← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وكان كلّ إنسان قد اشترى ما في شركته، وما في جواره، ممّا كان يتأذّى به هو وأسلافه، منذ مائة سنة، وما كان يتمنّاه ويشتهيه منذ ذلك العهد، وما قد ارتحصه، واستصلحه. فقامت قيامة أهل البلد، والتزموا عن آخرهم [٧٠ ب] التقسيط، على ما فصّلته عليهم، من غير محاسبة. وورّكت «١» على ابن قديدة مالا عظيما، فلم يكن له فيه وجه. فأنا جالس في بيتي ليلة، إذ جاءني [٦٣ ط] ، فدخل إليّ. فقلت: ما هذا يا أبا جعفر؟ وقمت إليه، وسلّمت عليه، فعاتبني، وخضع لي. فقلت: ما تريد؟ فقال: تخفّف عنّي من التقسيط، وتعاونني بمالك، فو الله، ما معي ما أؤدّيه. فخفّفت عنه منه شيئا يسيرا، وأقرضته ثلاثين ألف درهم، وكتبت بها عليه قبالة «٢» ، وأشهدت فيها جماعة عدول البلد، وتركتها في بيتي، فلم أفكّر في المال سنين، ورجعت أدسّ المكاره، والمغارم، والمحن عليه، وهو يذوب، وينقص في كل يوم. فلما علمت أنّه قد بلغ آخر أمره، طالبته بالدين، فاستتر عنّي في منزله. فاستعديت عليه إلى القاضي أبي القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ «٣» ، فكتب

стр. 247

لي عدوى «١» إلى صاحب المعونة. فهرب من داره، فنادى القاضي على بابه بالحضور، فلم ينجع ذلك. فسألت البريديّ إخراجه، فكبس عليه وأخرجه، وأحضره معي إلى القاضي، فقامت البيّنة عليه بالمال. فسألت القاضي حبسه. فقال لي القاضي عليّ بن محمد: الحبس في الأصل غير واجب، وذوو المروءات لا يحبسون مع أصاغر الناس في حبس واحد، ولكن أمكّنك من أن تلازمه بنفسك أو أصحابك، كيف شئت. فلازمته في مسجد على باب القاضي [بأصحابي] «٢» ومضيت إلى البريديّ، فقلت: قد لحقت خصمي عناية القاضي، فالله الله فيّ، فإنّي لا آمن أن يدسّ ابن قديدة إلى أكرته، أو إلى قوم من الجيش، فيؤخذ من يدي، ويخرج إلى بغداد، فيبطل المال عليّ، ويحصل هناك يسعى بي، ويعرّض نعمتي للزوال. قال: فخاطب البريديّ القاضي في ذلك، فتقرّر الأمر بينهما على أنّي اكتريت دارا قريبة من حبس القاضي، أؤدّي أنا أجرتها، وأجلس ابن قديدة فيها، وألازمه بأصحابي، وأوكّل بها رجّالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه. فنقلته إليها، فأقام فيها سنة وكسرا، وهو لا يؤدّي المال، ويكايدني عند نفسه «٣» ، وأنا قد رضيت أن يتأخّر المال، ويبقى هو محبوسا.

стр. 248

واعتلّ علّة صعبة، فجاءتني أمّه، وكانت بيني وبينها قرابة، فسألتني إطلاقه، وبكت، فلم أفعل. إلى أن بلغني أنّه في النزع، وجاءتني تبكي، فرحمتها، فأطلقته لها، بعد أن كفلته منها. فمات بعد ثلاثة أيام، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه «١» .

стр. 249

١٢٠ كيف تاب بن أبي علان من التصرف قلت لأبي القاسم ابن أبي علان: كيف كانت توبتك من التصرّف؟ وما سببها؟ قال: كان سبب ذلك، أنّ أبا [٧١ ب] عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ ﵀ «١» ، كان يجيء إلى الأهواز فينزل عليّ، لأنّي كنت كاتب ديوان الأهواز، وخليفة أبي أحمد بن الحسين بن يوسف على العمالة، والأمر كلّه إليّ أدبّره. وكان أبو عليّ يقدم الأهواز في كل سنة دفعة، وقت افتتاح الخراج، ويستضيف إلى خراج ضيعته بجبّى «٢» ، خراج قوم كان رسمهم أن يكونوا في أثره على مرور السنين. فإذا قدم البلد، أعظمه الناس وأكرموه، ولا ينزل إلّا عليّ في أكثر الأوقات، فأقرّر «٣» أمره مع العامل. وربما كان العامل غير صاحبي، أو من لا يعرف محل أبي عليّ، فيكون ما يقرّر عليه أمره أقلّ من ذلك [٦٤ ط] ، إلّا أنّه كان لا يخلو من أن يسقط عنه نصف الخراج أو ثلثه. فإذا عاد إلى جبّى، لم يلزم نفسه من خراج ضيعته شيئا البتة، ونظر إلى ما بقي، بعد إسقاط خراجه من النظر، ففضّه على القوه الذين في أثره، وألزمهم بإزاء ذلك، أن يضيف كلّ واحد منهم، رجلا من الفقراء

стр. 250

الذين يتعلّمون منه العلم طول السنة، فيكون ما يلزم الواحد، على الواحد منهم، شيئا يسيرا لا يبلغ خمس ما أسقطه عنه من الخراج بجاهه. ويعود هو فيخرج من ضيعته العشر الصحيح، فيتصدّق به على الفقراء من أهل الحوز «١» ، قريته التي هو مقيم فيها، وعلى أهل محلّته، وكان هذا دأبه في كلّ سنة. فنزل عليّ في بعض قدماته، فبلغت له مراده في أمر الخراج، وجلسنا ليلة نتحدّث. فقلت له: يا أبا عليّ أتخاف عليّ مما أنا فيه شيئا؟ فقال: يا أبا القاسم، وكيف لا أخاف عليك، والله، لئن متّ على هذه الحال، لا رحت «٢» رائحة الجنّة. فقلت: ولم؟ ولأيّ شيء؟ وإنّما أنا أعمل الحساب، وأجري مجرى ناسخ، وآخذ أجري من بيت المال، أو يجيئني رجل مظلوم، قد لزمته زيادة باطلة في خراجه، فأسقطها عنه، وأصلحها له في الحساب، فيهدي إليّ بطيب قلبه، أو أرتفق من مال السلطان بشيء، ولي في فيء المسلمين قسط يكون هذا بإزائه. فقال: يا أبا القاسم، إنّ الله لا يخادع، أخبرني، ألست أنت تختار المسّاح، وتنفذهم إلى المساحة، وتوصيهم بالتقصّي، فيخرجون، فيزيدون بالقلم واحدا أو اثنين في العشرة، ويجونك «٣» بالتزاوير، فتسقطها أنت، وتعمل الجرائد، وتسلّمها إلى المستخرج، وتقول له: أريد أن يصحّ المال في

стр. 251

كذا وكذا يوما عند الجهبذ، وإلّا دققت يديك على رجليك؟ قلت: نعم. قال: فيخرج المستخرج فيبثّ الفرسان، والرّجالة، والرسل، والمستحثّين، ويضرب، ويصفع، ويقيّد، وأنت [٧٢ ب] تأمره وتنهاه، وإذا قلت له: أطلق رجلا، أو أخّره بما عليه، قبل أمرك، وإذا لم تأذن له طالبه حتى يؤدّي؟ قلت: نعم. قال: فيحصل المال عند الجهبذ، فتخرج إليه الصكاك من ديوانك وبعلاماتك؟ فقلت: نعم. قال: فأي شيء بقي من العمل لم تتولّ وزره، وتضمن غرمه، وتتحمّل إثمه؟ تب إلى الله، وإلّا فأنت هالك، ودع التصرّف، وأصلح أمر آخرتك. قال: وأخذ يعظني، ويخطب عليّ، حتى بكيت. ثم قال لي: لست بأعظم [نعمة ولا أكبر منزلة] «١» من جعفر بن حرب «٢» ، فإنّه كان يتقلّد كبار أعمال السلطان، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء، وكان يعتقد الحقّ «٣» ومنزلته في العلم المنزلة المشهورة، وصنّف غير كتاب من كتبه الباقية إلى الآن في أيدي الناس، وهو يتصرّف مع السلطان. فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم، ونعمته على غاية الوفور، ومنزلته

стр. 252

بحالها من الجلالة، فسمع رجلا يقرأ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ «١» فقال: اللهم بلى، وكرّرها دفعات، وبكى، ثم نزل [٦٥ ط] عن دابته، ونزع ثيابه، ودخل إلى دجلة، فاستتر بالماء إلى حلقه، ولم يخرج حتى فرّق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه، وردّها، ووصّى فيها، وتصدّق بالباقي، وعمل ما اقتضاه مذهبه، ووجب عليه عنده. فاجتاز رجل، فرآه في الماء قائما، وسمع بخبره، فوهب له قميصا ومئزرا، فاستتر بهما، وخرج فلبسهما، وانقطع إلى العلم والعبادة، حتى مات. ثم قال لي أبو عليّ: فافعل أنت يا أبا القاسم مثل هذا، فإن لم تطب نفسك به كلّه، فتب. قال: فأثّر كلامه فيّ، وعملت على التوبة، وترك التصرّف، ولم أزل أصلح أمري لذلك مدّة، حتى استوى لي التخلّص من السلطان، فتبت، وتركت معاودة التصرّف.

стр. 253

١٢١ أبو فراس الحمداني من مناجيب بني حمدان من مناجيب بني حمدان، أبو فراس، الحارث بن أبي العلاء بن حمدان «١» ، فإنّه برع في كل فضل، على ما أخبرني جماعة شهدوه، وأثق بهم، حسن خلق لم ير في عصره- زعموا- بالشام أحسن منه، مع خلق طاهر، وحسن باطن وظاهر، وفروسيّة تامّة، وشجاعة كاملة، وكرم [مستفيض] «٢» ، لأنّه نشأ في تربية سيف الدولة ﵁، وحجره، وأخذ أخلاقه، وتأدّب بآدابه، مع ملاحة خطّ، وترسّل، وشعر في غاية الجودة، وديوانه كبير، إلّا أنّه كان قبيل موته اختاره، على ما أخبرني به أبو الفرج الببغاء، فنفى منه شيئا كثيرا. قال: واقفني على نفيه، لأنّه عرضه عليّ، فكلّ ما استضعفناه نفاه، وما اجتمعنا على استجادته أقرّه، وحرّره في نسخة تداولها الناس [٧٣ ب] ، ومات وما بلغ الأربعين، مقتولا.

стр. 254

قال: وأظنّ مبلغ سنّه كانت سبعا وثلاثين سنة، أو نحوها، لمّا قتل. وكان قرغويه غلام أبي الهيجاء الذي كان أحد قوّاد سيف الدولة، وحاجبه، احتال عليه، حتى قتله في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. قال: وذلك أنّ الجيوش السيفيّة «١» افترقت بعد وفاة صاحبها، فكلّ قطعة حوت بلدا، وصار معظمهم مع قرغويه «٢» بحلب، واحتوى عليها، وانضمّت قطعة إلى أبي فراس، فغلب بها على حمص. فلما استقام الأمر لقرغويه، رخل بالأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة «٣» ، وهو إذ ذاك صبيّ، وأبو فراس خاله، لقتال أبي فراس، ثم جرت بينهما مراسلة، واصطلحوا. وجاء أبو فراس، وهو لا تحدّثه نفسه أنّ قرغويه يجسر عليه، ولا أنّه يخاف أبا المعالي وهو ابن أخته، فدخل إلى أبي المعالي وخرج، وما أحبّ الأمير أبو المعالي به سوءا.

стр. 255

إلّا أن قرغويه خاف أن يتمكّن من ابن أخته، فيحمله على قتله، فنصب له قوما اغتالوه في العسكر، وهم عقيب حرب لم تهدأ، وتخليط لم يسكن. وأراد الأمير أبو المعالي إنكار ذلك، فمنعه قرغويه، وطاح دم الرجل، ﵀. [وحدّثني أبو الحسن، أنّ أبا محمد الصلحيّ، وكان أبوه يكتب لأبي فراس أيّام ملكه، حدّثه بمثله، على غير هذا، وجملته: أنّه أسر، فجاء وهو أسير، راكبا، فما شاهدته طائفة من غلمان سيف الدولة، إلّا ترجّلت له، وقبّلت فخذه، فلما رأى ذلك قرغويه قتله في الحال] «١» .

стр. 256

١٢٢ كيف أسر أبو فراس الحمداني قال: وكان سيف الدولة، قلّده منبج «١» وحرّان «٢» وأعمالهما، فجاءه خلق من الروم، فخرج إليهم في سبعين نفسا من غلمانه [٦٦ ط] وأصحابه، يقاتلهم، فنكأ فيهم، وقتل، وقدّر أنّ الناس يلحقونه، فما اتّبعوه، وحملت الروم بعددها عليه، فأسر. فأقام في أيديهم أسيرا سنين، يكاتب سيف الدولة أن يفتديه بقوم كانوا عنده من عظماء الروم، منهم البطريق المعروف بأغورج، وابن أخت الملك، وغيرهما، فيأبى سيف الدولة ذلك، مع وجده عليه، ومكانه من قلبه، ويقول: لا أفدي ابن عمي خصوصا، وأدع باقي المسلمين، ولا يكون الفداء إلا عامّا للكافّة، والأيّام تتدافع. إلى أن وقع الفداء قبيل موت سيف الدولة، في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فخرج فيه أبو فراس، ومحمد بن ناصر الدولة، لأنّه كان أسيرا في أيديهم، والقاضي أبو الهيثم عبد الرحمن بن القاضي أبي الحصين «٣» عليّ بن

стр. 257

عبد الملك، لأنّهم كانوا أسروه أيضا في حرّان، قبل ذلك بسنين، وخرج من المسلمين عدد عظيم. قال: ولأبي فراس كلّ شيء حسن من الشعر، في معنى أسره. فمن ذلك، أنّ كتب سيف الدولة تأخّرت عنه، وبلغه إنّ بعض الأسراء قال: إن ثقل هذا المال على الأمير سيف الدولة، كاتبنا فيه صاحب خراسان، فاتّهم أبا [٧٤ ب] فراس بهذا القول، لأنّه كان ضمن للروم وقوع الفداء، وأداء ذلك المال العظيم، فقال سيف الدولة: ومن أين يعرفه أهل خراسان؟ فكتب إليه قصيدة أوّلها: أسيف الهدى وقريع العرب ... إلى م الجفاء وفيم الغضب وما بال كتبك قد أصبحت ... تنكّبني مع هذي النّكب وإنّك للجبل المشمخرّ ... لي ولقومك بل للعرب على تستفاد وعاف يفاد ... وعزّ يشاد ونعمى تربّ وما غضّ منّي هذا الأسار ... ولكن خلصت خلوص الذهب ففيم يقرّعني بالخمول ... مولى به نلت أعلى الرتب أتنكر أنّي شكوت الزمان ... وأنّي عتبتك فيمن عتب فالّا رجعت فأعتبتني ... وصيّرت لي ولقولي الغلب ولا تنسبنّ إليّ الخمول ... عليك أقمت فلم أغترب وأصحبت منك فإن كان فضل ... وإن كان نقص فأنت السبب وإنّ خراسان إن أنكرت ... علاي فقد عرفتها حلب

стр. 258

ومن أين ينكرني الأبعدون ... أمن نقص جدّ أمن نقص أب ألست وإيّاك من أسرة ... وبيني وبينك فوق النسب وداد تناسب فيه الكرام ... وتربية ومحلّ أشب «١» فلا تعدلنّ فداك ابن عمّك ... لا بل غلامك عمّا يجب أكنت الحبيب وكنت القريب ... ليالي أدعوك من عن كثب «٢» فلمّا بعدت بدت جفوة ... ولاح من الأمر ما لا أحب فلو لم أكن بك ذا خبرة ... لقلت صديقك من لم يغب وما شكّكتني فيك الخطوب ... ولا غيّرتني عليك النّوب وأشكر ما كنت في صحبتي ... وأحلم ما كنت عند الغضب قال الببغاء: وله في صفة أسره، وعلل لحقته هناك، ومراث لنفسه في الأسر، وتعطّف لسيف الدولة، وصفة الأسر، وما لحقه فيه، شعر كثير، حسن أكثره، بمعان مخترعة، لم يسبق إليها. ونحن نورد ما نختاره من ذلك، بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 259

١٢٣ إذا اختلّ أمر القضاء في دولة اختلّ حالها حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: كان أوّل ما انحلّ من نظام سياسة الملك، فيما شاهدناه من أيّام بني العباس، القضاء، فإن ابن الفرات، وضع منه، وأدخل فيه قوما بالذمامات «١» ، لا علم لهم، ولا أبوّة فيهم، فما مضت إلا سنوات، حتى ابتدأت الوزارة تتّضع «٢» ، ويتقلّدها كلّ من ليس لها بأهل، حتى بلغت في سنة نيّف وثلاثين وثلاثمائة، أن تقلّد وزارة المتّقي أبو العباس الأصبهانيّ الكاتب «٣» ، وكان غاية في [٧٥ ب] سقوط المروءة، والرقاعة. ولقد استأذنت عليه يوما، فجاء البوّاب إليه، فقال: ابن عيّاش بالباب، فسمعته يقول له من وراء الستر: يدخل. فقلت في نفسي: لا إله إلا الله، تبلغ الوزارة إلى هذا الحدّ في السقوط؟ وحتى كان يركب وليس بين يديه إلا ابن حدبنا صاحب الرّبع «٤» ،

стр. 260

وحتى رأيت في شارع الخلد «١» قردا معلّما، يجتمع الناس عليه. فيقول له القرّاد: تشتهي أن تكون بزّازا؟ فيقول: نعم، ويومئ برأسه. فيقول: تشتهي تكون عطّارا؟ فيقول: نعم، برأسه. فيعدّد الصنائع عليه، فيومئ برأسه. فيقول له في آخرها: تشتهي تكون وزيرا؟ فيومئ برأسه: لا، ويصيح، ويعدو من بين يدي القرّاد، فيضحك الناس. قال: وتلى سقوط الوزارة، اتّضاع الخلافة، وبلغ صيّورها «٢» إلى ما نشاهد، فانحلّت دولة بني العباس، بانحلال أمر القضاء. وكان أول وضع ابن الفرات من القضاء، تقليده إيّاه، أبا أميّة الأحوص الغلابيّ البصريّ «٣» ، فإنّه كان بزّازا، فاستتر عنده ابن الفرات، وخرج من داره إلى الوزراة.

стр. 261

فقال له في حال الاستتار: إن وليت الوزارة، فأيّ شيء تحب أن أعمل بك؟ قال: تقلّدني شيئا من أعمال السلطان. قال: ويحك، لا يجيء منك عامل، ولا أمير، ولا صاحب شرطة، ولا كاتب، ولا قائد، فأيّ شيء أقلّدك؟ قال: لا أدري، ما شئت. قال: أقلّدك القضاء. قال: قد رضيت. فلما خرج، وولي الوزارة، وهب له، وأحسن إليه، وقلّده قضاء البصرة، وواسط، وسبع كور الأهواز. وكان يداعبه، ويتلهّى به «١» ، ويسخر منه في أوقات استتاره عنده، وقبلها، ويمدّ يده إليه، فلمّا ولّاه القضاء، وقرّه عن ذلك. ثم انحدر أبو أميّة إلى أعماله، فأراد أن يغطّي نقصه في نفسه، وقلّة علمه، ويصل ذلك بشيء يتجمّل به، فعفّ عن الأموال، فما أخذ شيئا، وتصوّن وتوقّر، واقتصر على الأرزاق، وصلات ابن الفرات الدارّة، فستر ذلك جميع عيوبه. وتناوله الشعراء، فقال فيه القطرانيّ البصريّ: [٦٨ ط] . عبث الدهر بنا و ... الدهر بالأحرار يعبث من عذيري من زمان ... كل يوم هو أنكث ما ظننّا أنّنا نبقى ... وأن «٢» نحيا ونلبث فنرى الأحوص يقضي ... وأبا عيسى يحدّث

стр. 262

١٢٤ من محاسن الأحوص الغلابي القاضي بالبصرة حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن محمد القاضي، المعروف بابن نصرويه، قال: كنت أيّام أبي أميّة الغلابيّ، وتقلّده القضاء بالبصرة، حدثا، وكنت أجيئه مع خالي، وكان الحرّ عندنا بالبصرة إذ ذاك، شديدا مفرطا، أكثر من شدّته الآن [٧٦ ب] . وكان أبو أميّة يخرج في كلّ عشيّة من داره في مربّعة الأحنف، وعليه مئزر، وعلى ظهره رداء خفيف، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان «١» ، وبيده مروحة، وهو قاضي البصرة «٢» ، والأبلّه «٣» ، وكور دجلة «٤» ، وكور الأهواز «٥» ، وواسط «٦» ، وأعمال ذلك، فيمشي حوله من يتّفق أن يكون في الوقت من غير تعمّل، حتى ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا

стр. 263

الساجي «١» ، فيجلس إليه، وربما سبقه، وجاء أبو يحيى، وجلسا يتحدّثان، ويجتمع إليهما أترابهما، وإخوانهما القدماء، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث، والمزح، ما ليس بقليل. ويجيء سعيد الصفّار، وكان يخلف أبا أميّة على البصرة، بقلنسوة عظيمة، وقميص، وخفّ، وطيلسان، فيسلّم عليه بالقضاء، ويشاوره في الأمور، فيقول له: قم عنّي، لا يجتمع عليّ الناس، لا تقطعني عن لذّتي بمحادثة إخواني القدماء، قم إلى مجلسك. فيقوم سعيد، فيجلس بالبعد منه في الجامع، في موضع برسمه، ينظر بين الناس. وما كان ذاك يغضّ من قدره عند الناس، وكانت سيرته أحسن سيرة، واستعمل من العفّة عن الأموال، ما لم يعهد مثله. وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد، فإذا أراد أحد أربابها شيئا، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة، فلحق الناس مشقّة، فنقل أبو أميّة ديوانها إلى البصرة، فكثر الدعاء له، وصارت سنّة، وبقي الديوان بالبصرة. وكان- مع هذا- يتيه على ابن كنداج، وهو أمير البصرة «٢» ، ولا يركب إليه مرّة، إلا إذا جاءه ابن كنداج مرّة، ويعترض على ابن كنداج

стр. 264

في الأمور، ويسمع الظلامات فيه، وينفذ إليه في إنصاف المتظلّم، فيضجّ ابن كنداج من يده، ويكتب إلى ابن الفرات في أمره، فترد عليه الأجوبة بالصواعق، ويأمره بالسمع والطاعة، فيضطر إلى مداراته، والركوب إليه، وتلافيه. فقبض على ابن الفرات، وأبو أميّة لا يعلم، وورد كتاب على الطائر- بذلك- إلى ابن كنداج، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أميّة، فقدّر أنّه قد جاء مسلّما، فخرج إليه، فقبض عليه، ومشّاه بين يديه، طول الطريق، إلى داره ببني نمير، حتى أدخله السجن، من تحت الخشبة «١» فأقام فيه مدّة، ثم مات. ولم يسمع بقاض أدخل السجن من تحت الخشبة غيره، ولا بقاض مات في السجن سواه. ثم ولي ابن الفرات [٦٩ ط] الوزارة أيضا، فحين جلس، سأل عن أصحابه، وصنائعه، وسأل عن أبي أميّة، فعرّف ما جرى عليه، ووفاته، فاغتمّ لذلك. وقال: فاتني بنفسه، فهل له ولد أقضي فيه حقّه؟ فقالوا: ابن رجل. فكتب بحمله إليه مكرّما، فحمل.

стр. 265

فلما دخل عليه، وجد سلامه سلام متخلّف، فقال له: ما اسمك؟ قال [٧٧ ب] أبو غشّان، وكانت لثغته كذا، ولم يفرّق لتخلّفه بين الاسم والكنية. فقال ابن الفرات: عزيز عليّ أن لا أقضي حقّ أبي أميّة، في نفسه، ولا في ولده، كيف اقلّد هذا القضاء؟ فوصله بمال جزيل، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه، وصرفه إلى بلده، وكان يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات.

стр. 266

١٢٥ أبو عمر القاضي يقلد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء ثم يصرفه حدّثني أبو نصر أحمد بن عمرو «١» البخاري القاضي، قال: حدّثني جماعة من ثقات أهل بغداد: إنّ أبا عمر القاضي «٢» قلّد ابنا لأحمد بن حنبل القضاء. فتظلّم إليه منه، وذكر عنده بشناعات لا يليق مثلها بالقضاة، فأراد صرفه. فعوتب على ذلك، وقيل: إنّ مثل هذا الرجل لا يجوز ان يكون ما رمي به صحيحا، فإن كان صحّ عندك، وإلّا فلا تصرفه. فقال: ما صحّ عندي، ولا بدّ من صرفه. فقيل: ولم؟ قال: أليس قد احتمل عرضه، أن يقال فيه مثل هذا، وتشبّهت صورته بصورة من إذا رمي بهذا جاز أن يتشكّك فيه؟ والقضاء أرقّ من هذا، فصرفه.

стр. 267

١٢٦ أبو خازم القاضي يغضب إذا سمع مدحا للقاضي بأنّه عفيف حدّثني أبو الحسين بن عيّاش القاضي، عمّن حدّثه: إنّه كان يساير أبا خازم القاضي «١» في طريق، فقام إليه رجل، فقال: أحسن الله جزاءك أيّها القاضي، في تقليدك فلانا القضاء ببلدنا، فإنّه عفيف. فصاح عليه أبو خازم، وقال: اسكت عافاك الله، تقول في قاض إنّه عفيف، هذه من صفات أصحاب الشرط، والقضاة فوقها «٢» . قال: ثم سرنا، وهو واجم ساعة. فقلت: ما لك أيها القاضي؟ قال: ما ظننت أنّي أعيش حتى أسمع هذا، ولكن فسد الزمان، وبطلت هذه الصناعة، ولعمري إنّه قد دخل فيها من يحتاج القاضي معه إلى التقريظ، وما كان الناس يحتاجون أن يقولوا: فلان القاضي عفيف، حتى تقلّد فلان، وذكر رجلا لا أحبّ أن أسميّه. فقلت: من الرجل؟ فامتنع. فألححت عليه، فأومأ إلى أبي عمر.

стр. 268

١٢٧ إسراع الناس إلى العجب مما لم يألفوه وحدّثني أبو الحسين، قال: لما قلّد المقتدر أبا الحسين «١» بن أبي عمر «٢» القاضي، المدينة «٣» رئاسة، في حياة أبيه أبي عمر، خلع عليه، واجتمع الخلق من الأشراف، والقضاة، والشهود، والجند، والتجّار، وغيرهم على باب الخليفة، حتى خرج أبو الحسين وعليه الخلع، فساروا معه. قال: وكنت فيهم مع عمّي، للصهر الذي كان بينه وبينهم، ولأنّه كان أحد شهودهم. فسار عمّي، وأنا معه، في أخريات الموكب، خوفا من الزحام، ومعنا شيخ من الشهود كبير السن، أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا. فكنّا لا نجتاز بموضع، إلّا سمعنا ثلب الناس لأبي الحسين، وتعجّبهم من تقلّده [رئاسة. فقال عمّي للشيخ: يا أبا فلان ما ترى ازورار الناس [٧٠ ط] من تقلّد] «٤»

стр. 269

هذا الفتى، مع فضله، ونفاسته، وعلمه، وجلالة سلفه؟ فقال له الشيخ [٧٨ ب] : يا أبا محمّد، لا تعجب من هذا، فلعهدي، وقد ركبت مع أبي عمر يوم خلع عليه بالحضرة، وقد اجتزنا بالناس، وهم يعجبون من تقلّده، أضعاف هذا العجب، حتى خفت أن يثبوا بنا، وهذا أبو عمر الآن قدوة «١» في الفضل، ومثال في العقل والنبل، ولكنّ الناس يسرعون إلى العجب ممّا لم يألفوه.

стр. 270

١٢٨ من قدّم أمر الله على أمر المخلوقين كفاه الله شرّهم حدّثني أبو الحسن عليّ بن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر ابن البهلول، قال: طلبت السيّدة أمّ المقتدر» ، من جدّي، كتاب وقف لضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، فأرادت أخذه لتخرّقه، وتبطل الوقف، ولم يعلم جدّي بذلك. فحمله إلى الدار، وقال للقهرمانة: قد أحضرت الكتاب كما رسمت «٢» فأيش تريد «٣» ؟ فقالوا: نريد أن يكون عندنا. فأحسّ بالأمر، فقال لأمّ موسي القهرمانة «٤» : تقولين للسيّدة أعزّها

стр. 271

الله، هذا والله ما لا طريق إليه أبدا، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم فإمّا مكّنتموني من خزنه كما يجب، وإلا فاصرفوني وتسلّموا الديوان دفعة، فاعملوا به ما شئتم، وخذوا منه ما أردتم، ودعوا ما أردتم، أمّا أن يفعل شيء منه على يدي، فو الله لا كان هذا ولو عرضت على السيف. ونهض والكتاب معه، وجاء إلى طيّاره، وهو لا يشكّ في الصرف، فصعد إلى ابن الفرات، فحدّثه بالحديث، وهو وزير. فقال: ألا دافعت عن الجواب، وعرّفتني حتى كنت أتلافى ذلك، الآن أنت مصروف، ولا حيلة لي مع السيّدة في أمرك. قال: وأدّت القهرمانة الرسالة إلى السيّدة، فشكته إلى المقتدر. فلمّا كان في يوم الموكب، خاطبه المقتدر شفاها في ذلك، فكشف له الصورة، وقال مثل ذلك القول في الاستعفاء. فقال له المقتدر: مثلك يا أحمد يقلّد القضاء، أقم على ما أنت عليه، بارك الله فيك، ولا تخف أن يثلم ذلك عرضك عندنا «١» . قال: فلما عاودته السيّدة، بلغنا أنّه قال لها: الأحكام ما لا طريق إلى اللعب به، وابن البهلول مأمون علينا، محبّ لدولتنا، وهو شيخ ديّن، مستجاب الدعوة، ولو كان هذا شيء يجوز، ما منعك إيّاه. فسألت السيّدة كاتبها ابن عبد الحميد عن ذلك، وشرحت له الأمر.

стр. 272

فلما سمع ما قاله جدّي، بكى بكاء شديدا- وكان شيخا صالحا من شيوخ الكتّاب- وقال: الآن علمت «١» أنّ دولة السيّدة وأمير المؤمنين تبقى، وتثبت أركانها، إذ كان فيها مثل هذا الشيخ الصالح الذي يقيم الحقّ على السيّدة، ولا يخاف في الله لومة لائم. فأيّ شيء يساوي شراؤكم لوقف؟ وإن [٧٩ ب] أخذتم كتابه فخرّقتموه، فأمره شائع ذائع، والله فوق كل شيء، وبه عالم. فقالت السيّدة: وكأنّ هذا لا يجوز؟ فقال لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على مال الله، وأعلمها أنّ الشراء لا يصحّ بتخريق كتاب الوقف، وهذا لا يحلّ. فارتجعت المال، وفسخت الشراء، وعادت تشكر جدّي، وانقلب ذلك له أثرا جميلا عندهم. فقال لنا جدّي بعد ذلك: من قدّم أمر الله تعالى على أمر المخلوقين كفاه الله [٧١ ط] شرّهم.

стр. 273

١٢٩ القاضي أبو محمد البصريّ والد القاضي أبي عمر يؤدّب مملوكا من وجوه مماليك الخليفة المعتضد حدّثني أبي ﵁، قال: سمعت القاضي أبا عمر يقول: قدّم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله «١» ، إلى أبي «٢» في حكم، فجاء فارتفع في المجلس. فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل إدلالا بعظم محلّه في الدولة. فصاح أبي عليه، وقال: هاه، تؤمر بموازاة خصمك، فتمتنع؟ يا غلام، عمرو بن أبي عمرو النخّاس «٣» الساعة، لأتقدّم إليه ببيع هذا العبد، وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين. ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وساو بينه وبين خصمه. فأخذ كرها وأجلس مع خصمه. فلما انقضى الحكم، انصرف الخادم، فحدّث المعتضد بالحديث، وبكى بين يديه. فصاح عليه المعتضد، وقال: لو باعك لأجزت بيعه، ولما رددتك إلى ملكي أبدا، وليس خصوصك بي، يزيل مرتبة الحكم، فإنّه عمود السلطان، وقوام الأديان.

стр. 274

١٣٠ قاضي همذان يمتنع عن قبول شهادة رجل مستور سمعت قاضي القضاة، أبا السائب عتبة بن عبيد الله «١» ، يقول: كان في بلدنا، يعني همذان، رجل مستور، فأحبّ القاضي قبوله «٢» فسأل عنه، فزكّي له سرّا وجهرا. فراسله في حضور المجلس، ليقبله، وأمر فأخذ خطّه في كتب ليحضر فيقيم الشهادة فيها. وجلس القاضي، وحضر الرجل مع الشهود، ونودي به، فجاء مع شاهد آخر، فلما جلسا ليشهدا، أمرهما القاضي بالقيام، فقاما، ونظر بين الخصوم، وتقوّض المجلس، ولم يقبله. فورد على الرجل أمر عظيم، ودسّ إلى القاضي من يسأله عن سبب ذلك. فقال القاضي: إنّي أردت قبوله لستره ودينه، ثم انكشف لي أنّه مراء، فلم يسعني قبوله. فقيل له: كيف انكشف هذا للقاضي، بعد أن دعاه للقبول؟ قال: كان يدخل إليّ في كلّ يوم، فأعدّ خطاه، من حيث تقع عيني عليه من داري إلى مجلسي، فلما دعوته اليوم للشهادة، جاء، فعددت خطاه من ذلك المكان، فإذا هي قد زادت خطوتين أو ثلاث، فعلمت أنّه متصنّع لهذا الأمر، مراء، فلم أقبله.

стр. 275

١٣١ الصفح الجميل عفو بلا تقريع حدّثني أبو منصور عبد العزيز بن محمد بن عثمان، المعروف بابن أبي عمرو الشرابيّ حاجب أمير المؤمنين المطيع «١» لله [٨٠ ب] قال: دخلت في حداثتي يوما على أبي السائب القاضي، فقصّر في القيام، وأظهر ضعفا عنه للسنّ، والعلل المتّصلة به، وتطاول لي، فجذبت يديه بيديّ، حتى أقمته القيام التامّ. وقلت له: أعين قاضي القضاة- أيّده الله- على إكمال البرّ، وتوفية الإخوان الحقّ. قال: وقد كنت عاتبا عليه في أشياء عاملني بها، وإنّما جئته للخصومة، فبدأت لأصل الكلام. فحين رأى الشرّ في وجهي، قال: تتفضل باستماع كلمتين ثم تقول ما شئت. فقلت له: قل. فقال: روينا عن ابن عبّاس في قوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ «٢» قال: عفو بلا تقريع، فإن رأيت أن تفعل ذلك، فعلت. فاستحييت من الاستقصاء عليه.

стр. 276

١٣٢ بين الأصبهانيّ الكاتب والخومينيّ عامل سوق الأهواز حضرت أبا عبد الله الخومينيّ «١» عامل سوق الأهواز، وقد دخل إليه أبوبكر أحمد بن عبد الله، المعروف بأبي بكر بن عبد الله أبي سعيد الأصبهانيّ الكاتب. فأخذ يريه أنّه [٧٢ ط] يريد القيام، ويتثاقل فيه، حتى يسبقه أبو بكر ابن أبي سعيد بالجلوس، إلى قيامه له. ففطن أبو بكر، فوقف من بعيد، وقال: هي، قم قائما حتى أجيء، وإلا انصرفت من موضعي. فضحك الخوميني، وقال: والله يا سيدي، ما أردت هذا. وقام له القيام التامّ.

стр. 277

١٣٣ شيخ من الكتاب ينصح أبا الحسين بن عيّاش حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: تقلّد سليمان بن الحسن «١» الوزارة الأولى عقيب اختصاصي به وأنسي، فكنت أجيئه على ذلك الأنس، ما تغيّر عليّ، ولا أنكرت منه شيئا. وكنت شابّا، ولم تكن لي مداخلة بالملوك، وكنت أجيئه والناس محجوبون فأدخل على الرسم، وهو خال. فاتفق أنّي بتّ ليلة موكب عند أبيه، أبي محمد، فبكّرت من غد لأراه، ثم أنصرف. فجئت، والقاضي أبو عمر، وابنه أبو الحسين، والقاضي ابن أبي الشوارب «٢» ، وابنه «٣» ، والقاضي ابن البهلول، والناس من الأشراف، والكتّاب، ووجوه القوّاد، وأهل الحضرة، محجوبون، وهم جلوس في الرواق، والحاجب واقف على باب السلّم، وكان ينفذ إلى حجرة خلوة له، هو فيها.

стр. 278

فلما رآني الحاجب، أمر فرفع لي الستر، فدخلت إليه، وهو يتبخّر وعليه سواده، يريد الركوب إلى المقتدر، وليس بين يديه أحد. فطاولني في الحديث، إلى أن فرغ، وشدّ سيفه ومنطقته، وخرج، وأنا خلفه. فتلقّاه الناس بالسلام، وتقبيل اليد، فخرجوا خلفه، فاختلطت بهم. فإذا بإنسان يجذب طيلساني، فالتفتّ، فإذا هو فلان، شيخ من شيوخ الكتّاب، أسماه أبو الحسين وأنسيته أنا، وذكر أنّه كان صديقا لأبي، ولأبيه من قبله. فقال لي: يا أبا الحسين، فداك عمّك، في بيتك خمسون ألف دينار؟ فقلت: لا والله. قال: فتقوى على خمسين ألف مقرعة وصفعة؟ قلت: لا والله [٨١ ب] . قال: فلم تدخل إلى الوزير، وفلان، وفلان- وعدّد من حضر- محجوبون، يتمنّون الوصول، ولا يقدرون، ثم لا ترضى، حتى تطيل عنده، وتخرج في يوم موكب، وراءه، وليس معه غيرك، ولا خمسون ألف دينار معدّة عندك، تؤدّيها إذا نكب هذا، فأخذت بتبعة الاختصاص به، وأنت لا تقوى على ما يولّد هذا. فقلت: يا عمّ لم أعلم، وأنا رجل فقيه، ومن أولاد التجّار، ولا عادة لي بخدمة هؤلاء. فقال: يا بنيّ لا تعاود، فإن هذا يولّد لك اسما، ويجرّ عليك تبعة. قال: فتجنّبت بعد ذلك الدخول إلى سليمان في أوقات مجالسه العامّة، وأيّام المواكب خاصّة.

стр. 279

١٣٤ أبو يوسف القاضي واللوزينج بالفستق المقشور حدّثني أبي، قال: بلغني من غير واحد: إنّ أبا يوسف «١» صحب أبا حنيفة «٢» ، لتعلّم العلم، على فقر شديد، فكان ينقطع بملازمته عن طلب المعاش، فيعود إلى منزل مختلّ، وأمر قلّ. فطال ذلك، وكانت امرأته «٣» تحتال له ما يقتاته يوما بيوم. فلما طال ذلك عليها، خرج إلى المجلس، وأقام فيه يومه، وعاد ليلا فطلب ما يأكل، فجاءته بغضارة مغطّاة، فكشفها، فإذا فيها دفاتر. فقال: ما هذا؟ قالت: هذا ما أنت مشغول به نهارك أجمع، فكل منه ليلا، قال: فبكى [٧٣ ط] ، وبات جائعا، وتأخّر من غد عن المجلس، حتى احتال ما أكلوه. فلما جاء إلى أبي حنيفة، سأله عن سبب تأخّره، فصدقه. فقال: ألا عرّفتني، فكنت أمدّك؟ ولا يجب أن تغتمّ، فإنّه إن طال عمرك فستأكل بالفقه، اللوزينج بالفستق المقشور. قال أبو يوسف: فلمّا خدمت الرشيد، واختصصت به، قدّمت بحضرته يوما جامة لوزينج بفستق، فحين أكلت منها، بكيت، وذكرت أبا حنيفة. فسألني الرشيد عن السبب في ذلك، فأخبرته.

стр. 280

١٣٥ سبب اتصال أبي يوسف القاضي بالرشيد وحدّثني أبي، قال: كان سبب اتّصاله «١» بالرشيد «٢» إنّه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة، فحنث بعض القوّاد في يمين، فطلب فقيها يستفتيه فيها، فجيء بأبي يوسف، فأفتاه أنّه لم يحنث، فوهب له دنانير، وأخذ له دارا بالقرب منه، واتّصل به. فدخل القائد يوما إلى الرشيد، فوجده مغموما، فسأله عن سبب غمّه، فقال: شيء من أمر الدين قد حزبني «٣» ، فاطلب لي فقيها أستفتيه، فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممرّ بين الدور، رأيت فتى حسنا، أثر الملك عليه، وهو في حجرة في الممرّ محبوس، فأومأ إليّ بإصبعه مستغيثا، فلم أفهم عنه إرادته، وأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه، سلّمت، ووقفت. فقال لي: ما اسمك؟ قلت [٨٢ ب] : يعقوب. أصلح الله أمير المؤمنين. قال: ما تقول في إمام شاهد رجلا يزني، هل يحدّه؟ قلت: لا يجب ذلك.

стр. 281

قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي إنّه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، وإنّ الذي أشار إليّ بالاستغاثة، هو الابن الزاني. قال: ثم رفع رأسه، فقال: ومن أين قلت هذا؟ قلت: لأنّ النبي ﷺ ، قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهذه شبهة يسقط الحد معها. فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟ قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم. قال: ولم؟ قلت: لأن الحدّ حقّ الله تعالى، والإمام مأمور بإقامة الحدّ، فكأنّه قد صار حقا له، وليس لأحد أخذ حقّه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمون على وقوع الحدّ بالإقرار والبيّنة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم. قال: فسجد مرّة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ألزم الدار. قال: فما خرجت، حتى جاءتني هديّة الفتى، وهديّة أمّه، وأسبابه، فحصل لي من ذلك، ما صار أصلا للنعمة، وانضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه عليّ ذلك القائد. ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتي وأشير، فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إليّ، وحالتي تقوى. ثم استدعاني الخليفة، وطاولني، واستفتاني في خواصّ أمره، وأنس بي. فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلّدني قضاء القضاة.

стр. 282

١٣٦ أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي قال لي أبي [٧٤ ط] : بلغني أنّ أبا يوسف، لما مات، خلّف في جملة، كسوته، مائتي «١» سراويل خزّ، دون غيرها من أصناف السراويلات. وأنّ جميع سراويلاته كانت مختصّة كلّ سراويل بتكّة أرمنيّ تساوي دينارا، وبلغ من محلّه عنده «٢» ، أن طلبه الرشيد يوما، فجاء وعليه بردة، أنسا به، فحين رآه الرشيد، قال لمن بحضرته: جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء «٣» ترمي بنسيج وحده

стр. 283

١٣٧ كيف نصب أبو جعفر بن البهلول قاضيا حدّثني القاضي أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول «١» قال: حدّثني أبي «٢» ، عن أبيه، وحدّثني أيضا، أبو الحسن أحمد ابن يوسف الأزرق «٣» عن أبي جعفر بن البهلول القاضي «٤» ، قال: لما استقرّت الأمور للناصر لدين الله «٥» ، بعد فراغه من أمر الزنج «٦» ، نظر في البلدان ومصالحها، وأمر بارتياد قضاة من أهل البلدان لها. فسأل عن الأنبار، ومن فيها يصلح لتقلّد القضاء، فأسميت له. وكان عارفا بأبي، إسحاق بن البهلول، حين استقدمه المتوكّل إلى سرّ من رأى [٨٣ ب] حتى حدّثه، ولم أكن تقلّدت شيئا من ذلك. قال: فأمر بإحضاري وتقليدي.

стр. 284

فتقدّم إسماعيل بن بلبل، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي» في ذلك، وكاتبني بالحضور، فحضرت، فعرّفني الصورة، وحملني إلى إسماعيل. فقلت لهما: أنا في كفاية وغناء، ولا حاجة بي إلى تقلّد القضاء. فأمسكا عنّي، فعدت إلى منزلي ببغداد لأصلح أمري وأرجع. فجاءني جعفر بن إبراهيم الحصينيّ الأنباريّ، وكان من عقلاء العجم «٢» بالأنبار، ولي صديقا، فقال لي: لأيّ شيء استدعيت؟ فحدّثته. فقال: اتّق الله في نفسك، إنّ الذي جرى بينك وبينهما خاف عن الناس، وإنّك تعود إلى بلدك، فيقول أعداؤك: طلب للقضاء، فلما شوهد، وجد لا يصلح، فردّ. فقلت: ما أصنع، وقد قلت ما قلت؟ قال: ترجع إلى إسماعيل فتصدقه عما جرى بيننا. قال: فباكرت إسماعيل، فحين رآني، قال: هذا وجه غير الوجه الأمسيّ. قلت: هو كذلك. قال: هي «٣» . قلت: كان كذا وكذا، فأخبرته بما جرى بيني وبين جعفر بن إبراهيم. فقال: نصحك والله «٤» هذا الصديق، والأمر على ما قاله، قم بنا إلى الوزير.

стр. 285

قال: فحملني إليه، فلما رآنا إسماعيل تبسّم، وقال: كيف عاد أبو جعفر؟ قال: فقصّ عليه إسماعيل القاضي الخبر. فقال: جزى الله هذا الصديق عنك خيرا، فقد أشار عليك بالرأي الصحيح، اكتبوا عهده. قال: فكتب عهدي عن الناصر، على الأنبار «١» ، وهيت «٢» وعانات «٣» ، والرحبة «٤» ، وقرقيسيا «٥» ، وأعمال ذلك، وعدت إلى بلدي. قلت أنا: ولم يزل محلّ أبي جعفر ينمى ويزيد، حتى قلّد مدينة أبي جعفر المنصور «٦» عند صرف أبي عمر في قصّة ابن المعتز «٧» ، فظهر من فضله ما اشتهر.
следующие страницы →