Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
٤٩ ابن أبي الطيب القلانسي تنعكس حيلته عليه
عن علي بن المحسّن، عن أبيه، قال:
حدّثنا جماعة من أهل جنديسابور «١» ، فيها، كتاب وتجار، وغير ذلك، أنّه كان عندهم في سنة نيّف وأربعين وثلاثمائة «٢» ، شاب من كتّاب النصارى، وهو ابن أبي الطيّب القلانسي.
فخرج إلى بعض شأنه في الرستاق «٣» ، فأخذته الأكراد، وعذبوه، وطالبوه بأن يشتري نفسه منهم، فلم يفعل.
وكتب إلى أهله، أنفذوا لي أربعة دراهم أفيون «٤» ، واعلموا أنّي أشربها فتلحقني سكتة، فلا يشك الأكراد أنّي قد متّ، فيحملوني إليكم، فإذا حصلت عندكم، فأدخلوني الحمام، واضربوني، ليحمى بدني وسوّكوني «٥» بالإيارج «٦» ، فإنّي أفيق.
وكان الفتى متخلّفا، وقد سمع أنّه من شرب أفيونا أسكت، فإذا أدخل
стр. 2242
الحمام، وضرب، وسوّك بالإيارج، برئ، فلم يعلم مقدار الشربة من ذلك، فشرب أربعة دراهم، فلم يشك الأكراد في موته، فلفّوه في شيء وأنفذوه إلى أهله.
فلما حصل عندهم، أدخلوه الحمام، وضربوه، وسوّكوه، فما تحرّك، وأقام في الحمام أياما.
ورآه أهل الطب، فقالوا: هذا قد تلف، كم شرب أفيونا؟
قالوا: وزن أربعة دراهم.
فقالوا لهم: هذا لو شوي في جهنم ما عاش، إنّما يجوز أن يفعل هذا بمن شرب أربعة دوانيق «١» أفيونا أو وزن درهم أو حواليه، فأمّا هذا، فقد مات.
فلم يقبل أهله ذلك، فتركوه في الحمام، حتى أراح «٢» ، وتغيّر، فدفنوه، وانعكست الحيلة على نفسه.
الأذكياء ١١٠
стр. 2243
٥٠ بلال بن أبي بردة يبحث عن حتفه بكفه
قال المحسّن: وقد روي قديما مثل هذا:
أنّ بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري «١» كان في حبس الحجّاج «٢» ، وكان يعذّبه.
وكان كلّ من مات في الحبس، رفع خبره إلى الحجّاج، فيأمر بإخراجه وتسليمه إلى أهله.
فقال بلال للسجّان: خذ منّي عشرة آلاف درهم، وأخرج اسمي إلى الحجّاج في الموتى، فإذا أمرك بتسليمي إلى أهلي، هربت في الأرض، فلم يعرف الحجّاج خبري، وإن شئت أن تهرب معي، فافعل، وعلي غناك أبدا.
فأخذ السجّان المال، ورفع اسمه في الموتى، فقال الحجّاج: مثل هذا، لا يجوز أن يخرج إلى أهله حتى أراه، هاته.
فعاد إلى بلال، فقال: أعهد «٣» ، قال: وما الخبر؟
стр. 2244
قال: إنّ الحجّاج قال: كيت وكيت، فإن لم أحضرك إليه ميتا، قتلني، وعلم أنّي أردت الحيلة عليه، ولا بد أن أقتلك خنقا.
فبكى بلال، وسأله أن لا يفعل، فلم يكن إلى ذلك طريق، فأوصى، وصلّى، فأخذه السجان، وخنقه، وأخرجه إلى الحجّاج ميتا.
فلما رآه ميتا، قال: سلّمه إلى أهله.
فأخذوه، وقد اشترى القتل لنفسه بعشرة آلاف درهم، ورجعت الحيلة عليه «١» .
الأذكياء ١١٠
стр. 2245
٥١ دخلت باب الهوى
أنشدنا التنوخي، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن العباس الإخباري «١» ، قال: أنشدنا نصر بن أحمد الخبّاز البصري «٢» لنفسه:
لمّا جفاني من كان لي أنسا ... أنست شوقا ببعض أسبابه
كمثل يعقوب بعد يوسف إذ ح ... نّ إلى شمّ بعض أثوابه «٣»
دخلت باب الهوى ولي بصر ... وفي خروجي عميت عن بابه
تاريخ بغداد للخطيب ١٣/٢٩٧
стр. 2246
٥٢ طفيلي لا ينشط إلا عند تهيأة الطعام
قال علي بن المحسّن بن علي القاضي، عن أبيه، قال:
صحب طفيليّ، رجلا في سفر، فقال له الرجل: امض فاشتر لنا لحما.
قال: لا والله، ما أقدر، فمضى هو فاشترى.
ثم قال له: قم فاطبخ.
قال: لا أحسن، فطبخ الرجل.
ثم قال له: قم فاثرد.
قال: أنا والله كسلان، فثرد الرجل.
ثم قال له: قم واغرف.
قال: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل.
ثم قال له: قم الآن، فكل.
قال الطفيلي: قد- والله- استحييت من كثرة خلافي لك.
وتقدّم، فأكل «١» .
الأذكياء ١٨١ والإمتاع والمؤانسة ٣/٤٠
стр. 2247
٥٣ كيف استعاد التمار أمواله
أنبأنا محمد بن عبد الباقي «١» ، قال: أخبرنا علي بن المحسّن، عن أبيه، قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد الصرويّ «٢» ، قال: حدّثني ابن الدنانير التمّار، قال: حدّثني غلام لي قال:
كنت ناقدا «٣» بالأبلّة «٤» ، لرجل تاجر، فاقتضيت «٥» له من البصرة نحو خمسمائة دينار، وورقا «٦» ، ولففتهما في فوطة، وأمسيت، ولم يمكنني المسير إلى الأبلّة.
فما زلت أطلب ملّاحا فلا أجد، إلى أن رأيت ملّاحا مجتازا في خيطيّة «٧» خفيفة فارغة، فسألته أن يحملني.
فخفّف عليّ الأجرة، وقال: أنا راجع إلى منزلي بالأبلّة، فانزل.
стр. 2248
فنزلت، وجعلت الفوطة بين يدي، وسرنا.
فإذا رجل ضرير على الشط، يقرأ أحسن قراءة تكون، فلما رآه الملّاح كبّر، فصاح هو بالملّاح، احملني، فقد جنّنني الليل، وأخاف على نفسي، فشتمه الملّاح.
فقلت له: احمله.
فدخل إلى الشط «١» ، فحمله، فرجع إلى قراءته، فخلب عقلي بطيبها.
فلما قربنا من الأبلّة، قطع القراءة، وقام ليخرج في بعض المشارع بالأبلّة، فلم أر الفوطة.
فاضطربت، وصحت، واستغاث الملّاح، وقال: الساعة تنقلب الخيطية، وخاطبني خطاب من لا يعلم حالي.
فقلت: يا هذا، كانت بين يدي فوطة فيها خمسمائة دينار.
فلما سمع الملّاح ذلك، لطم، وبكى، وتعرّى من ثيابه، وقال: لم أدخل الشط، ولا لي موضع أخبئ فيه شيئا فتتّهمني بسرقته، ولي أطفال، وأنا ضعيف، فالله، الله، في أمري، وفعل الضرير مثل ذلك.
وفتّشت السميرية، فلم أجد فيها شيئا، فرحمتهما، وقلت: هذه محنة لا أدري كيف التخلّص منها.
وخرجنا، فعملت على الهرب، وأخذ كلّ واحد منّا طريقا، وبتّ في بيتي، ولم أمض إلى صاحبي.
فلما أصبحت، عملت على الرجوع إلى البصرة، لأستخفي بها أيّاما ثم أخرج إلى بلد شاسع.
فانحدرت، وخرجت في مشرعة بالبصرة، وأنا أمشي، وأتعثّر، وأبكي،
стр. 2249
قلقا على فراق أهلي وولدي، وذهاب معيشتي وجاهي.
فاعترضني رجل، فقال: ما لك؟ فأخبرته.
فقال: أنا أردّ عليك مالك.
فقلت: يا هذا، أنا في شغل عن طنزك «١» بي.
قال: ما أقول إلّا حقا، امض إلى السجن ببني نمير «٢» ، واشتر معك خبزا كثيرا، وشواء جيدا، وحلوى، وسل السجّان أن يوصلك إلى رجل محبوس هناك، يقال له: أبو بكر النقاش، قل له: أنا زائره، فإنّك لا تمنع، وإن منعت، فهب للسجّان شيئا يسيرا، يدخلك إليه.
فإذا رأيته، فسلّم عليه، ولا تخاطبه، حتى تجعل بين يديه ما معك، فإذا أكل، وغسل يديه، فإنّه يسألك عن حاجتك، فأخبره خبرك، فإنّه سيدلك على من أخذ مالك، ويرتجعه لك.
ففعلت ذلك، ووصلت إلى الرجل، فإذا شيخ مكبّل بالحديد، فسلّمت، وطرحت ما معي بين يديه، فدعا رفقاء له، فأكلوا.
فلما غسل يديه، قال: من أنت، وما حاجتك؟ فشرحت له قصّتي.
فقال: امض الساعة إلى بني هلال، فادخل الدرب الفلاني، حتى تنتهي إلى آخره، فإنّك تشاهد بابا شعثا، فافتحه وادخله، بلا استئذان، فتجد دهليزا طويلا، يؤدي إلى بابين، فادخل الأيمن منهما، فسيدخلك إلى دار فيها أوتاد وبواري، وكل وتد عليه إزار ومئزر، فانزع ثيابك، وألقها على الوتد، واتّزر بالمئزر، واتّشح بالإزار، واجلس، فسيجيء قوم يفعلون كما فعلت، ثم يؤتون بطعام، فكل معهم، وتعمّد موافقتهم،
стр. 2250
في سائر أفعالهم، فإذا أتي بالنبيذ، فاشرب، وخذ قدحا كبيرا، واملأه، وقم قائما، وقل: هذا، ساري لخالي أبي بكر النقاش، فسيفرحون، ويقولون:
أهو خالك؟ فقل: نعم، فسيقومون، ويشربون لي، فإذا جلسوا، فقل لهم:
خالي يقرأ عليكم السلام، ويقول: يا فتيان، بحياتي، ردّوا علي ابن أختي المئزر الذي أخذتموه بالأمس من السفينة، بنهر الأبلّة، فإنّهم يردّونه عليك.
فخرجت من عنده، ففعلت ما أمر، فردّت الفوطة بعينها، وما حلّ شدّها.
فلما حصلت لي، قلت: يا فتيان، هذا الذي فعلتموه معي، هو قضاء لحقّ خالي، ولي أنا حاجة تخصّني.
قالوا: مقضيّة.
قلت: عرّفوني، كيف أخذتم الفوطة؟ فامتنعوا ساعة، فأقسمت عليهم بحياة أبي بكر النقاش.
فقال لي واحد منهم: أتعرفني؟ فتأمّلته جيدا، فإذا هو الضرير الذي كان يقرأ، وإنّما كان متعاميا.
وأومأ إلى آخر، فقال: أتعرف هذا؟ فتأمّلته، فإذا هو الملّاح.
فقلت: كيف فعلتما؟
فقال الملّاح: أنا أدور في المشارع، في أول أوقات المساء، وقد سبقت بهذا المتعامي، فأجلسته حيث رأيت، فإذا رأيت من معه شيء له قدر، ناديته، وأرخصت له الأجرة، وحملته.
فإذا بلغت إلى القارئ، وصاح بي، شتمته، حتى لا يشكّ الراكب في براءة الساحة، فإن حمله الراكب، فذاك، وإلّا رقّقته عليه حتى يحمله، فإذا حمله، وجلس يقرأ، ذهل الرجل، كما ذهلت.
فإذا بلغنا الموضع الفلاني، فإنّ فيه رجلا متوقّعا لنا، يسبح، حتى
стр. 2251
يلاصق السفينة، وعلى رأسه قوصرة «١» ، فلا يفطن الراكب له.
فيسلب هذا المتعامي الشيء بخفّة فيسلمه إلى الرجل الذي عليه القوصرة، فيأخذه ويسبح إلى الشط.
وإذا أراد الراكب الصعود، وافتقد ما معه، عملنا كما رأيت، فلا يتّهمنا، ونفترق، فإذا كان من غد اجتمعنا، واقتسمناه.
فلمّا جئت برسالة أستاذنا، خالك، سلّمنا إليك الفوطة.
قال: فأخذتها، ورجعت.
الأذكياء ١٨٧
стр. 2252
٥٤ وما ظالم إلا سيبلى بأظلم
أخبرنا محمد بن ناصر «١» ، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار «٢» ، قال:
أنبأنا الجوهري.
وأخبرني ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد، قال: أخبرنا أبو القاسم التنوخي، قال: أخبرنا ابن حيويه «٣» ، قال: حدّثنا محمد بن خلف «٤» قال: حدّثني لصّ تائب، قال:
دخلت مدينة، فطلبت شيئا أسرقه، فوقعت عيني على صيرفي موسر، فما زلت أحتال، حتى سرقت كيسا له، وانسللت.
فما جزت غير بعيد، إذ أنا بعجوز معها كلب، قد وقعت في صدري، تبوسني، وتلزمني، وتقول: يا بنيّ، فديتك، والكلب يبصبص، ويلوذ بي، ووقف الناس ينظرون إلينا.
وجعلت المرأة تقول: يالله، انظروا إلى الكلب، قد عرفه، فعجب الناس من ذلك، وتشككت أنا في نفسي، وقلت: لعلها أرضعتني، وأنا لا أعرفها؟
وقالت: معي إلى البيت، أقم عندي اليوم، فلم تفارقني حتى مضيت معها إلى بيتها.
стр. 2253
وإذا عندها أحداث يشربون، وبين أيديهم من جميع الفواكه والرياحين، فرحّبوا بي، وقرّبوني، وأجلسوني معهم.
ورأيت لهم بزّة حسنة، فوضعت عيني عليها، فجعلت أسقيهم وأرفق بنفسي، إلى أن ناموا، ونام كلّ من في الدار.
فقمت وكوّرت ما عندهم، وذهبت أخرج.
فوثب عليّ الكلب وثبة الأسد، وصاح، وجعل يتراجع وينبح، إلى أن انتبه كل نائم، فخجلت، واستحييت.
فلما كان النهار، فعلوا مثل فعلهم بالأمس، وفعلت أنا بهم أيضا مثل ذلك، وجعلت أوقع الحيلة في أمر الكلب إلى الليل، فما أمكنتني فيه حيلة.
فلما ناموا، رمت الذي رمته، فإذا الكلب قد عارضني بمثل ما عارضني به.
فجعلت أحتال، ثلاث ليال، فلما أيست، طلبت الخلاص منهم بإذنهم، فقلت: أتأذنون لي، فإنّي على وفز «١» .
فقالوا: الأمر إلى العجوز.
فاستأذنتها، فقالت: هات الذي أخذته من الصيرفي، وامض حيث شئت، ولا تقم في هذه المدينة، فإنّه لا يتهيأ لأحد فيها معي عمل.
فأخذت الكيس وأخرجتني، ووجدت مناي أن أسلم من يدها.
وكان قصار اي أن أطلب منها نفقة، فدفعت إليّ، وخرجت معي، حتى أخرجتني عن المدينة، والكلب معها، حتى جزت حدود المدينة.
ووقفت، ومضيت، والكلب يتبعني، حتى بعدت، ثم تراجع ينظر إليّ، ويلتفت، وأنا أنظر إليه، حتى غاب عن عيني.
الأذكياء ١٨٨
стр. 2254
٥٥ صادف درء السيل درءا يصدعه
أنبأنا محمد بن أبي طاهر، قال: أنبأنا علي بن المحسّن، عن أبيه، قال:
حدّثني عبيد الله بن محمد الصروي «١» ، قال: حدّثنا بعض إخواننا:
أنّه كان ببغداد، رجل يطلب التلصّص في حداثته، ثم تاب، فصار بزّازا.
قال: فانصرف ليلة من دكانه، وقد غلقه، فجاء لصّ محتال، متزيّ بزيّ صاحب الدكان، في كمه شمعة صغيرة، ومفاتيح، فصاح بالحارس، فأعطاه الشمعة في الظلمة، وقال: اشعلها، وجئني بها، فإنّ لي الليلة بدكّاني شغلا.
فمضى الحارس يشعل الشمعة، وركب اللصّ على الأقفال، ففتحها ودخل الدكان.
وجاء الحارس بالشمعة، فأخذها من يده، فجعلها بين يديه، وفتح سفط الحساب، وأخرج ما فيه، وجعل ينظر الدفاتر، ويري بيده، أنّه يحسب، والحارس يتردّد، ويطالعه، ولا يشك في أنّه صاحب الدكان، إلى أن قارب السّحر.
فاستدعى اللصّ الحارس، وكلمه من بعيد، وقال: اطلب لي حمالا.
فجاء بحمال، فحمل عليه أربع رزم مثمنة، وقفل الدكان، وانصرف، ومعه الحمال، وأعطى الحارس درهمين.
فلما أصبح الناس، جاء صاحب الدكان، ليفتح دكانه، فقام إليه الحارس
стр. 2255
يدعو له، ويقول: فعل الله بك وصنع، كما أعطيتني البارحة الدرهمين.
فأنكر الرجل ما سمعه، وفتح دكانه، فوجد سيلان الشمعة، وحسابه مطروحا، وفقد الأربع رزم.
فاستدعى الحارس، وقال له: من كان حمل الرزم معي من دكاني؟
قال: أما استدعيت منّي حمّالا، فجئتك به؟
قال: بلى، ولكنّي كنت ناعسا، وأريد الحمّال، فجئني به.
فمضى الحارس، فجاء بالحمّال، فأغلق الرجل الدكان، وأخذ الحمّال معه، ومضى.
وقال له: إلى أين حملت الرزم معي البارحة، فإنّي كنت متنبذا «١» ؟
قال: إلى المشرعة الفلانية، واستدعيت لك فلانا الملّاح، فركبت معه.
فقصد الرجل المشرعة، وسأل عن الملّاح، فحضر، وركب معه، وقال:
أين رقيت أخي، الذي كان معه الأربع رزم؟
قال: إلى المشرعة الفلانية.
قال: اطرحني إليها، فطرحه.
قال: من حملها معه؟
قال: فلان الحمال.
فدعا به، فقال له: امش بين يدي، فمشى، فأعطاه شيئا، واستدلّه برفق، إلى الموضع الذي حمل إليه الرزم.
فجاء به إلى باب غرفة، في موضع بعيد عن الشط، قريب من الصحراء فوجد الباب مقفلا، فاستوقف الحمّال، وفشّ القفل، ودخل، فوجد الرزم بحالها.
стр. 2256
وإذا في البيت بركان «١» معلّق على حبل، فلفّ به الرزم، ودعا بالحمّال، فحملها عليه، وقصد المشرعة.
فحين خرج من الغرفة، استقبله اللصّ، فرآه وما معه، فأبلس، فاتّبعه إلى الشطّ، فجاء إلى المشرعة، ودعا الملّاح ليعبر، فطلب الملاح من يحطّ عنه، فجاء اللصّ، فحطّ الكساء، كأنه مجتاز متطوّع.
فأدخل الرزم إلى السفينة، مع صاحبها، وجعل البركان على كتفه، وقال له: يا أخي استودعك الله، قد استرجعت رزمك، فدع كسائي.
فضحك، وقال: انزل فلا خوف عليك.
فنزل معه، واستتابه، ووهب له شيئا، وصرفه، ولم يسئ إليه.
الأذكياء ١٩٠
стр. 2257
٥٦ كلب يقوم مقام الفيج
حدّثني أبو عبد الله، قال: حدّثني أبو الحسين محمد بن الحسين بن شداد، قال:
قصدت دير مخارق «١» إلى عبد الله بن الطبري النصراني، الذي كان يأتي بالنزل للمعتضد بالله، فسألته إحضار وكيل له، يقال له إبراهيم بن داران، وطالبته بإحضار الأدلاء لمسامحة «٢» قرية تعرف بباصيرى السفلى.
فقال لي: يا سيدي قد وجهت في ذلك.
فقلت له: أنا على الطريق جالس، وما اجتاز بي أحد.
فقال لي: أما رأيت الكلب الذي كان بين أيدينا؟ قد وجّهت به.
فغلظ عليّ ذلك من قوله، ونلت من عرضه، وأمرت بما أنا أستغفر الله منه.
فقال: إن لم يحضر القوم الساعة، فأنت من دمي في حلّ.
فما مكث بعد هذا القول إلّا ساعة، حتى وافى القوم مسرعين، والكلب بين أيديهم.
فسألته: كيف تحمّله الرسالة؟
فقال: أشدّ في عنقه رقعة بما أحتاج إليه، وأطرحه على المحجّة، فيقصد القوم، وقد عرفوا الخبر، فيقرأون الرقعة، فيمتثلون ما فيها.
فضل الكلاب على من لبس الثياب ٢٠
стр. 2258
٥٧ من حيل اللصوص
أنبأنا محمد بن أبي طاهر «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم التنوخي، عن أبيه، أنّ رجلا نام في مسجد، وتحت رأسه كيس فيه ألف وخمسمائة دينار.
قال: فما شعرت إلّا بإنسان قد جذبه من تحت رأسي، فانتبهت فزعا، فإذا شاب قد أخذ الكيس ومرّ يعدو.
فقمت لأعدو خلفه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنّب، في وتد مضروب في آخر المسجد «٢» .
الأذكياء ١٩٣
стр. 2259
٥٨ ابن الخياطة يسرق وهو في الحبس
أنبأنا محمد بن أبي طاهر «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم التنوخي، عن أبيه، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الله بن محمد البصري، قال: حدّثنى أبي، قال:
كان بالبصرة رجل من اللصوص، يلصّ بالليل، فاره جدا، مقدام، يقال له: عباس بن الخياطة، قد غلب الأمراء، وأشجى أهل البلد.
فلم يزالوا يحتالون عليه، إلى أن وقع، وكبّل بمائة رطل حديد، وحبس.
فلما كان بعد سنة من حبسه وأكثر، دخل قوم بالأبلّة على رجل تاجر كان عنده جوهر بعشرات ألوف دنانير، وكان متيقظا، جلدا.
فجاء إلى البصرة يتظلّم، وأعانه خلق من التجار، وقال للأمير: أنت دسست على جوهري، وما خصمي سواك.
فورد عليه أمر عظيم، وخلا بالبوابين، وتوعّدهم، فاستنظروه، فأنظرهم، وطلبوا، واجتهدوا، فما عرفوا فاعل ذلك، فعنفهم الرجل، فاستجابوا مدة أخرى.
فجاء أحد البوابين إلى الحبس، فتخادم لابن الخياطة، ولزمه نحو شهر، وتذلّل له في الحبس.
فقال له: قد وجب حقك عليّ فما حاجتك؟
قال: جوهر فلان، المأخوذ بالأبلّة، لا بد أن يكون عندك منه خبر،
стр. 2260
فإن دماءنا مرتهنة به، وحدّثه الحديث.
فرفع ذيله، وإذا سفط الجوهر تحته، فسلّمه إليه، وقال: قد وهبته لك.
فاستعظم ذلك، وجاء بالسفط إلى الأمير، فسأله عن القصّة، فأخبره بها.
فقال: عليّ بعباس، فجاءوا به.
فأمر بالإفراج عنه، وإزالة قيوده، وإدخاله الحمام، وخلع عليه، وأجلسه في مجلسه مكرما، واستدعى الطعام، فواكله، وبيّته عنده.
فلما كان في الغد، خلا به، وقال: أنا أعلم أنّك لو ضربت مائة ألف سوط، ما أقررت كيف كانت صورة أخذ الجوهر، وقد عاملتك بالجميل، ليجب حقّي عليك، من طريق الفتوّة، وأريد أن تصدقني حديث هذا الجوهر.
قال: على أنّني ومن عاونني عليه آمنون، وأنّك لا تطالبنا بالذين أخذوه.
قال: نعم. فاستحلفه، فحلف.
فقال له: إنّ جماعة اللصوص، جاءوني إلى الحبس، وذكروا حال هذا الجوهر، وأنّ دار هذا التاجر لا يجوز أن يتطرّق عليها نقب ولا تسلّق، وعليها باب حديد، والرجل متيقظ، وقد راعوه سنة، فما أمكنهم، وسألوني مساعدتهم.
فدفعت إلى السجان مائة دينار، وحلفت له بالشطارة، والأيمان الغليظة، أنّه إن أطلقني عدت إليه في غد، وأنّه إن لم يفعل ذلك، اغتلته، فقتلته في الحبس.
فأطلقني، فنزعت الحديد، وتركت الحبس، وخرجت وقت المغرب فوصلنا إلى الأبلّة، وقت العتمة، وخرجنا إلى دار الرجل، فإذا هو في المسجد وبابه مغلق.
فقلت لأحدهم: تصدّق من الباب، فتصدّق.
стр. 2261
فلما جاءوا ليفتحوا، قلت له: اختف، ففعل ذلك مرّات، والجارية تخرج، فإذا لم تر أحدا عادت.
إلى أن خرجت من الباب، ومشت خطوات، تطلب السائل، فتشاغلت بدفع الصدقة إليه، فدخلت أنا إلى الدار.
فإذا في الدهليز بيت فيه حمار، فدخلته، ووقفت تحت الحمار، وطرحت الجلّ عليّ وعليه.
وجاء الرجل، فغلّق الأبواب، وفتّش، ونام على سرير عال، والجوهر تحته.
فلما انتصف الليل، قمت إلى شاة في الدار، فعركت أذنها، فصاحت.
فقال: ويلك، أقول لك افتقديها.
قالت: قد فعلت.
قال: كذبت، وقام بنفسه ليطرح لها علفا.
فجلست مكانه على السرير، وفتحت الخزانة، وأخذت السفط، وعدت إلى موضعي، وعاد الرجل فنام.
فاجتهدت أن أجد حيلة، وأن أنقب إلى دار بعض الجيران، فأخرج، فما قدرت، لأنّ جميع الدار، مؤزّرة بالساج.
ورمت صعود السطح، فما قدرت، لأن الممارق «١» مقفلة بثلاثة أقفال.
فعملت على ذبح الرجل، ثم استقبحت ذلك، وقلت هذا بين يدي، إن لم أجد حيلة غيره.
فلما كان السحر، عدت إلى موضعي تحت الحمار.
стр. 2262
وانتبه الرجل يريد الخروج، فقال للجارية، افتحي الأقفال من الباب، ودعيه متربسا «١» ، ففعلت، وقربت من الحمار، فرفس، فصاحت.
فخرجت أنا، ففتحت المترس «٢» ، وخرجت أعدو، حتى جئت إلى المشرعة، فنزلت في الخيطية.
ووقعت الصيحة في دار الرجل.
فطالبني أصحابي أن أعطيهم شيئا منها، فقلت: لا، هذه قصة عظيمة وأخاف أن يتنبّه عليها، ولكن دعوها عندي، فإن مضى على الحدث ثلاثة أشهر، وانكتم، فصيروا إليّ، أعطيكم النصف، وإن ظهر، خفت عليكم وعلى نفسي، وجعلته حقنا لدمائكم، فرضوا بذلك.
فأرسل الله هذا البواب، بلية، فخدمني، فاستحييت منه، وخفت أن يقتل، هو وأصحابه، وقد كنت وضعت في نفسي الصبر على كل عذاب، فدخلتم عليّ من طريق أخرى، لم أستحسن في الفتوة، معها، إلّا الصدق.
فقال له الأمير: جزاء هذا الفعل، أن أطلقك، ولكن تتوب.
فتاب، وجعله الأمير من بعض أصحابه، وأسنى له الرزق، فاستقامت طريقته.
الأذكياء ١٩٣
стр. 2263
٥٩ ابن الخياطة يتسلل إلى الصيرفي من بين حراسه
قال أبو الحسين «١» ؛ وحدّثني أبي، عن طالوت بن عباد الصيرفي، قال:
كنت ليلة نائما بالبصرة، في فراشي، وأحراسي يحرسونني، وأبوابي مقفلة، فإذا أنا بابن الخياطة ينبهني من فراشي، فانتبهت فزعا.
فقلت: من أنت؟
فقال: ابن الخياطة، فتلفت.
فقال: لا تجزع، قد قمرت الساعة خمسمائة دينار، أقرضني إيّاها، لأردّها عليك.
فأخرجت خمسمائة دينار، فدفعتها إليه.
فقال: نم، ولا تتبعني، لأخرج من حيث جئت، وإلّا قتلتك.
قال: وأنا- والله- أسمع صوت حرّاسي، ولا أدري من أين دخل، ومن أين خرج.
وكتمت الحديث، خوفا منه، وزدت في الحرس.
ومضت ليال فإذا أنا به قد أنبهني، على تلك الصورة، فقلت:
مرحبا، ما تريد؟
قال: جئت بتلك الدنانير، تأخذها منّي.
قلت: أنت في حلّ منها، وإن أردت شيئا آخر فخذ.
فقال: لا أريد، من نصح التجار شاركهم في أموالهم، ولو كنت
стр. 2264
أردت مالك باللصوصية، فعلت، ولكنّك رئيس بلدك، ولا أريد أذيّتك، فإنّ ذلك يخرج عن الفتوة «١» ، ولكن خذها، وإن احتجت إلى شيء بعد هذا، أخذت منك.
فقلت: إنّ عودك يفزعني، ولكن، إذا أردت شيئا، فتعال إليّ نهارا، أو رسولك.
فقال: أفعل.
فأخذت الدنانير منه، وانصرف، وكان رسوله يجيئني بعلامة، بعد ذلك، فيأخذ ما يريده.
فما انكسر «٢» لي عنده شيء، إلى أن قبض عليه.
الأذكياء ١٩٦
стр. 2265
٦٠ البلاء موكل بالمنطق
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، وعلي بن أبي عليّ البصري «١» ، قالا: أنشدنا أحمد بن منصور الوراق «٢» ، قال: أنشدنا نصر الخبزأرزي «٣» ، لنفسه:
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... وكلّ امرئ ما بين فكّيه مقتل
إذا ما لسان المرء أكثر هذره ... فذاك لسان بالبلاء موكّل
وكم فاتح أبواب شرّ لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فيه مقفل
كذا من رمى يوما شرارات لفظه ... تلقّته نيران الجوابات تشعل
ومن لم يقيّد لفظه متجمّلا ... سيطلق فيه كل ما ليس يجمل
ومن لم يكن في فيه ماء صيانة ... فمن وجهه غصن المهابة يذبل
فلا تحسبنّ الفضل في الحلم وحده ... بل الجهل في بعض الأحايين أفضل
ومن ينتصر ممّن بغى فهو ما بغى ... وشرّ المسيئين الذي هو أوّل
وقد أوجب الله القصاص بعدله ... ولله حكم في العقوبات منزل
فإن كان قول قد أصاب مقاتلا ... فإنّ جواب القول أدهى وأقتل
وقد قيل في حفظ اللسان وخزنه ... مسائل من كل الفضائل أكمل
ومن لم تقرّبه سلامة غيبه ... فقربانه في الوجه لا يتقبّل
стр. 2266
ومن يتّخذ سوء التخلّف عادة ... فليس عليه في عتاب معوّل
ومن كثرت منه الوقيعة «١» طالبا ... بها غرّة فهو المهين المذلّل
وعدل مكافاة المسيء بفعله ... فماذا على من في القضية يعدل
ولا فضل في الحسى إلى من يحسّها ... بلى عند من يزكو لديه التفضّل
ومن جعل التعريض محصول مزحه ... فذاك على المقت المصرّح يحصل
ومن أمن الآفات عجبا برأيه ... أحاطت به الآفات من حيث يجهل
أعلّمكم ما علّمتني تجاربي ... وقد قال قبلي قائل متمثّل:
إذا قلت قولا كنت رهن جوابه ... فحاذر جواب السوء إن كنت تعقل
إذا شئت أن تحيا سعيدا مسلّما ... فدبّر وميّز ما تقول وتفعل
تاريخ بغداد للخطيب ١٣/٢٩٧
стр. 2267
٦١ بغدادية تقعد جنينها فقاعيا على باب الجنة
قال المحسّن: حدّثني أبو محمد بن داسه «١» ، أنّه سمع امرأة تخاصمت مع زوجها.
فقالت له: طلّقني.
فقالت لها: أنت حبلى، حتى إذا ولدت طلّقتك.
قالت: ما عليك منه.
قال: فأيش تعملين به؟.
قالت: أقعده على باب الجنة فقّاعي «٢» .
فقلت لعجوز كانت تتوسّط بينهما: أيش معنى هذا؟
قالت: تريد أنها تشرب ماء السداب «٣» ، وتتحمّل سدابا عليه أدوية، لتسقط، فيلحق الصبي بالجنّة، فيكون كالفقّاعي.
الأذكياء ٢٢١
стр. 2268
٦٢ لأبي علي القرمطي في وصف شمعة
أنبأني الشيخان: الأجل العلامة تاج الدين الكندي، والفقيه جمال الدين ابن الحرستاني، إجازة، قالا: أخبرنا الإمام الحافظ، أبو القاسم بن عساكر الدمشقي «١» ، سماعا عليه، قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي القاسم التنوخي، قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن عثمان الخرقي، الفارقي، الحنبلي، التميمي، قال:
كنت بالرملة، سنة ثلاثمائة وخمس وستين، وقد ورد إليها القرمطي، أبو علي «٢» ، القصير الثياب، فاستدناني منه، وقرّبني إلى خدمته.
فكنت ليلة عنده، إذ حضر الفراشون بالشموع، فقال لأبي نصر بن كشاجم «٣» - وكان كاتبه-: يا أبا نصر، ما يحضرك في صفة هذه الشموع؟
فقال: إنّما نحضر مجلس السيد، لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه.
فقال أبو علي، في الحال، بديها:
ومجدولة «٤» مثل صدر القناة تعرّت وباطنها مكتسي
стр. 2269
لها مقلة هي روح لها ... وتاج على الرأس كالبرنس
اذا غازلتها الصبا «١» حرّكت ... لسانا من الذهب الأملس
وإن رنّقت «٢» لنعاس عرا ... وقطّت من الرأس لم تنعس
وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلّي دجى الحندس «٣»
فنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس
تكيد الظلام وما كادها ... فتفنى وتفنيه في مجلس
فقام أبو نصر بن كشاجم، وقبّل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذن له، في إجازة الأبيات، فأذن له، فقال:
وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال أقليدس
فيا ربّة العود غنّي لنا ... ويا حامل الكأس لا تجلس
فتقدّم بأن يخلع عليه، وحملت إليه صلة سنية، وإلى كل من الحاضرين.
بدائع البدائه ١/١٥٧
стр. 2270
٦٣ فليت الأرض كانت مادرايا
ذكر أبو علي التنوخي، في كتاب نشوار المحاضرة، قال:
حدّثني محمد بن الحسن البصري، قال: حدّثني الهمداني الشاعر، قال:
قصدت ابن الشلمغاني «١» في مادرايا «٢» ، فأنشدته قصيدة قد مدحته بها، وتأنّقت فيها، وجوّدتها، فلم يحفل بها.
فكنت أغاديه كل يوم، وأحضر مجلسه، حتى يتقوّض الناس، فلا أرى للثواب طريقا.
فحضرته يوما، وقد احتشد مجلسه، فقام شاعر، فأنشد نونيّة، إلى أن بلغ فيها إلى بيت، وهو:
فليت الأرض كانت مادرايا ... وليت الناس آل الشلمغاني
فعنّ لي في الوقت هذا البيت، فقمت، وقلت مسرعا:
إذا كانت بطون الأرض كنفا ... وكلّ النّاس أولاد الزواني
فضحك، وأمرني بالجلوس، وقال: نحن أحوجناك إلى هذا، وأمر لي بحائزة سنيّة.
فأخذتها وانصرفت.
بدائع البدائه ١/٥٠
стр. 2271
٦٤ لأبي الفرج الببغاء في وصف قدح ياقوت أزرق
وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي، قال: أخبرني الإمام الحافظ السلفي الأصبهاني «١» رحمه الله تعالى، قال: أخبرني الرئيس أبو سعد محمد بن عقيل بن عبد الواحد الدسكري «٢» ، في سنة ست وتسعين وأربعمائة، قال: حدّثني القاضي التنوخي، قال:
أصعد أبو الفرج الببغاء «٣» ، إلى سيف الدولة بن حمدان «٤» ، هو وجماعة من الشعراء الكبار، يمتدحونه، فأخرج يوما خازنه قدحا من ياقوت أزرق، فملأه ماء، وتركه يتشعشع.
فقال له أبو الفرج: يا مولانا، ما رأيت أحسن من هذا.
فقال: قل فيه شيئا، وهو لك.
فقال أبو الفرج في الحال:
стр. 2272
كم منّة للظلام في عنقي ... بجمع شمل وضمّ معتنق
وكم صباح للراح أسلمني ... من فلق ساطع إلى فلق
فعاطنيها بكرا مشعشعة ... كأنّها في صفائها خلقي
في أزرق كالهواء يخرقه الل ... حظ وإن كان غير منخرق
كأنّ أجزاءه مركّبة ... حسنا ولطفا في زرقة الحدق
ما زلت منه منادما كعبا «١» ... مذ أسكرتها المدام لم تفق
تختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في شفق «٢»
أدهشها سكرنا فإن يكن ال ... صمت حديثا فذاك عن فرق «٣»
تغرق في أبحر المدام فيستن ... قذها شربنا من الغرق
ونحن باللهو بين مصطبح ... يمرح أمنا وبين مغتبق
فلو ترى راحتي وصبغتها ... من لونها في معصفر شرق «٤»
لخلت أنّ الهواء لاطفني ... بالشمس في قطعة من الأفق
فاستحسنها سيف الدولة، وأعطاه إيّاه.
بدائع البدائه ٢/٢٦
стр. 2273
٦٥ ومن كان فوق الدهر لا يحمد الدهرا
ذكر القاضي أبو علي التنوخي، في كتاب النشوار، قال:
أنشدني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي «١» ، لنفسه، بالأهواز «٢» ، يقول:
إذا حمد الناس الزمان ذممته ... ومن كان فوق الدهر لا يحمد الدهرا
وزعم أنّه حاول أن يضيف إليه شيئا، فتعذّر عليه مدة طويلة، وضجر منه، وتركه مفردا.
وكان عندي أبو القاسم المصيصي المؤدّب، فسمع القول، فعمل في الحال، إجازة له، وأنشدها لنفسه:
وإن أوسعتني النائبات مكارها ... ثبتّ ولم أجزع وأوسعتها صبرا
إذا ليل خطب سدّ طرق مذاهبي ... لجأت إلى عزمي فأطلع لي فجرا
بدائع البدائه ١/١٠٦
стр. 2274
٦٦ أبو الفرج الببغاء يصف بركة ملئت وردا
قال «١» : وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء «٢» ، نشاهد بركة ملئت، وجعل فوقها ورد، وبهار «٣» ، وشقائق «٤» ، حتى غطى أكثر الماء.
وحضر أبو علي الهائم «٥» ، فسأل أبا الفرج أن يعمل في ذلك شيئا، فعمل بحضرتنا، وأنشد:
خجل الورد من جوار البهار ... فمشى باحمراره في اصفرار
وحكى الماء فيهما أحمر الياقو ... ت حسنا مرصّعا بنظار
جمعا بالكمال في بركة تم ... تع حسنا نواظر الحضار
أضرم الماء بالشقيق بها النا ... ر وعهدي بالماء ضد النار
فوجدنا أخلاق سيدنا الزهر ... ذكاء تربى على الأزهار
ظلت منه ومن نداماه للأن ... س نديم الشموس والأقمار
بدائع البدائه ٢/٢٣
стр. 2275
٦٧ القاضي التنوخي يهدي إلى جحظة البرمكي طيلسانا
قال «١» : أهدى إليّ أبو القاسم التنوخي القاضي «٢» ، ﵁، طيلسانا «٣» فكتبت إليه:
قد أتى الطيلسان مستوعبا شك ... ري في حسن منظر ورواء
مثقلا عاتقي وإن كان في الخفّ ... ة واللطف في قياس الهواء
تسرح العين منه والقلب في الآ ... ل، وفي الماء، والسنا، والبهاء
يتلقّى حرّ الصدود ببرد ال ... وصل والصيف في طباع الشتاء
يخفق الدهر في النسيم كما يخ ... فق قلب الجبان في الهيجاء
كلّ جزء منه يمجّ إلى الأر ... واح روح المنى وبرد الوفاء
ليس فيه للنار والأرض حظّ ... هو من جوهري هواء وماء
زاد في همّتي ونفسي وتأ ... ميلي علوّا وزاد في كبريائي
فكأنّي إذا تبخترت فيه ... قد تطيلست نصف بدر السماء
التحف والهدايا ٥١
стр. 2276
٦٨ من شعر السري الرفاء
وذكر «١» : أنّ السري الرفاء «٢» ، دخل على أبي الحسن، باروخ بن عبد الله، صاحب ناصر الدولة بن حمدان «٣» ، وبين يديه ستارة، تستر من يجلس برسم الغناء.
فأمره أن يصنع ما يكتب عليها، فصنع بديها:
تبيّن لي سبق الأمير إلى العلا ... وما زال سبّاقا إلى الفضل منعما
فصيّرني بين القيان إذا شدت ... وبين نداماه حجابا مكرّما
لأظهر من حسن الغناء محلّلا ... وأستر من حسن الوجوه محرّما «٤»
بدائع البدائه ٢/٢٧
стр. 2277
٦٩ الوزير المهلبي يمتدح غناء الرقية زوجة أبي علي الحسن بن هارون الكاتب
قال «١» : وحدّثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجّم «٢» ، قال:
حدّثني أبي «٣» : قال:
كنا في دعوة أبي علي. الحسن بن هارون الكاتب «٤» ، وحضر فيها الوزير، أبو محمد، الحسن بن محمد المهلبي «٥» ، وهو إذ ذاك، يخلف أبا جعفر الصيمري «٦» على الأمر ببغداد.
فغنّت الرقّية، زوج أبي علي، صوتا من وراء الستارة، أحسنت فيه، فأخذ المهلبي الدواة، فكتب في الحال على البديهة، وأنشدنا لنفسه:
ذات غنى في الغناء من نغم ... تنفق في الصوت منه إسرافا
كأنّها فارس على فرس ... ينظر في الجري منه أعطافا
بدائع البدائه ٢/٩٤
стр. 2278
٧٠ نصر الخبزأرزي، وحريق المربد
وروي «١» : أنّ نصر بن أحمد الخبزأرزي «٢» ، دخل على أبي الحسين بن المثنّى «٣» ، في أثر حريق المربد «٤» .
فقال له أبو الحسين: يا أبا القاسم، ما قلت في حريق المربد؟
[قال: ما قلت شيئا.
فقال له: هل يحسن بك، وأنت شاعر البصرة، والمربد من أجلّ شوارعها، وسوقه من أجلّ أسواقها، ولا تقول فيه شيئا؟] «٥» .
فقال: ما قلت، ولكني أنشدك ارتجالا:
أتتكم شهود الهوى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا
[فيا مربديّون ناشدتكم ... على أنني منكم مجهد] «٦»
стр. 2279
جرى نفسي صعدا «١» بينكم ... فأحرق من ذلك المربد
وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلّت بها ناره توقد
ولولا جرت أدمعي لم يكن ... حريقكم أبدا يخمد
بدائع البدائه ٢/٩٤
стр. 2280
٧١ بين ابن لنكك، وأبي رياش القيسي
قال «١» : وأخبرني من حضر مجلس أبي محمد المافروخي «٢» ، عامل البصرة، وقد تناظرا في شيء من اللغة اختلفا فيه، فقال أبو رياش «٣» ، كذا أخبرتني عمّتي، أو جدتي، في البادية، عن العرب، ووجدتها تتكلّم به.
فقال له أبو الحسن محمد بن محمد بن جعفر بن لنكك الشاعر «٤» ، وكان حاضرا: اللغة لا تؤخذ عن البغيّات.
فأمسك خجلا.
следующие страницы →