← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

٥٥ قضاها لغيري وابتلاني بحبها أخبرنا ابن أبي منصور، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار «١» ، قال: أنبأنا عليّ بن المحسّن، قال: أنبأنا ابن حيويه «٢» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٣» ، قال: حدّثني سليمان بن أيوب المديني، قال: سمعت مصعبا الزبيري «٤» ، يقول: كان مجنون بني عامر، يسيح مع الوحوش، وينثر الشعر نثرا، وكان الركبان يتلقّون منه الشعر فيروونه. قال ابن خلف: قال التخومي: لما قال المجنون: قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا سلب عقله. قال ابن خلف: وأنشد مصعب بن الزبير للمجنون: ألا أيها القلب الذي لجّ هائما ... وليدا بليلى لم تقطّع تمائمه أفق قد أفاق العاشقون وقد أنى ... لدائك أن يلقى طبيبا يلائمه

стр. 1612

وما لك مسلوب العزاء كأنّما ... ترى نأي ليلى مغرما أنت غارمه أجدّك لا تنسيك ليلى ملمّة ... تلمّ ولا ينسيك عهدا تقادمه قال ابن خلف: وأنشد أبو عمرو الشيباني، للمجنون: دعاك الهوى والشوق حين ترنّمت ... هتوف الضحى بين الغصون طروب تجاوب ورقا «١» قد أرعن لصوتها ... فكلّ لكلّ مسعد ومجيب ألا يا حمام الأيك «٢» ما لك باكيا ... أفارقت إلفا «٣» أم جفاك حبيب ذم الهوى ٣٩٩

стр. 1613

٥٦ وقفت على ربع لعزة ناقتي أخبرنا محمد بن أبي منصور، وشهدة بنت أحمد «١» ، قالا: أنبأنا جعفر ابن أحمد السراج «٢» ، وأنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز «٣» ، قالوا: أنبأنا علي ابن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا علي بن عيسى الرماني «٤» ، قال: أنبأنا أبو بكر بن دريد «٥» ، قال: أنبأنا عبد الأول بن مريد، قال: أخبرني حماد ابن إسحاق «٦» ، عن أبيه «٧» ، قال: خرج كثير «٨» يريد عبد العزيز بن مروان «٩» ، فأكرمه، ورفع منزلته، وأحسن جائزته، وقال: سلني ما شئت من الحوائج، قال: نعم، أحب أن تنظر لي من يعرف قبر عزة «١٠» ، فيقفني عليه، فقال

стр. 1614

رجل من القوم: إنّي لعارف به، فانطلق به الرجل، حتى انتهى به إلى موضع قبرها، فوضع يده عليه، وعيناه تجريان، وهو يقول: وقفت على ربع لعزّة ناقتي ... وفي البرد رشّاش من الدمع يسفح فيا عزّ أنت البدر قد حال دونه ... رجيع التراب والصفيح المضرّح «١» وقد كنت أبكي من فراقك حقبة ... فأنت لعمري اليوم أنأى وأنزح فهلّا فداك الموت من أنت زينه ... ومن هو أسوا منك حالا وأقبح ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذّة ... لشيء ولا ملحا لمن يتملّح فلا زال وادي رمس عزّة سائلا ... به نعمة من رحمة الله تسفح فإنّ التي أحببت قد حال دونها ... طوال الليالي والضريح الموجّح «٢» أرثّ بعينيّ البكا كلّ ليلة ... فقد كاد مجرى دمع عينيّ يقرح إذا لم يكن ماء تحلّبتا دما ... وشرّ البكاء المستعار الممتّح «٣» ذم الهوى ٤٤٦

стр. 1615

٥٧ امرأة من أهل النار أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سعيد النصيبي «٢» ، قال: حدّثني أبو الحسن بن نجيح، قال: حدّثني رجل مستور، كان لي صديقا، وكان ينزل بقرب مقابر الخيزران ببغداد «٣» ، قال: رأيت ليلة في منامي، كأني قد أطلعت من داري إلى المقبرة، على رسمي في ذلك من اليقظة، فإذا أنا بالقبور مفتّحة، وأهلها يخرجون منها شعثا، غبرا، حفاة، عراة، فيجتمعون في موضع منها، حتى لم يبق قبر إلّا خرج من كان فيه، ثم ضجّوا بالبكاء، والدعاء، والابتهال إلى الله تعالى في أن يصرف عنهم دفن المرأة التي تدفن عندهم في غد. فكأنّي قد سألت بعضهم، فقال: هذه امرأة من أهل النار، وإن دفنت عندنا، تأذينا بسماع عذابها، وما يجري عليها، فنحن نسأل الله صرف دفنها عنّا. قال: فانتبهت، فعجبت من هذا عجبا شديدا، وطال الليل بي، فلما أصبحت، سألت الحفّارين، هل حفروا قبرا لامرأة؟ فدلّني بعضهم على قبّة عظيمة، لقوم من التجّار مياسير، قد ماتت زوجة أحدهم، ويريد دفنها في القبر، وقد حفر لها.

стр. 1616

قال: فقصصت الرؤيا على الحفّارين، فطمّوا القبر في الحال، وراعيت أمر المرأة، فجاء رسل القوم، يسألون عن القبر، فقال الحفارون: إنّ الموضع، ليس يتأتّى فيه قبر، لأنّا قد وقعنا على حمأة تحت الأرض، لا يثبت فيها ميت. فسألوا جماعة من أصحاب القباب، أن يحفروا عندهم، فأبوا عليهم، وكان الخبر قد انتشر بين الحفّارين واشتهر، فمضوا إلى مقبرة أخرى، فحفروا للمرأة. فاستدللت على الموضع الذي تخرج منه الجنازة، فدللت، فحضرت، وشيّعت الجنازة، وكان الجمع عظيما هائلا، والرجل جليلا، ورأيت خلف الجنازة فتى ملتحيا حسن الوجه، ذكر أنه ابن المرأة، وهو يعزّى وأبوه، وهما وقيذان بالمصيبة. فلما دفنت المرأة تقدّمت إليهما، فقلت: إنّي رأيت مناما في أمر هذه المتوفاة، فإن أحببتما، قصصته عليكما. فقال الشيخ الذي هو زوج المتوفاة: أمّا أنا فما أحبّ ذلك. فأقبل الفتى، فقال: إن رأيت أن تفعل. فقلت: تخلو معي، فقام. فقلت: إنّ الرؤيا عظيمة، فاحتملني. قال: قل. فقصصت عليه الرؤيا، وقلت: يجب لك أن تنظر في هذا الأمر الذي أوجب من الله لهذه المرأة، ما ذكرته لك، فتجتنب مثله، وإن جاز أن تعرّفنيه لأجتنب مثله، فافعل. فقال والله يا أخي، ما أعرف من حال أمي ما يوجب هذا، أكثر من أنّ أمي كانت تشرب النبيذ، وتسمع الغناء، وترمى بالنساء، وما يوجب

стр. 1617

هذا، هذا الأمر العظيم، ولكن في دارنا عجوز لها نحو تسعين سنة، هي دايتها، وما شطتها، فإن نشطت، صرت معي، فسألناها، فلعلّها تخبرنا بما يوجب هذا، فنجتنبه. فقمت معه، فقصدنا الدار التي كانت للمتوفاة، فأدخلني إلى غرفة فيها، وإذا بعجوز فانية، فخاطبها بما جرى، وقصصت أنا عليها الرؤيا. فقالت: اسأل الله أن يغفر لها، كانت مسرفة على نفسها جدّا. فقال لها الفتى: يا أمّي، بأكثر من الشراب، والسماع، والنساء؟ فقالت نعم يا بنيّ، ولولا أن أسوءك لأخبرتك بما أعلم، فإنّ هذا الذي رآه هذا الرجل، قليل من كثير ممّا أخاف عليها من العذاب. فقال الفتى: أحبّ أن تخبريني، ورفقت أنا بالعجوز، فقلت: أخبرينا، لنجتنبه ونتّعظ به. فقالت: إن أخبرتكم بجميع ما أعرفه منها، ومن نفسي معها، طال، وبكت، وقالت: أما أنا، فقد علم الله أنّي تائبة منذ سنين، وقد كنت أرجو لها التوبة، فما فعلت، ولكن أخبركم بثلاثة أحوال من أفعالها، وهي عندي أعظم ذنوبها. فقلنا: قولي. فقالت للفتى: كانت من أشدّ الناس زنى، وما كان يمضي يوم، إلّا وتدخل إلى دار أبيك، بغير علمه، الرجل والرجلين، فيطأونها، ويخرجون، ويكون دخولهم، بألوان كثيرة من الحيل، وأبوك في سوقه. فلما نشأت أنت، وبلغت مبلغ الرجال، خرجت في نهاية الملاحة، فكنت أراها تنظر إليك نظر شهوة، فأعجب من ذلك. إلى أن قالت لي يوما، يا أمّي، قد غلب على قلبي، عشق ابني هذا، ولا بدّ لي أن يطأني.

стр. 1618

فقلت لها: يا بنتي اتّقي الله، ولك في الرجال غيره متّسع؟ فقالت: لا بدّ من ذلك. فقلت: كيف يكون هذا؟ أو كيف يجيئك، وهو صبيّ، وتفتضحين، ولا تصلين إلى بغيتك، فدعي هذا لله ، فقالت: لا بدّ أن تساعديني. فقلت: أعمل ماذا؟ فقالت: تمضين إلى فلان المعلّم، وكان معلّما في جوارنا، أديبا، ورسمه أن يكتب لها رقاعا إلى عشّاقها، ويجيب عنها، فتبرّه، وتعطيه في كل وقت. فقالت: قولي له، يكتب إليه رقعة، يذكر فيها عشقا، وشغفا، ووجدا، ويسأله الاجتماع، وأوصلي الرقعة، كأنّها من فلانة، وذكرت صبيّة من الجيران، مليحة. قالت العجوز: ففعلت ذلك، وأخذت الرقعة وجئتك بها، فلما سمعت ذكر الصبية، التهب قلبك نارا، وأجبت عن الرقعة تسألها الاجتماع عندها، وتذكر أن لا موضع لك. فسلّمت الجواب إلى والدتك. فقالت: اكتبي إليه عن الصبيّة، أن لا موضع لها، وأنّ سبيل هذا أن يكون عنده، فإن قال لك: ليس لي موضع، فأعدّي له الغرفة الفلانية، وافرشيها، واجعلي فيها الطيب والفاكهة، وقولي له: إنها صبيّة، وهو ذا تستحي، ولكن عشقك قد غلب، وهي تجيئك إلى هاهنا ليلا، ولا يكون بين أيديكما ضوء، حتى لا تستحي هي، ولا تفطن والدتك بالحديث، ولا أبوك، إذا رأوا في الغرفة ضوء سراج، فإذا أجابك إلى هذا فأعلميني. قالت: ففعلت ذلك، وأجبت أنت إلى هذا، وتقرّر الوعد ليلة بعينها، وأعلمتها، فلبست ثيابا، وتبخّرت، وتطيّبت، وتعطّرت، وصعدت إلى

стр. 1619

الغرفة، وجئت أنت، وعندك أنّ الصبية هناك، فوقعت عليها، وجامعتها إلى الغداة، فلما كان وقت السحر، جئت أنا، وأيقظتها، وأنزلتها، وأنت نائم، وكان صعودها إليك، بعد أن نام أبوك. فلما كان بعد أيّام، قالت لي: يا أمي، قد والله، حبلت من ابني، فكيف الحيلة؟ فقلت: لا أدري. فقالت: أنا أدري، ثم كانت تجتمع معك على سبيل الحيلة التي عرّفتك، إلى أن قاربت الولادة. فقالت لأبيك: إنّها عليلة، وقد خافت على نفسها التلف، وإنّها تريد أن تمضي إلى بيت أمّها فتتعلّل هناك. فأذن لها، ومضت، وقالت لأمها: إنّها عليلة، فأدخلت، وأنا معها، في حجرة من دارها، وجئنا بقابلة، فلما ولدت، قتلت ولدها، وأخرجته، فدفنته، على حيلة وستر، وأقامت أياما، وعادت إلى منزلها. فقالت لي بعد أيام: أريد ابني. فقلت: ويحك، ما كفاك ما مضى؟ فقالت: لا بدّ، فجئتك على تلك الحيلة بعينها. فقالت لي، من غد: قد والله حبلت، وهذا والله، سبب موتي، وفضيحتي، وأقامت تجتمع معك، على سبيل الحيلة، إلى أن قاربت الولادة، فمضت إلى أمها، وعملت كما عملت، فولدت بنتا مليحة، فلم تطب نفسي بقتلها، وأخذتها منها ليلا، فأخرجتها إلى قوم ضعفاء، لهم مولود، فسلّمتها إليهم، وأعطيتهم من مال أبيك دراهم كثيرة، وواقفتهم على إرضاعها، والقيام بها، وأن أعطيهم في كل شهر شيئا بعينه، وكانت تنفذه إليهم في كل شهر، وتعطيهم ضعفه، حتى تدلّل الصبية، وتوفد إليها الثياب

стр. 1620

الناعمة، فنشأت في دلال ونعمة، وهي تراها في كل يوم إذا اشتاقتها. وخطب أبوك عليك من النساء، فتزوّجت بزوجتك الفلانية، فانقطع ما بينك وبينها، وهي من أشدّ الناس عشقا لك، وغيرة عليك من امرأتك، ولا حيلة لها فيك. حتى بلغت الصبية تسع سنين، فأظهرت أنّها مملوكة، قد اشترتها ونقلتها إلى دارها، لتراها كل وقت، لشدّة محبّتها لها، والصبيّة لا تعلم انّها ابنتها، وسمّتها باسم المماليك. ونشأت الصبيّة، من أحسن الناس وجها، فعلّمتها الغناء بالعود، فبرعت فيه، وبلغت مبلغ النساء. فقالت لي يوما: يا أمي، هو ذا ترين شغفي بابنتي هذه، وانّه لا يعلم أنّها ابنتي غيرك، ولا أقدر على إظهار أمرها، وقد بلغت حدّا، إن لم أعلقها برجل، خفت أن تخرج عن يدي، وتلتمس الرجال، أو تلتمس البيع، إذ تظنّ أنّها مملوكة، وإن منعتها، تنغّص عيشها وعيشي، وإن بعتها، وفارقتها، تلفت نفسي عليها، وقد فكّرت في أن أصلها بابني. فقلت: يا هذه، اتّقي الله، يكفيك ما مضى. فقالت: لا بدّ من ذلك. فقلت: وكيف يتمّ هذا الأمر. قالت: امضي، واكتبي رقعة، تذكرين فيها، عشقا وغراما، وامضي بها إلى زوجة ابني، وقولي لها إنها من فلان الجنديّ جارنا- وذكرت غلاما حين بقل عذاره، في نهاية الحسن، قد كانت تعشقه، ويعشقها- وارفقي بها، واحتالي حتى تأخذي جوابها إليه. ففعلت، فلحقني من زوجتك، امتهان، وطرد، واستخفاف، فتردّدت إليها، وما زلت بها حتى درّ متنها، فقرأت الرقعة، وأجابت عنها بخطّها.

стр. 1621

وجئت بالجواب إلى أمك، فأخذته، ومضت به إلى أبيك، فشنعت عليها، وألقت بينها وبين أبيها وأبيك وبين أمها شرّا كنّا فيه شهورا، إلى أن انتهى الأمر. إلى أن طالبك أبوك بتطليق زوجتك، أو الانتقال عنه، وأن يهجرك طول عمره، وبذل لك وزن الصداق من ماله، فأطعت أبويك، وطلّقت المرأة، ووزن أبوك الصداق. ولحقك غمّ شديد، وبكاء، وامتناع عن الطعام، فجاءت أمّك، وقالت لك: لم تغتم على هذه القحبة؟ أنا أهب لك جاريتي المغنّية، وهي أحسن منها، وهي بكر وصالحة، وتلك ثيّب فاجرة، وأجلوها عليك كما يفعل بالحرائر، وأجهّزها من مالي ومال أبيك، بأحسن من الجهاز الذي نقل إليك. فلما سمعت ذلك، زال غمّك، وأجبتها، فوافقت على ذلك، وأصلحت الجهاز، وصاغت الحلي، وجلتها عليك، فأولدتها أولادك هؤلاء، وهي الآن قعيدة بيتك. فهذا باب واحد ممّا أعرفه من أمك. وباب آخر، وبدأت تحدّث، فقال: حسبي، حسبي، اقطعي، لا تقولي شيئا، لعن الله تلك المرأة، ولا رحمها، ولعنك معها، وقام يستغفر الله، ويبكي ويقول: خرب والله بيتي، واحتجت إلى مفارقة أمّ أولادي. وأخذ بيدي، وقمت، وفي قلبي حسرة، كيف لم أسمع باقي ما أرادت العجوز أن تحدّثنا به. ذم الهوى ٤٤٨

стр. 1622

٥٨ شقيقان عشيقان أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني إبراهيم بن علي النصيبي، قال: حدّثني أبو بكر النحوي، قال: حدّثني أبو علي بن فتح، قال: حدّثني أبي، قال: كنت سنة من السنين جالسا في دربي، إذ دخل شاب حسن الوجه والهيأة، وعليه أثر نعمة، فسأل عن دار فارغة في الدرب يكتريها، وكان أكثر الدرب لي. فقمت معه إلى دار فيه كبيرة حسنة فارغة، فأريته إياها، فاستحسنها، ووزن لي أجرتها لشهر، وأخذ المفتاح. فلما كان من غد، جاء ومعه غلام، ففتحا الباب، وكنس الغلام الدار، ورشّ، وجلس هو، ومضى الغلام، وعاد بعد العصر، ومعه عدّة حمّالين وامرأة، فدخلوا الدار، وأغلق الباب، فما سمعنا لهم حركة. وخرج الغلام قبل العشاء، وبقي الرجل والمرأة في الدار، فما فتحا الباب أياما. ثم خرج إليّ في اليوم الرابع، فقلت: ويحك، ما لك؟ فأومأ إليّ أنّه مستتر من دين عليه، وسألني أن أندب له رجلا، يبتاع له كلّ يوم ما يريده، دفعة واحدة، ففعلت. فكان يخرج في كلّ أسبوع، فيزن دراهم كثيرة، فيعطيها للغلام الذي نصبته له، ليشتري له بها ما يكفيه لطول تلك الأيام، من الخبز، واللحم والفاكهة، والنبيذ، والأبقال، ويصبّ الماء في الحباب الكثيرة، التي قد أعدّها لتلك الأيام، ولا يفتح الباب، أو ينقضي ذلك الزاد.

стр. 1623

فكان على هذا سنة، لا يجيء إليه أحد، ولا يخرج من عنده أحد، ولا أراه أنا، ولا غيري. إلى أن جاء ليلة، في وقت المغرب، فدقّ بابي، فخرجت، فقلت ما لك؟ فقال: اعلم أنّ زوجتي قد ضربها الطلق، فأغثني بقابلة. وكان في داري قابلة لأم أولادي، فحملتها إليه، فأقامت عنده ليلتها، فلما كان في الغد جاءتني، فذكرت أنّ امرأته ولدت في الليل بنتا، وانّها أصلحت أمورها، وأنّ النفساء في حالة التلف، وعادت إليها. فلما كان في وقت الظهيرة، ماتت الجارية، فجاءت القابلة، فأخبرتنا. فقال: الله الله أن تجيئني امرأة، أو يلطم أحد، أو يجيء أحد من الجيران فيعزّيني، أو يصير لي جمع. ففعلت ذلك، ووجدته من البكاء والشهيق على أمر عظيم. فأحضرت له الجنازة بين العشائين، وقد كنت أنفذت من حفر قبرا، في مقبرة قريبة منّا، فانصرف الحفّارون لما أمسوا، وقد كان واقفني على صرفهم، وقال: لا أريد أن يراني أحد، وأنا وأنت نحمل الجنازة، إن تفضّلت بذلك، ورغبت في الثواب، فاستحييت، وقلت له: أفعل. فلما قربت العتمة، خرجت إليه، وقلت له: تخرج الجنازة؟ فقال: تتفضّل أوّلا، وتنقل هذه الصبيّة إلى دارك على شرط. قلت: وما هو؟ قال: إنّ نفسي لا تطيق الجلوس في هذه الدار بعد صاحبتي، ولا المقام في البلد، ومعي مال عظيم وقماش، فتتفضّل بأخذه، وتأخذ الصبيّة، وتنفق عليها من ذلك المال، ومن أثمان الأمتعة، إلى أن تكبر الصبيّة، فإن ماتت وقد بقي منه شيء، فهو لك بارك الله لك فيه، وإن عاشت فهو يكفيها إلى

стр. 1624

أن تبلغ مبلغ النساء، فحينئذ تدبّر أمرها بما ترى، وأنا أمضي بعد الدفن، فأخرج من البلدة. فوعظته، وثبّته، فلم يكن إلى ذلك سبيل. فنقلت الصبيّة إلى بيتي، وحمل الجنازة وأنا معه أساعده. فلما صرنا على شفير القبر، قال لي: تتفضّل وتبتعد، فإني أريد أن أودّعها فأكشف وجهها، فأراه، ثم أدفنها. ففعلت، فحلّ وجهها، وأكبّ عليها يقبّلها، ثم شدّ كفنها، وأنزلها القبر. ثم سمعت صيحة من القبر، ففزعت، فجئت، فاطلعت، فإذا هو قد أخرج سيفا كان معلّقا تحت ثيابه، مجرّدا، وأنا لا أعلم، فاتّكأ عليه، فدخل في فؤاده، وخرج من ظهره، وصاح تلك الصيحة، ومات، كأنّه ميت من ألف سنة. فعجبت من ذلك عجبا شديدا، وخفت أن يدرك، فيصير قصّة، فأضجعته فوقها في اللحد، وغيّبت عليهما اللّبن، وهلت التراب، وأحكمت أمر القبر، وصببت عليه جرار ماء كانت لنا في المكان. وعدت، فنقلت كل ما كان في الدار، إلى داري، وعزلته في بيت، وختمته، وقلت: هذا أمر لا بدّ أن تظهر له عاقبة، وما ينبغي أن أمسّ من هذا المال والمتاع شيئا، وكان جليلا، يساوي ألوف دنانير، وأحتسب النفقة على هذه الطفلة، وأعدّها ملقوطة من الطريق، ربّيتها للثواب. ففعلت ذلك، فمضى على موت الغلام والجارية، نحو سنة. فإني لجالس على بابي يوما، إذ اجتاز شيخ عليه أثر النبل واليسار، وتحته بغلة فارهة، وبين يديه، غلام أسود، فسلّم، ووقف. وقال: ما اسم هذا الدرب؟

стр. 1625

فقلت: درب فتح. فقال: أنت من أهل الدرب؟ قلت: نعم. قال: منذ كم سكنته؟ قلت: منذ نشأت، وإليّ ينسب، وأكثره لي. فثنى رجله، ونزل. فقمت إليه، وأكرمته، فجلس تجاهي، يحادثني، وقال: لي حاجة. فقلت: قل. فقال: أتعرف في هذه الناحية، إنسانا وافى منذ سنتين، شاب من حاله، وصفته، فوصف الغلام، واكترى هاهنا دارا؟ فقلت: نعم. قال: وما كانت قصته، وإلى أي شيء انتهى أمره؟ فقلت: ومن أنت منه حتى أخبرك؟ قال: تخبرني. قلت: لا أفعل، أو تصدقني. فقال: أنا أبوه. فقصصت عليه القصة، على أتمّ شرح. فأجهش بالبكاء، وقال: مصيبتي أنّي لا أقدر أن أترحّم عليه. فقدّرته يومىء إلى قتل نفسه، فقلت: لعله ذهب عقله، فقتل نفسه. فبكى، وقال: ليس هذا أردت، فأين الطفلة؟ فقلت: عندي، هي والمتاع. فقال: تعطيني الطفلة. فقلت: لا أفعل، أو تصدقني.

стр. 1626

فقال: تعفيني. فقلت: أقسم عليك بالله، إلّا فعلت. فقال: يا أخي، مصائب الدنيا كثيرة، ومنها: أنّ ابني هذا نشأ، فأدّبته، وعلّمته، ونشأت له أخت، لم يكن ببغداد أحسن منها، وكانت أصغر سنا منه، فعشقها، وعشقته، ونحن لا نعلم. ثم ظهر أمرهما، فزجرتهما، وأنكرت عليهما، وانتهى الأمر إلى أن افترعها. فبلغني ذلك، فضربته بالمقارع وإيّاها، وكتمت خبرهما لئلّا أفتضح، ففرّقت بينهما، وحجرت عليهما، وشدّدت عليهما أمهما مثل تشديدي، فكانا يجتمعان على حيلة، كالغريبين. فبلغنا ذلك فأخرجت الغلام من الدار، وقيّدت الجارية، فكانا على ذلك شهورا كثيرة. وكان يخدمني غلام لي كالولد، فتمّت لولدي عليّ حيلة به، فكان يترسّل بينهما، حتى أخذوا منّي مالا جليلا، وقماشا كثيرا، وهربوا منذ سنتين، وعملوا لأخذ ذلك، والهرب، حيلة طويلة الشرح، فلم أقف لهم على خبر، وهان عليّ فقد المال لبعدهما، فاسترحت منهما، إلّا أن نفسي كانت تحنّ إليهما. فبلغني أنّ الغلام في بعض السكك منذ أيام، فكبست عليه الدار، فصعد إلى السطح. فقلت له: بالله عليك يا فلان، ما فعل ولداي؟ فقد قتلني الشوق إليهما، وأنت آمن. فقال لي: عليك بدرب فتح، في الجانب الغربي، فسل عنهما هناك، ورمى نفسه إلى سطح آخر، وهرب، وأنا أعرف بفلان، من مياسير التجار

стр. 1627

بالجانب الشرقي، وأخذ يبكي. وقال: تقفني على القبر. فجئت به حتى وقفته على القبر، ثم جاء فأدخلته داري، فأريته الصبيّة فجعل يترشّفها «١» ويبكي، وأخذها ونهض. فقلت: مكانك، انقل متاعك. فقال: أنت في حلّ منه وسعة. فما زلت أداريه، إلى أن علقت به، وقلت: خذ المال، وأرحني من تبعته. فقال: على شرط، نقسمه بيني وبينك. فقلت: والله، لا تلبّست منه بحبّة. قال: فاطلب حمّالين، فجئت بهم. فحمل تلك التركة، والصبيّة، وانصرف. ذم الهوى ٤٥٣

стр. 1628

٥٩ حلف بالطلاق لا يحضر دعوة أبدا أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني الشريف أبو أحمد الحسين ابن موسى العلوي، النقيب «١» قال: حدّثني شيخ كان يخدمني: انّه حلف بالطلاق أن لا يحضر أبدا دعوة، فسألته عن سبب ذلك، فقال: كنت قد انحدرت إلى البصرة من بغداد، فصعدت إلى بعض مشارع البصرة، فاستقبلني رجل، فكناني بغير كنيتي، وبشّ بي، واحتفى، وجعل يسائلني عن قوم لا أعرفهم. وكنت غريبا، لا أعرف مكانا، فقلت: أبيت عنده الليلة إلى غد، فأطلب مكانا، فوهمت عليه في القول، فجذبني إلى منزله، ومعي رحل صالح، وفي كمّي دراهم كثيرة. فدخلت إليه، فرأيت دارا حسنة، وحالا متوسّطا، وإذا عنده دعوة، وهم على نبيذ، وقد خرج لحاجة، فشبّهني بصديق كان له، وكان فيمن كان عنده غلام أمرد، فلما أخذنا مضجعنا للنوم، ندمت على فعلي، ونامت الجماعة. فلما كان بعد ساعة طويلة، رأيت أحد الجماعة، قد قام إلى الغلام

стр. 1629

الأمرد، ففسق به، ورجع إلى موضعه، وكان قريبا من صاحب الغلام، فاستيقظ صاحب الغلام، وحرّكه. فقال له الغلام: ما تريد؟ ألم تكن الساعة عندي، وفعلت بي وكذا كذا. فقال له: لا. فقال: قد جاءني الساعة من فعل بي كذا، فظننت أنّه هو أنت، فلم أتحرّك، ولم أظن أنّ أحدا يجسر عليك. فنخر الرجل وجرّد سكّينا من وسطه، واتّفق أنّه بدأ بصاحب الخيانة، وأنا أرعد فزعا، ولو كان بدأ بي فوجدني أرعد، لقتلني، وكان يظن أنني صاحب القصة. فلما أراده الله من حياتي، بدأ بصاحب القصّة، فوضع يده على قلبه، فوجده يخفق، وقد تناوم عليه الرجل، يرجو بذلك السلامة، فوضع السكين في فؤاده، وأمسك فاه، فاضطرب الرجل وتلف، وأخذ بيد غلامه وانصرف» . ذم الهوى ٤٦٤

стр. 1630

٦٠ أبو البلاد يجن فيعلو حبيبته بالسيف أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا محمد بن العباس «٢» ، قال: أنبأنا محمد بن خلف «٣» ، قال: أخبرنا أبو بكر العامري، عن أحمد بن هشام «٤» ، قال: أخبرني أشياخ من بني سعد ومالك ابني زيد مناة، عن أشياخ من قومهم، أدركوا ذلك الدهر: أنّ أبا البلاد، وهو بشر بن العلاء، أحد بني طهية، ثم أحد بني سود، كان في شرف من قومه، وكان يتيما من أمه، وكنفه عمّه، وكان اسم عمّه حنيف بن عمرو، وكان عنده أثر من والده، وكانت لعمّه ابنة يقال لها سلمى، وكانت أحسن فتاة بنجد، مشهورة بذلك، وكان يهاب عمه أن يخطبها إليه، فغاب غيبة، فزوّجها أبوها أحد بني عمّها، وبلغ ذلك أبا البلاد، فذهل عقله، وانّه أتى الخباء الذي تكون به سلمى كما كان يأتي، فرأت سلمى في وجهه صفرة، ورأت به زمعا «٥» ، فحسبت أنّه جائع، فدفعت إليه من وراء الستر، جفنة فيها طبيخ من لحم طير، قد راح به رعاؤهم، فطفق يأكل، أكل مسلوس «٦» ، فظنّت الفتاة أنّه عرض له عارض من الخافي «٧» ،

стр. 1631

فخرجت من كسر البيت، تريد بيت أختها ليلى. وسمع حفيف ثوبها، فخرج معارضا لها بالسيف، فضربها على حبل عاتقها «١» ، وسمعت ليلى الوجبة «٢» ، فغدت عليه بهراوة، وأدبر، فاتبعته الفتاة، فأصابت خشاشه «٣» ، فتتعتع «٤» ، فسقط، ثم انتعش، فغدا هاربا، وقال في ذلك: وإنّ لليلى بين أذني وعاتقي ... كضربة سلمى يوم نعف الشقائق قال: واستصرخ أبوها، وعمها، وإخوتها، فأقبلوا، ويأوي أبو البلاد في قارة «٥» ، حذاء أبياتهم، فكان يكون فيها نهاره، وينحدر بالليل، فيتنوّر نار أهلها، وهي تضرب بنفسها «٦» في ثياب لها، وبها علز الموت «٧» ، فيراها. فأخبر بذلك أبوها، فقال: ما كنت لأقتل ولدا بولد، وقال أبو البلاد وهو يرى نار سلمى التي كانت توقد لها قبل الموت: يا موقد النار وهنا موقد النار ... بجانب الشيخ من رقصات أعيار يا موقد النار أشعلها بعرفجة ... لمن تنوّرها من مدلج ساري

стр. 1632

نار تضيء سليمى وهي حاسرة ... سقيا لموقد تلك النار من نار قال: فماتت سليمى. ولم يزل بأبي البلاد، بعد ذلك، وسوسة «١» ، وبهتة «٢» ، حتى مات. ذم الهوى ٤٧٣

стр. 1633

٦١ ولكم في القصاص حياة أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني عبد الله بن محمد، قال: حدّثني شيخ كان يخدمني، وقد تجارينا أحاديث، قال: بتّ ليلة في مكان، فقتل رجل رجلا، فخرجت والليل منتصف، لا أدري أين أقصد. وخفت العسس، فرأيت أتون حمّام، ولم يوقد بعد، فقلت: أختبئ فيه إلى أن يفتح الحمام، فأدخله. فجلست في ناحية من الأتون، فما لبثت حتى سمعت وقع حافر، فإذا رجل معه جارية، فأدخلها إلى الأتون، فذبحها، وتركها، ومضى. فرأيت بريق خلخالين في رجلها، فانتزعتهما منها، وصبرت ساعة، ثم خرجت. وما زلت أمشي في طريق لا أعرفه، متحيّرا، إلى أن اجتزت بحمّام قد فتح، فدخلته، وخبأت ما معي، في ثيابي. وخرجت، فعرفت الطريق، وعلمت أنّي بالقرب من دار صديق لي، فطلبتها، ودققت بابه، ففتح لي، وسرّ بقدومي، وأدخلني. فدفعت إليه دراهمي ليخبأها، والخلخالين، فلما نظر إليهما تغيّر وجهه. فقلت: ما لك؟ فقال: من أين لك هذان الخلخالان؟ فأخبرته بخبري كلّه في ليلتي تلك.

стр. 1634

فقال لي: تعرف الرجل الذي قتل الجارية؟ فقلت: أما بوجهه فلا، لأن الظلمة كانت حائلة بيننا، ولكن إن سمعت كلامه عرفته. فأعدّ طعاما، ونظر في أمره، ثم خرج، وعاد بعد ساعة، ومعه رجل من الجند، فكلّمه، وغمزني عليه. فقلت: نعم، هو الرجل. ثم أكلنا، وحضر الشراب، فحمل عليه النبيذ، حتى سكر، ونام في موضعه، فغلق باب الدار، وذبح الرجل. وقال لي: إنّ المقتولة أختي، وكان هذا قد أفسدها، وأنا منذ مدة أتخبّر، فلا أصدق، إلّا أنّي طردت أختي، وأبعدتها عني، فمضت إليه، ولست أدري ما كان بينهما، حتى قتلها، وإنما عرفت الخلخالين، فدخلت، وسألت عن أمرها. فقالوا لي: هي عند فلان. فقلت: قد رضيت عنها، فوجهوا ردّوها. فمضوا يعرفون خبرها، فلجلج الرجل، فعلمت أنّه قد قتلها كما ذكرت، فقتلته، فقم حتى ندفنه. فخرجنا ليلا، أنا والرجل، حتى دفنّاه، وعدت إلى المشرعة هاربا من البصرة، حتى وصلت إلى بغداد. وحلفت لا أحضر دعوة أبدا «١» . ذم الهوى ٤٧٤

стр. 1635

٦٢ يقتل عشيقته فيفترسه الأسد أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني إبراهيم بن علي النصيبي «٢» . قال: حدّثني أبو علي «٣» ابن حامد بن أبي بكر [المعروف] بابن أبي حامد، قال: حدّثني بعض أصحاب أبي قال: كان جدك ابن أبي حامد «٤» ، وهو صاحب بيت المال- إذ ذاك- يتمسّى في دار الخلافة، فينصرف وقد مضى ربع الليل، أو ثلثه، فيجلس في طيّاره «٥» ، ويصعد إلى داره، ونحتاج نحن، أن يكون لنا سفن مشاهرة، فإذا ركب طيّاره، نزلنا نحن في سفننا، وكان برسمي ملّاح على مرور الأوقات.

стр. 1636

فلما كان ليلة من الليالي، خرجت مع جدّك، فطلبت ملّاحي، فلم أجده، فأخذني بعض أصحاب جدّك، في سميريته، وبكّرت في الغد، فلم أعرف له خبرا، وتمادى ذلك سنين. فلما كان بعد سنين، رأيته في الكرخ، بطيلسان «١» ، ونعل طاق، بزيّ التجّار المياسير. فقلت: فلان؟ فحين رآني اضطرب. فقلت: ويحك، ما قصّتك؟ قال: خير. فقلت: وما هذا الزيّ؟ قال: تركت الملاحة، وصرت تاجرا. قلت: فرأس المال من أين لك؟ فجهد أن يفلت. فقلت: لا تطوّل عليّ، والله، لا افترقنا، أو تخبرني خبرك، ولم تركتني تلك الليلة، ثم لم نرك إلى الآن؟ فقال: على أن تستر عليّ. فقلت: أفعل. فأحلفني، فحلفت. قال: إنّك أبطأت تلك الليلة، وعرضت لي بولة، فأصعدت من دار الخلافة، إلى مشرعة بنهر معلّى، فبلت. وإذا برجل قد نزل، فقال: احملني. فقلت: أنا مع راكب لا يمكنني فراقه. فقال: خذ مني دينارا واحملني.

стр. 1637

فلما سمعت بذكر الدينار، طمعت، وظننته هاربا، فقلت: إلى أين أحملك؟ فقال: إلى الدبّاغين. فقلت: لا أحملك. فقال: خذ دينارين. فقلت: هات، فأعطاني دينارين، فجعلتهما في كمّي، وكان معه غلام، فقال: امض وهات ما معك. فمضى الغلام، ولم يحتبس حتى جاء بامرأة، لم أرقط أحسن منها وجها، ولا ثيابا، وجاء بجونة كبيرة حسنة، وأطباق فاكهة، وثلج، ونبيذ، وكانت ليلة مقمرة، وجاء بعود، فأخذته الجارية في حجرها، فسهل عليّ لطيب الوقت، أن أخلّ بك. ثم قال للغلام: امض أنت، فمضى. قال: ادفع، فدفعت. وكشفت الجارية وجهها، فإذا هي أحسن من البدر بشيء كبير. فلما بلغت الدبّاغين، جرّد سيفا كان معه، وقال: ادفع إلى مكان ما أقول لك، وإلّا ضربت عنقك. فقلت: ما بك إلى هذا حاجة، السمع والطاعة، فانحدرت. فقال لها: تأكلين شيئا؟ فقالت: نعم. فأخرج ما كان في الجونة، فإذا طعام نظيف، ظريف، فأكلا، وألقى الجونة إليّ. ثم أخذت العود، وغنّت أحسن غناء يكون، وأطيبه. فقال لي: يا ملّاح لولا خوفي أن تسكر، لسقيتك.

стр. 1638

فقلت: يا أستاذ، أنا أشرب عشرين رطلا نبيذا، ولا أسكر، فأعطاني ظرفا فيه خمسة أرطال «١» ، وقال: اشرب لنفسك. فجعلت أشرب على الغناء وأجدف، وهما يشربان، إلى أن دنا منها، فقبّلها كثيرا، واحتدّت شهوته، فجامعها وأنا أراه، ثم عاودها دفعات، وثمل. فقال: يا فلانة، خنت عهدي وميثاقي، ومكّنت فلانا من نفسك، حتى فعل بك كيت وكيت، وفلانا، وفلانا، وجعل يوافقها، وهي تقول: لا والله، يا سيدي، ما فعلت هذا، وإنما كذبوا عليّ عندك، ليباعدوني منك. فقال: كذبت، أنا توصّلت إلى أن حصلت معكم، في ليلة كذا، في الدار الفلانية، وقد دعاك فلان، وصنعتم وفعلتم كذا وكذا، وأنا أراكم بعيني، وما بعد هذا شيء، وتدرين لم جئت بك إلى هذا الموضع، وعاتبتك هاهنا؟ فقالت: لا. فقال: لأن أودّعك، وأجعل هذا آخر العهد بك، وأقتلك، وأطرحك في الماء. قال: فجزعت الجارية جزعا شديدا، ثم قالت: يا مولاي، ويطيب قلبك؟ قال: إي والله، ثم خالطها، وأخرج تكّتها، فكتّفها بها. فقلت: يا سيدي، اتّق الله، مثل هذا الوجه، وأنت تالف في حبّه، تعمل به مثل هذا؟

стр. 1639

فقال: الساعة والله، أبتدئ بك. وأخذ السيف، فجزعت، وأمسكت، وتقدم إليها فذبحها، وأمسكها حتى جرى دمها وماتت. ثم أقبل ينزع حليها، ويرمي به إلى صدر السميرية «١» ، ثم نزع الثياب عنها، وشقّ جوفها، وجعل يقطعها قطعا، ويرمي بها إلى الماء. وكنا قد قاربنا المدائن «٢» ، وقد مضى أكثر الليل، فرأيت منظرا لم أر قط مثله، ومتّ جزعا، وقلت: الساعة يقتلني لئلّا أنمّ عليه، ولم أجد حيلة، فاستسلمت. وطرح نفسه كالمغشيّ عليه، وجعل يبكي، ويقول: شفيت قلبي، وقتلت نفسي، ويلطم، ورمى بالعود، وجميع ما كان معه، من فاكهة، وأكل، وشراب، إلى الماء. فطلع الفجر وأضاء، وبقي بيننا وبين المدائن نصف فرسخ، فطمعت في الحيلة عليه. فقلت له: يا سيدي، قد أصبحنا، أفلا تصلّي؟ وأردت أن يصعد إلى الشط، وأنحدر أنا في السميرية، وأدعه. فقال: بلى، اطرحني إلى الشط. فقدمت السميرية إلى الشط، وطرحته. فحين صعد من السميرية أذرعا يسيرة، إذا سبع قد قفز عليه، فتناوله، فرأيته والله، في فمه، كالفأرة في فم السنور. فلا أنسى ما ورد على قلبي من السرور بذلك.

стр. 1640

فحدرت السفينة، فلما تجاوزت المدائن، طرحت «١» إلى الشط، وجمعت الحلي، وخبأته، تحت بارية «٢» السميرية، وتأمّلت الثياب، فغسلت ما أثّر الدم فيه، وخبأته، وانحدرت، فما ردّ وجهي شيء إلى البصرة. فنظرت، فإذا معي حلي بألف دينار، وثياب بعتها بجملة دنانير كثيرة، فأقمت بالبصرة أتّجر، وخفت العود إلى بغداد، لئلّا يراني ذلك الغلام، فيطالبني بالرجل، أو أسأل عن الحديث. فلما طالت المدة، وانقضت السنون، وقع لي أن الأمر قد نسي، واشتقت إلى بغداد، وكانت البضاعة قد نمت وزادت، فاشتريت بجميعها تجارة إلى بغداد، ودخلت، وأنا فيها منذ نحو سنة، حتى رأيتني اليوم. ذم الهوى ٤٧٥

стр. 1641

٦٣ حلف بالطلاق لا يشيّع جنازة أبدا أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني عبد الله بن محمد «٢» ، قال: حدّثني الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى العلوي النقيب «٣» ، قال: حدّثني شيخ كان يخدمني: انّه حلف بالطلاق، لا يشيّع جنازة. فسألته عن السبب. فقال: خرجت يوما ببغداد في نصف النهار من يوم حار، لحاجة لي، فاستقبلتني جنازة يحملها اثنان. فقلت: غريب، فقير، أربّعها، فأثاب، فدخلت تحتها بدلا من أحد الحمّالين. فحين استقرّت على كتفي، افتقدت الحمال، فقلت: يا حمّال، يا حمّال. فقال الآخر: أيش تريد؟ إمش واسكت، قد انصرف الحمّال. فقلت: الساعة والله، أرمي بها. فقال الحمّال: والله لئن فعلت، لأصيحنّ.

стр. 1642

فاستحييت، وحملت الأذى، وقلت: ثواب، وما زلت أسير في الشمس، والرمضاء، إلى الشونيزية «١» . فلما حططنا الجنازة في مسجد الجنائز، هرب الحمال الآخر. فقلت لنفسي: ما لهؤلاء الملاعين، والله لأتمّمن الثواب، وأخرجت من كمّي دراهم، وصحت، يا حفّار، أين قبر هذه الجنازة؟ فقال: لا أدري. فقلت: احفر، فأخذ مني درهمين، وحفر قبرا. فلما صوّبت عليه الجنازة، ليأخذ الميت ليدفنه، وثب من اللحد، ولكمني، وجعل عمامتي في رقبتي، وصاح: يا قوم! قتيل. واجتمع الناس، وسألوه، فقال: هذا جاء برجل مقطوع الرأس لأدفنه له، فحلّ الكفن، فوجد الأمر على ما قاله الحفّار. فبهتّ، وتحيّرت، وجرى عليّ من العامة، من المكروه، ما كادت نفسي تتلف، إلى أن حملت إلى صاحب الشرطة، فأخبر الخبر، فجرّدت للسياط، وأنا ساكت، باهت وكان له كاتب، فحين رأى حيرتي، قال له: أنظرني، حتى أكشف أمر هذا الرجل، فإنّي أحسبه مظلوما. فخلا بي، وساءلني، فأخبرته خبري، ولم أزد فيه، ولم أنقص. فنحّى الميت عن الجنازة، وفتّشها، فوجد فيها كتابة، انها للمسجد الفلاني، للناحية الفلانية. فأخذ معه رجّالة، ومضى، فدخل المسجد متنكّرا، فوجد فيه خيّاطا،

стр. 1643

فسأله عن جنازة، كأنّه يريد أن يحمل عليها ميتا له. فقال الخياط: للمسجد جنازة، إلّا أنها أخذت منه الغداة، لحمل ميت، ولم تردّ. فقال: من أخذها؟ فقال: أهل تلك الدار، وأوما إليها. فكبسها الكاتب، برجالة الشرطة، فوجد فيها رجالا، فقبض عليهم وحملهم إلى الشرطة، وأخبر صاحبه الخبر، فقدّم القوم، وقرّرهم، فأقرّوا، أنّهم تغايروا «١» على غلام أمرد معهم، فقتلوه، واحتزّوا رأسه، ودفنوه في بئر حفروها في الدار، وحملوه على تلك الصورة، وأنّ الحمالين كانا أحد القوم، فضربت أعناق القوم، وخلي سبيلي. فهذا سبب توبتي، أن لا أحضر جنازة «٢» . ذم الهوى ٤٧٧

стр. 1644

٦٤ منفصل عني وما قلبي عنه منفصل وأنبئت عن الوليد بن محمد، وغيره، عن محمد بن عبد الباقي الأنصاري «١» قال: حدّثنا علي بن المحسن التنوخي، إذنا، قال: أنبأنا أبي، عن أبي الفرج الأصبهاني «٢» ، قال: أخبرني عمي، قال: حدّثني عبد الله بن المرزبان «٣» ، قال: أخبرني علي بن صالح بن الهيثم «٤» ، وإسماعيل بن يونس، قالا: حدّثنا أبو هفان «٥» ، قال: أهديت إلى الرشيد، جارية في غاية الجمال، والكمال، فخلا بها أياما، وأخرج كل قينة من داره. واصطبح يوما، فكان من حضره من جواريه للغناء وغيره، زهاء ألفي جارية، في أحسن زيّ، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر. واتّصل الخبر بأم جعفر «٦» ، فغلظ عليها ذاك، فأرسلت إلى

стр. 1645

عليّة «١» ، تشكو إليها. فأرسلت عليّة: لا يهولنك هذا، فو الله لأردنّه، وأنا أعمل شعرا، وأصوغ فيه لحنا، وأطرحه على جواريّ، فلا تدعي عندك جارية، إلّا بعثت بها إليّ، وألبسيهنّ فاخر الثياب والحلي، ليأخذن الصوت مع جواريّ. ففعلت أم جعفر ما أمرتها. وزحفت عليّة من حجرتها، ومعها زهاء ألفي جارية من جواريها، وسائر جواري القصر، عليهن غرائب اللباس والحلي، وكلّهن يغنّين في لحن واحد، هزج، صنعته عليّة: منفصل عنّي وما ... قلبي عنه منفصل يا قاطعي اليوم لمن ... نويت بعدي أن تصل فطرب الرشيد، وقام على رجليه، حتى استقبل أم جعفر، وعليّة، وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط. ثم قال: يا مسرور «٢» ، لا تبقين في بيت المال شيئا إلّا نثرته، فكان مبلغ ما نثر يومئذ، ستة آلاف ألف درهم. وما سمع بمثل ذلك اليوم قط. نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي مخطوط

стр. 1646

٦٥ ألا ان هندا أصبحت منك محرما أخبرتنا شهدة بنت أحمد «١» ، قالت: أنبأنا أبو محمد بن السراج «٢» ، قال: أنبأنا أبو القاسم التنوخي، قال: أنبأنا علي بن عيسى بن علي النحوي «٣» ، قال: حدّثنا أبو بكر بن دريد «٤» ، قال: حدثنا أبو حاتم «٥» ، عن الأصمعي «٦» ، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة «٧» ، عن أيوب السختياني «٨» ، عن ابن سيرين «٩» ، قال: قال عبد الله بن عجلان النهدي «١٠» في الجاهلية:

стр. 1647

ألا إنّ هندا أصبحت منك محرما «١» ... وأصبحت من أدنى حميّمها حمى «٢» وأصبحت كالمقمور «٣» جفن سلاحه ... يقلّب بالكفّين قوسا وأسهما ومدّ بها صوته، حتى مات. ذم الهوى ٥٠٣

стр. 1648

٦٦ جعلت من وردتها تميمة في عضدي أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: أنبأنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه «٢» ، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان «٣» ، قال: أنبأنا أحمد بن محمد بن منصور «٤» [بن سيار] «٥» ، قال: أخبرني عبد الله بن نصر المروزي، قال: أخبرني عبد الله بن سويد، عن أبيه، قال: سمعت علي بن عاصم يقول: قال لي رجل من أهل الكوفة، من بعض إخواني، هل لك في عاشق تراه؟ فمضيت معه، فرأيت فتى كأنما نزعت الروح من جسده، وهو متّزر بإزار، مرتد بآخر، وإذا هو مفكّر، وفي ساعده وردة. فذكرنا له بيتا من الشعر، فتهيّج وقال: جعلت من وردتها تميمة في عضدي ... أشمّها من حبّها إذا علاني جهدي

стр. 1649

فمن رأى مثلي فتى ... بالحزن أضحى مرتدي أسقمه الحب وقد ... صار قليل الأود «١» وصار ساه دهره ... مقارنا للكمد ألا فمن يرحم أو ... يرقّ لي من كمد ثم أطرق. فقلت: ما شأنه؟ قالوا: عشق جارية لبعض أهله، فأعطى بها كل ما يملك، وهو سبعمائة دينار، فأبوا أن يبيعوها، فنزل به ما ترى، وفقد عقله. قال: فخرجنا، فلبثنا ما شاء الله، ثم مات، فحضرت جنازته. فلما سوي عليه، إذا بجارية تسأل عن القبر، فدللتها عليه، فما زالت تبكي، وتأخذ التراب فتجعله في شعرها، فبينما هي كذلك، إذ جاء قوم يسعون، فأقبلوا عليها ضربا، فقالت: شأنكم، والله، لا تنتفعون بي بعده أبدا. ذم الهوى ٥٢١

стр. 1650

٦٧ عشق، فعف، فكتم، فمات أنبأنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا التنوخي، قال: حدّثنا ابن حيّويه، قال: أنبأنا ابن المرزبان، قال: ذكر بعض الرواة عن محمد بن معاوية «١» ، قال: حدّثني إبراهيم بن عثمان العذري، وكان ينزل الكوفة، قال: رأيت عمر بن ميسرة، وكان كهيئة الخيال، وكأنّه صبغ بالورس «٢» ، لا يكاد يكلّم أحدا، ولا يجالسه، وكانوا يرون أنّه عاشق، فكانوا يسألونه عن قصته، فيقول: يسائلني ذا اللب عن طول علّتي ... وما أنا بالمبدي لذا الناس علّتي سأكتمها صبرا على حرّ جمرها ... وأكتمها إذ كان في السرّ راحتي إذا كنت قد أبصرت موضع علّتي ... وكان دوائي في مواضع لذّتي صبرت على دائي احتسابا ورغبة ... ولم أك أحدوثات أهلي وخلّتي قال: فما أظهر أمره، ولا علم أحد بقصّته، حتى كان عند الموت، فإنّه قال: إنّ العلة التي كانت بي، من أجل فلانة ابنة عمّي، والله، ما حجبني عنها، وألزمني الضرّ، إلّا خوف الله لا غير، فمن بلي في هذه الدنيا بشيء، فلا يكن أحد أوثق عنده بسرّه من نفسه، ولولا أن الموت نازل بي الساعة، ما حدّثتكم، فاقرؤوها مني السلام، ومات. ذم الهوى ٥٢٥
следующие страницы →