← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فقال: اشتريتها بألف دينار «١» ، وربحت جذور القيان «٢» ، وأمري الآن على غاية الانتظام والاستقامة. فقلت: من أين هذا؟ قال: مات خادم لأبي، وابن عمّ لنا بمصر، في يوم واحد، فخلّفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إليّ بأسرها، فوصلت في وقت واحد، وأنا بين القطن، كما رأيت، فحمدت الله، واعتقدت أن لا أبذّر، وأن أدبّر، وأعيش بها إلى أن أموت، وأنفقها على اقتصاد. فعمّرت هذه الدار، واشتريت جميع ما فيها من فرش وآلة وثياب ومركوب وجواري وغلمان، بخمسة آلاف دينار، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار [٦١ ب] ، عدّة للحوادث، وابتعت ضياعا ومستغلات بعشرة آلاف دينار، تغلّ لي في كلّ سنة، مقدار نفقتي، على هذا المقدار الذي تراه من النفقة، ويفضل لي في كلّ سنة إلى وقت ورود الغلّات، شيء آخر، حتى لا أحتاج أن أقترض ولا أن أستدين، وأمري يمشي على هذا. وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنّي أحببت أن ترى رجوع حالي، ومن دوام صلاحها، واستقامتها، أن لا أعاشرك، يا عاضّ بظر أمّه، أبدا، خذوا يا غلمان برجله. فجرّوا والله برجلي، وأخرجوني، ولم يدعوني أتمّم شربي عنده ذلك اليوم. وكنت ألقاه بعد ذلك على الطريق راكبا. فيضحك إذا رآني، ولا يعاشرني، ولا أحدا من تلك الطبقة «٣» . ويبعد في نفسي، ما حكي من أمر سفاتج الأعراب والأكراد، والزجاج، [٥٥ ط] فإن هذا عندي، لا تسمح به نفس مجنون.

стр. 212

٩٤ ابن الدكيني يرث عن والده خمسمائة ألف دينار ولكن قد حكي: أنّ رجلا من أولاد التجّار ببغداد، يقال له: ابن الدكينيّ، وخبره مشهور ببغداد، مات أبوه، فخلّف عليه «١» خمسمائة ألف دينار، فلعب بها لعبا لم يسمع قط بأعظم منه. وكان يضاهي المقتدر، وإذا بلغه أنّه عمل شيئا من ألوان اللذة والطيب واللعب، عمل ما يقاربه من جنسه. وإنّه كان يجذر دائما بمائتي دينار في يوم، وينثر على المغنّيات خمسة آلاف درهم «٢» ، وعشرة آلاف درهم «٣» ، غير دفعة، ويهب لهم الخلع، كلّ خلعة بثلاثة آلاف درهم، وألفي درهم، ومائة دينار. ويهب منها في مجلس، عشر خلع، وخمس عشرة خلعة «٤» ، يخرجها من دكّان أبيه من التخوت، فيهبها. وإنّه كان إذا أصبح مخمورا، أحضر الثياب الدبيقيّ، فتخرّق بحضرته باليد، عصائب للفصد، ويقول «٥» : لا يزيل خماري غير سماع أصواتها. وإنّه أنفق في فصاد «٦» فصدته عشيقته، ثلاثة آلاف دينار. وأشياء من هذا السّرف.

стр. 213

وإنّه لما لم يبق له إلّا نحو خمسين ألف دينار من ماله، تاب من هذا كلّه، ولزم يده «١» ، وتجهز للحجّ. فأنفق فيه، وفي أبواب الثواب «٢» عشرة آلاف دينار. فلما قضى حجّه، وعاد يريد بغداد، مات في طريقه وهو شاب، فورث ورثته باقي ذلك المال. ٩٥ وآخر بالبصرة ورث عن والده مائة ألف دينار وسمعت بعض الطيّاب «٣» ، يقول، وقد جرى ذكر رجل عندنا بالبصرة، ورث مقدار مائة ألف دينار «٤» ، فتقاين بها في سنين قريبة، وعاد فقيرا. فقال له ذلك الرجل: يا أخي فرسخ قراضة في هذا العمل بضاعة «٥» .

стр. 214

٩٦ تاجر من العسكر يحاسب ولده على ما أتلف من المال حدّثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: كان بالعسكر «١» رجل تاجر، موسر من التجّار، يقال له أحمد بن عمر بن حفص، فخرج إلى أصفهان، فأنفق ابن له من ماله في القيان، ثلاثة آلاف دينار، وكوتب بذلك، فعاد. فلما اجتمعا، طالبه بالحساب، فدافع. فقال له أبوه يوما: إلى كم تدافع بالحساب، وقد بلغني خبر ما أتلفت فيه المال؟ فإن كنت استفدت بذلك عقلا، وعلما بالزمان، وحنّكتك الشدائد والأمور، وأدّبتك، فليس هذا بغال، بهذا القدر من مالي، فإنّه مالك، وإن لم تكن أفدت ذلك، فإن المصيبة فيك عندي، أعظم من المصيبة بذهاب المال.

стр. 215

٩٧ أحمد الخراساني صاحب ابن ياقوت وحدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: كان أحمد بن محمّد الخراسانيّ، الذي صار بعد ذلك، صاحبا لابن ياقوت «١» ، جاءني وقد ورث خمسين ألف درهم، في أوّل عمره، فدخل دار الزكوريّة المغنّية، وتعشّق جارية لها، كانت [٦٢ ب] مشهورة ببغداد، بالحسن والظرف، وطيب الغناء، يقال لها زهرة «٢» ، كان الأحداث ببغداد قد استهتروا بها. فقالت الزكوريّة: أراك قد عشقت جاريتي هذه، فكم معك؟ قال: خمسين ألف درهم، قالت: هذه دور بلا نحبة «٣» . فما مضت إلّا أيّام، حتى أتلفها، فرأيته بجبّة لا قميص تحتها ولا فوقها، يمشي حافيا، ثم صنع الله له بعد ذلك، [وخدم ابن ياقوت، فأثرى وعقل] «٤» .

стр. 216

٩٨ ابن وسنا الخزاعيّ والكلام الذي يطيّر الآجرّ وحدّثني «١» قال: كان رجل من الرجّالة، يقال له ابن وسنا الخزاعيّ، يتعشّق حدثا ببغداد، يقال له الحسين بن غريب البقّال» ، حسن الوجه، رائعا، خفيف الروح [٥٦ ط] حسن الالتقاء، فأنفق عليه مالا، وباع عقارا كان له، ثم خفّ ماله، فأمسك يده عنه، وقطعه. [فقيل له بعد ذلك: لم تركت ابن غريب، وحلفت أن لا تكلّمه؟ فقال: كلام حسين بن غريب يطيّر الآجرّ] «٣» .

стр. 217

٩٩ درة الرقاص الصوفيّ وأبو غالب بن الآجري سمعت درّة، الرقّاص الصوفيّ، يقول: استترت مع أبي غالب بن الآجريّ، كاتب صافي، أحد الساجيّة «١» ، شهرا، فضاق صدري، فتركته وهربت منه، وغبت أيّاما عند إخواني، ثم جئته، فعاتبني. فقلت: يا هذا ضاق صدري. فقال لي: استتر معي أيام استتاري، فإذا خلّصني الله، دعوتك أيّاما متتابعة، بعدد أيّام استتارك عندي، أجذر لك في كلّ يوم غناء بمائة دينار. فاستترت معه بعد هذا نحو شهر، ثم فرّج الله عنه، وظهر، وعادت حاله. فلما التقينا، قلت: النذر. قال: نعم، إجلس، لنجعل اليوم أوّله، فجذر ذلك اليوم، وتلك الليلة، قيانا بمائة دينار، وأنفق قريبا منها، ثم لم يدع القيان يخرجن، إلّا أن يملهنّ، فيحضر بدلهنّ. وجلسنا على تلك الحال، يجذر في كل يوم وليلة بمائة دينار قيانا، وينفق في طعام وشراب وفاكهة وطيب، مثلها. وكان ربّما احتاج إلى لقاء صاحبه، والتصرّف في شغله، فيخرج، ويركب، ويتصرّف [٦٣ ب] ، ويعود ليلا، أو عشيّا، وكما يستوي له، والغناء جالس، والمطبخ قائم، ونحن نأكل ونسمع، وهو غائب عن داره، حتى وفّى لي أيّاما بعدد أيّام استتاري معه، وكانت أكثر من ثلاثين يوما.

стр. 218

١٠٠ آخرة أبي غالب بن الآجريّ ولقد رأيت أنا، أبا غالب الآجريّ هذا، وقد ورد البصرة في أيّام أبي القاسم البريديّ «١» ، فاستشفع على أبي بغلامه مبشّر، لأنّه كان قد ملكه في أيّام نعمته. وكنت أرى مبشّرا غلامنا، يبرّه في الأوقات، من ماله، بعشرين درهما، وثلاثين درهما، ويأخذ له من أبي سبعين درهما، ومائة درهم، في أوقات، وهو يجيء إلى مبشّر، فيواكله، ويشاربه، ويعاشره، وكأنّه نديم له، بدالّة ملكه إيّاه، وأرى عليه قميصا مخرّقا، ودرّاعة «٢» مرقوعة، ونعلين كنباتي «٣» في رجله يمشي بهما في الطرق، وغلامه خلفه، ومعه خفّ منعّل، فإذا حصل في دهليزنا لبسه، ودخل إلى أبي. ولزمنا مدّة، إلى أن خاطب أبي بعض العمّال في تصريفه «٤» بعشرة دنانير في الشهر، فصرّف فيما هذا مقداره.

стр. 219

١٠١ درة الصوفي يتحدث عن المورثين وقال لي درّة الصوفيّ: كان المورث، إذا اجتذبنا إلى اللعب معه، ومعه عشرة آلاف دينار، أو مائتا ألف درهم، سمّيناه: المعجّل. فقلت له: ما معنى هذا؟ فقال: النساء، إذا مات لهن ابن له شهور دون السنة، أو سنة إلى حدّ الفطام، سمّينه المعجّل. وكنّا نحن نسمي هذا بالمعجّل، بمعنى أنّ ماله، لا يبلغ به في هذا العمل، إلّا إلى حدّ الطفل الذي يموت في شهور، أو سنة [وأشهر للنساء] «١» ، فيسمّونه المعجّل. ونعوذ بالله من الإدبار، وتغيّر النعم، وإيحاشها بقلّة الشكر.

стр. 220

١٠٢ فصل من كتاب كتبه القاضي التنوخيّ إلى رئيس ولقد كتبت، في محنة لحقتني، إلى رئيس، كتابا فيه فصل يتعلق بما ذكرته، من منادمة أبي غالب الكاتب، لمبشّر مولانا، بدالّة ملكه له، وقبوله برّه بتلك الحجّة، استحسنته، فأوردته هاهنا وهو: «لا أحوجك الله إلى اقتضاء ثمن معروف أسديته، [ولا ألجأك إلى قبض عوض عن جميل أوليته] «١» ، ولا جعل يدك السفلى لمن كانت عليه هي العليا، وأعاذك من عزّ مفقود، وعيش مجهود [٥٧ ط] ، وأحياك ما كانت الحياة أجمل بك، وتوفّاك إذا كانت الوفاة أصلح لك، بعد عمر مديد، وسموّ بعيد، وختم بالحسنى عملك، وبلّغك في الأولى أملك، وسدّد فيها مضطر بك، وأحسن في الأخرى منقلبك، إنّه سميع مجيب، جواد قريب» .

стр. 221

١٠٣ أبو الحسن الموصلي كاتب أبي تغلب والسيّدة جميلة ابنة ناصر الدولة حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال: رأيت أبا الحسن عليّ بن عمرو الموصليّ «١» يكتب إلى أبي تغلب بن ناصر الدولة «٢» ، وكتب في موضع من الكتاب «أمور حميدة» . فقلت له: هذا الموضع يصلح أن يكون فيه «أمور [٦٤ ب] جميلة» فأمّا حميدة، فهي لفظة مستكرهة «٣» . فقال: صدقت، ولكنّي كتبت، وأنا بالموصل، رقعة إلى أبي تغلب، فيها «أمور جميلة» فوصلت إليه، وهو عند أخته جميلة «٤» ، وهي غالبة

стр. 222

عليه، محتوية على أمره، لا يقطع شيئا دونها، ولا يفصل رأيا إلّا عن مشورتها، وكانت الرقعة مما احتاج إلى مطالعتها بما فيها [فقرأها عليها] «١» فأنكرت عليّ قولي «جميلة» ، لأنّه اسمها، إنكارا شديدا، احتجت معه إلى الاعتذار مما كتبت، فما كتبت بعدها إلى الآن، «جميلة» في شيء من مكاتباتي إلى أحد، وصار تركها لي طبعا «٢» .

стр. 223

١٠٤ علية بنت المهدي تتحامى اسم طلّ ويشبه هذا، قول عليّة بنت المهدي «١» ، لمّا قرأت القرآن فبلغت إلى قوله : فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ «٢» ، فقالت: «فإن لم يصبها وابل فما نهى أمير المؤمنين عن ذكره» ، ولم تقل طلّ، لأنّه كان اسم خادم تعشّقته، فبلغ الرشيد أخاها خبرها معه، فجرى عليها منه مكروه غليظ، وأحلفها على أشياء منها أنّها لا تذكره. ١٠٥ امرأة بغدادية تتظرّف فتحرّف القرآن وقد حكي: أنّ بعض النساء الظراف، قرأت: «تعلم ما في روحي، ولا أعلم ما في روحك» «٣» ، ولم تقل «نفسي» لأنّ الظراف، لا يقولون ذلك «٤» . فقال لها بعض من سمعها: ويحك، فأنت أظرف من الله؟ قولي كما قال.

стр. 224

١٠٦ بجكم أمير الأمراء وفتوّة جارية الهاشميّة أخبرني غير واحد: إنّ بجكم الماكاني «١» أمير الأمراء ببغداد، عشق جارية من القيان بها، يقال لها فتوّة جارية الهاشمية، وكان يتكبّر عن شرائها، ويرفع نفسه أن يبوح بمحبّتها، ويحضرها، فيعطيها كلّ شيء. وكان قد استعمل لها عودا، من عود هندي، قام عليه بمال، وكانت تغنّي به. فسكر يوما، فخسف وجه العود، وقلعه، وملأه لها دراهم، فوسع نيّفا وعشرين ألف درهم.

стр. 225

١٠٧ أبو العباس البغداديّ وإنفاقه ماله في الفساد وكان عندنا بالبصرة، دلّال من أهلها يعرف بأبي العبّاس البغداديّ «١» ورث في حداثته مالا جليلا، فتقاين «٢» بجميعه، فلمّا افتقر، صار دلّالا، فكسب أيضا كسبا ثانيا كبيرا، فما كان يبقي منه شيئا، بل ينفقه كله في الفساد. فأخبرني بعض شيوخ البصرة، قال: رأيته، وهو حدث، في ليلة من شهر رمضان، مملوء الكمّ، يريد دار بدعة الدرونيّة، وكانت إذ ذاك مغنّية البلد، المشهورة فيه، بالنبل، والحذاقة، والطيب، والحسن، ولها أخبار كثيرة طريفة. فقلت: أيش في كمّك يا أبا العبّاس. فقال: مخلّط خراسان «٣» أتصدّق به على بدعة، صدقة شهر رمضان.

стр. 226

فلم أشكّ في أنّه كذلك. فقلت: فأطعمني منه، فطرح في كمّي منه شيئا ثقّل به كمّي، وافترقنا. فلما بلغت بيتي أردت أن أطعم عيالي منه، فنظرت فإذا هو لوز ذهب، وسكّر فضّة، وفستق وبندق عنبر، وزبيب ندّ، فخبّيته «١» . فلما كان من غد، نظرت فإذا قيمته [٥٨ ط] مال، فجئت إليه، ورددته عليه. فقال [٦٥ ب] : يا بارد، أيش هذا حتى تردّه؟ جميع ما كان في كمّي البارحة، كذا، فرّقته على بدعة وجواريها. فقلت: لو علمت هذا ما طلبته منك. قال: فظننت أنّي على الحقيقة أحمل إليها لوزا وسكرا وزبيبا وفستقا؟

стр. 227

١٠٨ كل نفس آتيناها هداها حدّثني أحمد بن عبد الله بن بكر البصريّ، قال: حدّثني عروة الزبيريّ «١» : إنّه حجّ في سنة الهبير «٢» ، فاشترى من مكّة قردا، وكان مع عديله «٣» كلب، فألف القرد الكلب، فكانا يأكلان في موضع واحد. قال: فقطع علينا القرمطيّ، وأخذنا السيف، وتفرّق الناس، وحيل بينهم، وبين أمتعتهم ورحالاتهم، ومشيت أنا، فأفلتّ فيمن أفلت، وجئت إلى الكوفة، وما أملك درهما واحدا. فبينا أنا جالس يوما أفكّر، لمن أسأل، وكيف أعمل، إذ سمعت جلبة وضوضاء. فخرجت أبصر ما هي؟ فإذا القرد قد ركب الكلب، وجاء كذلك، فدخلا الكوفة، والناس يضحكون منهما.

стр. 228

وإذا القرد كان يطعم الكلب، ويريد منه الركوب، واحتال لنفسه بذلك، طول الطريق. فلما رأيت القرد والكلب استدعيتهما فجاءا إليّ. فقال الناس: ما هذا؟ فقلت: هما لي، فأخذتهما. وبلغ أمير الكوفة الخبر، فراسلني في بيعهما عليه. فبعتهما عليه بثلاثمائة درهم، فكانت سبب صلاح حالي في الوقت، وخرجت عن البلد.

стр. 229

١٠٩ ما للماء للماء وما للخمر للخمر وروي عن وهب بن منبّه «١» : أنّه كان في عهد بني إسرائيل، خمّار، فسافر بخمر له ومعه قرد، وكان يمزج الخمر بالماء نصفين، ويبيعه بسعر الخمر، والقرد يشير إليه أن لا تفعل، فيضربه. فلما فرغ من بيع الخمر، وأراد الرجوع إلى بلده، ركب البحر، وقرده معه، وخرج فيه ثيابه، والكيس الذي جمعه من ثمن الخمر. فلما سار في البحر، استخرج القرد الكيس من موضعه، ورقى الدقل وهو معه، حتى صار في أعلاه، ورمى إلى المركب بدرهم، وإلى البحر بدرهم. فلم يزل ذلك دأبه، حتى قسم الدراهم نصفين، فما كان بحصّة الخمر، رمى به إلى المركب، فجمعه صاحبه، وما كان بحصّة الماء رمى به إلى البحر فهلك، ثم نزل عن الدقل [حتى حصل في المركب] «٢» .

стр. 230

١١٠ قرود اليمن ترجم الزاني والزانية حدّثني أبو عمر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن بكر البصريّ، قال: حدّثني النعمان الواسطيّ المحدّث «١» إنّه كان باليمن، فحدّثه بعض من يثق به من الرعاة هناك، قال: كنت أرعى غنما لي في بعض الأودية، فرأيت قردين، ذكرا وأنثى، وهما نائمان في مكان من الجبل. فجاء قرد ذكر، يخفي مشيه، حتى حرّك الأنثى، وهي إلى جنب الذكر، فانتبهت، ومضت معه، وافترشها، وأنا أراهما. فانتبه ذكرها، فرآها، فزعق زعقة عظيمة، فاجتمع إليه من القرود عدد كثير، هالني. فصاح بين أيديهم، فأقبلوا يتشمّمون الأنثى، حتى فرغوا كلهم من تشمّمها. ثم نزلوا بها، وبالذكر الذي وطئها، تخفيّا من ذكرها، إلى وهدة بعيدة، فدحرجوهما فيها قهرا، ثم رجموهما بالحجارة، حتى ماتا «٢» .

стр. 231

١١١ دب في شيراز ينفخ في زق حداد قال: حدّثني أبو الحسن الزجّاج، صديق- كان لي- ثقة: إنّه شاهد بشيراز، دبّا، ينفخ في زقّ حدّاد، كأنّه أقامه مقام [٥٩ ط] الأجير «١» . ١١٢ دبّ يضرب بمطرقة حدّاد قال: وشاهدت «٢» أيضا دبّا يضرب بالمطرقة، على حدّاد، فغلط يوما، فضرب دماغ الحدّاد، فقتله «٣» .

стр. 232

١١٣ خاقان المفلحي يستطيب لحم الدبّ والضبع حدّثني أبو محمد الصّلحيّ «١» الكاتب، قال: حدّثني أبي، وكان يكتب لخاقان المفلحيّ «٢» ، قال: شربت معه يوما، فنقّلني «٣» بقديد «٤» ، فلمّا حصل في فمي، لم أستطبه. فقلت: أيّها الأمير، ما هذا؟ فقال: هذا قديد الدبّ. فرميت به، وقذفت، وثارت بي أخلاط، وصارت علّة، فأقمت أربعة أشهر عليلا في بيتي. قال: وكان خاقان، يأكل لحم السباع، والضباع، ويستطيبها، ولحم كلّ شيء له لحم «٥» .

стр. 233

١١٤ وصف له الطبيب فرّوجا، فأكل مهرا وأخبرني وهب بن يوسف، اليهودي، الطبيب، عن داود اليهوديّ، الشاميّ، قال: كنت أخدم خاقان، فاعتلّ، فحميته، فاحتمى، وصلح، وأقبلت العافية. فقال لي: لا أقدر أحتمي أكثر من هذا. فقلت له: كل فرّوجا. فلما كان من غد، جئته، فوجدت الحمّى، قد عادت أعظم ممّا كانت، وهي في طريق البرسام «١» . فقلت له: ما عمل الأمير أمس؟ فقال: أكلت فرّوجا. فقلت: ليس هذا من فعل الفرّوج، أي فرّوج هذا، حتى فعل هذا؟ فقال لي بعض غلمانه: إنّه ذبح مهرا، وأكل منه أطايبه. فقلت: أيّها الأمير، أصف لك فرّوجا، فتأكل لحم دابة؟ فقال: بابا، إنّما أكلت فرّوج الدابّة. فقلت في نفسي: خذ الآن فرّوج الموت. وما زلت أعالجه شهورا كثيرة، حتى برئ «٢» .

стр. 234

١١٥ وظيفة خاقان المفلحي في كل يوم من اللحم ألف ومائتا رطل قال أبو محمد الصلحيّ، عن أبيه: كانت وظيفة خاقان المفلحيّ، في كلّ يوم، ألف رطل ومائتي رطل لحما، له، ولغلمانه، وخدمه، وكلّ ما يتّخذ في داره، إذا كان في أعماله. فإذا كان ببغداد، اقتصر على النصف من ذلك، وهو ستمائة رطل لحما، سوى الحيوان الذي يذبح في المطبخ «١» .

стр. 235

١١٦ وظيفة الوزير أبي الفرج بن فسانجس من اللّحم في كلّ يوم وأخبرني بعض وكلاء وزراء هذا الزمان، وهو أبو الفرج بن فسانجس «١» : إنّ وظيفته كانت، في أيّام وزارته، في كلّ يوم، نيّف وستّين رطلا لحما، له، ولنسائه، وغلمانه، وجميع ما يتّخذ في دوره، وثلاثة جدي، وعشر دجاجات، وأربعة أو خمسة أفرخ، وثلاث جامات حلوى من السوق، وليست من فاخره، وإنّما هي زلابية دقيقة، أو فالوذج، أو ما يجري مجرى ذلك «٢» .

стр. 236

١١٧ كفى بالأجل حارسا سمعت قاضي القضاة، أبا السائب «١» ، يحكي: إنّ رجلا كان له على رجل دين، فهرب منه، فلقيه صاحب الدين في صحراء، فقبض عليه، وأخرج قيدا كان معه، فقيّده ونفسه به، وجعل إحدى الحلقتين في رجل غريمه، والأخرى في رجل نفسه، ومشيا إلى قرية تقرب من الموضع، فجاءاها، وقد أدركهما المساء، وأغلق أهل القرية باب سورها، فاجتهدا في فتحها لهما، فأبى أهل القرية، فباتا في مسجد خراب على باب القرية، فجاء السبع وهما نائمان، فقبض على صاحب [٦٦ ب] الدين فافترسه، وجرّه، فانجرّ الغريم معه. فلم تزل تلك حاله إلى أن فرغ السبع من أكل صاحب الدين، وشبع، وانصرف، وترك المديون وقد تجرّح من جرّه وسحبه عليه، وبقيت ركبة الغريم في القيد، فحملها الرجل مع قيده، وجاء إلى القرية، فأخبرهم الخبر، حتى حلّوا قيده، وسار لوجهه ذلك «٢» .

стр. 237

١١٨ عريان أعزل يصيد الأسد حدّثني القاضي أبو بكر أحمد بن سيّار: إنّ رجلا أجنّه الليل في بعض أسفاره، فبات في خان خراب، بقرب أجمة، وماء مستنقع، وكانت ليلة قمراء، وكان الموضع مسبعا، والرجل عارف بذلك، فرقي سطح الخان، وطلب لبنا «١» فشرّجه على باب الدرجة، وجلس يترقّب، فإذا رجل عريان، قد جاء حتى جلس على الماء. قال: فقلت له: ما تصنع؟ قال: جئت لأصطاد السباع. فقلت: يا هذا اتّق الله في نفسك «٢» . فقال: الساعة ترى. فلم يلبث هنيهة، أن طلع سبع، فتراءى له الرجل، فصاح به، فقصده: فلما قرب منه، طرح الرجل نفسه في الماء، فرمى السبع بنفسه خلفه في الماء، فغاصا، فإذا بالرجل قد خرج من وراء [٦٠ ط] السبع، وعلّق خصييه بيده، ثم أخرج من منديل على رأسه، قصبة مقدار ذراع، مجوّفة، فارسيّة، وثيقة، نافذة، فدسّها «٣» في جاعرة «٤» السبع، وأقبل يدخل فيها

стр. 238

الماء بإحدى يديه، وكلّما دخل جوف الأسد الماء ثقل، وضعف بطشه، وهو يمرس مع ذلك خصاه، إلى أن غرّقه، وقتله. ثم جرّه في الماء فأخرجه إلى الشطّ، وسلخ جلده، وأخذ جبهته، وكفّه، وشحمه، ومواضع يعرفها منه لها ثمن. ثم صاح بي: يا شيخ، كذا أصطاد السباع. وتركني ومضى.

стр. 239

١١٩ لئيم يفخر بلؤمه حدّثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه، بن أبي علّان الأهوازيّ الكاتب، خال والدي، قال: كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة، عداوة، وكنت قد تبت من التصرّف مع السلطان. فتقلّد ضياع السيدة أمّ المقتدر، وفيها ما يجاور ضيعتي، فآذاني أذى شديدا، في الشرب، والأكرة، وقصد إخراب ضيعتي، وإبطال جاهي، فصبرت عليه. فقبض يوما على أكّار لي، فصفعه صفعا عظيما، فأنفذت إليه كاتبا كان يكتب لي على ضيعتي، يعرف بأبي القاسم علي بن محمد بن خربان، ليعاتبه، ويستكفّه، ويأخذ الأكّار، فتلقّى الرجل بكلام غليظ. فعاد إليّ، فقال: إنّ هذا قد جدّ بك، [فخذ حذرك] «١» ، ودبّر أمرك بغير ما أنت فيه. فقلت: ما الخبر؟ فعرّفني ما جرى عليه. ففكّرت، فلم أر لحسم مادّته عني، وأذيّته في نفسه، غير ضمان ضياع السيّدة «٢» ، وتسلّمه، ومطالبته بالحساب [٦٧ ب] ، وإيقاعه في المكاره. فكتبت إلى كاتب السيّدة، وخطبت ضمان النواحي، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ثلاث سنين، عمّا رفعها ابن قديدة، على أن يسلّم إليّ، لأحاسبه

стр. 240

وأطالبه، بما يخرجه الحساب عليه، وأوفّره، مضافا إلى هذه الزيادة. وأنفذت الكتاب مع فيج «١» قاصد. فحين نفذ، اغتممت، وقلت: ضياع لا أعرف حاصلها على الحقيقة، لم حملت نفسي على هذا؟ وكان احتمال عداوة الرجل، أيسر من هذا. وطرحت نفسي مفكّرا، وأنا بين النائم واليقظان، حتى رأيت، كأنّ رجلا شيخا، أبيض الرأس واللحية، بزيّ القضاة، قد دخل إليّ، وعليه طيلسان أزرق، وقلنسوة، وخفّ أحمر. فقال: ما الذي يغمّك من هذا الأمر؟ ستربح في أوّل سنة من هذا الضمان، على ما زدته، عشرة آلاف دينار، وتخسر في الثانية، عشرة، وتخرج في الثالثة بغير ربح ولا خسران، ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوّك. فانتبهت متعجّبا، وسألت: هل دخل إليّ أحد؟ فقالوا: لا، فقويت نفسي قليلا. فلما كان في اليوم الثاني والعشرين، ورد رسول من بغداد، بكتب إليّ قد أجبت فيها إلى ملتمسي، وكوتب في طيّها، عامل كان لهم بالطيّب «٢» مقيما، يشرف على جميع عمّالهم بكور الأهواز «٣» يؤمر بقدومها وتسليم ابن قديدة إليّ، وعقد الضمان عليّ.

стр. 241

فأنفذت إلى العامل سفتجة بألف دينار مرفقا «١» ، وكتبت إليه، وسألته الحضور، وأنفذت إليه الكتب الواردة. فلما كان بعد أيّام، كنت جالسا مع عامل الأهواز، على داره بشاطىء دجيل «٢» فإذا بعسكر عظيم [٦١ ط] قد طلع من جانب المأمونيّة. فارتاع، وظن أنّ صارفا «٣» قد ورد، وأنفذ من سأل عن الخبر، فعاد، وقال: فلان، عامل السيّدة، فعبر في طيّاره، وأنا معه، لتلقّيه. فحين اجتمعا، قال له: يا سيّدي، أريد ابن أبي علان. فقلت: أنا هو يا سيّدي. قال: ولم يكن يعرفني، ولا أعرفه إلّا بالوجوه «٤» فأقامني من موضعي، ورفعني فوق الجماعة، وتحيّر العامل، ومن حضر. وقال له: أريد ابن قديدة، فأنفذ إليه، فاستدعاه. فحين حضر قيّده، وقال لي: يا أبا القاسم تسلّمه. فقال العامل: أيش هذا التعب؟ وأقبلت الجماعة تمازحني. فقلت: هو أحوجني إلى هذا. قال: فتسلّمته، وقمت إلى داري. وعبر عامل السيّدة، فحملت إليه من الألطاف، والأنزال، والهدايا،

стр. 242

ما صلح، وعقد عليّ الضمان من غد، وانصرف في اليوم الثالث. وحملت إليه [٦٨ ب] ألف دينار أخرى مرفقا. وحصّلت ابن قديدة معي في المكاره متردّدا، ووفّرت من جهته مالا على السيّدة، وكاتبها، وكذا العامل، وارتجعت ما لزمني على مؤونة العامل ومرفقه. وأطلقته بعد شهور إلى داره، وقد ركبه دين ثقيل، وباع شيئا من ضيعته، وانكسر جاهه، وانخزلت نفسه. ونظرت في الضمان، وتصرّمت السنة، فربحت عشرة آلاف دينار. فقلت: قد جاء ما قال الشيخ في المنام، فأثبتّها عند الصارف «١» ، ولم أدخلها في دخلي، ولا في خرجي. فلما كانت السنة الثانية، قعدت بي الأسعار، فخسرت ذلك القدر، فأدّيته بعينه في الخسران. فلما كانت السنة الثالثة، خرجت رأسا برأس، ما خسرت ولا ربحت شيئا. فصحّحت مال الضمان، وكتبت أستعفي، وقد علمت أنّ النكبة قد بلغت بابن قديدة إلى حدّ لا يجسر أن يتقلّد معها، ولا أن يقلّد أيضا. فلم يعفني كاتب السيّدة، وطالبني بتجديد الضمان على الزيادة، وعمل على التأوّل عليها من ابن قديدة. وأنفذ في إشخاصي، خادما من كبار خدم السيّدة، فجاء في طيّار، وأمر هائل، فتخوّفت من الشخوص معه، فأحصل في الحبس، وتستمر عليّ المكاره، وأنقطع عن الشروع في الخلاص.

стр. 243

فأنزلت الخادم، وهاديته، ولا طفته، وحملت إليه خمسة آلاف درهم فاستعظمها، وعبدني «١» . فقلت له: إنّ ذيلي طويل «٢» ، وأريد أن أصلح أمري، ثم أخرج، فتمهلني أسبوعا، وتدعني أخلو في منزلي، وأصلح ما أحتاج إليه، ثم أخرج معك، فمكّنني من ذلك. فقلت لإخوتي، وأصهاري، وكتّابي: ليدعه كلّ واحد منكم يوما، له، ولغلمانه، وأسبابه، وامنعوهم من معرفة خبري، وشاغلوهم بالنبيذ، والشطرنج، والمغنّيات، ففعلوا ذلك. وخرجت أنا تحت الليل بمرقّعة «٣» ، راكبا حمارا، ومعي غلامان من غلماني، ودليل، وليس معي شيء من الدنيا، إلّا سفاتج بخمسة آلاف دينار. وسرت واشتغل الخادم بالدعوات، فما عرف خبري إلّا وأنا بواسط «٤» ، فقامت قيامته، وانحدر في طريق الماء، فوصل إلى الأبلّة «٥» ، وقد قاربت أنا [٦٢ ط] بغداد، ثم دخلتها متخفّيا، وطرحت نفسي على أبي المنذر النعمان ابن عبد الله «٦» ، وكانت لي به حرمة وصحبة، أيّام تقلّده الأهواز، وتصرّفي

стр. 244

معه، فلقي بي أبا الحسن، عليّ بن عيسى، وهو إذ ذاك الوزير «١» ، وعرّفه محلّي. فقال لي: قد كنت أحبّ أن أراك، لما يبلغني من حسن صناعتك، وطرح إليّ أعمالا، فعملتها بحضرته، وأعجبته [٦٩ ب] صناعتي، وقرّظني. ولزمته أيّاما، وخبري منستر عن كاتب السيّدة، ثم خاطب الوزير [في أمريّ] «٢» ، وخوطبت السيّدة. فقالت: لا أقرّر أمره، أو يصير إلى ديواني. فقال لي: امض وأنا من ورائك، ولا تخف. فمضيت، فاعتقلوني، فراسلتهم في أمري. وحضر أبو المنذر، ديوان السيّدة، فتوسّط ما بيني وبينهم، وقرّر الأمر على صلح ثلاثة آلاف دينار، أو نحوها- الشك منّي- وضمنها عنّي، وأخذني إلى داره، فأدّيتها إليه من جملة السفاتج. وطالبني عليّ بن عيسى، بالتصرّف معه، فعرّفته توبتي منه، وإنّي إنّما ضمنت هذا الضمان، لضرورة، وشرحت له الخبر، فأعفاني. فرجعت إلى الأهواز، وقد مضت السنون على العداوة بيني وبين ابن قديدة، إلّا أنّه منهزم. وكتب السلطان ببيع ضياعه بالأهواز «٣» ، وكان الناس يشترون ما يغلّ في سنة وأكثر، بنصف ثمنه، فاشتريت ما كان فيه غناي، وخرقت فيه الحكم.

стр. 245

واشترى أبو عبد الله البريديّ «١» لنفسه، بأسماء قوم، أمرا عظيما، برأيي واختياري له، وكان سرّه «٢» عندي، وكان في ذلك الوقت لا يتقصّى عليّ. واشترى ابن قديدة، فيمن اشترى، وتصرّفنا في الضياع. فكتب السلطان بإلزامنا زيادة عظيمة، أظنه قال: مائة ألف دينار. فقال لي البريديّ: كيف أعمل في الزيادة؟ قلت: لا يلزمها الناس لك، وواضعت أهل البلد على الامتناع، فجمعهم، وخاطبهم، فامتنعوا، واحتاج إلى أن خبطهم. فخلا بي، فقال: ما أعرف في هذا غيرك، فدبّره لي، وألزمني ذلك. فقلت: مكّنّي من العمل بما أريد، وعليّ المال. فقال: أنت ممكّن. فجلست أنا وغلام جوذاب «٣» ، فقسّطنا المال على أهل البلد، وأخرجنا أنفسنا، فما ألزمناها شيئا، ونقّصنا من عنينا به، وزدنا بإزاء ذلك على غيره. قال: واعتمدت أن قسّطت على ابن قديدة ضعف ما يلزمه، وعملنا بذلك جرائد. وناظرنا الناس على الالتزام بما قسّطناه، فامتنعوا، وقالوا: على أيّ حساب هذا؟ وحاسبونا، وناظرونا. فقلت للجماعة: من صلح له أن يلتزم هذا التقسيط، وإلّا فليحاسبنا على ما قبضه من غلّات الضياع التي اشتراها، وأنا أرد عليه ما يبقى له من الثمن بعد ذلك، وآخذ ما اشتراه، وألتزم هذه الزيادة.

стр. 246

وكان كلّ إنسان قد اشترى ما في شركته، وما في جواره، ممّا كان يتأذّى به هو وأسلافه، منذ مائة سنة، وما كان يتمنّاه ويشتهيه منذ ذلك العهد، وما قد ارتحصه، واستصلحه. فقامت قيامة أهل البلد، والتزموا عن آخرهم [٧٠ ب] التقسيط، على ما فصّلته عليهم، من غير محاسبة. وورّكت «١» على ابن قديدة مالا عظيما، فلم يكن له فيه وجه. فأنا جالس في بيتي ليلة، إذ جاءني [٦٣ ط] ، فدخل إليّ. فقلت: ما هذا يا أبا جعفر؟ وقمت إليه، وسلّمت عليه، فعاتبني، وخضع لي. فقلت: ما تريد؟ فقال: تخفّف عنّي من التقسيط، وتعاونني بمالك، فو الله، ما معي ما أؤدّيه. فخفّفت عنه منه شيئا يسيرا، وأقرضته ثلاثين ألف درهم، وكتبت بها عليه قبالة «٢» ، وأشهدت فيها جماعة عدول البلد، وتركتها في بيتي، فلم أفكّر في المال سنين، ورجعت أدسّ المكاره، والمغارم، والمحن عليه، وهو يذوب، وينقص في كل يوم. فلما علمت أنّه قد بلغ آخر أمره، طالبته بالدين، فاستتر عنّي في منزله. فاستعديت عليه إلى القاضي أبي القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ «٣» ، فكتب

стр. 247

لي عدوى «١» إلى صاحب المعونة. فهرب من داره، فنادى القاضي على بابه بالحضور، فلم ينجع ذلك. فسألت البريديّ إخراجه، فكبس عليه وأخرجه، وأحضره معي إلى القاضي، فقامت البيّنة عليه بالمال. فسألت القاضي حبسه. فقال لي القاضي عليّ بن محمد: الحبس في الأصل غير واجب، وذوو المروءات لا يحبسون مع أصاغر الناس في حبس واحد، ولكن أمكّنك من أن تلازمه بنفسك أو أصحابك، كيف شئت. فلازمته في مسجد على باب القاضي [بأصحابي] «٢» ومضيت إلى البريديّ، فقلت: قد لحقت خصمي عناية القاضي، فالله الله فيّ، فإنّي لا آمن أن يدسّ ابن قديدة إلى أكرته، أو إلى قوم من الجيش، فيؤخذ من يدي، ويخرج إلى بغداد، فيبطل المال عليّ، ويحصل هناك يسعى بي، ويعرّض نعمتي للزوال. قال: فخاطب البريديّ القاضي في ذلك، فتقرّر الأمر بينهما على أنّي اكتريت دارا قريبة من حبس القاضي، أؤدّي أنا أجرتها، وأجلس ابن قديدة فيها، وألازمه بأصحابي، وأوكّل بها رجّالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه. فنقلته إليها، فأقام فيها سنة وكسرا، وهو لا يؤدّي المال، ويكايدني عند نفسه «٣» ، وأنا قد رضيت أن يتأخّر المال، ويبقى هو محبوسا.

стр. 248

واعتلّ علّة صعبة، فجاءتني أمّه، وكانت بيني وبينها قرابة، فسألتني إطلاقه، وبكت، فلم أفعل. إلى أن بلغني أنّه في النزع، وجاءتني تبكي، فرحمتها، فأطلقته لها، بعد أن كفلته منها. فمات بعد ثلاثة أيام، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه «١» .

стр. 249

١٢٠ كيف تاب بن أبي علان من التصرف قلت لأبي القاسم ابن أبي علان: كيف كانت توبتك من التصرّف؟ وما سببها؟ قال: كان سبب ذلك، أنّ أبا [٧١ ب] عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ ﵀ «١» ، كان يجيء إلى الأهواز فينزل عليّ، لأنّي كنت كاتب ديوان الأهواز، وخليفة أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة، والأمر كلّه إليّ أدبّره. وكان أبو عليّ يقدم الأهواز في كل سنة دفعة، وقت افتتاح الخراج، ويستضيف إلى خراج ضيعته بجبّى «٢» ، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور السنين. فإذا قدم البلد، أعظمه الناس وأكرموه، ولا ينزل إلّا عليّ في أكثر الأوقات، فأقرّر «٣» أمره مع العامل. وربما كان العامل غير صاحبي، أو من لا يعرف محل أبي عليّ، فيكون ما يقرّر عليه أمره أقلّ من ذلك [٦٤ ط] ، إلّا أنّه كان لا يخلو من أن يسقط عنه نصف الخراج أو ثلثه. فإذا عاد إلى جبّى، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته شيئا البتة، ونظر إلى ما بقي، بعد إسقاط خراجه من النظر، ففضّه على القوه الذين في أثره، وألزمهم بإزاء ذلك، أن يضيف كلّ واحد منهم، رجلا من الفقراء

стр. 250

الذين يتعلّمون منه العلم طول السنة، فيكون ما يلزم الواحد، على الواحد منهم، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه. ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح، فيتصدّق به على الفقراء من أهل الحوز «١» ، قريته التي هو مقيم فيها، وعلى أهل محلّته، وكان هذا دأبه في كلّ سنة. فنزل عليّ في بعض قدماته، فبلغت له مراده في أمر الخراج، وجلسنا ليلة نتحدّث. فقلت له: يا أبا عليّ أتخاف عليّ مما أنا فيه شيئا؟ فقال: يا أبا القاسم، وكيف لا أخاف عليك، والله، لئن متّ على هذه الحال، لا رحت «٢» رائحة الجنّة. فقلت: ولم؟ ولأيّ شيء؟ وإنّما أنا أعمل الحساب، وأجري مجرى ناسخ، وآخذ أجري من بيت المال، أو يجيئني رجل مظلوم، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه، فأسقطها عنه، وأصلحها له في الحساب، فيهدي إليّ بطيب قلبه، أو أرتفق من مال السلطان بشيء، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه. فقال: يا أبا القاسم، إنّ الله لا يخادع، أخبرني، ألست أنت تختار المسّاح، وتنفذهم إلى المساحة، وتوصيهم بالتقصّي، فيخرجون، فيزيدون بالقلم واحدا أو اثنين في العشرة، ويجونك «٣» بالتزاوير، فتسقطها أنت، وتعمل الجرائد، وتسلّمها إلى المستخرج، وتقول له: أريد أن يصحّ المال في
следующие страницы →