Полный текст (2 817 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
٢٩ ارحمهم رحمك الله
عن التنوخي، عن أبي دهمان الغلابي، قال:
حضرت بشار بن برد «١» ، وعقبة بن رؤبة «٢» ، وابن المقفّع «٣» ، قعودا، يتناشدون، ويتحدّثون، ويتذاكرون، حتى أنشد بشار أرجوزته الداليّة:
يا طلل الحيّ بذات الصمد
ومضى فيها.
فاغتاظ عقبة بن رؤبة لما سمع فيها من الغريب «٤» ، وقال: أنا وأبي «٥» فتحنا الغريب للناس، وأوشك- والله- أن أغلقه.
فقال له بشّار: ارحمهم رحمك الله.
قال: يا أبا معاذ، أتستصغرني وأنا شاعر بن شاعر بن شاعر؟
قال: فأنت إذن من القوم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
تاريخ بغداد للخطيب ٧/١١٧
стр. 1892
٣٠ بين جعفر البرمكي وعبد الملك بن صالح الهاشمي
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ «١» ، قال: حدّثنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب «٢» ، قال: حدّثنا علي بن سليمان الأخفش «٣» ، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال:
خرج عبد الملك بن صالح «٤» مشيّعا لجعفر بن يحيى البرمكي «٥» ، فعرض عليه حاجاته.
فقال له: قصارى كل مشيّع الرجوع، وأريد- أعزّ الله الأمير- أن يكون لي، كما قال بطحاء العذري:
وكوني على الواشين لدّاء شغبة ... فإنّي على الواشي ألدّ شغوب
стр. 1893
فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل «١» :
واذا الواشي وشى يوما بها ... نفع الواشي بما جاء يضر
تاريخ بغداد للخطيب ٧/١٥٣
стр. 1894
٣١ القاضي جعفر بن محمد بن عمار
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ البصري «١» ، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله الدوري «٢» - لفظا- قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، بالبصرة، قال: أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة النميري «٣» ، قال:
كان أيّوب بن حسن بن موسى بن جعفر بن سليم «٤» ، عاملا على الصلاة بالكوفة وأحداثها «٥» للمتوكل «٦» ، وجعفر بن محمد بن عمّار «٧» على قضائها «٨» ،
стр. 1895
فكان ربما أمره بالصلاة بهم إذا اعتلّ، وكان كثير العلل، من نقرس «١» كان به، فكان جعفر يصلّي بهم، ويدعو لأيّوب على المنبر، بالتأمير له «٢» ، فقال محمد بن نوفل التميمي:
فما عجب أن تطلع الشمس بكرة ... من الغرب إذ تعلو على ظهر منبر
ولولا أناة الله جلّ ثناؤه ... لصبحت الدنيا بخزي مدمّر
إذا جعفر رام الفخار فقل له ... عليك ابن ذي موسى بموساك فافخر
فقد كان عمّار إذا ما نسبته ... إلى جدّه الحجام لم يتكبّر
ثم عزل جعفر بن محمد عن قضاء الكوفة، وحمل إلى سرّ من رأى، فولي قضاء القضاة «٣» ، إلى أن مات بسر من رأى «٤» .
تاريخ بغداد للخطيب ٧/١٦٣
стр. 1896
٣٢ وقف بعرفة ستا وخمسين وقفة على المذهب
أخبرنا عليّ بن المحسّن القاضي- غير مرّة-، قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري «١» ، قال: قال لي جعفر الخلدي «٢» :
وقفت بعرفة «٣» ستا وخمسين وقفة، منها إحدى وعشرون على المذهب.
فقلت لأبي إسحاق: أيّ شيء أراد بقوله على المذهب؟
فقال: يصعد إلى قنطرة الياسرية «٤» ، فينفض كمّيه، حتى يعلم أن ليس معه زاد ولا ماء، ويلبّي ويسير «٥» .
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٢٣٠
стр. 1897
٣٣ أبو محمد جعفر بن محمد بن أحمد التنوخي
ذكر لي أبو القاسم التنوخي:
أنّ أبا محمد التنوخي، جعفر بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول ابن حسّان «١» ، أصله من الأنبار «٢» ، وانه ولد ببغداد في ذي القعدة في سنة ثلاث وثلاثمائة «٣» ، وكان أحد القراء للقرآن بحرف عاصم «٤» ، وحمزة «٥» ، والكسائي «٦» .
وكتب هو وأخوه عليّ «٧» ، الحديث في موضع واحد، وأصل كلّ واحد منهما أصل الآخر، وشيوخ كلّ واحد منهما شيوخ الآخر.
وحدّث عن عبد الله بن محمد البغوي «٨» ، وأبي بكر بن أبي داود «٩» ، وأبي
стр. 1898
الليث الفرائضي «١» ، وأحمد بن القاسم أخي أبي الليث «٢» ، وأحمد بن عبيد الله ابن عمّار «٣» ، وجدّه أحمد بن إسحاق البهلول «٤» ، وأبي عمر محمد بن يوسف القاضي «٥» ، ومحمد بن هارون بن المجدر «٦» ، وعبد الوهاب بن أبي حيّة «٧» ، وأحمد بن سليمان الطوسي «٨» ، ويحيى بن محمد بن صاعد «٩» ، وغيرهم.
وعرض عليه القضاء والشهادة، فأباهما تورّعا، وتقلّلا، وصلاحا.
قال لي علي بن المحسّن: مات جعفر بن أبي طالب بن البهلول ببغداد، ليلة الأربعاء لثمان وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة «١٠» ، ودفن من الغد إلى جانب داره، بسكة أبي العباس الطوسي «١١» .
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٢٣٢
стр. 1899
٣٤ ما لي وللعيد
أنبأنا أبو القاسم عليّ بن المحسّن التنوخي قال: أنشدني أبو عبد الله بن حجاج «١» لنفسه:
قالوا غدا العيد فاستبشر به فرحا ... فقلت: ما لي وما للعيد والفرح
قد كان ذا والنوى لم تضح نازلة ... بعقوتي وغراب البين لم يصح
أيّام لم يخترم قربي البعاد ولم ... يغد الشتات على شملي ولم يرح
وطائر طار في خضراء مورقة ... على شفا جدول بالروض متّشح
بكى وناح ولولا أنّه سبب ... لشجو قلبي المعنّى فيك لم ينح
فما ذكرتك والأقداح دائرة ... إلّا مزجت بدمعي باكيا قدحي
ولا سمعت بصوت فيه ذكر نوى ... إلّا عصيت عليه كل مقترح
مصارع العشاق ١/٢٥٨
стр. 1900
٣٥ أبو العيناء يرثي الحسن بن سهل
أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحيم المازني «١» ، قال: حدّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي «٢» ، قال حدّثنا جعفر بن أبي العيناء «٣» ، قال: لما مات الحسن بن سهل «٤» ، قال أبي «٥» :
والله لئن أتعب المادحين، لقد أطال بكاء الباكين، ولقد أصيبت به الأيام، وخرست بموته الأقلام، ولقد كان بقية وفي الناس بقيّة، فكيف اليوم، وقد بادت البرية «٦» .
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣٢٢
стр. 1901
٣٦ القاضي أبو محمد الحسن ابن أبي الشوارب
أخبرنا عليّ بن المحسّن «١» ، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر «٢» ، قال:
بعد الثلاثة أيام التي تقلّد فيها ابن الأشناني «٣» ، مدينة المنصور، استقضى المقتدر على مدينة المنصور أبا محمد الحسن بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب «٤» ، في يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وثلاثمائة.
وهذا رجل، حسن السيرة، جميل الطريقة، قريب الشبه من أبيه «٥» وجدّه «٦» ، على طريقتهم في باب الحكم والسداد.
ولم يزل واليا على المدينة «٧» إلى يوم النصف من شهر رمضان سنة عشرين وثلاثمائة، ثم صرفه المقتدر.
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣٤٠
стр. 1902
٣٧ المنصور ينصح ولده المهدي بالإقبال على الفقه والمغازي
أخبرنا عليّ بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
كان الحسن بن عمارة «١» على الحكم- يعني ببغداد- ثم بعث المنصور «٢» إلى عبيد الله بن محمد بن صفوان «٣» إلى مكة، من يقدم به عليه.
فلما قدم ولاه القضاء، وضم الحسن بن عمارة إلى المهدي «٤» .
وكان أبو جعفر، يبعث بأسلم «٥» إلى المهدي ليعرف حاله، وكيف هو في مجلسه، وربما وجّه إليه في السر.
فرآه أسلم مقبلا على مقاتل بن سليمان «٦» فأخبر المنصور بذلك.
стр. 1903
فقال له المنصور: يا بني، بلغني إقبالك على مقاتل، فسرّني «١» ذلك، وإنك إنما تعمل غدا بما تسمع اليوم، فلا تقبل على مقاتل، وأقبل على الحسن ابن عمارة للفقه، وعلى محمد بن إسحاق للمغازي «٢» ، وما جرى فيها.
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣٤٥
стр. 1904
٣٨ الحسن بن عمارة يكرم أحد طلاب الحديث
أخبرنا عليّ بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
حدّثني محمد بن العباس اليزيدي «١» ، قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ «٢» ، قال: حدّثني أبي «٣» ، قال:
كان بالكوفة رجل غريب، يكتب الحديث، وكان يختلف إلى الحسن بن عمارة «٤» ، يكتب عنه.
فجاءه، فودّعه، ليخرج إلى بلاده، وقال له: إنّ في نفقتي قلّة.
فكتب له الحسن رقعة، وقال: اذهب بها إلى الفرات، إلى وكيل لنا هناك، يبيع القار «٥» ، فادفعها إليه.
فظن الرجل، أنه قد كتب له بدريهمات، فإذا هو قد كتب له بخمسمائة درهم.
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣٤٦
стр. 1905
٣٩ عبيد الله بن محمد بن صفوان يتقلّد للمهدي قضاء المدينة
حدّثنا عليّ بن المحسّن، قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي «١» ، أقدمه المنصور من مكة، فقلّده القضاء بمدينة السلام «٢» ، وكان عالما أديبا.
وما زال على الحكم حتى مات المنصور «٣» ، فقلّده المهدي قضاء مدينة الرسول ﷺ «٤» ، والحرب، والصلاة «٥» ، وعزله عن قضاء بغداد «٦» .
قلت: كان المنصور قد جعل الحسن بن عمارة «٧» على المظالم ببغداد، ثم استقضاه، فلم يلبث إلّا أياما، حتى صرفه، وولى مكانه القضاء ابن صفوان تاريخ بغداد للخطيب ١٠/٣٠٦
стр. 1906
٤٠ القاضي أبو حسان الزيادي يضرب رجلا ألف سوط ويتركه في الشمس حتى يموت
أخبرنا عليّ «١» ، قال: أخبرنا طلحة «٢» ، قال: حدّثني أبو الحسين عمر ابن الحسن «٣» ، قال: حدّثنا ابن أبي الدنيا «٤» ، قال:
كنت في الجسر واقفا، وقد حضر أبو حسّان الزيادي القاضي «٥» ، وقد وجّه إليه المتوكل «٦» من سر من رأى، بسياط جدد في منديل دبيقي، مختومة، وأمره أن يضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم- وقيل أحمد بن محمد ابن عاصم- صاحب خان عاصم، ألف سوط، لأنّه شهد عليه الثقات، وأهل الستر، أنّه شتم أبا بكر وعمر، وقذف عائشة، فلم ينكر ذلك، ولم يتب منه، وكانت السياط بثمارها.
فجعل يضرب بحضرة القاضي، وأصحاب الشرط قيام.
فقال: أيها القاضي، قتلتني.
стр. 1907
فقال له أبو حسّان: قتلك الحق، لقذفك زوجة الرسول، ولشتمك الخلفاء الراشدين المهديين.
قال طلحة: وقيل: لما ضرب ترك في الشمس حتى مات، ثم رمي به في دجلة.
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣٥٧
стр. 1908
٤١ الخليفة الواثق يستقضي الحسن بن علي بن الجعد
أخبرنا عليّ بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
عزل الواثق «١» عبد الرحمن بن إسحاق «٢» سنة ثمان وعشرين ومائتين، واستقضى الحسن بن علي بن الجعد «٣» وكان سريّا، ذا مروءة، وكان من العلماء بمذهب أهل العراق «٤» ، أخذ عن أبيه «٥» ، وولي القضاء في حياة أبيه.
أخبرنا عليّ بن المحسّن، قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
توفي الحسن بن علي بن الجعد، وأبو حسّان الزيادي في وقت واحد، وكل واحد منهما قاض، كان أحدهما على المدينة «٦» ، والآخر على الشرقية «٧» ، في سنة ثلاث وأربعين ومائتين، في أيام المتوكل.
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٣٦٤
стр. 1909
٤٢ جريت مع الصبا طلق الجموح
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ البصري «١» ، قال: حدّثنا محمد بن العبّاس الخزاز «٢» ، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري «٣» ، قال: حدّثنا أبو عمر أحمد بن محمد السوسنجردي العسكري قال: حدّثنا ابن أبي الذيال المحدّث- بسر من رأى- قال:
حضرت وليمة حضرها الجاحظ «٤» ، فسمعته يقول: حضرت وليمة حضرها أبو نواس «٥» ، وعبد الصمد بن المعذل «٦» ، فسمعت عبد الصمد، يقول لأبي نواس: لقد أبدعت في قولك
جريت مع الصبا طلق الجموح ... وهان عليّ مأثور القبيح
قال أبو بكر الأنباري، أنشدني لأبي نواس:
جريت مع الصبا طلق الجموح ... وهان عليّ مأثور القبيح
стр. 1910
رأيت ألذّ عافية الليالي ... قران العود بالنغم الفصيح
ومسمعة «١» إذا ما شئت غنّت ... متى كان الخيام بذي طلوح «٢»
تزوّد من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق «٣» عرى الصبوح «٤»
وخذها من مشعشعة «٥» كميت «٦» ... تنزّل درة الرجل الشحيح
تخيّرها لكسرى رائداه ... لها حظّان من طعم وريح
ألم ترني أبحت اللهو عيني ... وعضّ مراشف الظبي المليح
وأيقن رائدي أن سوف تنأى ... مسافة بين جثماني وروحي «٧»
تاريخ بغداد للخطيب ٧/٤٤١
стр. 1911
٤٣ من شعر أبي عبد الله بن الحجاج
أنشدنا عليّ «١» بن المحسّن التنوخي، قال: أنشدنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج الكاتب «٢» لنفسه:
نمّت بسري في الهوى أدمعي ... ودلّت الواشي على موضعي
يا معشر العشاق إن كنتم ... مثلي وفي حالي فموتوا معي
وأنشدنا التنوخي أيضا، قال: أنشدنا أبو عبد الله بن الحجاج لنفسه:
يا من إليها من ظلمها الهرب ... ردّ فؤادي أقلّ ما يجب
ردّي حياتي إن كنت منصفة ... ثم إليك الرضاء والغضب
ملكت قلبي فلم أفتك به ... سبحان من لا يفوته طلب
تاريخ بغداد للخطيب ٨/١٤
стр. 1912
٤٤ لحية القاضي العوفي تبلغ إلى ركبته
أخبرنا علي بن أبي عليّ «١» ، قال: أخبرنا طلحة بن محمد المعدّل «٢» ، قال: حدّثني أحمد بن كامل «٣» ، قال: حدّثنا حسين بن فهم «٤» ، قال:
كانت لحية العوفي «٥» تبلغ إلى ركبته.
تاريخ بغداد للخطيب ٨/٣١
стр. 1913
٤٥ لحية القاضي العوفي تعدت كل قدر
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ»
، قال: حدّثنا محمد بن العباس الخزاز «٢» ، قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان «٣» ، قال: أنشدني أبو عبد الله التميمي، لبعضهم:
لحية العوفي «٤» أبدت ... ما اختفى من محسن شعري
هي لو كانت شراعا ... لذوي متجر بحر
جعل السير من الصين ... إلينا نصف شهر
هي في الطول وفي العرض ... تعدّت كل قدر
تاريخ بغداد للخطيب ٨/٣٢
стр. 1914
٤٦ القاضي العوفي يلقي مسائله في المناظرة من الدفتر
أخبرنا علي بن المحسّن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
الحسين بن الحسن العوفي «١» ، رجل جليل من أصحاب أبي حنيفة، وكان سليما مغفّلا، ولّاه الرشيد أيّاما ثم صرفه.
وكان يجتمع في مجلسه قوم فيتناظرون، فيدعو بدفتر، فينظر فيه، ثم يلقي من المسائل، ويقول لمن يلقي عليه، أخطأت، أو أصبت، من الدفتر.
وتوفي سنة إحدى ومائتين.
تاريخ بغداد للخطيب ٨/٣٢
стр. 1915
٤٧ الحسين بن الضحاك الشاعر
حدّثني عليّ بن أبي عليّ «١» ، عن أبي عبيد الله المرزباني «٢» ، قال:
أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الخليع الباهلي البصري «٣» ، مولى لولد سليمان بن ربيعة الباهلي، وهو شاعر ماجن مطبوع حسن الافتنان في ضروب الشعر وأنواعه، وبلغ سنا عالية.
يقال إنّه ولد في سنة اثنتين وستين ومائة، ومات في سنة خمسين ومائتين.
واتصل له من مجالسة الخلفاء ما لم يتصل لأحد، إلّا لإسحاق بن إبراهيم الموصلي «٤» ، فإنّه قاربه في ذلك، أو ساواه.
صحب الحسين الأمين في سنة ثمان وثمانين ومائة «٥» ، ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أيام المستعين.
تاريخ بغداد للخطيب ٨/٥٥
стр. 1916
٤٨ الراضي يستقضي أبا محمد الحسين بن عمر
أخبرنا علي بن المحسّن، قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال:
استقضى الراضي «١» ، أبا محمد الحسين «٢» بن أبي الحسين عمر «٣» بن محمد «٤» ابن يوسف «٥» بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم.
وهو أصغر من أبي نصر «٦» بقليل، وهو فتى جميل الأمر، متوسط في مذهبه، وسداده، سليم الصدر، قريب من الناس، وكان محبوبا إلى الناس لأنّه يشبه أباه في الصورة والخلق.
ثم مات الراضي، واستخلف المتقي لله «٧» ، فأقرّه على مدينة المنصور «٨» إلى جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ثم صرفه «٩» .
تاريخ بغداد للخطيب ٨/٨٢
стр. 1917
٤٩ أبو علي التنوخي ينيب عنه أبا القاسم الكوفي في القضاء بالكوفة
حدّثني عليّ بن المحسّن التنوخي، عن أبي القاسم الكوفي «١» ، وذكر لي أنه سمع منه ببغداد في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
قال: وسألته عن مولده، فقال: ولدت يوم السبت لثلاث بقين من المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
قال التنوخي: وكان ثقة، كثير الحديث، جيد المعرفة به، وولي القضاء بالكوفة من قبل أبي، وكان فقيها على مذهب أبي حنيفة، وكان يحفظ القرآن ويحسن قطعة من الفرائض وعلم القضاء، قيما بذلك، وكان زاهدا عفيفا.
تاريخ بغداد للخطيب ٨/١٠٣
стр. 1918
٥٠ من مخاريق الحلاج
أنبأنا علي بن أبي عليّ المعدّل «١» ، عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق «٢» ، قال:
حدّثني غير واحد من الثقات من أصحابنا: أنّ الحسين بن منصور الحلّاج «٣» ، كان قد أنفذ أحد أصحابه، إلى بلد من بلدان الجبل «٤» ، ووافقه على حيلة يعملها.
فخرج الرجل، فأقام عندهم سنين يظهر النسك والعبادة، ويقرأ القرآن ويصوم، فغلب على البلد.
حتى إذا علم أنّه قد تمكّن، أظهر أنّه قد عمي، فكان يقاد إلى مسجده، وتعامى على كل أحد شهورا.
ثم أظهر أنّه قد زمن «٥» ، فكان يحبو، ويحمل إلى المسجد، حتى مضت سنة على ذلك، وتقرّر في النفوس زمانته وعماه.
فقال لهم بعد ذلك: إنّي رأيت في النوم، كأنّ النبي ﷺ يقول لي: إنّه يطرق هذا البلد عبد الله صالح مجاب الدعوة، تكون عافيتك
стр. 1919
على يده، وبدعائه، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء، أو من الصوفية، فلعل الله أن يفرّج عني على يد ذلك العبد، وبدعائه، كما وعدني رسول الله ﷺ ، فتعلقت النفوس إلى ورود العبد الصالح، وتطلّعته القلوب.
ومضى الأجل الذي كان بينه وبين الحلّاج، فقدم البلد، فلبس الثياب الصوف الرقاق، وتفرّد في الجامع بالدعاء والصلاة.
وتنبهوا على خبره، فقالوا للأعمى.
فقال: احملوني إليه، فلما حصل عنده، وعلم أنّه الحلّاج، قال له: يا عبد الله، إنّي رأيت في المنام، كيت وكيت، فتدعو الله لي.
فقال: ومن أنا؟ وما محلي؟
فما زال به، حتى دعى له، ثم مسح يده عليه، فقام المتزامن صحيحا مبصرا.
فانقلب البلد، وكثر الناس على الحلّاج، فتركهم، وخرج من البلد.
وأقام المتعامي المتزامن فيه شهورا، ثم قال لهم: إنّ من حق نعمة الله عندي، وردّه جوارحي عليّ، أن أنفرد بالعبادة انفرادا أكثر من هذا، وأن يكون مقامي في الثغر «١» ، وقد عملت على الخروج إلى طرسوس «٢» ، من كانت له حاجة تحمّلتها، وإلّا فأنا استودعكم الله.
قال: فأخرج هذا ألف درهم، وقال: اغز بها عني، وأعطاه هذا
стр. 1920
مائة دينار، وقال: أخرج بها غزاة من هناك، وأعطاه هذا مالا، وهذا مالا، حتى اجتمع ألوف دنانير ودراهم.
فلحق بالحلّاج، فقاسمه عليها «١» .
تاريخ بغداد للخطيب ٨/١٢٢
стр. 1921
٥١ محاكمة الحلاج وتنفيذ حكم الاعدام فيه
حدّثنا عليّ بن المحسّن القاضي «١» ، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن زنجي الكاتب «٢» عن أبيه «٣» - وهو المعروف بزنجي- بما أسوقه من أخبار الحلّاج «٤» إلى حين مقتله، وكان زنجي يلازم مجلس حامد بن العباس «٥» ، ويرى الحلّاج، ويسمع مناظرات أصحابه.
قال زنجي: أول ما انكشف من أمره في أيّام وزارة حامد بن العباس، أنّ رجلا شيخا، حسن السمة، يعرف بالدبّاس، تنصّح فيه، وذكر انتشار أصحابه، وتفرق دعاته في النواحي، وأنّه كان ممّن استجاب له، ثم تبين له مخرقته، ففارقه، وخرج عن جملته، وتقرّب إلى الله بكشف أمره.
واجتمع معه على هذه الحال، أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي،
стр. 1922
الكاتب الأنباري، وكان قد عمل كتابا، ذكر فيه مخاريق «١» الحلّاج، والحيلة فيها.
والحلّاج يومئذ، مقيم عند نصر القشوري «٢» ، من بعض حجره، موسّع عليه، مأذون لمن يدخل إليه.
وللحلّاج إسمان، أحدهما الحسين بن منصور، والآخر محمد بن أحمد الفارسي.
وكان قد استغوى نصرا، وجاز تمويهه عليه، حتى كان يسميه: العبد الصالح.
وتحدّث الناس، أنّ علة عرضت للمقتدر بالله «٣» في جوفه، وقف نصر على خبرها، فوصفه له، واستأذنه في إدخاله إليه، فأذن له، فوضع يده على الموضع الذي كانت فيه العلّة، وقرأ عليه، فاتّفق أن زالت العلّة.
ولحق والدة المقتدر بالله «٤» مثل تلك العلة، وفعل بها مثل ذلك، فزال ما وجدته.
فقام للحلّاج بذلك، سوق في الدار، وعند والدة المقتدر، والخدم، والحاشية، وأسباب نصر خاصة.
ولما انتشر كلام الدبّاس، وأبي علي الأوارجي في الحلّاج، بعث به المقتدر بالله، إلى أبي الحسن علي بن عيسى «٥» ، ليناظره، فأحضره مجلسه،
стр. 1923
وخاطبه خطابا فيه غلظة.
فحكي في ذلك الوقت، أنّه تقدّم إليه، وقال له- فيما بينه وبينه-:
قف حيث انتهيت، ولا تزد عليه شيئا، وإلّا قلبت الأرض عليك. أو كلاما في هذا المعنى.
فتهيّب علي بن عيسى مناظرته، واستعفى منه، ونقل حينئذ، إلى حامد.
وكانت بنت السمري، صاحب الحلّاج، قد أدخلت إليه، وأقامت عنده في دار السلطان مدة، وبعث بها إلى حامد ليسألها عمّا وقفت عليه، وشاهدته في أحواله.
فدخلت إلى حامد، في يوم شات بارد، وهذه المرأة بحضرته، وكانت حسنة العبارة، عذبة الألفاظ، مقبولة الصورة.
فسألها عن أمره، فذكرت أنّ أباها السمري، حملها إليه، وأنّها لما دخلت عليه، وهب لها أشياء كثيرة، عدّدت أصنافها، منها ريطة «١» خضراء، وقال لها؛ قد زوجتك ابني سليمان، وهو أعزّ ولدي عليّ، وهو مقيم بنيسابور- في موضع قد ذكرته، وأنسيته- وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف، أو تنكر منه حالا من الأحوال، وقد أوصيته بك، فمتى جرى شيء تنكرينه من جهته، فصومي يومك، واصعدي آخر النهار إلى السطح، وقومي على الرماد، واجعلي فطرك عليه، وعلى ملح جريش، واستقبليني بوجهك، واذكري لي ما أنكرتيه منه، فإنّي أسمع وأرى، قالت: وكنت ليلة نائمة في السطح، وابنة الحلّاج معي، في دار السلطان وهو معنا، فلما كان في الليل، أحسست به وقد غشيني، فانتبهت مذعورة
стр. 1924
منكرة لما كان منه، فقال: إنّما جئت لأوقظك للصلاة.
ولما أصبحنا، نزلت إلى الدار، ومعي بنته، ونزل هو، فلما صار على الدرجة، بحيث يرانا ونراه، قالت بنته: اسجدي له.
فقلت لها: أو يسجد أحد لغير الله؟
وسمع كلامي لها، فقال: نعم، إله في السماء، وإله في الأرض، قال: ودعاني إليه، وأدخل يده في كمه، وأخرجها مملوءة مسكا، فدفعه إليّ، وفعل هذا مرّات، ثم قال: اجعلي هذا في طيبك، فإنّ المرأة، إذا حصلت عند الرجل، احتاجت إلى الطيب.
قالت: ثم دعاني، وهو جالس في بيت البواري «١» ، فقال: ارفعي جانب البارية، وخذي من تحته ما تريدين، وأومأ إلى زاوية البيت، فجئت إليها، ورفعت البارية، فوجدت الدنانير تحتها مفروشة ملء البيت، فبهرني ما رأيت من ذلك.
قال زنجي: وأقامت هذه المرأة، معتقلة في دار حامد، إلى أن قتل الحلّاج.
ولما حصل الحلّاج في يد حامد، جدّ في طلب أصحابه، وأذكى العيون عليهم، وحصل في يده منهم، حيدرة «٢» ، والسمري «٣» ، ومحمد بن علي القنائي «٤» ، والمعروف بأبي المغيث الهاشمي «٥» ، واستتر المعروف بابن حماد «٦» ،
стр. 1925
وكبس منزلة، وأخذت منه دفاتر كثيرة، وكذلك من منزل محمد بن علي القنائي، في ورق صيني، وبعضها مكتوب بماء الذهب، مبطّنة بالديباج والحرير، مجلّدة بالأديم الجيّد.
وكان فيما خاطبه به حامد، أول ما حمل إليه: ألست تعلم أنّي قبضت عليك بدور الراسبي، وأحضرتك إلى واسط «١» ، فذكرت في دفعة أنّك المهدي، وذكرت في دفعة أخرى أنّك رجل صالح تدعو إلى عبادة الله، والأمر بالمعروف، فكيف ادعيت بعد الألوهية؟
وكان في الكتب الموجودة، عجائب من مكاتباته أصحابه النافذين إلى النواحي، وتوصيتهم بما يدعون الناس إليه، وما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى أخرى، ومرتبة إلى مرتبة، حتى يبلغوا الغاية القصوى، وأن يخاطبوا كل قوم، على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم، وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة، لا يعرفها إلّا من كتبها، ومن كتبت إليه، ومدارج فيها ما يجري هذا المجرى، وفي بعضها صورة فيها اسم الله تعالى مكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك التعويج، مكتوب:
عليّ ﵇، كتابة لا يقف عليها إلّا من تأمّلها.
وحضرت مجلس حامد، وقد أحضر السمري صاحب الحلّاج، وسأله عن أشياء من أمر الحلاج، وقال له: حدّثني بما شاهدته منه.
فقال له: إن رأى الوزير أن يعفيني، فعل.
فأعلمه أنّه لا يعفيه، وعاود مسألته عمّا شاهده، فعاود استعفاءه.
وألحّ عليه في السؤال.
فلما تردد القول بينهما، قال: أعلم أنّي إن حدثتك كذّبتني، ولم
стр. 1926
آمن مكروها يلحقني، فوعده أن لا يلحقه مكروه.
فقال: كنت معه بفارس «١» ، فخرجنا نريد اصطخر «٢» في زمان شات، فلما صرنا في بعض الطريق، أعلمته بأنّي قد اشتهيت خيارا.
فقال لي: في هذا المكان؟ وفي مثل هذا الوقت من الزمان؟
فقلت: هو شيء عرض لي.
ولما كان بعد ساعات، قال لي: أنت على تلك الشهوة؟
فقلت: نعم.
قال: وسرنا إلى سفح جبل ثلج، فأدخل يده فيه، وأخرج إليّ منه خيارة خضراء، ودفعها إليّ.
فقال له حامد: فأكلتها؟
قال: نعم.
فقال له: كذبت يا ابن مائة ألف زانية في مائة ألف زانية، أوجعوا فكّه.
فأسرع الغلمان إليه، فامتثلوا ما أمرهم به، وهو يصيح: أليس من هذا خفنا؟
ثم أمر به، فأقيم من المجلس.
وأقبل حامد يتحدّث عن قوم من أصحاب النيرنجيات «٣» ، كانوا يعدون بإخراج التين، وما يجري مجراه من الفواكه، فإذا حصل ذلك في يد الإنسان، وأراد أن يأكله، صار بعرا.
وحضرت مجلس حامد، وقد أحضر سفط خيازر لطيف، حمل من
стр. 1927
دار محمد بن علي القنائي- أكبر ظني- فتقدّم بفتحه، فإذا فيه قدر جافّة خضراء، وقوارير فيها شيء يشبه لون الزئبق، وكسر خبز جافّة، وكان السمريّ حاضرا، جالسا بالقرب من أبي، فعجب من تلك القدر وتصييرها في سفط مختوم، ومن تلك القوارير- وعندنا أنّها أدهان- ومن كسر الخبز.
وسأل حامد السمري عن ذلك، فدافعه في الجواب، واستعفاه منه.
وألحّ عليه في السؤال، فعرّفه أنّ في ذلك القدر رجيع الحلّاج، وأنّه يستشفى به، وأنّ الذي في القوارير بوله.
فعرّف حامد، ما قاله، فعجب منه من كان في المجلس، واتّصل القول في الطعن على الحلّاج.
وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر، ويتعجّب منها، ومن احتفاظهم بها، حتى غاظ السمري ذلك، فقال له: هوذا أسمع ما تقول، وأرى تعجّبك من هذه الكسر، وهي بين يديك فكل منها ما شئت، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلّاج بعد أكلك ما تأكله منها.
فتهيّب أبي أن يأكلها، وتخوّف أن يكون فيها سمّ.
وأحضر حامد الحلّاج، وسأله عما كان في السفط، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله؟ فذكر أنّه شيء ما علم به، ولا عرفه.
وكان يتّفق في كثير من الأيام، جلوس الحلّاج في مجلس حامد، إلى جنبي، فأسمعه يقول دائما: سبحانك، لا إله إلّا أنت، عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت.
وكانت عليه مدرعة سوداء من صوف.
وكنت يوما، وأبي، بين يدي حامد، ثم نهض عن مجلسه، وخرجنا
стр. 1928
إلى دار العامة، وجلسنا في رواقها، وحضر هارون بن عمران الجهبذ «١» ، فجلس بين يدي أبي، ولم يحادثه، فهو في ذاك، إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلا بالحلّاج، وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه، فنهض عن المجلس مسرعا، ونحن لا ندري ما السبب.
فغاب عنّا قليلا، ثم عاد وهو متغيّر اللون جدا. فأنكر أبي ما رآه منه، وسأله عنه.
فقال: دعاني الغلام الموكل بالحلّاج، فخرجت إليه، فأعلمني أنّه دخل إليه، ومعه الطبق الذي رسم أن يقدمه إليه في كل يوم، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، وملأ جوانبه، فهاله ما رأى من ذلك، ورمى الطبق من يده، وخرج من البيت مسرعا، وأن الغلام ارتعد، وانتفض، وحمّ، وبقي هارون يتعجّب من ذلك.
وبلغ حامدا عن بعض أصحاب الحلّاج، إنّه ذكر أنّه دخل إليه، إلى الموضع الذي هو فيه، وخاطبه بما أراده، فأنكر ذلك كلّ الإنكار، وتقدّم بمساءلة الحجاب والبوابين عنه، وقد كان رسم أن لا يدخل إليه أحد، وضرب بعض البوابين، فحلفوا بالإيمان المغلظة، أنهم ما أدخلوا أحدا من أصحاب الحلّاج إليه، ولا اجتاز بهم، وتقدّم بافتقاد السطوح، وجوانب الحيطان، فافتقدوا ذلك أجمع، ولم يوجد له أثر ولا خلل.
فسئل الحلّاج، عن دخول من دخل إليه، فقال: من القدرة نزل، ومن الموضع الذي وصل إليّ منه خرج.
стр. 1929
وكان يخرج إلى حامد، في كل يوم، دفاتر، ممّا حمل من دور أصحاب الحلّاج، وتجعل بين يديه، فيدفعها إلى أبي، ويتقدّم إليه، بأن يقرأها عليه، فكان يفعل ذلك دائما.
فقرأ عليه في بعض الأيام، من كتب الحلّاج، والقاضي أبو عمر «١» حاضر، والقاضي أبو الحسين ابن الأشناني «٢» ، كتابا حكى فيه، أنّ الإنسان إذا أراد الحجّ، ولم يمكنه، أفرد في داره بيتا، لا يلحقه شيء من النجاسة، ولا يدخله أحد، ومنع من تطرقه، فإذا حضرت أيام الحج، طاف حوله، طوافه حول البيت الحرام، فإذا انقضى ذلك، وقضى من المناسك ما يقضي بمكة مثله، جمع ثلاثين يتيما وعمل لهم أمرأ ما يمكنه من الطعام، وأحضرهم إلى ذلك البيت، وقدّم إليهم ذلك الطعام، وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا من أكلهم، وغسل أيديهم، كسا كل واحد منهم قميصا، ودفع إليه سبعة دراهم، أو ثلاثة- الشكّ مني- فإذا فعل ذلك، قام له مقام الحج.
فلما قرأ أبي هذا الفصل، التفت أبو عمر القاضي إلى الحلّاج، وقال له:
من أين لك هذا؟
قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري «٣» .
فقال له أبو عمر: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكة، وليس فيه شيء مما ذكرته.
فلما قال أبو عمر: كذبت يا حلال الدم، قال له حامد: اكتب بهذا.
فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلّاج، فأقبل حامد، يطالبه بالكتاب بما قاله،
стр. 1930
وهو يدافع، ويتشاغل، إلى أن مدّ حامد الدواة من بين يديه إلى أبي عمر ودعا بدرج، فدفعه إليه.
وألحّ عليه حامد بالمطالبة بالكتاب، إلحاحا لم يمكنه معه المخالفة، فكتب بإحلال دمه، وكتب بعده من حضر المجلس.
ولما تبيّن الحلّاج الصورة، قال: ظهري حمى، ودمي حرام، وما يحلّ لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنّة، وتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح «١» ، ولي كتب في السنّة موجودة في الورّاقين، فالله الله من دمي.
ولم يزل يردّد هذا القول، والقوم يكتبون خطوطهم، إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه، ونهضوا عن المجلس، ورد الحلّاج إلى موضعه الذي كان فيه.
ودفع حامد ذلك المحضر إلى والدي، وتقدّم إليه أن يكتب إلى المقتدر بالله، بخبر المجلس، وما جرى فيه، وينفذ الجواب عنها.
فكتب الرقعتين، وأنفذ الفتوى درج الرقعة إلى المقتدر بالله.
وأبطأ الجواب يومين، فغلظ ذلك على حامد، ولحقه ندم على ما كتب به، وتخوّف أن يكون قد وقع غير موقعه، ولم يجد بدا من نصرة ما عمله.
فكتب بخط والدي، رقعة إلى المقتدر بالله، في اليوم الثالث، يقتضي فيها ما تضمّنته الأولى، ويقول: إنّ ما جرى في المجلس، قد شاع وانتشر، ومتى لم يتبعه قتل الحلّاج، افتتن الناس به، ولم يختلف عليه اثنان، ويستأذن
следующие страницы →