعربد عليّ إذا سكر، فسكر ليلة، وأقامني حياله، وقال: ما تقول في محمد هذا صاحبكم «٣» ؟
فقلت: لا أدري، ولكن ما تعلّمني أيّها المؤمن، أقوله.
فقال: كان رجلا سائسا، فما تقول في أبي بكر «٤» ؟
قلت: لا أدري.
قال: كان رجلا ضعيفا مهينا، فما تقول في عمر «٥» ؟.
قلت: لا أدري.
стр. 1332
قال: كان والله فظّا غليظا، فما تقول في عثمان «١» ؟
قلت: ما أدري.
قال: كان جاهلا أحمق، فما تقول في عليّ «٢» ؟
قلت: لا أدري.
قال: كان ممخرقا «٣» ، أليس يقول: إنّ هاهنا علما لو أصبت له حملة، أما كان في ذلك الخلق العظيم بحضرته من يودع كلّ واحد منهم كلمة يفرغ ما عنده، هل هذه إلا مخرقة؟ ونام.
فلما كان من الغد، دعاني، وقال: ما قلت لك البارحة؟
فأريته أنّي لم أفهمه، فحذّرني من إعادته، والإخبار عنه بذلك.
فإذا القوم زنادقة، لا يؤمنون بالله، ولا يفكّرون في أحد من الصحابة «٤» .
قال المحسّن: ويدل على هذا أنّ أبا طاهر القرمطيّ «٥» ، دخل الكوفة «٦» دفعات، فما دخل إلى قبر عليّ ﵇ «٧» ، واجتاز بالحائر «٨» فما زار
стр. 1333
الحسين «١» .
وقد كانوا يمخرقون بالمهديّ «٢» ، ويوهمون أنّه صاحب المغرب «٣» ، ويراسلون إسماعيل بن محمد «٤» ، صاحب المهدية المقيم بالقيروان «٥» .
ومضت منهم سريّة مع الحسن بن أبي منصور بن أبي سعيد «٦» في شوّال سنة ستين وثلاثمائة «٧» ، فدخلوا دمشق «٨» في ذي القعدة من هذه السنة، فقتلوا خلقا، ثم خرجوا إلى مكّة «٩» فقتلوا، واستباحوا.
وأقاموا الدعوة للمطيع لله «١٠» ، في كل فتح فتحوه، وسوّدوا أعلامهم، ورجعوا عما كانوا عليه من المخرقة ضرورة.
стр. 1334
وقالوا: لو فطنّا لما فطن له ابن بويه الديلمي «١» لاستقامت أمورنا، وذلك انّه ترك المذاهب جانبا، وطلب الغلبة والملك، فأطاعه الناس «٢» .
وكان من مخاريقهم، قبّة ينفرد فيها أميرهم، وطائفة معه، فلم يقاتلوا، فإذا كلّ المقاتلون، حمل هو بنفسه، وتلك الطائفة، على قوم قد كلّوا من القتال.
وكانوا يقولون: انّ النصر ينزل من هذه القبة، وقد جعلوا [فيها] مدخنة وفحما، فإذا أرادوا أن يحملوا، صعد أحدهم إلى القبّة، وقدح، وجعل النار في المجمرة، وأخرج حبّ الكحل فطرحه على النار، فتفرقع فرقعة شديدة، ولا يكون له دخان، وحملوا، ولا يثبت لهم شيء، ولا يوقد ذلك، إلّا ان يقول صاحب العسكر، قد نزل النصر.
فكسر تلك القبّة، أصحاب جوهر الذي ملك مصر «٣» .
المنتظم ٦/٢٢٤
стр. 1335
٨٥ ابن العلاف الشاعر يجيز بيتا نظمه المعتضد
أخبرنا أبو منصور القزّاز «١» ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ «٢» ، قال: أخبرنا عليّ بن أبي عليّ المعدّل «٣» ، قال: حدّثني أبي «٤» ، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي بكر الشاعر، قال: حدّثني أبي «٥» ، قال:
كنت ذات ليلة في دار المعتضد «٦» وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجلسنا، في حجرة كانت مرسومة بالندماء.
فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون، أحسسنا بفتح الأبواب، والأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا.
فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد، فقال: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم فعملت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد
стр. 1336
وقد أرتج عليّ تمامه «١» ، فأجيزوه «٢» ، ومن أجازه بما يوافق غرضي، أجزلت جائزته.
وفي الجماعة كل شاعر مجيد، مذكور، وأديب فاضل مشهور، فأفحمت الجماعة، وأطالوا الفكر.
فقلت مبتدرا:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم إليه بالجواب، ثم عاد إليّ، فقال: أمير المؤمنين، يقول لك، أحسنت، وما قصّرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمر لك بجائزة، وها هي.
فأخذتها، وازداد غيظ الجماعة مني «٣» .
المنتظم ٦/٢٣٧
стр. 1337
٨٦ القاضي أبو عمر وعنايته في إصدار الأحكام
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد «١» ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت «٢» ، قال: أخبرنا عليّ بن أبي عليّ المعدّل «٣» ، قال: حدّثنا الحسين بن محمد بن عبيد الدقّاق «٤» ، قال: قال لي أبو إسحاق بن جابر الفقيه:
لما ولي أبو عمر «٥» طمعنا في أن نتتبّعه بالخطإ، لما كنّا نعلم من قلّة فقهه، فكنّا نستفتى، فنقول: امضوا إلى القاضي، ونراعي ما يحكم به، فيدافع عن الأحكام «٦» ، مدافعة، أحسن من فصل الحكم، ثم تجيئنا الفتاوى في تلك القصص، فنخاف أن نحرج، إن لم نفت، فتعود الفتاوى إليه، فيحكم بما يفتي به الفقهاء.
فما عثرنا عليه بخطإ «٧» .
المنتظم ٦/٢٤٧
стр. 1338
٨٧ جزاء الخيانة
وأنبئت عن المؤيّد قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن هبة الله الخازن، قال: حدّثنا الحسين بن عليّ الكوفيّ، قال: حدّثنا المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفيّ «١» ، قال: حدّثنا أبو القاسم عليّ بن المحسّن بن عليّ التنوخي.
وأنبئت، عن المؤيّد، وعبد الوهاب الأمين، وغيرهما، عن محمد ابن عبد الباقي، عن عليّ بن المحسّن، قال: حدّثنا أبي، قال: أخبرني أحمد بن يوسف الأزرق التنوخيّ، مناولة، قال: أخبرني أبو الحسن عليّ ابن الفتح الكاتب، المعروف بالمطوّق «٢» ، مناولة من كتابه «كتاب مناقب الوزراء، ومحاسن أخبارهم» وفيه ذكر كثير من الحوادث، فقال فيه:
وفي رجب سنة خمس عشرة وثلاثمائة «٣» ، انّ رجلا أمسى، في بعض محالّ الجانب الغربيّ من مدينة السلام، ومعه دراهم لها قدر، فخاف على نفسه من الطائف «٤» ، ومن بليّة تقع عليه، فصار إلى رجل من أهل الموضع، أراد أن يبيت عنده، فأدخله.
فلما تيقّن أنّ معه مالا، حدّثته نفسه بقتله، وأخذ ماله.
стр. 1339
وكان له ابن شاب، فنوّمه مع الرجل في بيت واحد، ولم يعلم أحدا بما في نفسه، وخرج، وقد عرف مكانهما، وطفّى «١» المصباح.
فقدر الأمر، أن الابن انتقل من موضعه إلى موضع آخر، وانتقل الضيف إلى موضع الابن، وجاء أبوه، ليطلب الضيف، فصادف ابنه، وهو لا يشكّ، أنّه الضيف، فخنقه.
وانتبه الضيف باضطرابه، وعرف ما أريد به، فخرج هاربا من الدار، وصاح في الطريق.
ووقف الجيران على خبره، فأغاثوه، وأخذوا الرجل، فقرّر، فأقرّ بقتل ابنه، فحبس، وأخذ المال من داره، فردّ على الضيف، وسلم.
نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي- مخطوط
стр. 1340
٨٨ تاجر بغدادي آلى على نفسه أن يغسل يده أربعين مرّة إذا أكل ديكبريكه
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي البزّاز «١» عن أبي القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي. عن أبيه، قال: حدّثني أبو الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم، الفقيه المعروف بابن النرسي، قال:
كنت جالسا بحضرة أبي، وأنا حدث، وعنده جماعة، فحدّثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الطريفة، وكان ممّن حضر، صديق لأبي، فسمعته يحدّث أبي، قال:
حضرت عند صديق لي من التجّار، كان يحزر بمائة ألف دينار، في دعوة، وكان حسن المروءة.
فقدّم مائدته، وعليها ديكبريكه «٢» ، فلم يأكل منها، فامتنعنا.
فقال: كلوا، فإنّي أتأذّى بأكل هذا اللون.
فقلنا: نساعدك على تركه.
فقال: بل أساعدكم على الأكل، وأحتمل الأذى، فأكل، فلمّا أراد غسل يديه أطال، فعددت عليه، أنّه قد غسلها أربعين مرة.
فقلت: يا هذا، وسوست؟
فقال: هذه الأذيّة التي فرقت منها.
стр. 1341
فقلت: وما سببها؟ فامتنع من ذكر السبب.
فألححت عليه، فقال: مات أبي، وسنّي عشرون سنة، وخلّف لي نعمة صغيرة، ورأس مال، ومتاعا في دكّانه، وكان خلقانيّا في الكرخ «١» .
فقال لي لمّا حضرته الوفاة: يا بنيّ، إنّه لا وارث لي غيرك، ولا دين عليّ، ولا مظلمة، فإذا أنا متّ، فأحسن جهازي، وصدّق «٢» عني بكذا وكذا، وأخرج عني حجّة بكذا وكذا، وبارك الله لك في الباقي، ولكن احفظ وصيّتي.
فقلت: قل.
فقال: لا تسرف في مالك، فتحتاج إلى ما في أيدي الناس ولا تجده، واعلم أنّ القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل، فالزم السوق، وكن أوّل من يدخلها، وآخر من يخرج منها، وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل «٣» ، فافعل، فإنّك تستفيد بذلك فوائد، تكشفها لك الأيّام.
ومات، وأنفذت وصيّته، وعملت بما أشار به، وكنت أدخل السوق سحرا، وأخرج منها عشاء، فلا أعدم أن يجيئني من يطلب كفنا، فلا يجد أحدا قد فتح غيري، فأحكم عليه، ومن يبيع شيئا، والسوق لم تقم، فأبيعه له، وأشياء من الفوائد.
ومضى على لزومي السوق سنة وكسر، فصار لي بذلك جاه عند أهلها، وعرفوا استقامتي، فأكرموني.
فبينا أنا جالس يوما، ولم يتكامل السوق، إذا بامرأة راكبة حمارا
стр. 1342
مصريّا «١» ، وعلى كفله «٢» منديل دبيقيّ «٣» ، وخادم، وهي بزيّ القهرمانة «٤» .
стр. 1343
فبلغت آخر السوق ثم رجعت، فنزلت عندي، فقمت إليها، وأكرمتها وقلت: ما تأمرين؟
وتأمّلتها فإذا بامرأة لم أر قبلها، ولا بعدها، إلى الآن، أحسن منها، في كلّ شيء.
فقالت: أريد كذا ثيابا، طلبتها. فسمعت نغمة، ورأيت شكلا قتلني، وعشقتها في الحال، أشدّ العشق.
فقلت: اصبري حتى يخرج الناس، فآخذ لك ذلك، فليس عندي إلّا القليل ممّا يصلح لك.
فأخرجت الذي عندي، وجلست تحادثني، والسكاكين في فؤادي من عشقها. وكشفت عن أنامل، رأيتها كالطلع، ووجه كدارة القمر.
فقمت لئلا يزيد عليّ الأمر، فأخذت لها من السوق ما أرادت، وكان ثمنه مع ما لي نحو خمسمائة دينار، فأخذته، وركبت، ولم تعطني شيئا.
وذهب عني، لما تداخلني من حبها، أن أمنعها من أخذ المتاع إلّا بأداء المال، أو أن أستدلّ على منزلها، ومن دار من هي؟.
فحين غابت عني، وقع لي أنّها محتالة، وأنّ ذلك سبب فقري، فتحيّرت في أمري، وقامت قيامتي، وكتمت خبري لئلّا افتضح بما للناس عليّ.
стр. 1344
وعملت على بيع ما في يدي من المتاع، وإضافته إلى ما عندي من الدراهم، ودفع أموال الناس إليهم، ولزوم البيت، والاقتصار على غلّة العقار الذي ورثته عن أبي، ووطّنت نفسي على المحنة، وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع.
وإذا هي قد نزلت عندي، فحين رأيتها، أنسيت جميع ما جرى عليّ، وقمت إليها.
فقالت: يا فتى، تأخّرنا عنك، لشغل عرض لنا، وما شككنا في أنّك لم تشكّ أنّنا احتلنا عليك.
فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا.
فقالت: هات التخت والطيّار «١» ، فأحضرته.
فأخرجت دنانير عتقا، فوفتني المال بأسره. وأخرجت تذكرة «٢» بأشياء أخر.
فأنفذت إلى التجّار أموالهم، وطلبت منهم ما أرادت، وحصلت أنا في الوسط ربحا جيدا.
وأحضر التجّار الثياب، فقمت وتمّنتها معهم لنفسي، ثم بعتها عليها بربح عظيم.
وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر تالف من حبها، وهي تنظر إليّ، نظر من قد فطن لذلك، ولم تنكره، فهممت بخطابها، ولم أقدم.
فاجتمع المتاع، وكان ثمنه ألف دينار، فأخذته، وركبت، ولم أسألها عن موضعها.
стр. 1345
فلمّا غابت عنّي، قلت: هذا الآن، هو الحيلة المحكمة، أعطتني خمسة آلاف درهم، وأخذت ألف دينار، وليس إلّا بيع عقاري الآن، والحصول على الفقر المدقع، ثم سمحت نفسي برؤيتها مع الفقر.
وتطاولت غيبتها نحو شهر، وألحّ عليّ التجار في المطالبة، فعرضت عقاري على البيع، ولازمني بعض التجّار، فوزنت جميع ما أملكه، ورقا وعينا.
فأنا كذلك، إذ نزلت عندي، قزال عنّي جميع ما كنت فيه برؤيتها، فاستدعت الطيار والتخت، فوزنت المال، ورمت إليّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير.
فتشاغلت بإحضار التجار، ودفع أموالهم، وأخذ المتاع منهم، وطال الحديث بيننا، فقالت: يا فتى، لك زوجة؟
فقلت: لا، والله، ما عرفت امرأة قط.
وأطمعني ذلك فيها، وقلت: هذا وقت خطابها والإمساك عنها عجز، ولعلّها لا تعود.
وأردت كلامها فهبتها، وقمت كأنّي أحثّ التجّار على جميع المتاع، وأخذت يد الخادم، وأخرجت له دنانير، وسألته أن يأخذها، ويقضي لي حاجة.
فقال: أفعل، وأبلغ محبّتك، ولا آخذ شيئا.
فقصصت عليه قصّتي، وسألته توسّط الأمر بيني وبينها.
فضحك، وقال: إنّها لك أعشق منك لها، ووالله ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذي تشتريه، وإنّما تجيئك محبّة لك، وتطريقا إلى مطاولتك «١» ،
стр. 1346
فخاطبها بظرف، ودعني، فإنّي أفرغ لك من الأمر.
فجسّرني بذلك عليها، فخاطبتها، وكشفت لها عشقي، ومحبتي، وبكيت.
فضحكت، وتقبّلت ذلك أحسن تقبّل، وقالت: الخادم يجيئك برسالتي.
ونهضت، ولم تأخذ شيئا من المتاع، فرددته على الناس، وقد حصل لي ممّا اشترته أوّلا وثانيا، ألوف دراهم ربحا.
ولم يحملني النوم تلك الليلة، شوقا إليها، وخوفا من انقطاع السبب.
فلما كان بعد أيّام جاءني الخادم، فأكرمته، وسألته عن خبرها.
فقال: هي والله عليلة من شوقها إليك.
فقلت: اشرح لي أمرها.
فقال: هي مملوكة السيّدة أمّ المقتدر، وهي من أخصّ جواريها بها، واشتهت رؤية الناس، والدخول، والخروج، فتوصّلت حتى جعلتها قهرمانة، وقد والله حدّثت السيدة بحديثك، وبكت بين يديها، وسألتها أن تزوّجها منك.
فقالت السيدة: لا أفعل، أو أرى هذا الرجل، فإن كان يستأهلك، وألا لم أدعك ورأيك.
ويحتاج إلى إدخالك الدار بحيلة، فإن تمّت، وصلت بها إلى تزويجها، وإن انكشفت ضرب عنقك.
وقد أنفذتني إليك في هذه الرسالة، وهي تقول لك: إن صبرت على هذا، وإلا فلا طريق لك والله إليّ، ولا لي إليك بعدها.
فحملني ما في نفسي أن قلت: أصبر.
стр. 1347
فقال: إذا كان الليل، فاعبر إلى المخرّم «١» ، فادخل إلى المسجد «٢» ، وبت فيه، ففعلت.
فلمّا كان السحر، إذا أنا بطيّار «٣» قد قدم، وخدم قد رقّوا صناديق فرّغ، فحطّوها في المسجد، وانصرفوا.
وخرجت الجارية، فصعدت إلى المسجد، ومعها الخادم الذي أعرفه، فجلست، وفرّقت باقي الخدم في حوائج.
واستدعتني، فقبّلتني، وعانقتني طويلا، ولم أكن نلت قبل ذلك منها قبلة.
ثم أجلستني في بعض الصناديق، وأقفلته.
وطلعت الشمس، وجاء الخدم بثياب وحوائج، من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي الصناديق، ونقلتها وحملتها إلى الطيّار، وانحدروا.
فلما حصلت فيه، ندمت، وقلت: قتلت نفسي لشهوة، وأقبلت ألومها تارة، وأشجّعها أخرى، وأنذر النذور على خلاصي، وأوطّن نفسي مرّة على القتل.
стр. 1348
إلى أن بلغنا الدار، وحمل الخدم الصناديق، وحمل صندوقي، الخادم الذي يعرف الحديث، وبادرت بصندوقي أمام الصناديق وهي معه، والخدم يحملون الباقي، ويلحقونها.
فكلّ ما جازت بطبقة من الخدم والبوّابين قالوا: نريد نفتش الصندوق، فتصيح عليهم، وتقول: متى جرى الرسم معي بهذا؟ فيمسكون، وروحي في السياق «١» .
إلى أن انتهت إلى خادم خاطبته هي بالأستاذ «٢» ، فعلمت أنّه أجلّ الخدم.
فقال: لا بدّ من تفتيش الصندوق الذي معك، فخاطبته بلين وذلّ فلم يجبها، وعلمت أنّها ما ذلّت له ولها حيلة، وأغمي عليّ.
وأنزل الصندوق للفتح، فذهب عليّ أمري وبلت فزعا، فجرى البول في خلل الصندوق «٣» .
فصاحت: يا أستاذ أهلكت علينا متاعا بخمسة آلاف دينار في الصندوق، وثيابا مصبّغات، وماء ورد قد انقلب على الثياب، والساعة تختلط ألوانها، وهو هلاكي مع السيدة.
فقال لها: خذي صندوقك إلى لعنة الله، أنت وهو، ومرّي.
فصاحت بالخدم: احملوه، وأدخلت الدار، فرجعت إليّ روحي.
فبينا نحن نمشي إذ قالت: ويلاه، الخليفة، والله.
стр. 1349
فجاءني أعظم من الأوّل، وسمعت كلام خدم وجواري، وهو يقول من بينهم: ويلك يا فلانة أيش في صندوقك؟ أريني هو؟
فقالت: ثياب لستي يا مولاي، والساعة أفتحه بين يديها، وتراه.
وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم، فأسرعوا.
وأدخلتني إلى حجرة، وفتحت عنّي، وقالت: اصعد تلك الدرجة، إلى الغرف، واجلس فيها، وفتحت بالعجلة، صندوقا آخر، فنقلت بعض ما كان فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه، وقفلت الجميع.
وجاء المقتدر وقال لها: افتحي، ففتحته، فلم يرض منه شيئا، وخرج.
فصعدت إليّ، وجعلت ترشفني، وتقبّلني، فعشت «١» ، ونسيت ما جرى.
وتركتني، وقفلت باب الحجرة يومها، ثم جاءتني ليلا، فأطعمتني، وسقتني، وانصرفت.
فلما كان من غد، جاءتني فقالت: السيّدة، الساعة تجيء، فانظر كيف تخاطبها.
ثم عادت بعد ساعة مع السيّدة، فقالت: انزل، فنزلت.
فإذا بالسيدة جالسة على كرسي، وليس معها إلّا وصيفتان، وصاحبتي.
فقبّلت الأرض، وقمت بين يديها، فقالت: اجلس.
فقلت: أنا عبد السيّدة وخادمها، وليس من محلّي أن أجلس بحضرتها.
стр. 1350
فتأمّلتني، وقالت: ما اخترت يا فلانة إلّا حسن الوجه والأدب، ونهضت.
فجاءتني صاحبتي بعد ساعة، وقالت: أبشر، فقد أذنت لي والله في تزويجك، وما بقي الآن عقبة إلّا الخروج.
فقلت: يسلّم الله.
فلما كان من الغد، حملتني في الصندوق، فخرجت كما دخلت، بعد مخاطرة أخرى، وفزع نالني.
ونزلت في المسجد، ورجعت إلى منزلي، فتصدّقت، وحمدت الله على السلامة.
فلمّا كان بعد أيّام، جاءني الخادم، ومعه كيس فيه ثلاثة آلاف دينار عينا «١» .
وقال: أمرتني ستّي بإنفاذ هذا إليك من مالها، وقالت: تشتري به ثيابا، ومركوبا، وخدما، وتصلح به ظاهرك، وتعال يوم الموكب إلى باب العامّة، وقف، حتى تطلب، فقد واقفت الخليفة على أن تزوّجك بحضرته.
فأجبت على رقعة كانت معه، وأخذت المال، واشتريت ما قالوا بيسير منه، وبقي الأكثر عندي.
وركبت إلى باب العامّة في يوم الموكب «٢» بزيّ حسن، وجاء الناس، فدخلوا إلى الخليفة.
стр. 1351
ووقفت إلى أن استدعيت، فدخلت، فإذا أنا بالمقتدر جالس، والقوّاد، والقضاة، والهاشميّون، فهبت المجلس، وعلّمت كيف أسلّم، وأقف، ففعلت.
فتقدّم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين، فخطب لي، وزوّجني، وخرجت من حضرته.
فلما صرت في بعض الدهاليز، قريبا من الباب، عدل بي إلى دار عظيمة مفروشة، بأنواع الفرش الفاخرة، وفيها من الآلات، والخدم، والأمتعة، والقماش، كلّ شيء لم أر مثله قط.
فأجلست فيها، وتركت وحدي، وانصرف من أدخلني.
فجلست يومي، لا أرى من أعرفه، ولم أبرح من موضعي إلّا إلى الصلاة، وخدم يدخلون ويخرجون، وطعام عظيم ينقل، وهم يقولون: الليلة تزفّ فلانة- اسم صاحبتي- إلى زوجها البزّاز، فلا أصدّق، فرحا.
فلما جاء الليل، أثّر فيّ الجوع، وأقفلت الأبواب، ويئست من الجارية، فقمت أطوف الدار، فوقفت على المطبخ، ووجدت الطبّاخين جلوسا فاستطعمتهم، فلم يعرفوني، وقدّروني بعض الوكلاء، فقدموا إليّ هذا اللون من الطبيخ مع رغيفين، فأكلتهما، وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ، وقدّرت أنّها قد نقيت، وعدت إلى مكاني.
فلما جنّ الليل، إذا طبول، وزمور، وأصوات عظيمة، وإذا بالأبواب قد فتحت، وصاحبتي قد أهديت إليّ، وجاءوا بها، فجلوها عليّ، وأنا أقدّر أنّ ذلك في النوم، فرحا.
وتركت معي في المجلس، وتفرّق الناس.
فلمّا خلونا، تقدّمت إليها فقبّلتها، وقبّلتني، فشمّت لحيتي، فرفستني، فرمت بي عن المنصّة، وقالت: أنكرت أن تفلح، يا عاميّ يا سفلة، وقامت لتخرج.
стр. 1352
فقمت، وتعلّقت بها، وقبّلت الأرض، ورجليها، وقلت: عرّفيني ذنبي، واعملي بعده ما شئت.
فقالت: ويحك، أكلت فلم تغسل يدك.
فقصصت عليها قصّتي، فلما بلغت إلى آخرها، قلت: عليّ وعليّ، وحلفت بطلاقها، وطلاق كلّ امرأة أتزوّجها، وصدقة مالي، وجميع ما أملكه، والحجّ ماشيا على قدمي، والكفر بالله، وكلّ ما يحلف به المسلمون، لا أكلت بعدها ديكبريكه، إلّا غسلت يدي أربعين مرّة.
فأشفقت، وتبسّمت، وصاحت: يا جواري، فجاء مقدار عشر جواري ووصائف.
وقالت: هاتوا شيئا نأكل.
فقدّمت ألوان طريفة، وطعام من أطعمة الخلفاء، فأكلنا، وغسلنا أيدينا.
ومضى الوصائف، ثم قمنا إلى الفراش، فدخلت بها، وبتّ بليلة من ليالي الخلفاء، ولم نفترق أسبوعا.
وكانت يوم الأسبوع، وليمة هائلة، اجتمع فيها الجواري.
فلما كان من غد، قالت: إنّ دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا، فلولا أنّه استؤذن، فأذن بعد جهد، لما تمّ لنا هذا، لأنّه شيء لم يفعل قبل هذا مع جارية غيري، لمحبّة سيّدتي لي.
وجميع ما تراه، فهو هبة من السيّدة لي، وقد أعطتني خمسين ألف دينار، من عين وورق، وجوهر ودنانير، وذخائر لي خارج القصر كثيرة من كل لون، وجميعها لك.
فاخرج إلى منزلك، وخذ معك مالا، واشتر دارا سرية، واسعة الصحن، فيها بستان كثير الشجر، فاخر الموقع، وتحوّل إليها، وعرّفني، لأنقل هذا
стр. 1353
كلّه إليك، فإذا حصل عندك، جئتك.
وسلّمت إليّ عشرة آلاف دينار عينا، فحملها الخادم معي.
فابتعت الدار، وكتبت إليها بالخبر، فحملت إليّ تلك النعمة بأسرها، فجميع ما أنا فيه منها.
فأقامت عندي كذا وكذا سنة، أعيش معها عيش الخلفاء، ولم أدع مع ذلك التجارة.
فزاد مالي، وعظمت منزلتي، وأثرت حالي، وولدت لي هؤلاء الفتيان، وأومأ إلى أولاده، ثم ماتت رحمها الله.
وبقي عليّ من مضرة الديكبريكه حاضرا، ما شاهدته.
المنتظم ٦/٢٥٤
стр. 1354
٨٩ الشيخ بويه والرؤيا التي هالته
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزّاز «١» ، قال: أنبأنا عليّ بن المحسّن التنوخيّ، عن أبيه قال: حدّثنا عليّ بن حسّان الأنباريّ الكاتب، قال:
لمّا أنفذني معزّ الدولة «٢» ، من بغداد إلى ديلمان «٣» ، لأبني له دورا في بلدة منها، قال لي: سل عن رجل من الديلم، يقال له أبو الحسين بن شيركوه، فأكرمه، واعرف حقّه، واقرئه سلامي، وقل له: سمعت وأنا صبيّ، بحديث منام كان أبي رآه، وفسّره هو وأنت، على مفسّر بديلمان، ولم أقم عليه للصبا، فحدّثني به، واحفظه لتعيده عليّ.
فلما جئت إلى ديلمان، جاءني الرجل مسلّما، فعلمت بأنّه كان بينه وبين بويه، والد الأمير، صداقة، فأكرمته وعظّمته، وأبلغته رسالة معزّ الدولة.
فقال لي: كانت بيني وبين بويه مودة وكيدة، وهذه داره وداري، متحاذيتان، كما ترى، وأومأ إليهما.
فقال لي ذات يوم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتني، فاطلب لي إنسانا يفسّرها لي.
فقلت: نحن هاهنا في مفازة «٤» ، فمن أين لنا من يفسّر؟ ولكن اصبر
стр. 1355
حتى يجتاز بنا منجّم أو عالم، فنسأله، ومضى على هذا الأمر شهور.
فخرجت أنا وهو في بعض الأيّام إلى شاطئ البحر، نصطاد سمكا، فجلسنا، فاصطدنا شيئا كثيرا، فحملناه على ظهورنا، أنا وهو، وجئنا.
فقال لي: ليس في داري من يعمله، فخذ الجميع إليك ليعمل عندك.
فأخذته، وقلت له: فتعال إليّ، لنجتمع عليه، ففعل.
فقعدنا أنا وعيالي ننظّفه، ونطبخ بعضه، ونشوي الباقي.
وإذا رجل مجتاز، يصيح، منجّم، مفسّر للرؤيا.
فقال لي: يا أبا الحسين، تذكر ما قلته لك، بسبب المنام الذي رأيته؟
فقلت: بلى، فقمت، وجئت بالرجل.
فقال له بويه: رأيت ليلة في منامي، كأنّي جالس أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة كالعمود، ثم تشعّبت يمنة ويسرة، وأماما وخلفا، حتى ملأت الدنيا، وانتبهت، فما تفسير هذا؟
فقال له الرجل: لا أفسّره لك بأقل من ألف درهم.
قال: فسخرنا منه، وقلنا له: ويحك، نحن فقراء، نخرج نصيد سمكا لنأكله، والله ما رأينا هذا المبلغ قط، ولا عشره، ولكنّا نعطيك سمكة من أكبر هذا السمك.
فرضي بذلك، وقال له: يكون لك أولاد يفترقون في الدنيا، فيملكونها ويعظم سلطانهم فيها، على قدر ما احتوت النار التي رأيتها في المنام عليه من الدنيا.
قال: فصفعنا الرجل، وقلنا: سخرت منا، وأخذت السمكة حراما.
وقال له بويه: ويلك، أنا صيّاد فقير، كما ترى، وأولادي هم هؤلاء، وأومأ إلى عليّ بن بويه»
، وكان أوّل ما اختطّ
стр. 1356
عارضه «١» ، والحسن «٢» ، وهو دونه، وأحمد «٣» ، وهو فوق الطفل قليلا.
ومضت السنون، وأنسيت المنام، حتى خرج بويه إلى خراسان «٤» ، وخرج علي بن بويه، فبلغنا حديثه، وأنّه قد ملك أرجان «٥» ، ثم ملك فارس «٦» كلها.
فما شعرنا إلّا بصلاته، قد جاءت إلى أهله، وشيوخ بلد الديلم «٧» ، وجاءني رسوله يطلبني، فخرجت، ومشيت إليه، فهالني ملكه، وأنسيت المنام، وعاملني من الجميل والصلات بأمر عظيم.
وقال لي، وقد خلونا: يا أبا الحسين، تذكر منام أبي الذي ذكرتموه للمفسّر، وصفعتموه لمّا فسّره لكم؟
فاستدعى عشرة آلاف دينار، فدفعها إليّ، وقال: هذا من ثمن تلك السمكة، خذه، فقبلت الأرض.
فقال لي: تقبل تدبيري؟
فقلت: نعم.
قال: أنفذها إلى بلد الديلم، واشتر بها ضياعا هناك، ودعني أدبّر
стр. 1357
أمرك بعدها، ففعلت، وأقمت عنده مدّة، ثم استأذنته في الرجوع.
فقال: أقم عندي، فإنّي أقوّدك، وأعطيك أقطاعا بخمسمائة ألف درهم في السنة.
فقلت له: بلدي أحب إليّ، فأحضر عشرة آلاف دينار أخرى، فأعطاني إيّاها.
وقال: لا يعلم أحد بها، فإذا حصلت في بلد الديلم، فادفن منها خمسة آلاف، استظهارا على الزمان، وجهّز بناتك بخمسة آلاف، ثم أعطاني عشرة دنانير، وقال: احتفظ بهذه، ولا تخرجها من يدك، فأخذتها، فإذا في كلّ واحد مائة دينار وعشرة دنانير.
فودّعته، وانصرفت.
قال أبو القاسم: فحفظت القصّة، فلمّا عدت إلى معز الدولة، حدّثته بالحديث، فسّر به وتعجّب.
المنتظم ٦/٢٦٩
стр. 1358
٩٠ بين جحظة البرمكي ومحبرة بن أبي عباد الكاتب
أخبرنا عبد الرحمن «١» ، قال: أخبرنا الخطيب «٢» ، قال: أخبرنا عليّ ابن أبي عليّ البصريّ «٣» ، قال: حدّثني أبي «٤» ، قال: حدّثني أبو الفرج الأصبهاني «٥» قال: حدّثني جحظة «٦» ، قال:
اتّصلت عليّ إضافة أنفقت فيها كلّ ما أملك، حتى بقيت وليس في داري غير البواري «٧» .
فأصبحت يوما وأنا أفلس من طنبور بلا وتر، ففكرت كيف أعمل فيه، فوقع لي أن أكتب إلى محبرة بن أبي عبّاد الكاتب «٨» ، وكنت أجاوره،
стр. 1359
وكان قد ترك التصرّف «١» قبل ذلك بسنين، ولزم بيته، وحالفه النقرس «٢» ، فأزمنه «٣» ، حتى صار لا يتمكّن من التصرّف إلّا محمولا على الأيدي، أو في محفّة «٤» ، وكان مع ذلك، على غاية الظرف، وكبر النفس، وعظم النعمة، وأن أتطايب عليه ليدعوني، فآخذ منه ما أنفقه مدّة؛ فكتبت إليه:
ماذا ترى في جدي «٥» ... وبرمة «٦» وبوارد «٧»
وقهوة «٨» ذات لون ... يحكي خدود الخرائد
ومسمع «٩» ليس يخطي ... من نسل يحيى بن خالد «١٠»
إنّ المضيع لهذا ... نزر المروءة بارد
فما شعرت إلا بمحفّة محبرة يحملها غلمانه إلى داري، وأنا جالس على بابي.
فقلت له: لم جئت؟ ومن دعاك؟.
قال: أنت.
قلت: إنّما قلت لك: ماذا ترى في هذا؟ وعنيت في بيتك، وما قلت
стр. 1360
لك إنّه في بيتي، وبيتي والله أفرغ من فؤاد أمّ موسى.
فقال: الآن قد جئت ولا أرجع، ولكن أدخل إليك، وأستدعي من داري ما أريد.
قلت: ذاك إليك.
فدخل، فلم ير في بيتي إلا بارية.
فقال: يا أبا الحسن، هذا والله، فقر مفظع، هذا ضرّ مدقع، ما هذا؟
فقلت: هو ما ترى.
فانفذ إلى داره فاستدعى فرشا، وقماشا، وجاء فرّاشه، ففرشه، وجاءوا من الصفر والشمع، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه، وجاء طبّاخه بما كان في مطبخه، وجاء شرابيّه بالصواني، والمخروط، والفاكهة، والبخور، وجلس يومه ذاك عندي.
فلما كان في غد، سلّم إليّ غلامه كيسا فيه ألفا درهم، ورزمة من فاخر الثياب، واستدعى محفّته، فجلس فيها، وشيّعته هنيّة.
فلما بلغ آخر الصحن، قال: مكانك يا أبا الحسن، احفظ بابك، فكلّ ما في الدار لك.
وقال للغلمان: اخرجوا.
فأغلقت الباب على قماش بألوف كثيرة.
المنتظم ٦/٢٨٤
стр. 1361
٩١ ذنب جحظة إلى الزمان
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد «١» ، قال: أخبرنا أحمد بن عليّ «٢» ، قال:
أخبرنا: عليّ بن المحسّن «٣» ، قال: حدّثنا الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب «٤» ، قال: حدّثنا جحظة «٥» ، قال:
أنشدت عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين «٦» ، قولي:
قد نادت الدنيا على نفسها ... لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمر واريته ... وجامع بذّرت ما يجمع
فقال لي: ذنبك إلى الزمان الكمال.
المنتظم ٦/٢٨٤
стр. 1362
٩٢ المجنون الشاعر
أخبرنا أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه «١» ، قال: أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان «٢» ، قال: حدّثني أبو عليّ الحسن بن صالح، قال: قال مساور الورّاق:
قلت لمجنون كان عندنا، وكان شاعرا، ويقال إنّ عقله ذهب لفقد ابنة عمّ كانت له.
فقلت له يوما، أجز هذا البيت:
وما الحبّ إلّا شعلة قدحت بها ... عيون المها باللحظ بين الجوانح
قال: فقال على المكان:
ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها ... كفعل الذي جاءت به كف قادح «٣»
مصارع العشاق ١/١٣
стр. 1363
٩٣ المقتدر يستقضي الحسن بن عبد الله على مدينة المنصور
أخبرنا أبو منصور القزّاز «١» ، قال: أخبرنا أخبرنا أبوبكر بن ثابت «٢» ، قال:
أخبرنا عليّ بن المحسّن «٣» ، قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر «٤» ، قال:
بعد الثلاثة أيّام التي تقلّد فيها ابن الأشناني «٥» ، مدينة المنصور «٦» ، استقضى المقتدر «٧» على مدينة المنصور، الحسن بن عبد الله بن علي «٨» ، في يوم الاثنين لست بقين في ربيع الآخر سنة ست عشرة وثلاثمائة.
وهذا رجل حسن الستر، جميل الطريقة، قريب الشبه من أبيه وجدّه، في باب الحكم والسداد.
فلم يزل واليا على المدينة إلى نصف رمضان سنة عشرين وثلاثمائة، ثم صرفه المقتدر.
وتوفي يوم عاشوراء من سنة خمس وعشرين.
المنتظم ٦/٢٩٠
стр. 1364
٩٤ ثلاثة متقدمون لا يزاحمهم أحد
أخبرنا أبو منصور القزّاز «١» ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت «٢» ، قال: أخبرنا عليّ بن أبي عليّ «٣» ، قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري «٤» ، قال:
رأيت ثلاثة يتقدمون ثلاثة أصناف من بني جنسهم، فلا يزاحمهم أحد.
أبو عبد الله الحسين بن أحمد الموسوي «٥» ، يتقدّم الطالبيّين، فلا يزاحمه أحد.
وأبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي «٦» ، يتقدّم العباسيّين، فلا يزاحمه أحد.
وأبو بكر الأكفاني «٧» ، يتقدّم الشهود، فلا يزاحمه أحد.
المنتظم ٦/٢٩٢
стр. 1365
٩٥ من شعر أبي نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع
وأخبرنا التنوخي، قال: أنشدنا أبو الحسن بن الأخباري «١» ، قال:
أنشدني أبو نضلة «٢» لنفسه، ونحن في مجلس أبي بكر الصولي «٣» :
وخمرة جاء بها شبهها ... ظلمت لا بل شبهه الخمر
فبات يسقيني على وجهه ... حتى توفّى عقلي السكر
في ليلة قصّرها طيبها ... بمثلها كم بخل الدهر
قال: وأنشدني أبو نضلة لنفسه:
ولمّا التقينا للوداع ولم يزل ... ينيل لثاما دائما وعناقا
شممت نسيما منه يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا
تاريخ بغداد للخطيب ١٣/٢٧٣
стр. 1366
٩٦ خصومة بين قاض وشاهد انتهت بالمصالحة
١- أخبرنا عبد الرحمن بن محمد «١» ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت «٢» ، قال: أخبرنا التنوخي، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر «٣» ، قال:
لما كان يوم الخميس لخمس بقين من شعبان سنة ٣٢٨، خلع الراضي «٤» على أبي نصر يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف «٥» ، وقلّده الحضرة بأسرها «٦» ، الجانب الشرقي، والغربي، والمدينة، والكرخ، وقطعة من أعمال السواد، وخلع على أخيه أبي محمد الحسين بن عمر «٧» ، لقضاء أكثر السواد.
стр. 1367
ثم صرف الراضي أبا نصر عن مدينة المنصور، بأخيه الحسين في سنة تسع وعشرين، وأقرّه على الجانب الشرقي.
وفي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، أشهد أبو عبد الله ابن أبي موسى الهاشمي «١» على نفسه ثلاثين شاهدا من العدول بأنّه لا يشهد عند القاضي أبي نصر يوسف بن عمر ببغداد، وأخذ خطوط الشهود أنّه عدل مقبول الشهادة.
وفي يوم الاثنين لثمان بقين من ذي الحجة أسجل القاضي أبو نصر، يوسف بن عمر، بأن أبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي، ساقط الشهادة، بشهادة عشرين عدلا عليه بذلك «٢» .
المنتظم ٦/٣٠٠ ٢- في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة «٣» ، قلد القاضي أبو السائب عتبة بن عبيد الله «٤» القضاء في الجانب الشرقي، وأقر القاضي أبو نصر «٥» على الجانب الشرقي.
وقلد أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي «٦» ، قضاء مدينة أبي جعفر.
стр. 1368
وفي هذه السنة، جمع القاضي أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي، أبا عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، وأبا نصر يوسف بن أبي الحسين عمر ابن محمد القاضي في منزله، حتى اصطلحا، وتعاقدا على التصافي، وأخذ كل واحد منهما خطّ صاحبه بتزكيته، وبما تأكّد من الصلح بينهما، وكانا قد خرجا إلى أقبح المباينة، حتى أشهد أبو نصر، وهو والي قضاء مدينة السلام على نفسه، بإسقاط أبي عبد الله، وأنّه غير موضع للشهادة، وسعى أبو عبد الله في صرفه، ومعارضته بما يكره، حتى تهيأ له في ذلك ما أراد.
المنتظم ٦/٣٤١
стр. 1369
٩٧ كلب يحرم نفسه من قوته ويؤثر صاحبه على نفسه
أخبرني علي بن محمد، قال: حدّثني الحسين بن شدّاد «١» ، قال:
ولّاني القاسم، خلافة أحمد بن ميمون بنيسابور، فنزلت في بعض منازلها، فوجدت في جواره جنديا من أصحابه، يعرف بنسيم، كان برسم تنظيف كلابه.
وإذا كلب له يخرج بخروجه، ويدخل بدخوله، وإذا جلس على بابه قرّبه، وغطاه بدوّاج «٢» كان عليه.
فسألت الراسبي عن محل الغلام، وكيف يقنع الأمير منه، بدخول الكلب عليه، ويرضى منه بذلك، وليس بكلب صيد؟
قال أبو الوليد: سله عن حديثه، فإنّه يخبرك بشأنه.
فأحضرت الغلام، وسألته عن السبب الذي استحقّ به هذه المنزلة منه؟
فقال: هذا خلّصني- بعد الله من أمر عظيم.
فاستبشعت هذا القول منه، وأنكرته عليه، فقال لي: اسمع حديثه فإنّك تعذرني.
كان يصحبني رجل من أهل البصرة، يقال له: محمد بن بكر، لا يفارقني، يواكلني، ويعاشرني على النبيذ وغيره منذ سنين.
فخرجنا إلى الدينور، فلما رجعنا وقربنا من منزلنا، كان في وسطي هميان فيه جملة دنانير، ومعي متاع كثير أخذته من الغنيمة، قد وقف عليه بأسره.
стр. 1370
فنزلنا إلى موضع، فأكلنا، وشربنا.
فلما عمل الشراب، عمد إليّ، فشد يديّ إلى رجلي، وأوثقني كتافا، ورمى بي في واد، وأخذ كل ما معي، وتركني ومضى، وأيست من الحياة.
وقعد هذا الكلب معي، ثم تركني ومضى، فما كان بأسرع من أن وافاني، ومعه رغيف، فطرحه بين يديّ، فأكلته، ولم أزل أحبو إلى موضع فيه ماء، فشربت منه، ولم يزل الكلب معي، باقي ليلي يعوي إلى أن أصبحت، فحملتني عيناي، وفقدت الكلب.
فما كان بأسرع من أن وافاني ومعه رغيف، فأكلت، وفعلت فعلي في اليوم الأوّل.
فلما كان اليوم الثالث غاب عني، فقلت مضى يجيئني بالرغيف، فلم ألبث إلّا أن جاء ومعه الرغيف، فرمى به إليّ، فلم استتمّ أكله، إلا وابني على رأسي يبكي.
فقال: ما تصنع ها هنا، وما هي قصّتك؟ ونزل فحلّ كتافي، وأخرجني.
فقلت له: من أين علمت بمكاني، ومن دلّك عليّ؟
فقال: كان الكلب يأتينا في كل يوم، فنطرح له الرغيف على رسمه، فلا يأكله. وقد كان معك، فأنكرنا رجوعه، ولست أنت معه، فكان يحمل الرغيف بفيه، ولا يذوقه ويخرج يعدو، فأنكرنا أمره، فاتّبعته حتى وقفت عليك.
فهذا ما كان من خبري وخبر الكلب، فهو عندي أعظم مقدارا من الأهل والقرابة.
قال: ورأيت أثر الكتاف في يده، قد أثّر أثرا قبيحا.
فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٩
следующие страницы →