← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من حضر، أنّي قد فزعت من الموت، وانّها لذلك، لا من خروج الدم، فغطيّت وجهي بما مسحته عليه من الدم حتى لا تبين الصفرة. فقال المعتصم: لولا أنّ أفعاله لا توجب العفو عنه، لكان حقيقا بالاستبقاء لهذا الفضل، وأمر بإمضاء أمره فيه. فقطعت أربعته، ثم ضرب عنقه، وجعل الجميع على بطنه «١» ، وصبّ عليه النفط، وضرب [٤٩ ب] بالنار. وفعل مثل ذلك بأخيه «٢» ، فما كان فيهما من صاح وتأوّه.

стр. 177

٧٥ عافية الباقلّاني وخالد الحذّاء يسيران حافيين على باب حديد محميّ وقد حكي: أنّ عافية الباقلّاني، وخالد الحذّاء «١» ، رئيسي أصحاب العصبيّة في زمانهما، بايعا «٢» على أن يحمى لهما باب حديد، ويمشيان عليه، ففعلا ذلك. فلما حصلا فوقه، حلّ أحدهما مئزره، ثم ضرب يده إلى الآخر، وضبطه، وقال: انطرني أتوزّرهما عطفيّين «٣» ، أي انتظر حتى أتّزر. قال: فما فارقه، حتى شدّ مئزره، وهما فوق الباب المحميّ، ثم تمّم مشيه، حتى خرج منه، وقد غلب بتلك الساعة «٤» ، وإن لم يكن في الباب الحديد حيلة، أو عادة، مثلما يكون أسفل القدر، كالنار إذا دام الوقود عليها، فيأخذها الإنسان [لساعته] «٥» على راحته، لأنّ البخار يتصاعد، ثم يدعها قبل أن ينعكس البخار إلى أسفلها. وقد شاهدت أنا، أبا الأغرّ بن [أبي] «٦» شهاب التيميّ «٧» بالبصرة، فعل ذلك، وإلّا، فلا أدري ما هو.

стр. 178

وقد أخبرني غير واحد، أنّ القطعة الحديد، إذا أدخلت الكور، وأحميت حتى تبيضّ بياضا شديدا، فأخذها الإنسان، فلطعها مرتين، أو ثلاثة، قبل أن يرجع فيها الحمي، لم تضرّ لسانه. وقد شاهدت أنا، أبا الحسن عليّ بن محمد بن أحمد التنوخيّ، وقد أدخل إلى فيه، غير مرّة، شمعة [مشعلة] «١» فيها رطل، وعضّ عليها، وكشّر شفتيه لي، حتى تبيّنت اتّقاد الشمعة في فيه، ساعة، ثم أخرجها غير منطفئة. وسألته عن علّة ذلك، فقال: يحتاج إلى حذق في سرعة الإدخال، حتى لا تحرق الشفتين، فإذا حصلت في داخل الفم، لم تضرّ، لأنّ ما يتصاعد من حمي الجوف، يغلب على حماها «٢» ، فلا تضرّ.

стр. 179

٧٦ كيف قتل الخليفة المعتضد وزيره إسماعيل بن بلبل ومن طريف عقوبات المعتضد، قتلته إسماعيل بن بلبل «١» ، حدّثني أبي، قال: أخبرني جماعة من أهل الحضرة، يعرفون ويحصّلون: إنّ المعتضد أمر بإسماعيل بن بلبل، فاتّخذ له تغار «٢» كبير، وملىء إسفيداجا حيّا «٣» ، وبلّه، ثم جعل بالعجل رأس إسماعيل فيه، إلى آخر عنقه، وشيء من صدره، وأمسك حتى جمد الإسفيداج، فلم تزل روحه تخرج بالضراط، إلى أن مات «٤» .

стр. 180

٧٧ الخليفة المعتضد يقتل آخر بسدّ جميع منافذه وأخبرني أيضا «١» ﵀: إنّ المعتضد، أمر برجل «٢» فسدّ بالقطن أنفه، سدّا شديدا، وفمه، وعيناه، وأذناه، [ومنخراه] «٣» ، وذكره، وسوءته «٤» ثم كتّف وترك، فلم يزل ينتفخ، ويزيد، إلى أن طار قحف رأسه ومات «٥» .

стр. 181

٧٨ قرطاس الرومي وكيف عاقبه المعتضد حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب التنوخيّ، قال: قال أبي: كنت مع [٤٥ ط] صاحبي الذي كنت أكتب له، بدر اللّاني، في عسكر الموفّق، وهو يقاتل صاحب الزنج «١» . فرمى زنجيّ «٢» من أصحاب الخائن «٣» ، يقال له: قرطاس، الموفّق، بسهم، فأصاب ثندوءته «٤» ، وصاح [٥٠ ب] : خذها مني وأنا قرطاس، فصارت مثلا للرماة إلى الآن «٥» . فحمل الموفّق صريعا في حد التلف، ونزع السهم وكان مقطّنا «٦» ، فبقي الزجّ «٧» مكانه، وجمّع «٨» ، وانتفخ، وأمدّ «٩» ، وأشرف على الموت.

стр. 182

واستخبر بذلك أهل عسكر الخائن، وكانوا يصيحون بنا في كلّ يوم: ملّحوه، أي: قد مات الموفّق، فاجعلوه مكسودا «١» . فأجمع رأي الطبّ على بطّه، فلم يمكّنهم الموفّق من ذلك. فقالوا للمعتضد: إنّه إن لم يبطّ، عمل إلى داخل، فأتلفه. فقال: احتالوا عليه وبطّوه، وأنا أمنعكم منه «٢» . فطوّل أحد الطب، ظفر إبهامه اليمين، وجعل تحته حديدة مبضع، وجاء إلى الموفّق، فقال: أيّها الأمير، دعني أجسّه، وأنظر كيف هو. فقال: لعلّك تبطّه؟ فأراه يده، وقال: كيف أبطّه، وليس في يدي حديد، فمكّنه منه، فجسّه وخرقه بالمبضع من أوّله إلى آخره مستعجلا، فندر الزجّ وخرج، وتبعته مدّة عظيمة وقيح. ففزع الموفّق في حال البطّ، لمجيئه على غفلة، فلكم» الطبيب، فقلبه عن مكانه، فلمّا استراح بما خرج من الموضع، ووجد خفّة، خلع على الطبيب، وأجازه، وعولج إلى أن برئ. وجعل أبو العباس وكده «٤» طلب قرطاس، وكان إذا رآه في الحرب، طرح نفسه لأخذه، فيحاربه قرطاس أشدّ حرب، ويقول له بعجمته: «يا بلئباس، يريد يا أبا العبّاس، إن وقعت في يدك، قدّ مني أوتارا» . قال: فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره، حتى أخذه أسيرا، وقد

стр. 183

وقعت به جراحات، فجاء به إلى الموفّق، فأمر بضرب عنقه. فقال له المعتضد: تهب لي قتله، حتى أعمل به ما أريد. فقال: أنت أحقّ به، فخذه، فأخذه، فقدّ من أصابعه الخمس «١» أوتارا. قال: فقلت لأبي: كيف فعل ذلك؟ فقال: قلع أظفاره، وسلخ جلد أصابع كفّه من رؤوسها، إلى أكتافه، وعبر بها صلبه وكتفيه إلى آخر أصابعه الأخرى، وجلد بني آدم غليظ، فخرج له ذلك، فأمر أن تفتل له أوتار، ففعل، وصلب بها قرطاس «٢» .

стр. 184

٧٩ من طريف حيل اللصوص- ١ ومن طريف حيل اللصوص، الواقعة في عهدنا «١» ، انّ أبا القاسم، عبيد الله بن محمد الخفّاف، حدّثني: إنّه شاهد لصّا قد أخذ، وتشاهدوا عليه، إنّه يفشّ «٢» الأقفال في الدور اللطاف التي يخمّن على أنّها لعزب. فإذا دخل، حفر في الدار حفرة لطيفة، كأنّها بئر النرد، وطرح فيها جوزات، كأنّ إنسانا كان يلاعبه، وأخرج منديلا فيه مقدار مائتي جوزة، فتركه إلى جانبها، ثم دار فكوّر كلّ ما في الدار، ممّا يطيق حمله. فإن لم يفطن به أحد، خرج من الدار، وحمل ذلك كلّه. وإن جاء [٥١ ب] صاحب الدار، ترك عليه قماشه، وطلب المفالتة والخروج. فإن كان صاحب الدار جلدا، فواثبه ومنعه، وهمّ [٤٦ ط] بأخذه وصاح: اللصوص، واجتمع الجيران، أقبل عليه، وقال: ما أبردك، أنا أقامرك بالجوز منذ شهور وقد أفقرتني، وأخذت منّي كلّ ما أملكه، [وأهلكتني] «٣» ما صحت، ولا فضحتك بين جيرانك، أنت لمّا قمرتك الآن قماشك، أخذت تدّعي عليّ اللصوصية؟ يا غث، يا بارد، بيني وبينك دار القمار، الموضع الذي تعارفنا فيه، قل بحذائهم، وبحذاء هؤلاء الحاضرين،

стр. 185

قد ضغيت «١» حتى أدع عليك قماشك. فكلمّا قال الرجل: هذا لصّ، فيقول الجيران: إنّما يريد أن لا يفضح [نفسه] «٢» بالقمار، فقد ادّعى عليه اللصوصيّة، ولا يشكّون أنّه مقامر، وأن الرجل صادق، ويخلّصون بينهما، ثم يأخذ الجوز وينصرف، [ويفتضح الرجل بين جيرانه] «٣» . ٨٠ من طريف حيل اللصوص- ٢ وأخبرني أيضا «٤» : إنّه شاهد آخر، كان يدخل الدار الآهلة [نهارا] «٥» ، ويعتمد التي فيها النساء، ورجالهم خارجون. فإن تمّت له الحيلة، وأخذ منها شيئا، انصرف. وإن فطن له، وجاء صاحب الدار، أو همه أنّه صديق زوجته، وأنّه من بعض غلمان القوّاد، ويقول له: استر عليّ هذا عند صاحبي، وعلى نفسك، ويتزيّا بالأقبية «٦» ، يوهم الرجل أنّه لا يمكنه رفعه إلى السلطان

стр. 186

في الزنا، إن اختار فضيحة نفسه. وكلّما ادّعى عليه اللصوصيّة، صاح بهذا الحديث، فيجتمع الجيران، فيشيرون على الرجل بالستر على نفسه. وكلّما أنكر ذلك، قالوا: هذا محبة بزوجته، ويخلّصون اللصّ من يده، حتى ربما أجبروه على صرفه. وكلّما جحدت المرأة، وحلفت، وبكت، وأقسمت «١» إنّه لصّ، كان ذلك أدعى لهم إلى تخليته. فيتخلّص، ويعود الرجل، ويطلّق زوجته، ويفارق أمّ ولده، فأخرب غير منزل، وأفقر آخرين، بهذا. إلى أن دخل دارا فيها عجوز، لها أكثر من تسعين سنة، ولم يعلم، وأدركه ربّ البيت، فأخذ يوهمه ذلك، فقال: يا كشخان «٢» ليس في الدار إلّا أمّي، ولها تسعون سنة، وهي منذ أكثر من خمسين سنة، قائمة الليل، صائمة النهار، طول الدهر، أفتراها هي عشقتك، أم أنت عشقتها؟ وضرب فكيّه. واجتمع الجيران، فقال اللصّ ذلك، فكذّبوه، لما يعرفون به المرأة من الدين «٣» والصلاح، فضرب، وأقرّ بالصورة «٤» فحمل إلى السلطان.

стр. 187

٨١ القصريّ غلام الحلاج كان يصبر على الجوع خمسة عشر يوما حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: بلغني أنّ الحسين بن منصور الحلّاج «١» [كان] «٢» لا يأكل شيئا [٥٢ ط] شهرا أو نحو ذلك، على تحصيل ورصد، قال: فهالني هذا، وكانت بيني وبين أبي الفرج بن روحان الصوفيّ مودّة، وكان صالحا من أصحاب الحديث، ديّنا، وكان القصريّ، غلام الحلّاج، زوج أخته، فسألته عن ذلك. فقال: أمّا ما كان الحلّاج يفعله، فلا أعلم كيف كان يتمّ له، ولكنّ صهري القصريّ غلامه، قد أخذ نفسه سنين، بقلّة الزاد، ودرّجها على ذلك، حتى تمكّن بعد مدّة، أن يصبر عن الأكل خمسة عشر يوما، ونحو ذلك [٤٧ ط] ، أقلّ أو أكثر. وكان يتمّ له ذلك بحيلة كانت تخفى عليّ، فلما حبس في جملة الحلّاجية، كشفها لي، وقال: إنّ الرصد، إذا وقع بالإنسان شديدا، وطال فلم

стр. 188

تنكشف معه حيلة، ضعف عنه الرصد [ثم لا يزال يضعف، كلّما لم تنكشف حيلته، حتى يبطل أصلا، فيتمكّن حينئذ، من فعل ما يريد] «١» . وقد رصدني هؤلاء منذ خمسة عشر يوما، فما رأوني آكل شيئا [بتّة] «٢» ، وهذا نهاية صبري عن فقد الغذاء، وإن لم آكل بعده بيوم، تلفت، فخذ رطلا من الزبيب الخراسانيّ، ورطلا من اللوز [السمين] «٣» . ودقّهما، واجعلهما مثل الكسب «٤» وأصلحهما صفيحة رقيقة، فإذا جئتني غدا، فاجعلها بين ورقتين من دفتر، وخذ الدفتر في يدك مكشوفا، مطويّا في كفّك طيّا مدوّرا من غير انتشار، ليخفى ما فيه، فإذا خلوت بي، ولم تر من يلاحظني، فاجعل ذلك تحت ذيلي، وانصرف، فإنّني آكله سرّا، وأشرب الماء إذا تمضمضت للطهور «٥» ، فيكفيني خمسة عشر يوما أخرى، إلى أن تجيئني «٦» ثانيا، على هذا السبيل. ومتى رصدني هؤلاء في هذه الخمسة عشر يوما الثانية، لم يجدوني آكل شيئا على الحقيقة، إلى أن تعود أنت بعد هذه المدّة بالقوت، فأغتفلهم في أكله أيضا، فيقوم بي. قال: فكنت أعمل ذلك معه، طول حبسه.

стр. 189

٨٢ ما اشترطه أبو سهل بن نوبخت لكي يؤمن بدعوة الحلّاج حدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: لما قدم الحلّاج بغداد يدعو، استغوى كثيرا من الناس، والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى، لدخوله من طريقهم. فراسل أبا سهل بن نوبخت «١» ، ليستغويه، وكان أبو سهل من بينهم، مثقّفا، فهما، فطنا. فقال أبو سهل لرسوله: هذه المعجزات التي يظهرها، قد تأتي فيها الحيل، ولكن أنا رجل غزل، ولا لذّة لي أكثر من النساء وخلوتي بهنّ، وأنا مبتلى بالصلع، حتى إنّي أطوّل شعر قحفي، وأجذبه إلى جبيني، وأشدّه بالعمامة، وأحتال فيه بحيل، ومبتلى بالخضاب، لستر المشيب. فإن جعل لي شعرا، وردّ لحيتي سوداء بلا خضاب، آمنت بما [٥٣ ب] يدعوني إليه، كائنا ما كان، إن شاء قلت إنّه باب «٢» الإمام، وإن شاء الإمام، وإن شاء قلت إنّه النبيّ، وإن شاء قلت إنّه الله تعالى. قال: فلما سمع الحلّاج جوابه أيس منه، وكفّ عنه «٣» . وقال لي أبو الحسن: وكان الحلّاج، يدعو كلّ قوم إلى شيء من هذه الأشياء التي ذكرها أبو سهل، على حسب ما يستبله طائفة طائفة.

стр. 190

٨٣ الحلاج في مجلس الوزير حامد بن العباس أخبرني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، عمّن أخبره: إنّه كان بحضرة حامد بن العبّاس، لما قبض على الحلّاج، وقد جيء بكتب وجدت في داره، من قوم تدلّ مخاطبتهم، إنّهم دعاته في الأطراف، يقولون فيها: وقد بذرنا لك في كلّ أرض ما يزكو فيها، وأجاب قوم إلى أنّك الباب- يعنون الإمام- وآخرون أنّك صاحب الزمان- يعنون الإمام الذي تنتظره الأماميّة- وقوم إلى أنّك [٤٨ ط] صاحب الناموس الأكبر- يعنون النبيّ ﷺ وقوم إلى أنّك أنت هو هو- يعنون الله [تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا] «١» . قال: فسئل الحلاج عن تفسير هذا الرمز، فأخذ يدفعه، ويقول: لا أعرف هذه الكتب، هذه مدسوسة عليّ، لا أعلم ما فيها، ولا معنى لهذا الكلام. وحدّثني أبو الحسين بن عيّاش، عمن حضر مجلس حامد ابن العباس الوزير «٢» ، وقد جاءوا بدفاتر وجدت للحلّاج، فيها: إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فإنّه يستغني عنه، بأن يعمد إلى بيت من داره، فيعمل فيه محرابا ذكره، ويغتسل، ويحرم، ويقول كذا، ويفعل كذا، ويصلّي كذا، ويقرأ كذا، ويطوف بهذا البيت كذا، ويسبّح كذا، ويصنع كذا، أشياء قد رتّبها وذكرها من كلام نفسه، قال: فإذا فرغ

стр. 191

من ذلك، فقد سقط عنه الحجّ إلى بيت الله الحرام. وهذا شيء معروف عند الحلّاجيّة، وقد اعترف لي رجل منهم، يقال إنّه عالم لهم، ولكن ذكر أنّ هذا رواه الحلّاج عن أهل البيت صلوات الله عليهم، وقال ليس عندنا إنّه يستغنى به عن الحجّ، ولكنّه يقوم مقامه، إن لم يقدر على الخروج، بإضاقة، أو منع، أو علّة، فأعطاني المعنى، وخالف في العبارة. قال لي أبو الحسين: فسئل الحلّاج عن هذا، وكان عنده إنّه لا يوجب عليه شيئا، فأقرّ به، وقال: هذا شيء رويته كما سمعته، فتعلّق بذلك عليه. واستفتى حامد، القاضيين أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ الأنباري «١» ، وأبا عمر محمد بن يوسف «٢» ، وهما إذ ذاك، قاضيا بغداد. فقال أبو عمر: هذه زندقة، يجب عليه القتل بها، لأنّ الزنديق لا يستتاب. وقال أبو جعفر: لا يجب عليه القتل، إلّا أن يقرّ بأنّه يعتقد هذا، لأنّ الناس قد يروون الكفر ولا يعتقدونه، فإن أخبر أنّ هذا شيء رواه وهو [٥٤ ب] يكذّب به، فلا شيء عليه، وإن أخبر إنّه يعتقده، استتيب منه، فإن تاب، فلا شيء عليه، وإن لم يتب، وجب عليه القتل. قال: فعمل في أمره على فتوى أبي عمر، وعلى ما شاع وذاع من أمره، وظهر من إلحاده وكفره، واستغوائه الناس، وإفساده أديانهم،

стр. 192

فاستؤذن المقتدر في قتله، وكان قد استغوى نصرا القشوري» ، من طريق الصلاح والدين، لا ممّا كان يدعو إليه، فخوّف نصر السيّدة أمّ المقتدر «٢» . من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك- يعني المقتدر- عقوبة هذا الشيخ الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامدا بأن يقتله، فحمّ المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيّدة افتتانا، وتشكّك المقتدر فيه، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخّر ذلك أياما، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلّة، فاستأذنه حامد في قتله، فضعّف الكلام فيه «٣» ، فقال له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتدّ خلق على يده، وأدّى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن [٤٩ ط] له في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلّا يتلوّن المقتدر. فلما قتل، قال أصحابه، ما قتل هو، وإنّما قتل برذون كان لفلان الكاتب، اتّفق إنّه نفق «٤» ذلك اليوم. وهو يعود إلينا بعد مدّة، فصارت هذه الجهالة، مقالا لطائفة منهم.

стр. 193

٨٤ طرائف من مخاريق الحلاج وكانت أكثر مخاريق الحسين بن منصور الحلّاج، هذا، التي يظهرها كالمعجزات، ويستغوي بها جهلة «١» الناس، إظهار المآكل في غير أوانها، بحيل يقيمها، فمن لا تنكشف له، يتهوّس بها، ومن كان فطنا، لم تخف عليه. فمن طريف ذلك، ما أخبرني بها أبو بكر محمد بن إسحاق بن إبراهيم الشاهد الأهوازيّ، قال: أخبرني فلان المنجّم، وأسماه، ووصفه بالحذق والفراهة، قال: بلغني خبر الحلّاج، وما كان يفعله من إظهار تلك العجائب [والمخرقات] «٢» التي يدّعي أنّها معجزات، فقلت أمضي وانظر من أيّ جنس هي من المخاريق. فجئته، كأنّي مسترشد في الدين، فخاطبني وخاطبته، ثم قال: تشهّ «٣» الساعة ما شئت، حتى أجيئك به. وكنّا في بعض بلدان الجبل التي لا تكون فيها الأنهار. فقلت له: أريد سمكا طريا [في الحياة] «٤» الساعة. فقال: أفعل، اجلس مكانك. فجلست، وقام، وقال: أدخل البيت، وأدعو الله تعالى أن يبعث لك [به] «٥» .

стр. 194

قال: فدخل بيتا حيالي وأغلق بابه، وأبطأ ساعة طويلة، ثم جاءني وقد خاض وحلا إلى ركبته، وماء، ومعه سمكة تضطرب كبيرة. فقلت له: ما هذا؟ فقال: دعوت الله تعالى، فأمرني أن [٥٥ ب] أقصد البطائح «١» فأجيئك بهذه، فمضيت إلى البطائح فخضت الأهوار «٢» ، وهذا الطين منها، حتى أخذت هذه. فعلمت أنّ هذه حيلة، فقلت له: تدعني أدخل البيت، فإن لم تنكشف لي حيلة فيه آمنت بك. فقال: شأنك. ودخلت البيت، وأغلقته على نفسي، فلم أجد فيه طريقا ولا حيلة. فندمت، وقلت: إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له، لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد، طالبني بتصديقه، فكيف أعمل؟ قال: وفكّرت في البيت، فدققت «٣» تأزيرة «٤» ، وكان مؤزّرا بإزار ساج،

стр. 195

فإذا بعض التأزير فارغ، فحرّكت منه جسريّة «١» خمّنت «٢» عليها، فإذا هي قد انقلعت، فدخلت فيها، فإذا ثمّ باب مسمّر، فولجت منه إلى دار كبيرة، فيها بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار، والثمار، والنوّار، والريحان، التي هي في وقتها، وما ليس هو في وقته، مما قد عتّق، وغطّي، واحتيل في بقائه، وإذا بخزائن مليحة، فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في الحال، إذا طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار، فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكا، كبارا وصغارا، فاصطدت واحدة كبيرة، وخرجت، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء إلى حدّ ما رأيت رجله. فقلت: الآن إن خرجت، ورأى هذا معي، قتلني، فقلت: أحتال عليه في الخروج. فلمّا رجعت إلى البيت، أقبلت أقول: آمنت، وصدّقت. فقال لي: ما لك؟ قلت: ما هاهنا حيلة، وليس إلا [٥٠ ط] التصديق بك. قال: فاخرج. فخرجت، وقد بعد عن الباب، وتموّه عليه قولي، فحين خرجت، أقبلت أعدو إلى باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني، وعلم أنّي قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو خلفي، فلحقني، فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني، حتى مضيت إلى اليمّ «٣» ، فاستخرجت لك هذه منه.

стр. 196

قال: فاشتغل [عني] «١» بصدره وبعينيه، وما أصابه «٢» من السمكة، وخرجت. فلمّا صرت خارج الدار، طرحت نفسي مستلقيا، لما لحقني من الجزع والفزع. فخرج إليّ، وصاح بي، وقال: ادخل. فقلت: هيهات، والله لئن دخلت، لا تركتني أخرج أبدا. فقال: اسمع، والله لئن شئت قتلك على فراشك، لأفعلنّ، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنّك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستورا، فأنت آمن على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني، ودخل. فعلمت أنّه يقدر على ذلك، بأن يدسّ أحد من يطيعه «٣» ويعتقد فيه ما يعتقد، فيقتلني. فما حكيت الحكاية [٥٦ ب] ، إلى أن قتل.

стр. 197

٨٥ من أقوال الحلاج وتواقيعه وكان الحلّاج، له الكتب المصنّفة في مذاهبه، يسلك في كلامه فيها، مذاهب الصوفيّة، في الهوس، ويكثر من ذكر النور الشعشعانيّ، وإذا أفصح بكلام مفهوم، كان ترسّله حسنا، وتلفّظه به مليحا. أخبرني بعض أصحابه من الكتّاب، قال: خرج له توقيع إلى بعض دعاته، تلاه عليّ، فحفظت منه قوله فيه: وقد آن الآن أوانك، للدولة الغرّاء، الفاطميّة الزهراء، المحفوفة بأهل الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة، مع قوة ضعفها في الخروج إلى خراسان، ليكشف الحقّ قناعه، ويبسط العدل باعه «١» . وأخبرني هذا الرجل، عمّن حدّثه من أصحابه، قال: كنّا معه في بعض طرقات بغداد، فسمعنا زمرا طيّبا شجيّا. فقال بعضنا: ما هذا؟ فقال لنا هو «٢» : هذا نوح إبليس على الدنيا.

стр. 198

٨٦ ضرب العود يماثل صوت الهيب في أصول النخل حدّثني أبو محمد، الحسن بن محمد البومنيّ «١» البصريّ، وكان علّامة لهم حسن النّشوار، رواية للأخبار، ثقة، قال: اجتاز بعض البصريّين، ومعه ابن له حدث، في طريق، فسمعا صوت ضرب عود، فاستطابه الفتى. فقال لأبيه: يا أبت ما هذا؟ قال: يا بنيّ، هذا صوت الهيب في أصول النخل. والهيب: حديدة عظيمة كالبيرم «٢» يقلع بها أصول النخل، لا تنقلع إلّا بها. [وهي تسمى ببغداد العتلة «٣» فمنها منبسط كالأسطام «٤» محدّد، وتكون ثقيلة، لعل فيها نحو العشرة أمناء] «٥» .

стр. 199

٨٧ أبو جعفر الصيمريّ وزير معزّ الدولة يسخف في مجلس العمل وكان هذا البومنيّ «١» حسن البلاغة، طويل اللسان، يتكلّم في أمور الكافّة بالبصرة، إذا عرضت المهمّات العظام «٢» ، ويناظر السلطان. فلما جاء أبو جعفر الصيمريّ «٣» إلى هناك، وطالب الناس بالمعطّل «٤» - ولهذه المطالبة شرح طويل- ناظره البومنيّ في أنّها غير واجبة، فلم ينزل تحت الحجّة، وأخلد إلى القدرة. فوعظه البومنيّ، وقال: أيّها الأستاذ، إنّ بلدنا، بلد كثير الصالحين، ضعيف الأهل، ما خير قط «٥» لمن ظلمهم، وإنّ أهله يكلونك إلى الله تعالى، [٥١ ط] ويرمونك بسهام الأسحار، يعني الدعاء. فقلب الصيمريّ الكلام إلى السّخف، وكان شديد «٦» الاستعمال له ظاهرا في مجلس الحفل والعمل، فقال: يا شيخ، سهام الأسحار في لحيتك، يعني الضراط» .

стр. 200

٨٨ أبو علي الجبائي والحلاج حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخيّ، قال: أخبرني جماعة من أصحابنا: إنّه لمّا افتتن الناس بالأهواز وكورها بالحلّاج، وما يخرجه لهم من الأطعمة والأشربة، في غير حينه، والدراهم التي سمّاها دراهم القدرة، حدّث أبو عليّ الجبائي «١» بذلك، فقال: إنّ هذه الأشياء محفوظة في منازل يمكن الحيل فيها، ولكن أدخلوه بيتا من بيوتكم، لا منزله هو «٢» ، وكلّفوه أن يخرج منه خرزتين سوداء وحمراء «٣» ، فإن فعل فصدّقوه. فبلغ الحلّاج [٥٧ ب] قوله، وإنّ قوما قد عملوا على ذلك، فخرج عن الأهواز.

стр. 201

٨٩ بعض اعتقادات أصحاب الحلاج وأهل مقالته «١» الآن، يعتقدون أنّ اللاهوت الذي كان حالّا فيه، حلّ في ابن له بتستر «٢» . وأنّ رجلا بها هاشميّا ربعيا، يقال له: محمد بن عبد الله، ويكني بأبي عمارة، قد حلّت فيه روح محمّد بن عبد الله [النبي] «٣» صلوات الله عليه، وهو يخاطب فيهم بسيّدنا، وهي من أعلى المنازل عندهم. وأخبرني، من استدعاه بعض الحلاجيّة، إلى أبي عمارة هذا، بالبصرة، وله مجلس يتكلّم فيه على مذاهب الحلّاج، ويدعو إليه. قال: فدخلته، وظنّوا أنّي مسترشد، فتكلّم بحضرتي، والرجل أحول، فكان يقلّب عينيه «٤» في سقف البيت، فيجيش خاطره بذلك الهوس. فلما خرجنا، قال لي الرجل: آمنت؟ فقلت: أشدّ ما كنت تكذيبا بقولكم الآن، هذا عندكم الآن بمنزلة النبيّ، لم لا يجعل نفسه غير أحول؟ فقال: يا أبله، كأنّه أحول؟ إنّما هو يقلّب عينيه في الملكوت «٥» .

стр. 202

٩٠ خال المؤمنين عند الحلاجية- ١ وأبو عمارة هذا، متزوّج بامرأة من الأهوازيّين، يقال لها بنت ابن جان بخش «١» ، ولها أخ فاجر يغنّي «٢» بالطنبور، وكان أبوه شاهدا «٣» جليلا تانئا موسرا، والحلاجيّة تعتقد أنّه بمنزلة محمد بن أبي بكر، خال المؤمنين. فحدّثني عبيد الله بن محمد، قال: كنا نسير بالأهواز يوما، ومعنا كاتب ظريف من أهل سيراف «٤» يقال له المبارك بن أحمد، فاجتزنا بالرجل، فقام، وسلّم علينا. فقال لي الكاتب: من هذا؟ فقصصت عليه قصّته بأشرح من هذا، فقلب رأس بغله ورجع. فقلت له: إلى أين يا أبا سعيد؟ قال: ألحقه، فأسأله عمّا سارّته به أخته عائشة أمّ المؤمنين، يوم الجمل، لمّا أفضى إليها بيده ليخرجها من الهودج. فضحكت من ذلك، ورددته.

стр. 203

٩١ خال المؤمنين عند الحلاجية- ٢ وكان هذا الفتي، ابن جان بخش «١» ، قد ورث مالا جليلا، ودخل الديلم الأهواز عقيب ذلك، فتقاين «٢» بالمال، وعاشر الديلم، فأنفق أكثره عليهم، فتعلّم الكلام بالديلميّة، حتى صار إذا تكلّم بها، كأنّه من بلد الديلم «٣» ، وعرف أسماء قراهم، وعلامات بلدانهم. فلما خفّ ماله، اشترى بغلين، ودابتين، وزوبينات «٤» ، وسلاحا [٥٢ ط] وآلة الجند، وجعل لرأسه شعرا مثل شعور الجيل «٥» والديلم، وسمّى نفسه حلوز بن با علي، وكان أبوه في الأصل يكنى بأبي عليّ، وهذا الاسم من أسماء الجيل. وجاء إلى أبي القاسم البريديّ، وهو بالبصرة يحارب الأمير أحمد ابن بويه، فاستأمن إليه ومن الديلم والجيل خمسمائة، وقصّته مشهورة. قال: فأخبرني هو، قال: كنت، أداخل وأدعوهم، ولا يشكّون أنّي ديلميّ، وأعطيهم علامات بلدانهم، فإذا وقع من يفطن بي، أعطيته شطر الرزق.

стр. 204

قال: وكنت [٥٨ ب] آكل الثوم، ولا أتعالج للصنان، وأصير جيفة «١» على مذاهب الديلم، وأجيء، فأرتفع في القيام، حتى ألزق بأبي القاسم، ممّا يلي رأسه، فيموت من بغض رائحتي. قال: وعلت حالي عنده، فكان يطرح لي كرسيّا برسم الخاصة، فإذا جلست، اصطدت الذباب، وقتلته بحضرته، كأنّي ديلميّ فجّ، فكان يضجّ منّي، ويقول: يا قوم، أعفوني من هذا الديلميّ الفجّ، البغيض، المنتن، وخذوا منّي أضعاف رزقه. فأقمت عنده سنين «٢» ، إلى أن انكشف خبري، فهربت من يده. وهذا من طيّب أخبار المورثين «٣» المتخلّفين، فأفردته.

стр. 205

٩٢ من أخبار متخلفي المورثين- ١ ومن طيّب أخبار متخلّفي المورثين، ما أخبرت به: من أنّ أحدهم ورث مالا جليلا جسيما، فتقاين «١» ، وعمل كلّ ما اشتهى، فبلغني إنّه قال: أريد أن تفتحوا لي صناعة لا تعود عليّ بشيء، أتلف بها هذا المال. فقال له أحد جلسائه: اشتر التمر من الموصل واحمله إلى البصرة، فإنّك تهلك المال. فقال: هذا إذا فعل، عاد منه، ولو اثنان في العشرة، تبقى من أصل المال. فقال له آخر: اشتر هذه الإبر الخياطيّة، التي تكون ثلاثا بدرهم، وأربعا، وتتبّعها، فإذا اجتمع لك عشرة آلاف إبرة بجملة الدراهم، فاسبكها نقرة، وبعها بدرهمين. فقال: أليس يرجع من ثمنها درهمان؟ فقال له أحدهم: كأنّك تريد ما لا يرجع شيء منه البتّة؟ فقال: نعم. فقال: تشتري ما شئت من الأمتعة، وتخرج به إلى الأعراب، فتبيعه عليهم، وتأخذ سفاتجهم إلى الأكراد، وتبيع على الأكراد، وتأخذ سفاتجهم إلى الأعراب. قال: وكان يعمل هذا، حتى فني ماله «٢» .

стр. 206

٩٣ من أخبار متخلفي المورثين- ٢ وبلغني أنّ آخر، أسرع في ماله، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار «١» ، فقال: أريد «٢» أن تفنى بسرعة، حتى أنظر أيّ شيء أعمل بعدها. فعرضت عليه أشياء من هذا الجنس، فلم يردها. فقال له بعض أصحابه: تبتاع زجاجا مخروطا بالمال كلّه، إلّا خمسمائة دينار، وتعبّيه بحذائك، ويكون في نهاية الحسن، وتنفق الخمسمائة دينار في يوم واحد، في جذور «٣» المغنيّات، والفاكهة، والطيب، والشراب، والثلج، والطعام، فإذا قارب الشراب أن يفنى، أطلقت فارتين في الزجاج، وأطلقت خلفهما سنّورا، فيتعادى الفار والسنّور في الزجاج، فيتكسّر جميعه، وتنهب الباقي. فقال: هذا طيّب. فعمل ذلك، وجلس يشرب، فحين سكر، قال: هي، وأطلق الرجل الفارتين والسنّور، وتكسّر [٥٣ ط] الزجاج، وهو يضحك، ونام. وقام الرجل ورفقاؤه، فجمعوا ذلك [٥٩ ب] الزجاج، وعملوا من قنّينة قد تشعّثت قدحا، ومن قدح قد تكسّر برنيّة غالية «٤» ، ولزقوا ما تصدّع،

стр. 207

وباعوه بينهم، فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها، وانصرفوا عن الرجل، فلم يعرفوا خبره. فلما كان بعد سنة، قال صاحب المشورة، بالزجاج والفار والسنّور، لو مضيت إلى ذلك المدبر، فعرفت خبره. فجاء، فإذا هو قد باع قماش بيته، وأنفقه، ونقض داره، وباعها، وسقوفها، حتى لم يبق إلّا الدهليز، وهو نائم فيه، على قطن، متغطّ بقطن قد فتق من لحف وفرش، بيعت وبقي القطن، فهو يتوطّاه، ويتغطّى به من البرد. قال: فرأيته، وكأنّه سفرجل بين القطنين. فقلت: يا ميشوم، ما هذا؟ قال: ما تراه. فقلت: في نفسك حسرة؟ قال: نعم. قلت: ما هي؟ قال: أشتهي أن أرى فلانة، مغنيّة كان يعشقها، وأتلف أكثر المال عليها. قال: وبكى، فرققت له، وأعطيته من منزلي ثيابا، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنّية، فقدّرت أنّ حاله قد ثابت «١» ، فدخلنا إليها «٢» ، فحين رأته، أكرمته، وبشّت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة. فقالت له في الحال: قم، قم. قال: لم؟ قالت: لئلا تجيء ستّي وتراك وليس معك شيء فتحرد عليّ لم

стр. 208

أدخلتك، فاخرج إلى برّا «١» حتى أصعد أكلّمك من فوق. فخرج، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة «٢» في الدار إلى الشارع، وهو جالس. فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج «٣» ، وصيّرته آية ونكالا، وضحكت. فبكى، وقال: يا أبا فلان، بلغ أمري إلى هذا» ؟ أشهد الله، وأشهدك أنّي تائب. قال: فأخذت أطنز به «٥» ، وقلت: أيش تنفعك التوبة الآن؟ قال: ورددته إلى بيته، ونزعت ثيابي عنه، وتركته بين القطن، كما كان أوّلا، وحملت ثيابي، فغسلتها، وأيست منه، فما عرفت له خبرا، نحو ثلاث سنين. فأنا ذات يوم، في باب الطاق «٦» فإذا بغلام يطرّق «٧» لرجل راكب، فرفعت رأسي إليه، فإذا به على برذون فاره، بمركب خفيف مليح فضّة،

стр. 209

وثياب حسنة، ودراريع فاخرة، وطيب طيّب، وكان من أولاد الكتّاب، وكان قديما [أيام يساره] «١» يركب من الدواب أفرهها، ومن المراكب أفخرها، وآلته وثيابه، [وقماشه] «٢» أفخر شيء ممّا كان يقدر عليه، أو ورثه عن والديه. فحين رآني، قال: فلان، فعلمت أنّ حاله قد صلحت، فقبّلت فخذه، وقلت: سيّدي أبو فلان. فقال: نعم. قلت، إيش هذا؟ قال: صنع الله، والحمد له، البيت، البيت، فتبعته، حتى انتهى إلى بابه، فإذا بالدار [٦٠ ب] الأوّلة، قد رمّها «٣» ، وجعلها صحنا واحدا، فيه بستان، وجصّصها من غير بياض، وطبّقها «٤» ، وترك فيها مجلسا واحدا، حسنا، عامرا، وجعل باقي المجالس صحنا، وقد صارت طيّبة، إلّا أنّها ليست بذلك السرو الأول. وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما، يخلو فيها، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت عليه، وفيها فرش حسن [٥٤ ط] ليس من ذلك الجنس، وفي داره أربعة غلمان، قد جعل كلّ خدمتين إلى واحد منهم، وخادم شيخ، كنت أعرفه له، قد ردّه، وجعله بوّابا، وشاكريّ «٥» ، وهو سائسه. وجلس، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة، فخدم بها، وبفاكهة مختصرة

стр. 210

متوسّطة، وطعام نظيف كاف، إلّا أنّه قليل، فأكلنا، وبنبيذ تمر جيّد، فجعلوه بين يديّ، وبمطبوخ جيّد بين يديه. ومدّت ستارة، فإذا بغناء طيّب، وبخّر بعود طريّ «١» وندّ جميعا، وأنا متشوّف إلى علم السبب. فلما طابت نفسه، قال: يا فلان، تذكر أيّامنا الأوّلة؟ قلت: نعم. قال: أنا الآن في نعمة متوسّطة، وما قد أفدته «٢» من العقل، والعلم بالزمان، أحبّ إليّ من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟ قلت: نعم. قال: إن لم يكن بذلك العظم، فهو مما يتجمّل به أوساط الناس. قلت: نعم. قال: وكذلك آلتي، وثيابي، ومركوبي، وطعامي، وفاكهتي، وشرابي، فأخذ يعدّد ويقول في كل فصل: إن لم يكن ذلك المفرط، ففيه جمال، وبلاغ، وكفاية. إلى أن ذكر كلّ ما عنده «٣» ، ويضيف ذلك إلى أمره الأوّل، ويقول: هذا يغني عن ذلك، وقد تخلّصت من تلك الشدّة الشديدة، تذكر يوم عاملتني المغنّية لعنها الله بما عاملتني به؟ وما عاملتني به أنت ذلك اليوم، وقلته في كلّ يوم، وفي يوم الزجاج؟ فقلت: هذا قد مضى، والحمد لله الذي أخلف عليك، وخلّصك مما كنت فيه، فمن أين لك هذه النعمة، والجارية التي تغنّينا الآن؟

стр. 211

فقال: اشتريتها بألف دينار «١» ، وربحت جذور القيان «٢» ، وأمري الآن على غاية الانتظام والاستقامة. فقلت: من أين هذا؟ قال: مات خادم لأبي، وابن عمّ لنا بمصر، في يوم واحد، فخلّفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إليّ بأسرها، فوصلت في وقت واحد، وأنا بين القطن، كما رأيت، فحمدت الله، واعتقدت أن لا أبذّر، وأن أدبّر، وأعيش بها إلى أن أموت، وأنفقها على اقتصاد. فعمّرت هذه الدار، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان، بخمسة آلاف دينار، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار [٦١ ب] ، عدّة للحوادث، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار، تغلّ لي في كلّ سنة، مقدار نفقتي، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة، ويفضل لي في كلّ سنة إلى وقت ورود الغلّات، شيء آخر، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين، وأمري يمشي على هذا. وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنّي أحببت أن ترى رجوع حالي، ومن دوام صلاحها، واستقامتها، أن لا أعاشرك، يا عاضّ بظر أمّه، أبدا، خذوا يا غلمان برجله. فجرّوا والله برجلي، وأخرجوني، ولم يدعوني أتمّم شربي عنده ذلك اليوم. وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكبا. فيضحك إذا رآني، ولا يعاشرني، ولا أحدا من تلك الطبقة «٣» . ويبعد في نفسي، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد، والزجاج، [٥٥ ط] فإن هذا عندي، لا تسمح به نفس مجنون.

стр. 212

٩٤ ابن الدكيني يرث عن والده خمسمائة ألف دينار ولكن قد حكي: أنّ رجلا من أولاد التجّار ببغداد، يقال له: ابن الدكينيّ، وخبره مشهور ببغداد، مات أبوه، فخلّف عليه «١» خمسمائة ألف دينار، فلعب بها لعبا لم يسمع قط بأعظم منه. وكان يضاهي المقتدر، وإذا بلغه أنّه عمل شيئا من ألوان اللذة والطيب واللعب، عمل ما يقاربه من جنسه. وإنّه كان يجذر دائما بمائتي دينار في يوم، وينثر على المغنّيات خمسة آلاف درهم «٢» ، وعشرة آلاف درهم «٣» ، غير دفعة، ويهب لهم الخلع، كلّ خلعة بثلاثة آلاف درهم، وألفي درهم، ومائة دينار. ويهب منها في مجلس، عشر خلع، وخمس عشرة خلعة «٤» ، يخرجها من دكّان أبيه من التخوت، فيهبها. وإنّه كان إذا أصبح مخمورا، أحضر الثياب الدبيقيّ، فتخرّق بحضرته باليد، عصائب للفصد، ويقول «٥» : لا يزيل خماري غير سماع أصواتها. وإنّه أنفق في فصاد «٦» فصدته عشيقته، ثلاثة آلاف دينار. وأشياء من هذا السّرف.

стр. 213

وإنّه لما لم يبق له إلّا نحو خمسين ألف دينار من ماله، تاب من هذا كلّه، ولزم يده «١» ، وتجهز للحجّ. فأنفق فيه، وفي أبواب الثواب «٢» عشرة آلاف دينار. فلما قضى حجّه، وعاد يريد بغداد، مات في طريقه وهو شاب، فورث ورثته باقي ذلك المال. ٩٥ وآخر بالبصرة ورث عن والده مائة ألف دينار وسمعت بعض الطيّاب «٣» ، يقول، وقد جرى ذكر رجل عندنا بالبصرة، ورث مقدار مائة ألف دينار «٤» ، فتقاين بها في سنين قريبة، وعاد فقيرا. فقال له ذلك الرجل: يا أخي فرسخ قراضة في هذا العمل بضاعة «٥» .

стр. 214

٩٦ تاجر من العسكر يحاسب ولده على ما أتلف من المال حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: كان بالعسكر «١» رجل تاجر، موسر من التجّار، يقال له أحمد بن عمر بن حفص، فخرج إلى أصفهان، فأنفق ابن له من ماله في القيان، ثلاثة آلاف دينار، وكوتب بذلك، فعاد. فلما اجتمعا، طالبه بالحساب، فدافع. فقال له أبوه يوما: إلى كم تدافع بالحساب، وقد بلغني خبر ما أتلفت فيه المال؟ فإن كنت استفدت بذلك عقلا، وعلما بالزمان، وحنّكتك الشدائد والأمور، وأدّبتك، فليس هذا بغال، بهذا القدر من مالي، فإنّه مالك، وإن لم تكن أفدت ذلك، فإن المصيبة فيك عندي، أعظم من المصيبة بذهاب المال.

стр. 215

٩٧ أحمد الخراساني صاحب ابن ياقوت وحدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: كان أحمد بن محمّد الخراسانيّ، الذي صار بعد ذلك، صاحبا لابن ياقوت «١» ، جاءني وقد ورث خمسين ألف درهم، في أوّل عمره، فدخل دار الزكوريّة المغنّية، وتعشّق جارية لها، كانت [٦٢ ب] مشهورة ببغداد، بالحسن والظرف، وطيب الغناء، يقال لها زهرة «٢» ، كان الأحداث ببغداد قد استهتروا بها. فقالت الزكوريّة: أراك قد عشقت جاريتي هذه، فكم معك؟ قال: خمسين ألف درهم، قالت: هذه دور بلا نحبة «٣» . فما مضت إلّا أيّام، حتى أتلفها، فرأيته بجبّة لا قميص تحتها ولا فوقها، يمشي حافيا، ثم صنع الله له بعد ذلك، [وخدم ابن ياقوت، فأثرى وعقل] «٤» .
следующие страницы →