← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

٢٥ عدد الخدم والفراشين في قصر الخلافة حدّثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدّثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم «١» ، قال: حدّثني أبي «٢» قال: قال أبو القاسم علي بن محمد الخوارزمي، في وصف أيام المقتدر بالله «٣» ، وقد جرى حديثه، وعظم أمره، وكثرة الخدم في داره: قد اشتملت الجريدة «٤» على أحد عشر ألف خادم خصي، وكذا، من صقلبيّ «٥» وروميّ «٦» وأسود. وقال: هذا جنس واحد ممن تضمنه الدار، فدع الآن الغلمان الحجرية، وهم ألوف كثيرة، والحواشي من الفحول. وقال أيضا: حدّثني أبو الفتح عن أبيه وعمّه، عن أبيهما [عن] أبي الحسن علي بن يحيى «٧» : أنّه كانت عدّة كل نوبة من نوب الفرّاشين في دار المتوكّل على الله، أربعة آلاف فراش، قالا: فذهب علينا أن نسأله، كم نوبة كانوا «٨» . تاريخ بغداد للخطيب ١/١٠٠

стр. 1542

٢٦ من شعر صاحب النشوار أنشدنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي «١» ، قال: أنشدني أبي «٢» لنفسه: يوم سرقنا العيش فيه خلسة ... في مجلس بفناء دجلة مفرد رقّ الهواء برقّة «٣» قدّامه ... فغدوت رقّا للزمان المسعد فكأنّ دجلة طيلسان «٤» أبيض ... والجسر فيها كالطراز «٥» الأسود تاريخ بغداد للخطيب ١/١١٧

стр. 1543

٢٧ الوزير ابن الفرات يقيّد، ويغلّ، ويلبس جبة صوف نقعت بماء الأكارع حدث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي، قال: حدّثني أبو الحسين علي بن هشام «١» ، قال: كنت حاضرا مع أبي «٢» ، مجلس أبي الحسن بن الفرات «٣» ، في شهر ربيع الآخر، سنة خمس وثلاثمائة، في وزارته الثانية «٤» ، فسمعته يتحدّث، ويقول: دخل إليّ أبو الهيثم، العباس بن محمد بن ثوابة الأنباري «٥» ، في محبسي في دار المقتدر بالله «٦» وطالبني بأن أكتب له خطي بثلاثة عشر ألف ألف دينار.

стр. 1544

فقلت: هذا مال ما جرى على يدي للسلطان في طول أيام ولايتي، فكيف أصادر على مثله؟. قال: قد حلفت بالطلاق على أنه لا بد أن تكتب بذلك، فكتبت له ثلاثة عشر ألف ألف، ولم أذكر درهما ولا دينارا. فقال: اكتب دينارا لأبرأ من يميني، فكتبت، وضربت عليه، وخرقت الرقعة، ومضغتها. وقلت: قد برّت يمينك، ولا سبيل بعد ذلك إلى كتب شيء، فاجتهد، ولم أفعل. ثمّ عاد إليّ من غد، ومعه أم موسى القهرمانة «١» ، وجدّد مطالبتي، وأسرف في شتمي، ورماني بالزنا، فحلفت بالطلاق والعتاق، وتمام الأيمان الغموس «٢» ، أنّني ما دخلت في محظور من هذا الجنس، منذ نيف وثلاثين سنة، وسمته أن يحلف بمثل يميني، على أن غلامه القائم على رأسه، لم يأته في ليلته تلك. فأنكرت أم موسى هذا القول، وغطت وجهها حياء منه. فقال لها ابن ثوابة: هذا رجل بطر بالأموال التي معه، ومثله، مثل المزيّن مع كسرى، والحجّام مع الحجّاج بن يوسف، فتستأمرين السادة في إنزال المكروه به، حتى يذعن بما يراد منه. وكان قوله السادة، إشارة إلى المقتدر بالله «٣» ، والسيدة والدته «٤» ،

стр. 1545

وخاطف «١» ، ودستنبويه أم ولد المعتضد بالله، وهم إذ ذاك مستولون على التدبير «٢» لصغر سن المقتدر بالله «٣» . فقامت أم موسى، وعادت، وقالت لابن ثوابة: يقول لك السادة: قد صدقت فيما قلت، ويدك مطلقة فيه. قال ابن الفرات: وكنت في دار لطيفة «٤» ، والحرّ شديد، فتقدّم بتنحية البواري «٥» عن سمائها، حتى نزلت الشمس إلى صحنها «٦» ، وإغلاق أبواب بيوتها، فحصلت في الشمس، من غير أن أجد مستظلا منها، ثمّ قيّدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف، قد نقعت في ماء الأكارع «٧» ، وغلّني بغلّ، وأقفل باب الحجرة وانصرف. فأشرفت على التلف، وعددت على نفسي ما عاملت به الناس، فوجدتني، قد عملت كل شيء منه، من مصادرة، ونهب، وقبض ضياع، وحبس، وتقييد، وتضييق، وإلباس جباب الصوف، وتسليم قوم إلى أعدائهم، وتمكينهم من مكروههم، ولم أذكر أنّي غللت أحدا، فقلت: يا نفس هذه زيادة. ثم فكّرت أنّ النرسي، كاتب الطائي، ضمني من عبيد الله بن سليمان «٨» ،

стр. 1546

فلم يسلمني إليه، وسلّمه إليّ، فسلّمته إلى الحسن المعلوف، المستخرج، وكان عسوفا، وأمرته بتقييده، وتعذيبه، ومطالبته بمال حددته له، وألطّ «١» ، ولم يؤدّ، فتقدّمت بغلّه، ثم ندمت بعد أن غلّ مقدار ساعتين، وأمرت بإنزال الغلّ عنه. وتجاوزت الساعتين وأنا مغلول، فذكرت أمرا آخر، وهو أنّه لما قرب سبكرى «٢» مأسورا مع رسول صاحب خراسان «٣» ، كتبت إلى بعض عمال المشرق «٤» ، بمطالبته بأمواله، وذخائره، فكتب بإلطاطه وامتناعه، فكتبت بأن يغلّ، ثم كتبت بعد ساعتين كتابا ثانيا بأن يحلّ، فوصل الكتاب الأول وغلّ، وتلاه الثاني بعد ساعتين، فحلّ. فلما تجاوزت عنّي أربع ساعات، سمعت صوت غلمان مجتازين في الممرّ الذي فيه حجرتي، فقال الخدم الموكلون بي: هذا بدر الحرمي، وهو صنيعتك. فاستغثت به وصحت: يا أبا الخير، لي عليك حقوق، وأنا في حال أتمنّى معها الموت، فتخاطب السادة، وتذكّرهم حرمتي، وخدمتي في تثبيت دولتهم «٥» ، لما قعد الناس عن نصرتهم، وافتتاحي البلدان المأخوذة «٦» ،

стр. 1547

واستيفائي الأموال المنكسرة، وإن لم يكن إلّا مؤاخذتي بذنب ينقم عليّ، فالسيف، فإنّه أروح. فرجع، ودخل إليهم، وخاطبهم، ورقّقهم، فأمروا بحلّ الحديد كلّه عنّي، وتغيير لباسي، وأخذ شعري، وإدخالي الحمّام، وتسليمي إلى زيدان «١» ، وراسلوني: بأنك لا ترى بعد ذلك بأسا، وأقمت عند زيدان، مكرما، إلى أن رددت إلى هذا المجلس «٢» . قال أبو الحسين: ثم ضرب الدهر ضربه، فدخلت إليه مع أبي، في الوزارة الثالثة «٣» ، وقد غلب المحسّن «٤» على رأيه وأمره. فقال له أبي: قد أسرف أبو أحمد، في مكاره الناس، حتى انّه يضرب من لو قال له: اكتب خطّك بما يريده منه، لكتب من غير ضرب، ثم يواقف المصادر على الأداء في وقت بعينه، فإن تأخّر إيراد الروز به، أعاد ضربه، وفي هذا الفعل شناعة، مع خلوّه من فائدة. فقال له أبو الحسن: يا أبا القاسم، لو لم يفعل أبو أحمد، ما يفعله، بأعدائنا، ومن أساء معاملتنا، لما كان من أولاد الأحرار، ولكان نسل

стр. 1548

هوان، أنت تعلم أنّني قد أحسنت إلى الناس دفعتين، فما شكروني، وسعوا على دمي، وو الله لأسلكنّ بهم ضدّ تلك الطريقة. فلمّا خرجنا من حضرته، قال لي أبي: سمعت أعجب من هذا القول؟ إذا كنّا لم نسلم مع الإحسان، نسلم مع الإساءة؟ فما مضى إلّا أيام يسيرة، حتى قبض عليه، وجرى ما جرى في أمره. قال القاضي أبو علي التنوخي: قلت لأبي الحسين بن هشام: قد عرفنا خبر المزيّن مع كسرى، وهو أنه جلس ليصلح وجهه، فقال له: أيّها الملك زوّجني بنتك، فأمر بأن يقام، فأقيم. وقيل له: ما قلت؟ فقال: لم أقل شيئا، ففعل به ذلك ثلاث دفعات. فقال الملك: لهذا المزيّن خطب، وأحضر أهل الرأي، فأخبرهم بحاله. فقال جميعهم: ما أنطق هذا المزيّن، إلّا باعث بعثه من مال وراء ظهره، فأنفذ إلى منزله، فلم يوجد له شيء. فقال الملك: احفروا مكان مقعده عند خدمته لي، فحفر، فوجد تحته كنز عظيم. فقال الملك: هذا الكنز كان يخاطبني. ثم قلت لأبي الحسين: فهل تعرف خبر الحجّام، مع الحجّاج؟ فقال: نعم، بلغنا أنّ الحجاج «١» ، احتجم ذات يوم، فلما ركّب الحجّام المحاجم على رقبته، قال: أحبّ أيها الأمير، أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث «٢» ،

стр. 1549

وكيف عصى عليك. فقال له: لهذا الحديث وقت آخر، وإذا فرغت من شأنك، حدّثتك، فأعاد مسألته، وكرّرها، والحجاج يدفعه، ويعده، ويحلف له على الوفاء له. فلما فرغ، ونزع المحاجم عنه، وغسل الدم، أحضر الحجّام، وقال له: إنّا وعدناك بأن نحدّثك حديث ابن الأشعث، وحلفنا لك، ونحن محدّثوك، يا غلام، السياط، فأتي بها. فأمر الحجّاج بالحجّام، فجرّد، وعلته السياط، وأقبل الحجّاج يقصّ عليه قصّة ابن الأشعث، بأطول حديث، فلما فرغ استوفى الحجّام خمسمائة سوط، فكاد يتلف. ثم رفع الضرب، وقال له: قد وفينا لك بالوعد، وأيّ وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث، على هذا الشرط، أجبناك «١» . الوزراء للصابي ١١٨

стр. 1550

٢٨ الوزير ابن الفرات يتناول رقعة فيها سبّه وشتمه وتهديده حدّث القاضي أبو علي التنوخي، قال: حدّثني أبو الحسين بن هشام «١» ، قال: حدّثني أبو علي بن مقلة «٢» ، قبل وزارته «٣» ، قال: عزم أبو الحسن بن الفرات «٤» ، في وزارته الأولى «٥» ، يوما على الصبوح من غد، وكان يوم الأحد من رسمه أن يجلس للمظالم فيه. ثم قال: كيف نتشاغل نحن بالسرور، ونصرف عن بابنا قوما كثيرين، قد قصدوا من نواح بعيدة، وأقطار شاسعة، مستصرخين، متظلّمين؟ فهذا من أمير، وهذا من عامل، وهذا من قاض، وهذا من متعزّز، ويمضون مغمومين، داعين علينا، والله، ما أطيب نفسا بذلك. ولكن أرى أن تجلس أنت يا أبا علي ساعة، ومعك أحمد ابن عبيد الله بن رشيد، صاحب ديوان المظالم «٦» ، وتستدعيا

стр. 1551

القصص «١» ، وتوقّعا منها فيما يجوز توقيعكما فيه، وتفردا ما لا بدّ من وقوفي عليه، وتحضرانيه لأوقّع فيه، وينصرف أرباب الظلامات مسرورين، وأتهنّأ يومي بذلك. فقلت: السمع والطاعة، وبكرت من غد. فقال لي: اخرج، واجلس، على ما واقفتك عليه، فخرجت ومعي ابن رشيد، وجلسنا ووقّعنا في جمهور ما رفع، إلّا عشر رقاع ممّا يحتاج إلى وقوفه عليها، وتوقيعه بخطّه فيها، وكان منها رقعة كبيرة ضخمة، ترجمتها: المتظلمون من أهل روذمستان، وهرمزجرد، وهما ناحيتان من السيب الأسفل «٢» وجنبلاء «٣» ، وكانت إذ ذاك في إقطاع السيدة «٤» ، وقدّرت

стр. 1552

أنّها ظلامة من وكيلها، في تغيير رسم «١» ، أو نقص طسق «٢» ، فجعلتها فيما أفردته. وعدت إلى أبي الحسن، فعرّفته ما جرى، فأخذ الرقاع، ولم يزل يوقّع فيها، إلى أن انتهى إلى هذه الرقعة، فقرأها، ووجهه يربدّ ويصفرّ، وينتقل من لون إلى لون، فضاق صدري، وندمت على ترك قراءتها، وقلت: لعلّ فيها أمرا يتّهمني فيه، وأخذت ألوم نفسي على تفريطي فيما فرّطت فيه. وفرغ منها، فكتمني ما وقف عليه فيها، وقال: هاتوا أهل روذمستان وهرمزجرد. فصاح الحجّاب دفعات، فلم يجب أحد، وقام وهو مهموم منكسر، ولم يذاكرنا بأمر أكل ولا شرب، ودخل بعض الحجر، وتأخّر أكله، وزاد شغل قلبي. وقلت لخليفة لساكن- صاحب الدواة- وكان أميّا «٣» : أريد رقعة لابن بسّام الشاعر «٤» ، عليها خرج لأقف عليه، ولم أزل أخدعه، حتى مكّنني من تفتيش ما هو مع الدواة «٥» ، ولو كان ساكن حاضرا لما تمّ لي ذلك.

стр. 1553

وأخذت الرقعة، فإذا هي رقعة بعض أعداء ابن الفرات، وقد قطّعه فيها بالثلب، والطعن، وتعديد المساوىء، والقبائح، وهدّده بالسعاية. وقال فيما قاله: قد قسمت الملك بين نفسك وأولادك، وأهلك وأقاربك، وكتّابك وحواشيك، واطّرحت جميع الناس، وأقللت الفكر في عواقب هذه الأفعال، وما ترضى لمن تنقم عليه، بالإبعاد وتشتيت الشمل، حتى تودعهم الحبوس، وتفعل وتصنع، وختمها بأبيات هي: لو كان ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما ساء من حادث أو سرّ مطرّدا وقد سكنت إلى أنّي وأنّكم ... سنستجدّ خلاف الحالتين غدا قال: وبطل صبوح ابي الحسن، ودعانا وقت الظهر، فأكلنا معه على الرسم، ولم أزل أبسطه، وأقول له أقوالا تسكّنه، إلى أن شرب بعد انتباهه من نومه، غبوقا «١» . ومضى على هذا اليوم أربعة أشهر، وقبض عليه «٢» ، واستترت عند الحسين بن عبد الأعلى. فلما خلع على أبي علي محمد بن عبيد الله بن خاقان «٣» ، جلسنا نتحدّث، ونتذاكر أمر ابن الفرات. فقال لي ابن عبد الأعلى: كنت جالسا في سوق السلاح، أنتظر جواز

стр. 1554

الخاقاني بالخلع، لأقوم إليه وأهنّئه، فاتّفق معي رجل شاب، حسن الهيأة، جميل البزّة، وحدّثني انّه صاحب لأبي الحسين محمد بن أحمد بن أبي البغل «١» ، وانّه أنفذه من أصبهان، قاصدا، حتى دسّ إلى ابن الفرات، رقعة على لسان بعض المتظلّمين، فيها كل طعن، وثلب، ودعاء، وسبّ، وتوعّد، وتهدّد، وفي آخرها شعر. فقلت له: على رسلك، هذه الرقعة على يدي جرت، ووصلت إلى ابن الفرات. وخرج الحديث متقابلا. الوزراء للصابي ١٢٢

стр. 1555

٢٩ الوزير أبو علي بن مقلة يشيد بمآثر الوزير ابن الفرات وحدّث القاضي أبو عليّ، قال: حدّثني أبو الحسين بن هشام «١» ، قال: قال: سمعت أبي «٢» يقول لأبي علي بن مقلة «٣» ، في أوّل وزارته الأولى «٤» ، وقد جلس مجلسا تقصّى فيه الأعمال، وبان منه فضل كفاية واستقلال: العمل في يد الوزير أيّده الله، ذليل. فقال: على هذه الحال نشأنا، يا أبا القاسم، وأخذناها عمّن كانت الدنيا والمملكة، يطرحان الأثقال عليه، فينهض بها، يعني أبا الحسن بن الفرات «٥» . ثم قال أبو علي: لقد رأيته جالسا في الديوان للمظالم، والوزير إذ ذاك، القاسم بن عبيد الله «٦» ، فتظلّم إليه رجل من رسم ثقّله عليه الطائي «٧» ، وغيّر

стр. 1556

به رسما له قديما خفيفا، ويسأل ردّه إلى ما كان عليه أولا. فردّ يقول: قد سمتني أن أبطل رسما، قرره أبو جعفر الطائي- ﵀ مع محلّه من العدل، والثقة، والبصيرة بأسباب العمارة، وقد درّت على يده الأموال، وصلحت الأحوال، وأحمده الجمهور، واستقامت عليه الأمور، وهذا سوم إعنات، وكتب بحمله على ما رسمه أبو جعفر. ثم رأيت، مرة ثانية، متظلّما آخر، من رسم ثقيل خفّفه الطائي، لعلمه بأن الضيعة لا تحتمل غيره، وقد اعترض عليه فيه، ويسأل إجراءه على رسم الطائي. فردّ يقول له: يا بارك الله عليك، ليس الطائي أبا بكر الصدّيق، أو عمر بن الخطاب، أو علي بن أبي طالب، الذين نقتفي آثارهم، ونمضي أفعالهم، وإنما الطائي، ضامن عمل، رأى ما رآه حظّا لنفسه، وما يلزم السلطان تقريره، وأنت معنت في تظلّمك، وكتب بأن يجري على الرسم القديم الثقيل. وخاطب كلّا من الرجلين، بلسان غير اللسان الآخر، شحّا على الأموال وحفظا لها. الوزراء للصابي ١٢٤

стр. 1557

٣٠ الوزير العباس بن الحسن يستشير كبار الكتاب في اختيار من يخلف المكتفي حدّث أبو علي التنوخي، قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي الكاتب «١» ، قال: حدّثني غير واحد من كتّاب الحضرة «٢» ، أنّ أبا أحمد العباس بن الحسن «٣» لما مات المكتفي بالله «٤» ، جمع كتّابه، وخواصّه، وخلا بهم، وشاورهم فيمن يقلّده الخلافة، فأجمعوا، وأشاروا على العباس، بعبد الله بن المعتزّ «٥» ، إلّا أبا الحسن بن الفرات «٦» فإنّه أمسك. فقال له العباس: لم أمسكت، ولم تورد ما عندك؟ فقال: هو أيّها الوزير، موضع إمساك. قال: ولم؟ قال: إنّه وجب أن ينفرد الوزير- أعزّه لله- بكل واحد منّا،

стр. 1558

فيعرف رأيه، وما عنده، ثم يجمع الآراء، ويختار منها بصائب فكره، وثاقب نظره ما شاء، فإمّا أن يقول كل واحد رأيه، بحضرة الباقين، فربّما كان عنده، ما يسلك سبيل التقيّة في كتمانه وطيّه. قال: صدقت والله، قم معي، فأخذ يده، ودخلا، وترك الباقين بمكانهم. فقال له ابن الفرات: قررت رأيك على ابن المعتز؟ قال: هو أكبر من يوجد. قال: وأيّ شيء تعمل برجل فاضل، متأدّب، قد تحنّك، وتدرّب، وعرف الأعمال، ومعاملات السواد، وموقع الرغبة في الأموال، وخبر المكاييل والأوزان، وأسعار المأكولات والمستغلّات، ومجاري الأمور والتصرّفات، وحاسب وكلاءه على ما تولّوه، وضايقهم، وناقشهم، وعرف من خياناتهم واقتطاعاتهم، أسباب الخيانة والاقتطاع التي يدخل فيها غيرهم، فكيف يتمّ لنا معه أمر، إن حمل كبيرا على صغير، وقاس جليلا على دقيق، هذا لو كان ما بيننا وبينه عامرا، وكان صدره علينا من الغيظ خاليا، فكيف وأنت تعرف رأيه. قال العباس: وأيّ شيء في نفسه علينا؟ قال: أنسيت أنّه منذ ثلاثين سنة، يكاتبك في حوائجه، فلا تقضيها، ويسألك في معاملاته فلا تمضيها، وعمالك يصفعون وكلاءه فلا تنكر، ويتوسّل في الوصول إليك ليلا، فلا تأذن، وكم رقعة جاءتك بنظم ونثر، فلم تعبأ بها، ولا أجبته إلى مراده فيها، وكم قد جاءني منه، ما هذا سبيله، فلم أراع فيه وصولا إلى ما يريد إيصاله إليه، وهل كان له شغل عند مقامه في منزله، وخلوته بنفسه، إلّا معرفة أحوالنا، والمساءلة عن ضياعنا، وارتفاعنا، وحسدنا على نعمتنا، هذا، وهو يعتقد أنّ الأمر كان له ولأبيه

стр. 1559

وجدّه، وأنّه مظلوم منذ قتل أبوه، مهضوم، مقصود، مضغوط، فكيف يجوز أن نسلّم إليه نفوسنا، فتحرس، فضلا عن أموالنا؟ فقال العباس: صدقت والله، يا أبا الحسن، فمن يقلّد، وليس هاهنا أحد؟ قال: تقلّد جعفر» بن المعتضد «٢» ، فإنّه صبي، لا يدري أين هو، وعامّة سروره، أن يصرف من المكتب، فكيف أن يجعل خليفة، ويملك الأعمال والأموال، وتدبير النواحي، والرجال، ويكون الخليفة بالاسم، وأنت هو على الحقيقة، وإلى أن يكبر، قد انغرست محبّتك في صدره، وحصلت محصل المعتضد في نفسه. قال: فكيف يجوز أن يبايع الناس صبيّا، أو يقيموه إماما؟ فقال له: أما الجواز فمتى اعتقدت أنت، أو نحن، إمامة البالغين من هؤلاء القوم؟ وأما إجابة الناس، فمتى فعل السلطان شيئا فعورض فيه، أو أراد أمرا فوقف؟ وأكثر من ترى صنائع المعتضد، وإذا أظهرت أنّك اعتمدت في ذلك مراعاة حقه، وإقرار الأمر في ولده، وفرّقت المال، وأطلقت البيعة، وقع الرضا، وسقط الخلاف، وطريق ما تريده، أن تواقف بعض أكابر القوّاد، وعقلاء الخدم، على المضي إلى دار ابن طاهر «٣» وحمله- يعني جعفر بن المعتضد- إلى دار الخلافة، وأن تستر الأمر إلى أن يتمّ التدبير، وإن اعتاص معتاص، مدّ بالعطاء والإحسان.

стр. 1560

فقال العباس: هذا هو الرأي، واستدعى في الحال، مؤنسا «١» مولى المعتضد، وأورد عليه، ما ذهب فيه إلى الجنس الذي أشار به أبو الحسن، من الوفاء للمعتضد، ورعاية ما كان منه في اصطناع الجماعة، ورسم له قصد دار ابن طاهر، وحمل جعفر إلى دار الخلافة «٢» ، والسلام عليه بها، ففعل. وماج الجند، ففرّق فيهم مال البيعة، ودخل عليهم من طريق الوفاء للمعتضد، وتمّ التدبير. فلما زال أمر العباس، وكان من قتله ما كان «٣» ، وانتظمت الأمور بعد قتل ابن المعتز «٤» ، وتقلّد أبو الحسن الوزارة «٥» ، صارت ثمرة هذا الرأي له. وكان يقف بين يدي المقتدر بالله، وهو صبي، قاعد على السرير، فيخاطب الناس، والجيش، عنه، فإذا انصرفوا، أمرت السيدة «٦» ، بأن يعدل بأبي الحسن إلى حجرة، فيجلس فيها، ويخرج المقتدر، فيقوم إليه، فيقبّل يده ورأسه، ثم يقعد، ويقعده في حجره، كما يفعل الناس بأولادهم. وتقول له السيدة من وراء الباب: هذا يا أبا الحسن ولدك، وأنت قلّدته الخلافة، أولا، وثانيا، تعني ما تقدّم من مشورته على العباس به، وبتقلّده الخلافة، من بعد إزالة فتنة ابن المعتز.

стр. 1561

فيقول ابن الفرات: هذا مولاي، وإمامي، وربّ نعمتي، وابن مولاي، وإمامي. وبقي على ذلك، مدة وزارته الأولى «١» ، وتمكّن أبو الحسن من الخزائن والأموال، وفعل ما شاء وأراد. الوزراء للصابي ١٣٠

стр. 1562

٣١ الوزير ابن الفرات يتحدّث عن تلوّن المقتدر واختلاف رأيه وحدّث أبو محمد الصلحي «١» ، قال: حدّثنا جماعة من كتّاب أبي الحسن بن الفرات، وخواصّه قالوا: عاد أبو الحسن من الموكب «٢» يوما، فجلس بسواده «٣» مغموما، يفكّر فكرا طويلا، فشغل ما رأينا منه قلوبنا، وظننّاه لحادث حدث. فسألناه عن أمره، فدافعنا، وألححنا عليه، فحاجزنا، وقال: ما هاهنا إلّا خير وسلامة. فقام ابن جبير «٤» وكان من بيننا متهوّرا مدلّا، فقال: تأمر أيها الوزير بأمر؟ قال: إلى أين؟ قال: أستتر، وأستر عيالي، وسبيل هؤلاء الذين بين يديك أن يفعلوا مثل فعلي. قال: ولم؟ قال: تعود من دار الخلافة، وأنت من الغمّ الظاهر في وجهك، على

стр. 1563

هذه الصورة، ونسألك عن أمرك فتكتمنا، ولم تجر عادتك بذلك معنا، وهل وراء هذا إلّا القبض والصرف؟ فقال له: اجلس يا أحمق، حتى أحدّثك السبب، فجلس. وقال: ويحكم، قد علمتم أنّني أشكو إليكم نقصان هذا الرجل- يعني المقتدر- دائما، وشدّة تلوّنه، واختلاف رأيه، وأنّي أحب منذ مدّة، أن أروزه «١» ، وأعرف قدر ذلك منه، وهل هو في كل الأمور، أو في بعضها، وفي صغارها أم في كبارها؟ فقلت له اليوم في أمر رجل كبير- ولم يسمّه ابن الفرات- يا أمير المؤمنين، إنّ فلانا قد فسد علينا، وليس مثله من أخرج من أيدينا، وقد رأيت أن أقلّده كذا، وأقطعه، وأسوّغه كذا- وأكثرت- لنستخلصه بذلك، ونستصلح نيّته، ونستديم طاعته، ولم يجز أن أفعل أمرا إلّا بعد مطالعتك، فما تأمر؟ قال: افعل. ثم حدّثته طويلا، وخرجت من أمر إلى آخر، وقرب وقت انصرافي. فقلت له: يا مولانا، عاودت الفكر في أمر فلان، فوجدت أنّ ما نعطيه إيّاه، ممّا استأذنت فيه، كثيرا، مؤثّرا في بيت المال، ولا نأمن أن يطمع نظراؤه في مثل ذلك، وإن أجبناهم، عظمت الكلفة، وإن منعناهم فسدوا، وقد رأيت رأيا آخر في أمره. قال: ما هو؟ قلت: أن نقبض عليه، ونأخذ نعمه، ونخلّده الحبس أبدا. قال: افعل.

стр. 1564

فقلت: وا ويلاه، كذا والله تجري حالي معه، يقال له: إنّ ابن الفرات، الكافي، الناصح، وهو وطّأ لك الأمر، وأقامك في الخلافة، وهو ... وهو، فيقول: نعم، ويقرّبني، ويقدّمني. ثم يقف غدا بين يديه، رجل، فيقول: قد سرق ابن الفرات الأموال، ونهب الأعمال، وفعل، وصنع، والوجه أن يقبض عليه، ويصرف، ويقيّد، ويحبس، ويقلّد وزير آخر، فيقول: نعم، ويفعل ذلك بي. ثم يعاود، ويقال له: لا يجوز أن يوحش ابن الفرات، ويستبقى، ولا يؤمن أن يستفسد، ويترك، والصواب قتله، فيقول: افعلوا، فأهلك. قال: واستشعر هذا، فكان على ما قدّره «١» . وقد تواترت هذه الحكاية، عن جماعة، عنه. الوزراء للصابي ١٣٣

стр. 1565

٣٢ من أقوال الوزير أبي الحسن بن الفرات وممّا ذكر عن ابن الفرات «١» ، أنّه كان يقول: تمشية أمور السلطان على الخطإ، خير من وقوفها على الصواب. ويقول أيضا: إذا كانت لك حاجة إلى الوزير، فاستطعت أن تقضيها بخازن الديوان، أو كاتب سره، فافعل، ولا تبلغ إليه فيها «٢» . الوزراء للصابي ١٣٥

стр. 1566

٣٣ الوزير أبو علي بن مقلة يتحدّث عن سياسة الوزير ابن الفرات ووفور عقله وحدّث «١» أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي «٢» ، قال: حدّثني أبو علي ابن مقلة «٣» ، قال: كنت أكتب لأبي الحسن بن الفرات «٤» ، في التحرير، أيام خلافته أبا العباس أخاه «٥» ، على ديوان السواد، بجاري عشرة دنانير في كل شهر، ثم تقدّمت حاله، فأرزقني ثلاثين دينارا، في كل شهر، فلما تقلّد الوزارة «٦» ، جعل رزقي خمسمائة دينار في الشهر. ثم أمر بقبض ما في دور القوم الذين بايعوا ابن المعتز «٧» ، فحمل في الجملة صندوقان. فسأل: هل علمتم ما فيها؟ قالوا: نعم: جرائد بأسماء من يعاديك، ويدبّر في زوال أمرك. فقال: لا يفتحان، ثم دعا بنار، دعاء كرّره، وصاح فيه، وأحضر الفراشون النار فأجّجت، وتقدم بطرحهما في النار، على ما هما.

стр. 1567

فلما أحرقت، أقبل على من كان حاضرا، وقال: والله لو فتحتها، وقرأت ما فيها، لفسدت نيات الناس كلّهم علينا، واستشعروا الخوف منا، ومع فعلنا ما فعلناه، طوينا الأمور بهذا، فهدأت القلوب، واطمأنت النفوس «١» . ثم قال لي: قد آمن الله، والخليفة- أعزّه الله- كلّ من بايع ابن المعتز، فاكتب الأمانات للناس جميعا، وجئني بها لأوقّع فيها، ولا تردّ أحدا عن أمان يطلبه، فقد أفردتك لذلك، لأنّه باب مكسب كبير. وقال لمن حضر: أشيعوا قولي، وتحدّثوا به بين الخاص والعام، ليأنس المستوحش، ويأمن المستتر. قال أبو علي: فحصل لي من كتب الأمانات، مائة ألف دينار، أو نحوها. الوزراء للصابي ١٣٥

стр. 1568

٣٤ وزير يسرق سبعمائة ألف دينار في عشر خطوات قال أبو محمد الصلحي «١» : قال لنا أبو علي بن مقلة «٢» ، وقد جرى ذكر ابن الفرات «٣» : يا قوم سمعتم بمن سرق في عشر خطوات سبعمائة ألف دينار؟ قلنا: كيف ذلك؟ قال: كنت بين يدي ابن الفرات في وزارته الأولى «٤» ، ونحن في دار الخلافة، نقرّر أرزاق الجيش، ونقيم وجوه مال البيعة «٥» ، ونرتّب إطلاقه، وذلك عقيب فتنة ابن المعتز «٦» . فلما فرغ ممّا أراده، وخرج، فركب طيّاره، وبلغ نهر المعلّى، قال: إنّا لله، إنّا لله، قفوا. فوقف الملّاحون. فقال لي: وقّع إلى أبي خراسان، صاحب بيت المال، بحمل سبعمائة ألف دينار، تضاف إلى مال البيعة وتفرّق على الرجال. فقلت في نفسي: أليس قد وجّهنا وجوه المال كلّه؟ ما هذه الزيادة؟

стр. 1569

ووقّعت بما رسمه، وعلّم فيه بخطه، ودفعه إلى غلام، وقال: لا تبرح من بيت المال، حتى تحمل هذا المال الساعة إلى داري، ثم سار. قال: فحمل إليه بأسره، وسلّم إلى خازنه، فعلمت أنّه أنسي أن يأخذ شيئا لنفسه في الوسط، ثم ذكر أنّه باب لا يتّفق مثله سريعا، ويحتمل ما احتمله من هذا الاقتطاع الكثير، فاستدرك من رأيه ما استدرك، وتنبّه من فعله، على ما تنبّه «١» . الوزراء للصابي ١٣٣

стр. 1570

٣٥ الظلم إذا زاد رفع نفسه حدّث القاضي أبو علي «١» ، قال: حدّثني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله «٢» ، قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي «٣» ، قال: قال لنا أبو الحسن بن الفرات «٤» يوما، وقد جرى بحضرته ذكر رجل قد أسرف في الظّلم «٥» : الظلم إذا زاد رفع نفسه «٦» . الوزراء للصابي ٢٣٨

стр. 1571

٣٦ ما يرتفع لابن الفرات ولعلي بن عيسى من ضياعها حدّث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي، قال: حدّثني أبو طاهر المحسّن بن محمد بن الحسن الجوهري «١» ، المعروف بالمقنعي، أحد الشهود، قال: حدّثني أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى «٢» : أنّه كان يرتفع لأبيه «٣» ، من ضياعه في كل سنة، عند الاعتزال والعطلة، بعد ما ينصرف من النفقة، ثلاثون ألف دينار، ويرتفع من ضياع أبي الحسن علي بن محمد ابن الفرات «٤» ، إذا قبضت عنه، ألف ألف دينار، وإذا وزّر، وردّت عليه، أضعفت «٥» . قال القاضي: واتّفق أن حضر هذا الحديث، أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق الأنباري «٦» ، فقال: حدّثني جماعة من أصحاب أبي الحسن علي بن عيسى، أنّ جميع ما كان يرتفع له في السنة نيف وثمانون ألف دينار، يخرج منها في أبواب البرّ، وسبل الخير، وتفقّد الطالبين، والعباسيين،

стр. 1572

والأنصار، وأولاد المهاجرين، ومصالح الحرمين، نيف وأربعون ألف دينار، ويبقي الباقي لنفقاته، وأنّه كان يسمع الكتّاب يقولون في ضياع أبي الحسن بن الفرات، أنها ترتفع في وزارته بألف دينار، وعند القبض عليه، ودخول يد العمال فيها، بثمانمائة ألف دينار، وأقلّ، وأكثر. الوزراء للصابي ٣٤٨

стр. 1573

٣٧ عادة ابن الفرات في كلامه «بارك الله عليك» ، وعادة علي بن عيسى «والك» حدّث القاضي أبو علي «١» ، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد ابن عياش القاضي «٢» ، قال: كانت عادة أبي الحسن بن الفرات «٣» ، في كلامه، أن يقول للإنسان: بارك الله عليك. ومن عادة أبي الحسن، علي بن عيسى «٤» أن يقول: «والك» ، أو «واك» «٥» . فكان الناس يقولون: لو لم يكن من الفرق بين الرجلين إلّا حسن اللقاء، وصرف ما بين القولين [لكفى] . وحكى أبو محمد الصلحي «٦» ، قال: لما صرف الراضي بالله «٧» ، أبا علي، عبد الرحمن بن عيسى «٨» عن وزارته

стр. 1574

ونكبه، ونكب أبا الحسن علي بن عيسى «١» ، وصادر أبا الحسن على ألف ألف درهم «٢» ، وعبد الرحمن على ثلاثة آلاف دينار «٣» ، وكان ذلك طريفا، وحصل أبو الحسن معتقلا في دار الخلافة «٤» ، وخاف أبو الحسن أن يكون في نفس الراضي بالله عليه، ما يريد معه قتله، فراسلني- يقول هذا أبو محمد، وكان إذ ذاك كاتب أبي بكر بن رائق «٥» - يسألني خطاب الراضي بالله عن صاحبي، في نقله إلى دار وزيره «٦» ، إلى أن يؤدّي ما قرّر عليه أمره. قال: فجئت إلى الراضي بالله، وقلت له: يا أمير المؤمنين، علي ابن عيسى، خادمك وخادم آبائك، ومن قد عرفت محلّه من الصناعة، وموقعه من جمال المملكة، ومن حاله وأمره كذا وكذا. فقال: هو كذلك، ولكن له عندي ذنوب، وأخذ يعدّد ذنوب عبد الرحمن.

стр. 1575

فقلت له: يا مولانا، وأيّ درك يلزمه، فيما قصّر فيه أخوه؟ فقال: سبحان الله، وهل دبّر عبد الرحمن، إلّا برأيه، وأمضى شيئا أو وقفه، إلّا عن أمره، أو أمري إيّاه بأن لا يحلّ ولا يعقد إلّا بموافقته؟ وأقبلت أعتذر له، وأجعل بإزاء كل ذنب حجّة. قال: دع ذا، ما خاطبني قط، إلّا قال: «واك» فهل يتلقّى الخلفاء بمثل ذاك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ هذا طبع له قد ألف منه، وحفظ عليه، وعيب به في أيام خدمته للمقتدر بالله «١» ، رحمة الله عليه، وما استطاع أن يفارقه مع نشئه عليه، وتعوّده إياه. فقال: اعمل على أنه خلق، أما كان يمكنه أن يغيّره مع ما وصفته من فضله وعقله، أو يتحفّظ معي خاصّة فيه، مع قلّة اجتماعي معه، ومخاطبتي إيّاه؟ وما يفعل ما يفعله، إلّا عن تهاون، وقلّة مبالاة. فقبّلت الأرض مرارا بين يديه، وقلت: الله، الله، أن يتصوّر مولانا ذلك فيه، وإنما هو عن سوء توفيق، والعفو من أمير المؤمنين مطلوب. ولم أزل إلى أن أمر بنقله، إلى دار وزيره، ونقل، وصحّح «٢» ما أخذ به خطّه، وصرف إلى منزله. الوزراء للصابي ٣٥٩

стр. 1576

٣٨ الوزير علي بن عيسى يرأف بأحد المطالبين، ويعفيه من المطالبة حدّث أبو علي التنوخي «١» ، قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف، ابن الأزرق «٢» ، قال: حدّثني أبو يعقوب أخي» ، قال: حدّثني أبو بكر ابن مقاتل «٤» ، ونحن بمصر «٥» ، قال: ابتعت من السلطان قديما- وأنا تاجر- غلّة على إكراه، وبقي عليّ من ثمنها عشرون ألف دينار. وأحضرني أبو الحسن علي بن عيسى، وطالبني بذلك، فلم تكن لي وجهة، وعدلت إلى جحده، وترك الاعتراف به. وقال لي: اعمل حسابا، بأصل ما ابتعته، وما أدّيته، ليبين الباقي بعده.

стр. 1577

ودافعت، فاعتقلني في الديوان، وأمرني بعمل الحساب فيه. فأخذت أعلّل، وأطاول، إشفاقا من أن تتحقّق البقيّة، فأحصل تحت المطالبة، بغير عذر ولا حجّة. ثم أرهقني، ودعاني إلى حضرته، فدخلت، ومعي كيس حسابي، لأريه ما أرتفع منه، وأسأله إنظاري بإتمامه، واستكماله. وفتحت الكيس بين يديه، وكنت أستطيب خبز البيت، ولا آكل غيره، ويحمل إليّ من منزلي في كلّ يومين أو ثلاثة، ما أريد منه. وبحسن الاتفاق، تركت في الكيس منه رغيفين، استظهارا، لئلّا يتأخّر عنّي ما يحمل إليّ. وبينما أقلّب الحساب، وقعت عين الوزير أبي الحسن على الرغيفين، فلما رآهما، قال لي: أضمم إليك حسابك- مرارا- فضممته وشددته. وقال لي: قم إلى بيتك. فانصرفت، ولم يطالبني بشيء بعد ذلك، ولا تنبّه من نظر بعد على أمري، فانكسر المال- والله- وكان سببه الرغيفين، لأنّ علي بن عيسى، لمّا رآهما، وقد كنت أشكو الخسارة والفقر، حملني على أنّ حملي للرغيفين مع الحساب، لضعف حال، وشدّة فاقة. الوزراء للصابي ٣٧٥

стр. 1578

٣٩ الملك عضد الدولة يغضب على أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف ذكر أبو علي القاضي التنوخي «١» ، عن عضد الدولة ابن بويه «٢» ، أنّه كان قدّم في دولته أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف «٣» ، واعتقد في كمال عقله، ورزانة نبله، ورجحان فضله، فناط به أزمّة عقده وحلّه، واعتمد إليه في أمر ملكه كلّه. وكان نفاق الحاشية، يغطّي عواره، ويستره، وألسن الخدم والأتباع لعضد الدولة، تمدحه وتشكره، وجماعة من عظماء الدولة، تعرض عنه فلا تذكره، وهو يتبجّح بدعوى العقل، وهو أجهل من باقل، ويتحلّى بحسن التدبير، وهو بجيد من المعرفة عاطل، ويظهر الاستطالة على فضلاء الأماثل، وهو خال عن الفضائل. واستمر ذلك برهة من الدهر. إلى أن أتاح، القدر المحتوم، والقضاء المعلوم، أن سافر عضد الدولة من العراق، إلى همذان، فتبعه أبو محمد الخرنبازي، يطلب خدمة، وكان ذا دراية، وفضل، وعقل، ورزانة، ونبل. فلما رآه أبو القاسم، قد خرج في جملة الجماعة، خشي من تقدّمه

стр. 1579

عند عضد الدولة، فيفضح مستوره، وتقبح أموره، فحسّن لعضد الدولة ردّه من الطريق، وإبعاده عن الصحبة، وان يجرى عليه شيء من الرزق بالبصرة، ويقيم بها. قال أبو علي القاضي: كنت بين يدي عضد الدولة، وقد قال لأبي بكر بن شاهويه «١» - وهو من أصحاب أبي القاسم عبد العزيز- تمضي إلى أبي محمد الخرنبازي، وتقول له: تمضي إلى البصرة، ونحن نجري لك معيشة ترتزق منها، فقد طال تبعك لنا، وتعبك معنا، وقد تبرّمنا منك، وليس في حضرتنا ما تحبّه، والسلامة لك في بعدك عنّا، فصاحبنا أبو القاسم عبد العزيز، قد استصحب جماعة كثيرة، في بعضهم غنية عن أمثالك، فانصرف عنا، واكتف بما أرتّبه لك، إن شاء الله تعالى. ثم إن عضد الدولة، سيّر من خاصّته شخصا مع أبي بكر، ليشهد ما يقوله، وليسمع ما يجاوبه به أبو محمد، بحيث لا يكتم أبو بكر شيئا من الجواب، لكونه من أصحاب أبي القاسم. فلما حضرا عند أبي محمد، قال له أبو بكر، صورة ما قاله عضد الدولة جميعه. فقال أبو محمد، لما سمع ذلك: الأمر للملك، ولا خلاف له، والسمع والطاعة لتقدّمه، ولعمري إنّ الناس بجدودهم ينالون، وبحظوظهم يستديمون، ولو أنني تقدّمت عند الملك، ونفقت عليه، ما كان عجبا، فقد نال منه، وتقدّم عنده، من أنا أرجح منه، ولكن المقادير غالبة، وليس للإنسان

стр. 1580

متقدّم عنها ولا متأخّر، وقد قيل: من غالب الأقدار غلب، ولكن، أيها الشيخ، لي حاجة أحبّ أن تبلغها الملك عنّي، وهي كلمة فيها نصيحة، وشفاء لما في الصدور. فقال أبو بكر، قل: فإنّي أبلغها الملك. فقال: تقول له: أنا صائر إلى ما أمرت، ومتوجّه إلى البصرة، لامتثال ما رسمت، ولكن بعد أن تقضي وطرا في نفسي، وفيه شهرة لعظمتك، وتنبيه على أنّك لا تنخدع في ملكك، ولا يلتبس لديك محقّ بمبطل، وعاقل بجاهل، ومسيء بمحسن، ويقظان بغافل، وجواد بباخل، وهو أن يتقدّم، بأن يقام عبد العزيز المكنى بأبي القاسم، بين اثنين على رؤوس الأشهاد، وينتقم منه انتقاما بالغا، ويقال له: إذا لم تبذل جاهك لمتلهّف، ولم يكن عندك برّ لضعيف، ولا فرج لمكروب، ولا عطاء لسائل، ولا جائزة لشاعر، ولا مرعى لمنتجع، ولا مأوى لضيف، ولا ذبّ عن عرض مخدومك، ولا استجلاب ثمار الألسنة بالأدعية والمحامد لدولة أوجدتك، ولا لك من العقل ما تميّز به بين ما يكسب حمدا أو ذمّا، فلم ألزمت نفسك أن يخاطبوك بسيدنا، وتمدّ يدك ليقبّلها الداخلون، ويقوم لك عظماء المملكة، عند طلوعك عليهم؟. ثم إنّ أبا محمد قام وركب، وعاد. قال أبو بكر بن شاهويه: فعدت، وقد سبقني الذي كان معي مشرفا، وذكر ذلك للملك عضد الدولة، فلما حضرت عنده، وأبو القاسم بين يديه، سكتّ. فقال لي: هات الجواب الذي ذكره أبو محمد. فاستحييت من أبي القاسم، أن أذكره، فقلت: سمعه الملك من المشرف الذي أنفذه معي.
следующие страницы →