← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

٣٨ الوزير علي بن عيسى يرأف بأحد المطالبين، ويعفيه من المطالبة حدّث أبو علي التنوخي «١» ، قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف، ابن الأزرق «٢» ، قال: حدّثني أبو يعقوب أخي» ، قال: حدّثني أبو بكر ابن مقاتل «٤» ، ونحن بمصر «٥» ، قال: ابتعت من السلطان قديما- وأنا تاجر- غلّة على إكراه، وبقي عليّ من ثمنها عشرون ألف دينار. وأحضرني أبو الحسن علي بن عيسى، وطالبني بذلك، فلم تكن لي وجهة، وعدلت إلى جحده، وترك الاعتراف به. وقال لي: اعمل حسابا، بأصل ما ابتعته، وما أدّيته، ليبين الباقي بعده.

стр. 1577

ودافعت، فاعتقلني في الديوان، وأمرني بعمل الحساب فيه. فأخذت أعلّل، وأطاول، إشفاقا من أن تتحقّق البقيّة، فأحصل تحت المطالبة، بغير عذر ولا حجّة. ثم أرهقني، ودعاني إلى حضرته، فدخلت، ومعي كيس حسابي، لأريه ما أرتفع منه، وأسأله إنظاري بإتمامه، واستكماله. وفتحت الكيس بين يديه، وكنت أستطيب خبز البيت، ولا آكل غيره، ويحمل إليّ من منزلي في كلّ يومين أو ثلاثة، ما أريد منه. وبحسن الاتفاق، تركت في الكيس منه رغيفين، استظهارا، لئلّا يتأخّر عنّي ما يحمل إليّ. وبينما أقلّب الحساب، وقعت عين الوزير أبي الحسن على الرغيفين، فلما رآهما، قال لي: أضمم إليك حسابك- مرارا- فضممته وشددته. وقال لي: قم إلى بيتك. فانصرفت، ولم يطالبني بشيء بعد ذلك، ولا تنبّه من نظر بعد على أمري، فانكسر المال- والله- وكان سببه الرغيفين، لأنّ علي بن عيسى، لمّا رآهما، وقد كنت أشكو الخسارة والفقر، حملني على أنّ حملي للرغيفين مع الحساب، لضعف حال، وشدّة فاقة. الوزراء للصابي ٣٧٥

стр. 1578

٣٩ الملك عضد الدولة يغضب على أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف ذكر أبو علي القاضي التنوخي «١» ، عن عضد الدولة ابن بويه «٢» ، أنّه كان قدّم في دولته أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف «٣» ، واعتقد في كمال عقله، ورزانة نبله، ورجحان فضله، فناط به أزمّة عقده وحلّه، واعتمد إليه في أمر ملكه كلّه. وكان نفاق الحاشية، يغطّي عواره، ويستره، وألسن الخدم والأتباع لعضد الدولة، تمدحه وتشكره، وجماعة من عظماء الدولة، تعرض عنه فلا تذكره، وهو يتبجّح بدعوى العقل، وهو أجهل من باقل، ويتحلّى بحسن التدبير، وهو بجيد من المعرفة عاطل، ويظهر الاستطالة على فضلاء الأماثل، وهو خال عن الفضائل. واستمر ذلك برهة من الدهر. إلى أن أتاح، القدر المحتوم، والقضاء المعلوم، أن سافر عضد الدولة من العراق، إلى همذان، فتبعه أبو محمد الخرنبازي، يطلب خدمة، وكان ذا دراية، وفضل، وعقل، ورزانة، ونبل. فلما رآه أبو القاسم، قد خرج في جملة الجماعة، خشي من تقدّمه

стр. 1579

عند عضد الدولة، فيفضح مستوره، وتقبح أموره، فحسّن لعضد الدولة ردّه من الطريق، وإبعاده عن الصحبة، وان يجرى عليه شيء من الرزق بالبصرة، ويقيم بها. قال أبو علي القاضي: كنت بين يدي عضد الدولة، وقد قال لأبي بكر بن شاهويه «١» - وهو من أصحاب أبي القاسم عبد العزيز- تمضي إلى أبي محمد الخرنبازي، وتقول له: تمضي إلى البصرة، ونحن نجري لك معيشة ترتزق منها، فقد طال تبعك لنا، وتعبك معنا، وقد تبرّمنا منك، وليس في حضرتنا ما تحبّه، والسلامة لك في بعدك عنّا، فصاحبنا أبو القاسم عبد العزيز، قد استصحب جماعة كثيرة، في بعضهم غنية عن أمثالك، فانصرف عنا، واكتف بما أرتّبه لك، إن شاء الله تعالى. ثم إن عضد الدولة، سيّر من خاصّته شخصا مع أبي بكر، ليشهد ما يقوله، وليسمع ما يجاوبه به أبو محمد، بحيث لا يكتم أبو بكر شيئا من الجواب، لكونه من أصحاب أبي القاسم. فلما حضرا عند أبي محمد، قال له أبو بكر، صورة ما قاله عضد الدولة جميعه. فقال أبو محمد، لما سمع ذلك: الأمر للملك، ولا خلاف له، والسمع والطاعة لتقدّمه، ولعمري إنّ الناس بجدودهم ينالون، وبحظوظهم يستديمون، ولو أنني تقدّمت عند الملك، ونفقت عليه، ما كان عجبا، فقد نال منه، وتقدّم عنده، من أنا أرجح منه، ولكن المقادير غالبة، وليس للإنسان

стр. 1580

متقدّم عنها ولا متأخّر، وقد قيل: من غالب الأقدار غلب، ولكن، أيها الشيخ، لي حاجة أحبّ أن تبلغها الملك عنّي، وهي كلمة فيها نصيحة، وشفاء لما في الصدور. فقال أبو بكر، قل: فإنّي أبلغها الملك. فقال: تقول له: أنا صائر إلى ما أمرت، ومتوجّه إلى البصرة، لامتثال ما رسمت، ولكن بعد أن تقضي وطرا في نفسي، وفيه شهرة لعظمتك، وتنبيه على أنّك لا تنخدع في ملكك، ولا يلتبس لديك محقّ بمبطل، وعاقل بجاهل، ومسيء بمحسن، ويقظان بغافل، وجواد بباخل، وهو أن يتقدّم، بأن يقام عبد العزيز المكنى بأبي القاسم، بين اثنين على رؤوس الأشهاد، وينتقم منه انتقاما بالغا، ويقال له: إذا لم تبذل جاهك لمتلهّف، ولم يكن عندك برّ لضعيف، ولا فرج لمكروب، ولا عطاء لسائل، ولا جائزة لشاعر، ولا مرعى لمنتجع، ولا مأوى لضيف، ولا ذبّ عن عرض مخدومك، ولا استجلاب ثمار الألسنة بالأدعية والمحامد لدولة أوجدتك، ولا لك من العقل ما تميّز به بين ما يكسب حمدا أو ذمّا، فلم ألزمت نفسك أن يخاطبوك بسيدنا، وتمدّ يدك ليقبّلها الداخلون، ويقوم لك عظماء المملكة، عند طلوعك عليهم؟. ثم إنّ أبا محمد قام وركب، وعاد. قال أبو بكر بن شاهويه: فعدت، وقد سبقني الذي كان معي مشرفا، وذكر ذلك للملك عضد الدولة، فلما حضرت عنده، وأبو القاسم بين يديه، سكتّ. فقال لي: هات الجواب الذي ذكره أبو محمد. فاستحييت من أبي القاسم، أن أذكره، فقلت: سمعه الملك من المشرف الذي أنفذه معي.

стр. 1581

قال: قل، فأنت كنت الرسول، فاذكر الحديث على صورته كلّه، فو الله إن تركت منه حرفا، لم تلق خيرا. فما أمكنني إلّا أنني سردت كلام أبي محمد، كما قاله، ولم أترك منه شيئا، وأبو القاسم يتقدّد في إهابه، ويتمزّق في جلده، ويتغيّر وجهه، ويتلوّن ألوانا، عند كل كلمة منه. فأقبل عليه عضد الدولة، فقال: كيف ترى يا عبد العزيز «١» ؟ لا جزاك الله خيرا، الآن علمت أنّك لا تعتمد حالة ترضي الله تعالى، ولا تتبنّى مكرمة، ولا تحفظ مروءة، ولا تحرس أمانة، ولا يخرج فكرك عنك، ولا صمتك، إلّا في مال تجتذبه، وإقطاع لنفسك تثّمره، وتجعلني بابا من أبواب معاشك، وجهة من جهات أرباحك، تبعد من ينفعني، وتقرّب من ينفعك، فخدمتك معروفة، وسيرتك معلومة، وكنت أسمع في جرّك النار إلى قرصك، وشرهك في جميع أحوالك، وأذاك لمن يقصد أبوابنا، ولكن لكلّ أجل كتاب، ثم أمر به فأخذ. فظهرت بسوء فعله، قلّة عقله، وبقبح قصده، ضعف رأيه «٢» . العقد الفريد للملك السعيد لأبي سالم الوزير ٩

стр. 1582

٤٠ أبغي الشفا بك من سقمي ومن دائي أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا أبو عمر بن حيويه «٢» ، قال: أنبأنا محمد بن خلف «٣» ، قال: أنبأنا أبو محمد جعفر بن الفضل العسكري قال: أنبأنا محبوب بن صالح، عن أبيه: أنّ رجلا من العرب، رأى امرأة، فوقعت بقلبه، فكاتم بذلك دهرا، ثم أنّ الأمر تفاقم، وتمكّنت منه الصبابة، وسحقه الغرام، فبعث إليها يسألها نفسها، ويخبرها بما هو عليه من حبّها. فكتبت إليه: اتّق الله أيها الرجل وارع على نفسك، واستحي من هذه الهمة التي قد تعلّقت بها، فإن ذلك أولى بذوي العقول، فلما وافاه كتابها، أخذته وسوسة، واستولى عليه الشيطان، وجعل الأمر يتزايد، حتى زال عقله، وكان لا يعقل إلّا ما كان من حديثها أو ذكرها. وكان يبكّر في كل يوم، فيقف على باب الدار التي تنزلها المرأة، فيقول: يا دار حيّيت إن كانت تحيّتنا ... تغني ولو كان في التسليم إشفائي لا زلت أبكيك ما قامت بنا قدم ... أبغي الشفا بك من سقمي ومن دائي ثم مضى شبيها بالهائم على وجهه، فلم يزل على ذلك حتى مات. ذم الهوى لابن الجوزي ٢٧٥

стр. 1583

٤١ أشاع الدمع ما كنت أكتم أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي، فيما أجاز لنا، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز «١» ، قراءة عليه، قال: أخبرنا محمد بن خلف «٢» ، إجازة، قال: حدّثنا قاسم بن الحسن «٣» ، قال: حدّثنا العمري، قال: أخبرنا الهيثم بن عدي «٤» : انّ مرّة بن مصعب القيسي كان له أخ يقال له فهر، وكانا ينزلان الحيرة «٥» وانّ فهرا ارتحل بأهله وولده، فنزل بأرض السراة «٦» ، وأقام مرّة، بالحيرة، وكانت عند مرّة، أمرأة من بكر بن وائل، فلبثت معه زمانا لم يرزق منها ولدا، حتى يئس من ذلك، ثم أتي في منامه، ذات ليلة، فقيل له: إنّك إن باشرت زوجتك، في ليلتك هذه، رأيت سرورا وغبطة، فانتبه، فباشرها، فحملت، فلم يزل مسرورا إلى أن تمت أيامها، فولدت له غلاما، فسماه إياسا، لأنه كان آيسا، فنشأ الغلام منشئا حسنا.

стр. 1584

فلما ترعرع، ضمّه أبوه إليه، وأشركه في أمره، وكان إذا سافر أخرجه معه، لقلّة صبره عنه. فقال له أبوه يوما: يا بنيّ، قد كبرت سنّي، وكنت أرجوك لمثل هذا اليوم، ولي إلى عمك حاجة، فأحب أن تشخص فيها. فقال له إياس: نعم يا أبة، ونعم عين وكرامة، فإذا شئت، أخبرني بحاجتك، فأعلمه الحاجة، فخرج متوجّها حتى أتى عمّه، فعظم سروره به، وسأله عن سبب قدومه، وما الحاجة، فاخبره بها، ووعده بقضائها، فأقام عند عمّه أياما ينتظر فيها قضاء الحاجة. وكان لعمّه بنت يقال لها صفوة، ذات جمال وعقل، فبينا هو ذات يوم جالس بفناء دارهم، إذ بدت له صفوة، زائرة بعض أخواتها، وهي تهادى بين جوار لها، فنظر لها أياس نظرة، أورثت قلبه حسرة، وظل نهاره ساهيا، وبات وقد اعتكرت عليه الأحزان، ينتظر الصباح، يرجو أن يكون فيه النجاح. فلما بدا له الصباح، خرج في طلبها ينتظر رجوعها، فلم يلبث أن بدت له، فلما نظرت إليه تنكّرت، ثم مضت فأسرعت، فمرّ يسعى خلفها، يأمل منها نظرة، فلم يصل إليها، وفاتته، فانصرف إلى منزله، وقد تضاعف عليه الحزن، واشتد الوجد. فلبث أياما، وهو على حاله، إلى أن أعقبه ذلك مرضا أضناه، وأنحل جسمه، وظلّ صريعا على الفراش. فلما طال به سقمه، وتخوّف على نفسه، بعث إلى عمه لينظر إليه، ويوصيه بما يريد، فلما رآه عمّه، ونظر إلى ما به، سبقته العبرة إشفاقا عليه. فقال له إياس: كفّ، جعلت فداك يا عمّ، فقد أقرحت قلبي، فكفّ عن بعض بكائه، فشكا إليه إياس ما يجد من العلّة، فقال له:

стр. 1585

عزّ والله، عليّ يا ابن أخي، ولن أدع حيلة في طلب الشفاء لك. فانصرف إلى منزله، وأرسل إلى مولاة له، كانت ذات عقل، فأوصاها به، وبالتعاهد له، والقيام عليه. فلما دخلت المولاة عليه، فتأمّلته، علمت انّ الذي به عشق، فقعدت عند رأسه، فأجرت ذكر صفوة، لتستيقن ما عنده، فلما سمع ذكرها زفر زفرة، فقالت المرأة: والله، ما زفر إلّا من هوى داخله، ولا أظنه إلّا عاشقا. فأقبلت عليه كالممازحة له، فقالت له: حتى متى تبلي جسمك، فو الله ما أظن الذي بك إلا هوى. فقال لها إياس: يا أمّه، لقد ظننت بي ظن سوء، فكفّي عن مزاحك. فقالت: إنّك، والله، لن تبديه إلى أحد هو أكتم له من قلبي، فلم تزل تعطيه المواثيق، وتقسم عليه، إلى أن قالت له: بحق صفوة. فقال لها: لقد أقسمت عليّ بعظيم لو سألتني به روحي لدفعتها إليك، ثم قال: والله يا أمّه، ما عظم دائي، إلّا بالاسم الذي أقسمت عليّ بحقّه، فالله، الله، في كتمانه، وطلب وجه الحيلة فيه. فقالت: أما إذ أطلعتني عليه، فسأبلغ فيه رضاك، إن شاء الله. فسرّ بذلك، وأرسل معها بالسلام إلى صفوة، فلما دخلت عليها، ابتدأتها صفوة بالمسألة عن الذي بلغها من مرضه، وشدة حاله، فاستبشرت المولاة بذلك. ثم قالت: يا صفوة، ما حالة من يبيت الليل ساهرا محزونا يرعى النجوم ويتمنّى الموت؟ فقالت صفوة: ما أظن هذا على ما ذكرت بباق، وما أسرع منه الفراق.

стр. 1586

ثم أقبلت على المولاة، فقالت: إني أريد أن أسألك عن شيء، فبحقي عليك لما أوضحته. فقالت: وحقّك، إن عرفته فلا أكتمك شيئا. قالت: هل أرسلك إياس إلى أحد من أهل ودّه في حاجة؟ فقالت المولاة: والله لأصدقنّك، والله، ما جلّ داؤه، وعظم بلاؤه إلّا بك، وما أرسلني بالسلام، إلّا إليك، فأجيبيه إن شئت، أو دعي. فقالت لا شفاه الله، والله، لولا ما وجب من حقّك لأسأت إليك، وزجرتها. فخرجت من عندها كئيبة، فأتته، فأعلمته، فازداد على ما كان به من مرضه، وأنشأ يقول: كتمت الهوى حتى إذا شبّ واستوت ... قواه أشاع الدمع ما كنت أكتم فلما رأيت الدمع قد أعلن الهوى ... خلعت عذاري فيه والخلع أسلم فيا ويح نفسي كيف صبري على الهوى ... وقلبي وروحي عند من ليس يرحم قال: ثم إنّ عمه دخل عليه ليعرف خبره، فقال له، يا عم، إني مخبرك بشيء لم أخبرك به حتى برح الخفاء ولم أطق له محملا. فأخبره الخبر، فزوّجه إيّاها، فأفاق، وبرء من علته. مصارع العشاق ١/١٥٠

стр. 1587

٤٢ بنو عذرة أرق الناس قلوبا أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي «٢» ، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه «٣» ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان «٤» ، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن منصور بن سيار «٥» ، قال: حدّثنا نوح بن يزيد المعلّم «٦» ، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد «٧» ، قال: حدّثني محمد بن إسحاق «٨» ، قال: حدّثني محمد بن جعفر ابن الزبير، قال:

стр. 1588

سمعت رجلا من بني عذرة، عند عروة بن الزبير «١» يحدّثه، فقال عروة: يا هذا بحق أقول لكم: إنّكم أرقّ الناس قلوبا. فقال: نعم والله، لقد تركت بالحي، ثلاثين شابا قد خامرهم السلّ، ما بهم إلّا داء الحب «٢» . ذم الهوى ٣٣١

стр. 1589

٤٣ علامة من كان الهوى في فؤاده أخبرنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن «٢» ، قال: أنبأنا محمد بن العباس «٣» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٤» ، قال: ترى العاشق إذا رأى من يحبه، أو سمع بذكره، كيف يهرب دمه، ويستحيل لونه، ويخفق فؤاده، وتأخذه الرعدة، وربما امتنع من الكلام، ولم يطق ردّ الجواب. وقد قال بعض الشعراء: علامة من كان الهوى في فؤاده ... إذا ما رأى الأحباب أن يتحيّرا ويصفرّ لون الوجه بعد احمراره ... وإن حرّكوه للكلام تشوّرا «٥» ذم الهوى ٣٤٤

стр. 1590

٤٤ زعموا أن الفراق غدا أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن «٢» ، قال: أنشدنا علي بن محمد «٣» ، قال: أنشدنا أبو بكر الصنوبري «٤» ، لنفسه: أخذوا للسير أهبته ... وأخذنا أهبة الكمد «٥» زعموا أنّ الفراق غدا ... وفراق الروح بعد غد ذمّ الهوى ٣٤٥

стр. 1591

٤٥ عاشق ينتحر بمحضر من الخليفة عبد الملك بن مروان أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني «١» ، قال: حدّثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي «٢» ، قال: حدّثنا أبو العباس الكديمي «٣» ، قال: أنبأنا السليمي «٤» ، عن محمد بن نافع مولاهم، عن أبي ريحانة، أحد حجاب عبد الملك بن مروان، قال: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع، يومين، جلوسا عاما، فبينا هو جالس في مستشرف له، وقد أدخلت عليه القصص «٥» ، إذ وقعت في يده قصة غير مترجمة «٦» ، فيها: إن رأى أمير المؤمنين، أن يأمر جاريته فلانة، أن تغنّي ثلاثة أصوات، ثم ينفذ فيّ ما شاء من حكمه، فعل.

стр. 1592

فاستشاط من ذلك غضبا، وقال: يا رباح، عليّ بصاحب هذه القصة. فخرج الناس جميعا، فأدخل عليه غلام كما عذّر، كأهيأ الفتيان وأحسنهم. فقال له عبد الملك: يا غلام، أهذه قصّتك؟ فقال: نعم، يا أمير المؤمنين. قال: وما الذي غرّك مني، والله لأمثلنّ بك، ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة، عليّ بالجارية، فجيء بجارية كأنّها فلقة قمر، وبيدها عود، فطرح لها كرسي، وجلست. فقال عبد الملك: مرها يا غلام. فقال لها: غنّيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح: لقد كنت حسب النفس لو دام ودّنا ... ولكنّما الدنيا متاع غرور وكنّا جميعا قبل أن يظهر الهوى ... بأنعم حالي غبطة وسرور فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة لظهور قال: فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا. ثم قال له عبد الملك: مرها، تغنّيك الصوت الثاني. فقال: غنّيني بشعر جميل: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بوادي القرى إنّي إذن لسعيد إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب، قالت: ثابت ويزيد وإن قلت: ردّي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيد فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبّها فيما يبيد يبيد يموت الهوى منّي إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود فغنّته الجارية، فسقط الغلام مغشيا عليه ساعة، ثم أفاق.

стр. 1593

فقال له عبد الملك: مرها، فلتغنّك الصوت الثالث. فقال: يا جارية، غنّيني بشعر قيس بن الملوّح، المجنون: وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال غضيض المقلتين ربيب فلا تحسبي أنّ الغريب الذي نأى ... ولكنّ من تنأين عنه غريب فغنّته الجارية، فطرح الغلام نفسه من المستشرف، فلم يصل إلى الأرض حتى تقطّع. فقال عبد الملك: ويحه، لقد عجل على نفسه، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل، وأمر، فأخرجت الجارية عن قصره، ثم سأل عن الغلام، فقالوا: غريب لا يعرف، إلّا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق، ويده على رأسه: غدا يكثر الباكون منّا ومنكم ... وتزداد داري عن دياركم بعدا «١» ذم الهوى ٣٥٥ مصارع العشاق ٢/٢١٥

стр. 1594

٤٦ ثلاثة مجانين في بني عامر أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسّن، قال: أنبأنا ابن حيويه «٢» ، قال: أخبرنا محمد بن خلف «٣» ، قال: أخبرني أحمد بن حرب «٤» قال: أخبرني ابن أبي كريم، قال: أخبرنا أبو قلابة العامري، عن القاسم ابن سويد الحرمي، قال: كان في بني عامر ثلاثة مجانين، معاذ ليلى، وهو معاذ بن كليب، أحد بني عامر بن عبيد، وقيس بن معاذ، ومهدي بن الملوّح الجعدي. فأما ليلى: فاختلفوا في نسبها، فقال بعضهم: ليلى بنت مهدي. وقال بعضهم: ليلى بنت ورد، من بني ربيعة. وفي كنيتها قولان، أحدهما: أمّ مالك، وكذلك كنّاها المجنون في شعره، والثاني: أمّ الخليل «٥» . ذم الهوى ٣٨٠

стр. 1595

٤٧ ليلى والمجنون أخبرتنا شهدة بنت أحمد «١» ، قالت: أنبأنا أبو محمد بن السراج «٢» ، قالا: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: حدّثني رجل من بني عامر، يقال له: رباح بن حبيب، قال: كان في بني عامر جارية من أجمل النساء، لها عقل وأدب، يقال لها ليلى بنت مهدي. فبلغ المجنون خبرها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صبّا بمحادثة النساء، فعمد إلى أحسن ثيابه، فلبسها وتهيّأ، فلما جلس إليها، وتحدّث بين يديها، أعجبته، ووقعت بقلبه، فظل يومه ذاك يحدّثها وتحدّثه حتى أمسى، فانصرف إلى أهله، فبات بأطول ليلة، حتى إذا أصبح مضى إليها، فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف، فبات بأطول من ليلته الأولى، وجهد أن يغمض، فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول: نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزّتني إليك المضاجع أقضيّ نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهمّ باللّيل جامع وأدام زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه، فوقع في قلبها مثل الذي وقع في قلبه، فجاء يوما يحدّثها، فجعلت تعرض عنه، وتقبل على غيره،

стр. 1596

تريد أن تمتحنه، وتعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك منها اشندّ عليه وخرج، فلما خافت عليه، أقبلت عليه، فقالت: كلانا مظهر للناس بغضا ... وكلّ عند صاحبه مكين «١» فسري عنه عند ذلك. فقالت: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي، أكثر من الذي لي عندك، وأنا معطية الله عهدا، إن أنا جالست بعد يومي هذا، رجلا سواك، حتى أذوق الموت، إلّا أن أكره على ذلك. فانصرف وهو أسرّ الناس، فأنشأ يقول: أظنّ هواها تاركي بمضلّة ... من الأرض لا مال لديّ ولا أهل ولا أحد أفضي إليه وصيّتي ... ولا وارث إلّا المطية والرّحل محا حبّها حبّ الأولى كنّ قبلها ... وحلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل «٢» ذم الهوى ٣٨١

стр. 1597

٤٨ تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أحمد بن محمد البخاري «١» ، قال: أنبأنا أبو محمد الجوهري، وأخبرنا محمد بن عبد الباقي «٢» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن قال: أنبأنا أبو عمر بن حيويه «٣» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٤» ، قال: قال العمري، عن لقيط بن بكير المحاربي: انّ المجنون علق بليلى علاقة الصبا، وذلك أنّهما كانا صغيرين يرعيان أغناما لقومهما، فعلق كل واحد منهما صاحبه، إلّا أنّ المجنون كان أكثر منها، فلم يزالا على ذلك حتى كبرا. فلما علم بأمرهما، حجبت ليلى عنه، فزال عقله، وفي ذلك يقول: تعلّقت ليلى وهي ذات ذؤابة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم ذم الهوى ٣٨٣

стр. 1598

٤٩ مجنون ليلى يفقد عقله أخبرنا ابن ناصر «١» ، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار «٢» ، قال: أنبأنا أبو القاسم التنوخي، قال: حدّثنا ابن حيويه «٣» قال: أنبأنا محمد بن خلف «٤» ، قال: حدّثنا عبد الله بن عمرو «٥» ، قال: حدّثني يحيى بن أبي جابر، قال: حدّثني ربيعة بن عبد الحميد قال: كان المجنون من ولد أبي بكر بن كلاب، فأتى عليه عصر من الدهر لا يعرف ليلى، ثم عشقها، فخطبها، فلم يزوّجوه، فاشتدّت حالته، وزاد ما كان يجده، وفشا أمره في الناس، فلقيه ابن عم له، فقال: يا أخي اتّق الله في نفسك، فإنّ هذا الذي أنت فيه من عمل الشيطان، فازجره عنك، فأنشأ يقول: يا حبذا عمل الشيطان من عمل ... إن كان من عمل الشيطان حبّيها

стр. 1599

منّيتها النّفس حتى قد أضرّ بها ... وأحدثت خلقا ممّا أمنّيها قال ابن خلف: وقال أبو عبيدة «١» : كان المجنون يجلس في نادي قومه وهم يتحدّثون، فيقبل عليه بعض القوم، فيحدّثه، وهو باهت ينظر إليهم، ولا يفهم ما يحدّثه به، ثم يثوب إليه عقله، فيسأل عن الحديث، فلا يعرفه، فحدّثه مرة بعض أهله بحديث، ثم سأله عنه في غد، فلم يعرفه، فقال: إنّك لمجنون، فقال: إنّي لأجلس في النادي أحدّثهم ... فأستفيق وقد غالتني الغول يهوى بقلبي حديث النفس دونكم ... حتى يقول خليلي أنت مخبول قال أبو عبيدة: فتزايد الأمر به، حتى فقد عقله، فكان لا يقرّ في موضع، ولا يؤويه رحل، ولا يعلوه ثوب إلا مزّقه، وصار لا يفهم شيئا ممّا يكلّم به، إلّا أن تذكر له ليلى، فإذا ذكرت أجاب النداء به، ورجع عقله. ذم الهوى ٣٨٤

стр. 1600

٥٠ من أطاع الواشين لم يتركوا له صديقا أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن، قال: أنبأنا ابن حيويه «٢» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٣» ، قال: روى رباح بن حبيب، رجل من بني عامر، قال: لما كثر ذكر المجنون لليلى، واشتهر أمره، اجتمع إلى أبيه أهله، وكان سيّدا، فقالوا له: زوّج قيسا، فإنه سيكفّ عن ذكر ليلى، وينساها. فعرض عليه أبوه التزويج، فأبى، وقال: لا حاجة لي إلى ذلك. فأتى ليلى بعض فتيان القوم، ممّن كان يحسد قيسا، ويعاديه، فأخبرها أنّه على أن يتزوّج، وجاء المجنون كما كان يجيء، فحجبته، ولم تظهر له، فرجع وهو يقول: فو الله ما أدري علام هجرتني ... وأيّ أمور فيك يا ليل أركب أأقطع حبل الوصل؟ فالموت دونه ... أم أشرب رنقا منكم ليس يشرب؟ أم أهرب حتى لا يرى لي مجاور؟ ... أم أفعل ماذا؟ أم أبوح فأغلب؟ فو الله ما أدري وإنّي لدائب ... أفكّر ما جرمي إليها فأعجب قال: فبلغها قوله، فأنشأت تقول: صدق والله قيس حيث يقول: ومن يطع الواشين لم يتركوا له ... صديقا وإن كان الحبيب المقرّبا ذم الهوى ٣٨٥

стр. 1601

٥١ ألا حجبت ليلى أخبرنا ابن أبي منصور، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسّن «٢» ، قال: أنبأنا أبو عمر بن حيويه «٣» ، قال: حدّثنا محمد ابن خلف «٤» ، قال: قال محمد بن زياد بن الأعرابي «٥» : لما شبّب المجنون بليلى، وشهر بحبّها، اجتمع إليه أهلها، فمنعوه من محادثتها، وزيارتها، وتهدّدوه، وأوعدوه بالقتل، فكان يأتي امرأة، فتعرف له خبرها، فنهوا تلك المرأة عن ذلك، فكان يأتي غفلات الحيّ في الليل. فلما كثر ذلك، خرج أبو ليلى، ومعه نفر من قومه إلى مروان بن الحكم «٦» ، فشكوا إليه ما ينالهم من قيس بن الملوّح، وسألوه الكتابة إلى عامله عليهم، يمنعه من كلام ليلى.

стр. 1602

فكتب لهم مروان، كتابا إلى عامله، يأمره أن يحضر قيسا، ويتقدّم إليه في ترك زيارة ليلى، فإن أصابه أهلها عندهم، فقد أهدروا دمه. فلما ورد الكتاب على عامله، بعث إلى قيس وأبيه، وأهل بيته، فجمعهم، وقرأ عليهم كتاب مروان، وقال لقيس: اتّق الله في نفسك، لا يذهب دمك هدرا، فانصرف قيس، وهو يقول: ألا حجبت ليلى وآلى أميرها ... عليّ يمينا جاهدا لا أزورها وأوعدني فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشّنت لي صدورها على غير شيء غير أنّي أحبّها ... وأنّ فؤادي عند ليلى أسيرها فلما أيس منها، وعلم أن لا سبيل إليها، صار شبيها بالتائه العقل، وأحبّ الخلوة وحديث النفس، وتزايد الأمر به، حتى ذهب عقله، ولعب بالحصا والتراب، ولم يكن يعرف شيئا إلّا ذكرها، وقول الشعر فيها. وبلغها ما صار إليه قيس، فجزعت أيضا لفراقه، وضنيت ضنى شديدا «١» . ذم الهوى ٣٨٨

стр. 1603

٥٢ رددت قلائص القرشي أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسّن، قال: أخبرنا ابن حيويه «٢» ، قال: أنبأنا محمد بن خلف «٣» ، قال: حدّثني إسحاق بن محمد «٤» قال: حدّثني أبو معاذ النميري: أنّ مروان بن الحكم «٥» ، استعمل رجلا من قيس «٦» ، على صدقات كعب ابن ربيعة بن عامر، وهم قيس والحريش وجعدة. فسمع بخبر قيس بن معاذ «٧» ، وهو مجنون بني عامر، فأمر أن يؤتى به، فأتي به، فساء له عن حاله، واستنشده، فأنشده، فأعجب به، وقال له: الزمني، فلك أن أحتال لك في أمر ليلى، حتى أجمع بينك وبينها، فلازمه، وكان يأتيه، فيتحدّث إليه.

стр. 1604

وكان لبني عامر مجتمع، يجتمعون فيه، في كل سنة، وكان الوالي يخرج معهم إلى ذلك المجتمع، لئلّا يكون بينهم اختلاف، فحضر الوقت، فقال قيس للوالي: أتأذن لي في الخروج معك إلى هذا المجتمع؟ فأذن له. فلما عزم على الخروج، جاءه قوم من رهط قيس، فقالوا له: إنّما سألك الخروج معك ليرى ليلى ويكلّمها، وقد استعدى عليه بعض أهلها، وأهدر لهم السلطان دمه، إن أتاهم. فلما قالوا له ذلك، منعه من الخروج معه، وأمر له بقلائص من إبل الصدقة، فردّها، وأبى أن يقبلها، وأنشأ يقول: رددت قلائص القرشيّ لما ... بدا لي النقض منه للعهود سعوا للجمع ذاك وخلّفوني ... إلى حزن أعالجه شديد فلما علم قيس بن معاذ، انّه قد منع، وأن لا سبيل إليها، ذهب عقله، وصار لا يلبس ثوبا إلّا خرّقه، وهام على وجهه عريانا، لا يعقل شيئا ممّا يكلّم به، ولا يصلّي. فلما رأى أبوه ما صنع بنفسه، خاف عليه التلف، فحبسه، وقيّده، فجعل يأكل لحمه، ويضرب بنفسه الأرض. فلما رأى أبوه ذلك، حلّ قيده، وخلّاه، فكان يدور في فيافيهم عريانا، ويلعب بالتراب. وكانت له داية، لم يكن يأنس بأحد غيرها، وكانت تأتيه في كل يوم، برغيف وماء، فتضعه بين يديه، فربما أكله، وربما تركه، ولم يأكله. ذم الهوى ٣٨٩ مصارع العشاق ٢/٨٩

стр. 1605

٥٣ أنتم شغلي، وعندكم عقلي أخبرنا ابن ناصر «١» ، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار «٢» ، وأخبرتنا شهدة «٣» ، قالت: أنبأنا ابن السرّاج «٤» ، قالا: أنبأنا علي بن المحسّن، قال: أنبأنا ابن حيويه «٥» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٦» ، قال: حدّثني محمد بن إسحاق «٧» ، قال: حدّثني ابن عائشة «٨» ، عن أبيه قال: ولي نوفل بن مساحق «٩» ، صدقات كعب بن ربيعة «١٠» ، فنزل بجمع من

стр. 1606

تلك المجامع، فرأى قيس بن معاذ المجنون «١» ، وهو يلعب بالتراب، فدنا منه، فكلّمه، فجعل يجيبه بخلاف ما يسأل عنه. فقال له رجل من أهله: إن أردت أن يكلّمك كلاما صحيحا، فاذكر له ليلى. فقال له نوفل: أتحبّ ليلى؟ قال: نعم. قال: فحدّثني حديثك معها. قال: فجعل ينشده شعره فيها، فأنشأ يقول: وشغلت عن فهم الحديث سوى ... ما كان فيك فأنتم شغلي وأديم لحظ محدّثي ليرى ... أن قد فهمت وعندكم عقلي وأنشد: سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى ... بها السير وارتادت حمى القلب حلّت فللعين تسكاب إذا القلب ملّها ... وللقلب وسواس إذا العين ملّت وو الله ما في القلب شيء من الهوى ... لأخرى سواها أكثرت أم أقلّت وأنشد: ذكرت عشية الصدفين ليلى ... وكلّ الدهر ذكراها جديد عليّ أليّة إن كنت أدري ... أينقص حبّ ليلى أم يزيد فلما رأى نوفل منه ذلك، أدخله بيتا، وقيّده، وقال: أعالجه، فأكل

стр. 1607

لحم ذراعيه، وكفّيه، فحلّه، وأخرجه، فكان يأوي مع الوحوش. وكانت له داية ربّته صغيرا، وكان لا يألف غيرها، ولا يقرب منه أحد سواها، فكانت تخرج في طلبه في البادية، وتحمل له الخبز والماء، فربما أكل بعضه، وربما لم يأكل. ولم يزل على ذلك حتى مات. ذم الهوى ٣٩٠

стр. 1608

٥٤ كالسهم أصبح ريشه ممروطا أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسّن التنوخي «٢» ، قال: حدّثنا أبو عمر بن حيويه «٣» ، قال: أنبأنا محمد بن خلف «٤» ، قال: حدّثني عبد الله بن عمرو «٥» ، قال: حدّثنا علي بن الحسن، قال: حدّثنا داود ابن محمد، عن عمرو بن رزام، قال: وفد فتى من نهد، يقال له صباح بن عامر، على الملوّح، أبي قيس المجنون، فسلّم عليه، وخبّره بنسبه، وقال له: إنّي قد وفدت من بلدي، لأنظر إلى قيس، وأسمع من شعره، فما فعل؟ فبكى الشيخ، حتى غشي عليه، ثم سكن، وقال: أنّى لك بقيس؟ إنّ قيسا عشق ابنة عم له، وإنّه جنّ على رأسها، فهو لا يأنس بأحد، يرد مع الوحوش، يوم ورودها، ويصدر معها إذا صدرت ولكن هاهنا شاب، يذهب إليه في كل وقت، وهو يأنس به، ويأخذ منه ما يقول، وقد حفظ له قصيدة يقال لها: المؤنسة، فإذا أنشده إياها أنس به وحدّثه، فإن شئت، فصر إليه. قال صباح: فصرت إلى الفتى، فرحّب بي، وسألني عن حالي، فأخبرته.

стр. 1609

فقال لي: أتروي لقيس بن ذريح «١» شيئا؟ فإنّ المجنون مستهتر بشعره. قلت: أنا أحفظ الناس لشعر قيس. قال: فصر إلى موضع كذا وكذا، فاطلبه في تلك الفيافي، فإنّك تجده، واعلم انّه إذا رآك، سوف ينفر منك، ويهوي إليك بحجر، فلا يهولنّك، واقعد كأنّك لا تريده، فإذا رأيته قد سكن، فاذكر له ليلى، فإنه سيرجع إلى عقله، ويراجع صحته، ويحدّثك عن حاله، ثم أنشده من شعر قيس شيئا، فإنّه مشغوف به. قال صباح: ففعلت الذي أوصاني به الفتى، ولم أزل أطلبه، حتى انتصف النهار، فإذا أنا برجل عريان، قد سقط شعر رأسه على حاجبيه، وإذا هو قد حظّر حظيرة من تراب، وهو قاعد في وسطها، وإلى جانبه أحجار، وهو يخطّط باصبعه في الأرض. فلما رآني أهوى إلى حجر، ووثب ليقوم، فقعدت ناحية أرمي ببصري إلى غيره، ولا أحفل به، ثم انّه رجع إلى عبثه وتخطيطه. قلت له: أتعرف ليلى؟

стр. 1610

قال: بأبي والله هي، فكيف لا أعرفها؟ قلت: لله قيس بن ذريح حيث يقول: وإني لمفن دمع عينيّ بالبكا ... حذارا لما قد كان أو هو كائن وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن وما كنت أخشى أن تكون منيّتي ... بكفّيك إلّا أنّ ما حمّ حائن فقال: أنا والله أشعر منه حيث أقول: نعب الغراب ببين ليلى إنّه ... كان الكتاب ببينهم مخطوطا أصبحت من أهلي الذين أحبهم ... كالسهم أصبح ريشه ممروطا ثم وثب مسرعا إلى ظباء سنحت له، فغاب عني، فتبعته، فجعلت أقفو أثره، الى آخر النهار، فما وقعت عيني عليه. ثم غدوت في اليوم الثاني، فجعلت أطوف عليه في تلك الفيافي. حتى إذا جنّني الليل، انصرفت. فلما كان في اليوم الثالث طلبته، فإذا هو عريان، بين أحجار، ميت «١» . ذم الهوى ٣٩٧

стр. 1611

٥٥ قضاها لغيري وابتلاني بحبها أخبرنا ابن أبي منصور، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار «١» ، قال: أنبأنا عليّ بن المحسّن، قال: أنبأنا ابن حيويه «٢» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٣» ، قال: حدّثني سليمان بن أيوب المديني، قال: سمعت مصعبا الزبيري «٤» ، يقول: كان مجنون بني عامر، يسيح مع الوحوش، وينثر الشعر نثرا، وكان الركبان يتلقّون منه الشعر فيروونه. قال ابن خلف: قال التخومي: لما قال المجنون: قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا سلب عقله. قال ابن خلف: وأنشد مصعب بن الزبير للمجنون: ألا أيها القلب الذي لجّ هائما ... وليدا بليلى لم تقطّع تمائمه أفق قد أفاق العاشقون وقد أنى ... لدائك أن يلقى طبيبا يلائمه

стр. 1612

وما لك مسلوب العزاء كأنّما ... ترى نأي ليلى مغرما أنت غارمه أجدّك لا تنسيك ليلى ملمّة ... تلمّ ولا ينسيك عهدا تقادمه قال ابن خلف: وأنشد أبو عمرو الشيباني، للمجنون: دعاك الهوى والشوق حين ترنّمت ... هتوف الضحى بين الغصون طروب تجاوب ورقا «١» قد أرعن لصوتها ... فكلّ لكلّ مسعد ومجيب ألا يا حمام الأيك «٢» ما لك باكيا ... أفارقت إلفا «٣» أم جفاك حبيب ذم الهوى ٣٩٩

стр. 1613

٥٦ وقفت على ربع لعزة ناقتي أخبرنا محمد بن أبي منصور، وشهدة بنت أحمد «١» ، قالا: أنبأنا جعفر ابن أحمد السراج «٢» ، وأنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز «٣» ، قالوا: أنبأنا علي ابن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا علي بن عيسى الرماني «٤» ، قال: أنبأنا أبو بكر بن دريد «٥» ، قال: أنبأنا عبد الأول بن مريد، قال: أخبرني حماد ابن إسحاق «٦» ، عن أبيه «٧» ، قال: خرج كثير «٨» يريد عبد العزيز بن مروان «٩» ، فأكرمه، ورفع منزلته، وأحسن جائزته، وقال: سلني ما شئت من الحوائج، قال: نعم، أحب أن تنظر لي من يعرف قبر عزة «١٠» ، فيقفني عليه، فقال

стр. 1614

رجل من القوم: إنّي لعارف به، فانطلق به الرجل، حتى انتهى به إلى موضع قبرها، فوضع يده عليه، وعيناه تجريان، وهو يقول: وقفت على ربع لعزّة ناقتي ... وفي البرد رشّاش من الدمع يسفح فيا عزّ أنت البدر قد حال دونه ... رجيع التراب والصفيح المضرّح «١» وقد كنت أبكي من فراقك حقبة ... فأنت لعمري اليوم أنأى وأنزح فهلّا فداك الموت من أنت زينه ... ومن هو أسوا منك حالا وأقبح ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذّة ... لشيء ولا ملحا لمن يتملّح فلا زال وادي رمس عزّة سائلا ... به نعمة من رحمة الله تسفح فإنّ التي أحببت قد حال دونها ... طوال الليالي والضريح الموجّح «٢» أرثّ بعينيّ البكا كلّ ليلة ... فقد كاد مجرى دمع عينيّ يقرح إذا لم يكن ماء تحلّبتا دما ... وشرّ البكاء المستعار الممتّح «٣» ذم الهوى ٤٤٦

стр. 1615

٥٧ امرأة من أهل النار أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سعيد النصيبي «٢» ، قال: حدّثني أبو الحسن بن نجيح، قال: حدّثني رجل مستور، كان لي صديقا، وكان ينزل بقرب مقابر الخيزران ببغداد «٣» ، قال: رأيت ليلة في منامي، كأني قد أطلعت من داري إلى المقبرة، على رسمي في ذلك من اليقظة، فإذا أنا بالقبور مفتّحة، وأهلها يخرجون منها شعثا، غبرا، حفاة، عراة، فيجتمعون في موضع منها، حتى لم يبق قبر إلّا خرج من كان فيه، ثم ضجّوا بالبكاء، والدعاء، والابتهال إلى الله تعالى في أن يصرف عنهم دفن المرأة التي تدفن عندهم في غد. فكأنّي قد سألت بعضهم، فقال: هذه امرأة من أهل النار، وإن دفنت عندنا، تأذينا بسماع عذابها، وما يجري عليها، فنحن نسأل الله صرف دفنها عنّا. قال: فانتبهت، فعجبت من هذا عجبا شديدا، وطال الليل بي، فلما أصبحت، سألت الحفّارين، هل حفروا قبرا لامرأة؟ فدلّني بعضهم على قبّة عظيمة، لقوم من التجّار مياسير، قد ماتت زوجة أحدهم، ويريد دفنها في القبر، وقد حفر لها.
следующие страницы →