← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

١١٠ صدقت، صدقت وقال القاضي «١» : كنت عنده «٢» يوما، ونحن خاليان، فجاءه الدواتيّ بكتاب، فقرأه وطواه، وكتب عليه: لأبي فلان، فلان بن فلان، من ... ، ووقف، ثم قال لي: ممّن؟ فقلت: إمّا منك، أو من الأمير. فقال: صدقت، صدقت، وكتب «٣» . الهفوات النادرة ٣١٧

стр. 2347

١١١ نعب الغراب، فصفع البواب قال القاضي «١» : وحدّثني عبيد الله بن محمد الصروي الشاعر «٢» ، وكان منقطعا إلى سهل، قال: رأيته يوما، وقد سقط غراب، على حائط صحن داره، فنعب، فتطيّر من صياحه، وأمر بصفع البوّاب، لم مكّن الغراب من دخول الدار «٣» ؟ الهفوات النادرة ٣١٨

стр. 2348

١١٢ هاشمي متخلف يراسل وكيله وحدّث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي، قال: رأيت عند القاضي أبي بكر بن قريعة «١» ، في سنة إحدى وستين وثلاثمائة «٢» شيخا يعرف بابن سكران، يتوكل له في ضياعه وضماناته ببادوريا «٣» . فقلت له: من يكون منك ابن سكران الذي كان يتوكل للحسن بن عبد العزيز الهاشمي، في ضيعته، ويكتب إليه كتبا طريفة مضحكة؟ فقال: أنا هو. وسمناه أن يقرأ علينا شيئا من ذاك، وكان يقال عنه، إنّه يحفظه، فامتنع. ولم أزل والقاضي أبو بكر به، إلى أن أملى عليّ كتابين من لفظه، على ما بهما من الخطإ والنقصان في الهجاء. فكان أولهما، وعنوانه: «من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي، أبو لمّة- يريد أبو الأئمة، لأنّ أولاده كانوا أئمة في الجوامع- إلى وكيله وخادمه، أبو القاسم سكران، ولولا أنّه يقول، أنّه خادمه، قلنا أنّه منهم، ومضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا ابن سكران، قد أعجبتك نفسك، صبغوني في عينك، أنت تعرفني إذا حردت، فكيف إذا غضبت، هاها «٤» ، كدت أفعل، كنت إذا أردت أن تعمل شيء، تكتب إليّ، وتستأذنني، وتشاورني،

стр. 2349

وصرت تأمر وتنهي لنفسك، والله لأقطعنّ يد الآخر «١» ، ورجليك، ولأضعنّك في أضيق الحبوس. أنا مع أمير المؤمنين، ابن عمّي أعزّه الله، وقد خرج، صلى بنا الجمعة، وأنا أكلّمه، داه داه «٢» ، أكلمه في أمر المسلمين، والدين، والهاشميين، وعينه في جوف عيني، وعيني في جوف فمه، لا ينظر إلى غيري، ترى لا أقدر أنتصف منك، والذي يبقي لي ابني أبو بكر «٣» وعمر، وعثمان، هاه، من هونا «٤» يحردون الروافض، عليك وعليهم لعنة الله، يا ماص بظر أمّه، إن كنت منهم، وإن لم تكون «٥» منهم، فلا شيء عليك. وليس أنت كما ذكرت طويتك، ما دامت لك هذه العين تدور، وهذه الشعرة تعيش، والذي يعطيني في الآخرة أضعاف ما أعطاني في الدنيا، منه أسأل إن شاء الله. الجزير «٦» الذي أوصل كتابك، قد أطعمته البارحة ممّا أكلت، خبز وشواء، وكل خير، وما رزق الله، فسله حتى يقل لك. البارحة، وحياتك يا أبا القاسم، ذكرتك، وقد شربت ماء باردا بثلج كثير، فقريت «٧» عليك، وعوّذتك، ودعوت لك، ولوالديّ، ولجميع المسلمين.

стр. 2350

وقلت: ترى، ذاك وكيلي ابن سكران الميشوم، أيش خبره، في هذه الشمس الحارة ونصف النهار؟ وما أبالي معك بولد ولا تلد «١» ولا أحد، فاحمل إليّ الخراج، صحّ «٢» ، وصنان الباذنجان «٣» ، وخيار، وبطيخ، وكل ما في القرية، والحملين الذي طلبتهم منك، احملهم إليّ في شعبان، قبل رمضان، سمان، سمان، واحد كبير نطبخه، وآخر صغير نشويه. أسمعت يا أبا القاسم أعزّك الله وفهمت؟ أعزك الله يا أبا القاسم، وأطال بقاءك، وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك، وصلى الله على محمد النبي وآله، وعلى أصحابه، قول «٤» آمين. وعنوان الآخر: من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي، الإمام في الرصافة، وابنه أبو بكر الإمام في دار الخلافة، وابنه الآخر عمر الإمام بمصر والحرمين، وابنه عثمان يكون الإمام في مدينة المنصور، وابنه علي يكون الإمام في باقي الدنيا إن شاء الله. إلى وكيله ابن سكران. وباطنه: بسم الله الرحمن الرحيم، تحضر الجبابرة بني دينار، والأطروش خاطر، وابن كيلوه، لعنهم الله، فإنهم كلاب- أحاط الله- أكرة، بل زطّ، حتى ننظر أيش يعملون. فقد- والله محمود- أردت أن أضرب القريتين بالنار، ولكن الله سلّمكم، فانظروا كيف تكونون.

стр. 2351

وقولوا: أمر سيّدنا وسيّدكم، أبو علي الحسن بن عبد العزيز الهاشمي، ابن عم النبي صلوات الله عليه وعلى أزواجه أمّهات المؤمنين، بشرى «١» من هم نحن منهم، وقد تقدم سيّدنا أبو علي بإحضاركم، فتكون أعينكم بين أيديكم. والسلام. الهفوات النادرة ٣٢٧

стр. 2352

١١٣ عار على آدم قال أبو القاسم التنوخي: جلس إبراهيم بن لنكك «١» في جامع البصرة، فجلس إليه قوم من العامة، فاعترضوا كلامه بما غاظه، فأخذ محبرة بعض الحاضرين، وكتب من شعره: وعصبة لما توسّطتهم ... ضاقت عليّ الأرض كالخاتم كأنّهم من بعد أفهامهم ... لم يخرجوا بعد إلى العالم يضحك إبليس سرورا بهم ... لأنّهم عار على آدم كأنّني بينهم جالس ... - من سوء ما شاهدت- في ماتم فاعترضه ولده وقال: يا أبت، أبياتك متناقضة، ولكن اسمع ما عملت: لا تصلح الدنيا ولا تستوي ... إلّا بكم يا بقر العالم من قال للحرث خلقتم فلم ... يكذب عليكم لا ولم ياثم ما أنتم عار على آدم ... لأنّكم غير بني آدم فوات الوفيات ١/٥٤

стр. 2353

١١٤ سيد العرب ابن أبي دؤاد حدّث القاضي أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي [عن أبيه، بما جاء] في كتابه، قال: حدّثني الصولي «١» ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن خلاد «٢» ، قال: رفع بعض العمال إلى المعتصم «٣» ، وكان قد تولى من الخراج والحرب، ما كان يتولاه خالد بن يزيد بن مزيد «٤» ، بأنّ خالدا اقتطع الأموال واحتجن «٥» بعضها، فغضب المعتصم، وحلف ليأخذنّ أموال خالد، وليعاقبنّه وينفينّه. فلجأ خالد إلى أحمد بن أبي دؤاد القاضي «٦» ، فاحتال حتى جمع بينه وبين خصمه، فلم تقم على خالد حجّة، فعرّف ابن أبي دؤاد القاضي، المعتصم بذلك، وشفع إليه في خالد، فلم يشفعه، وأحضر خالدا، وأحضر له آلات العقوبة، وكان قبل ذلك قبض أمواله وضياعه، وصرفه عن العمل. وحضر ابن أبي دؤاد المجلس، فجلس دون مجلسه الذي كان يجلس فيه. فقال له المعتصم: ارتفع إلى مكانك. فقال له: يا أمير المؤمنين ما أستحق إلّا دون هذا المجلس.

стр. 2354

قال: وكيف؟ قال: لأنّ الناس يزعمون أنّه ليس محلّي محل من شفع في رجل قرف «١» بما ليس فيه، ولم يصحّ عليه شيء منه، فلم يشفّع. قال: فارتفع إلى موضعك. قال: مشفّعا أو غير مشفّع؟ قال: بل مشفّعا، قد وهبت لك خالدا، ورضيت عنه. قال: إنّ الناس لا يعلمون بهذا. قال: قد رددت عليه جميع ما قبض منه من ضياعه وأمواله. قال: فمر بفكّ قيوده، واخلع عليه. ففعل ذلك. قال: يا أمير المؤمنين، قد استحقّ هو وأصحابه رزق ستة أشهر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجعلها صلة له. قال: لتحمل معه. فخرج خالد، وعليه الخلع، والمال بين يديه، والناس ينتظرون الإيقاع به. فلما رأوه على تلك الحال سرّوا، وصاح به رجل: نحمد الله على خلاصك يا سيد العرب. فقال: مه، بل سيد العرب- والله- ابن أبي دؤاد الذي طوّقني هذه المكرمة التي لا تنفكّ من عنقي أبدا. المستجاد من فعلات الأجواد ١٥٩

стр. 2355

١١٥ بين الإسكندر وملك الصين قال القاضي أبو علي المحسّن بن أبي القاسم علي بن محمد التنوخي، حدّثني أبو الفرج الأصبهاني «١» من حفظه، قال: قرأت في بعض أخبار الأوائل: أنّ الاسكندر «٢» لما انتهى إلى الصين، ونازل ملكها، أتاه حاجبه، وقد مضى من الليل شطره، فقال له: رسول ملك الصين بالباب يستأذن عليك. فقال: ائذن له. فلما دخل، وقف بين يديه وسلّم، وقال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل. فأمر الاسكندر من بحضرته بالانصراف، وبقي حاجبه. فقال له الرسول: إنّ الذي جئت له، لا يحتمل أن يسمعه غيرك. فأمر بتفتيشه، ففتّش، فلم يوجد معه شيء من السلاح. فوضع الاسكندر بين يديه سيفا مجرّدا، وقال له: قف مكانك، وقل ما شئت، ثم أخرج كل من كان عنده. فلما خلا المكان، قال له الرسول: إنّي أنا ملك الصين لا رسوله، وقد حضرت أسألك، عمّا تريده منّي، فإن كان ممّا يمكن الانقياد إليه، ولو

стр. 2356

على أصعب الوجوه، أجبت إليه، وغنيت أنا وإيّاك عن الحرب. فقال له الاسكندر: وما آمنك مني؟ قال: علمي بأنّك رجل عاقل، وأنّه ليس بيننا عداوة متقدّمة، ولا مطالبة بذحل، وأنّك تعلم أن الصين إن قتلتني، لا يسلمون ملكهم إليك، ولا يمنعهم عدمهم إيّاي، أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل، وضد الحزم. فأطرق الاسكندر مفكّرا في مقالته، وعلم أنّه رجل عاقل، ثم قال له: الذي أريده منك، ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلا، ونصف ارتفاعه في كل سنة. قال: هل غير ذلك شيء؟ قال: لا. قال: قد أجبتك. قال: فكيف تكون حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيلا أو محاربا، وأكلة أوّل مفترس. قال: وإن قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟ قال: أصلح ممّا يكون إذا ألزمت بما تقدّم ذكره. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة واحدة. قال: يكون ذلك مجحفا بملكي، ومذهبا لجميع لذّاتي. قال: فإن اقتصرت منك على السدس؟ قال: يكون السدس موفّرا، والباقي لجيشي، ولأسباب الملك. قال: قد اقتصرت منك على هذا. فشكره، وانصرف. فلما أصبح، وطلعت الشمس، أقبل جيش الصين حتى طبّق الأرض،

стр. 2357

وأحاط بجيش الاسكندر، حتى خافوا الهلكة، وتواثب أصحابه، فركبو واستعدوا للحرب. فبينما هم كذلك، إذ ظهر ملك الصين وعليه التاج، فلما رأى الاسكندر ترجّل. فقال له الاسكندر: أغدرت؟ قال: لا والله. قال: فما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك، أنّي لم أطعك من قلّة وضعف، والآن ترى هذا الجيش، وما غاب عنك منه أكثر، لكنّي رأيت العالم الأكبر مقبلا عليك، ممكّنا لك، فعلمت أنّه من حارب العالم الأكبر، غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والذلّة لأمره، بالذلّة لك. فقال الاسكندر: ليس مثلك من يؤخذ منه شيء، فما رأيت بيني وبينك، أحدا، يستحق التفضيل، والوصف بالعقل، غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرف عنك. فقال ملك الصين: أمّا إذا فعلت ذلك، فلست تخسر. فلما انصرف الاسكندر، أتبعه ملك الصين، من الهدايا والألطاف، بضعف ما كان قرّره معه «١» . لباب الآداب ١٢٩

стр. 2358

١١٦ أبو هاشم الجبائي يموت في السادسة والأربعين ذكر المحسّن بن علي التنوخي، في كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، في الجزء الحادي عشر منه، وقد ضمن في خطبة كتابه هذا، أنّه تحقّق ما يوجد فيه عنده، قال: حدّثني أبو الحسن بن الأزرق «١» ، قال: كان أبو هاشم» بن أبي علي «٣» الجبائي، لما قدم بغداد، يخبرنا أنّ أباه أبا عليّ، كان كثير الإصابة في علم النجوم، ويحدّثنا من ذلك بأحاديث كثيرة، وأخبرنا أنّه حكم له أن يعيش نيفا وسبعين سنة شمسية، فكنّا لإصابة أبي عليّ في الأحكام، طيّاب النفوس بهذا الحكم. فلما اعتلّ أبو هاشم علّته التي مات فيها ببغداد، جئت إليه. عائدا، فوجدت أخته، ابنة أبي عليّ، قلقة عليه، فأخذت أطيّب نفسها، حتى قلت: أليس قد حكم أبوه أنّه يعيش نيفا وسبعين سنة شمسيّة؟ قالت: بلى، ولكن على شرط. قلت: ما هو؟ قالت: إنّه قال: إن أفلت في السنة السادسة والأربعين، وقد اعتلّ هذه

стр. 2359

العلة الصعبة فيها، فقلقي عليه لذلك، خوفا من أن يصحّ الحكم الأول. قال أبو الحسن: فمات في تلك العلّة «١» . فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٥٤

стр. 2360

١١٧ النجوم تكشف عن مولود أحنف ومن إصابات أبي عليّ الجبائي «١» في أحكام النجوم، ما رواه أيضا في نشوار المحاضرة، قال: حدّثني القاسم بن بدر الرامهرمزي «٢» ، وكان يخلفني على العيار في دار الضرب، قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن عباس «٣» ، قال: كنت مع أبي علي الجبائي في عسكر مكرم، فاجتاز بدار، فسمع فيها ضجّة بولادة فقال: إن صحّ ما يقول المنجمون، فهذا المولود ذو عاهة. فدققت الباب، فخرجت امرأة، فسألتها عن الخبر، فجمجمت «٤» . ثم خرج رجل كهل، فحين رآه أبو علي، قال: هذه دارك؟ قال: نعم. قال: فكيف هو؟ يعني المولود. قال: أحنف «٥» . فأخذ أبو علي يطيّب نفسه. فقال تتفضّل يا أبا عليّ، فتدخل تحنّكه، وتؤذن في أذنه، فلعل الله يجعله مباركا. فدخل وحنّكه، وأذن في أذنه، ورأيناه وهو أحنف. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٥٥

стр. 2361

١١٨ يتنبأ بموت مولود في يومه السادس عشر ومن إصابات أبي علي «١» في النجوم، ما حكاه التنوخي، في كتاب نشوار المحاضرة أيضا، قال: سمعت أبا أحمد بن مسلمة الشاهد العسكري «٢» المعتزلي الحنفي، وكان شيخ بلده، يحكي عن رجل من أهل عسكر مكرم «٣» ، وثّقه وعظّمه، قال: كنت مع أبي علي الجبائي «٤» جالسا في داره في عسكر مكرم، فدخل إليه بعض غلمانه، فقال له: اجلس. فقال: لي زوجة تطلق، وأريد الرجوع إليها لحاجة طلبتها. فقال أبو علي، لبعض من حضر: امض معه، فإذا ولدت امرأته، فخذ الارتفاع، وجئني به. ففعل. فلما كان في غد، قال لنا أبو علي: إن صحّ حكم التنجيم، فإن هذا الولد يموت بعد خمسة عشر يوما. فلما كان اليوم السادس عشر، وكنا جلوسا ندرس على أبي علي، إذ دخل الرجل، فقال: إن فلانا قد مات، يعني ولده. فقال أبو علي: قوموا فأحضروه، ووفّوه حقه. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٥٥

стр. 2362

١١٩ تنبأوا له بالوزارة وهو صبي ومن المعروفين بعلم النجوم، والإصابة فيها، [فتى] من ولد يحيى بن يعقوب. فمن حكايته في ذلك، ما ذكره التنوخي في كتابه، قال: حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن السريّ الزجّاج النحوي «٢» ، قال: كنت أؤدب القاسم بن عبيد الله «٣» ، وكان أبوه «٤» إذ ذاك، يحضره الديوان. فلما أخرجه من المكتب، كنت معه في الديوان ببادوريا «٥» ، وهو معه فيه، وله من العمر ست عشرة سنة، وأبوه متعطل، وذلك في وزارة إسماعيل ابن بلبل «٦» ، للموفق «٧» والمعتمد «٨» .

стр. 2363

وكان معه في ذلك الديوان جماعة من أولاد الكتّاب، وفيهم فتى نجيب من ولد يعقوب بن فرازون النصراني، وكان يفهم النجوم. فقال له ذلك الفتى: يا سيّدي أرى فيك نجابة وصناعة، ولك حظّ من الرياسة، وقد رأيت مولدك، وهو يدلّ على أنّك تتقلّد الوزارة، وتطول أيّامك فيها، فاكتب لي خطّا، يكون معي تذكر فيه اجتماعنا، وتضمن لي أن يكون لي حظّ منك إذ ذاك، حقّ بشارتي لك. قال: فأخذ القرطاس، وكتب فيه، بحسن خطّه: ليلقني فلان، إذا بلّغني الله ما أحبّ، لأبلّغه ما يحب إن شاء الله. فحدّثت أباه في ذلك، ففرح، وقال: قد والله سررتني بذلك. وأحضر المنجّمين، وأخرج مولده، فحكموا له بالوزارة، وأنّه يتقلّدها سنة ثمان وسبعين «١» . فخلف أباه على وزارة المعتضد «٢» في إمارته «٣» ، ودامت له إلى أن مات «٤» . فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٦٥

стр. 2364

١٢٠ وزير لا تغيره الوزارة قال لي الزجّاج «١» : لما ولي القاسم «٢» الوزارة «٣» بعد موت أبيه، ودخل داره، وقفت في صحن الدار، لينصرف الناس، ودخل هو ليستريح، فيخرج للناس، فلا أنسى هيبتي عند غلمانه، حيث دخلت عليه، فلم أمنع، فوجدته قد صلّى وسلّم، وهو يدعو الله في خلوته، وليس بحضرته أحد، فلما رآني، قام إليّ، فانكببت على رجله. فقال لي: يا سيدي، يا أبا إسحاق، أنت أستاذي، وهذا الذي أعتقده في إكرامك، وكان في نفسي أن أعاملك [به] قبل أن تشرّفني عند حضور الناس، وتوقير مجلس الخلافة، وإذا فعلت ذلك، فهو حقّك عليّ، وإذا لم أفعله، فهو نقص حق العلم والعمل. قال: ثم ما أنكرت منه شيئا في عشرة، ولا مخاطبة، عما كان يعاملني به، إلى أن مات «٤» . فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٦٦

стр. 2365

١٢١ القاضي التنوخي والد المحسن وقوة حافظته قال القاضي التنوخي، في الجزء السادس من نشوار المحاضرة: كان أبي «١» يحفظ للطائيين «٢» سبعمائة قصيدة ومقطوعة «٣» ، سوى ما لغيرهم من المحدثين، والمخضرمين، والجاهليين. ولقد رأيت له دفترا بخط يده يحتوي على رؤوس ما حفظه، وهو الآن عندي في نيف وثلاثين ورقة، أثمان منصوريّ لطاف. وكان يحفظ من اللغة والنحو شيئا عظيما. ومع ذلك كان علم الفقه والفرائض والشروط والمحاضرة والسجلات رأس ماله، وكان يحفظ منه ما قد اشتهر به. وكان يحفظ من الكلام والمنطق والهندسة الكثير، وكان في علم النجوم، والأحكام، والهيئة، قدوة، وكذلك في علم العروض، وله فيها، وفي الفقه وغيره، عدة كتب مصنّفة. وكان مع ذلك يحفظ ويحدّث فوق عشرين ألف حديث، وما رأيت أحدا أحفظ منه، ولولا أن حفظه متفرق في هذه العلوم، لكان أمرا هائلا. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٦٧

стр. 2366

١٢٢ أبو يوسف البريدي يخالف منجمه فيقتل ومن الموصوفين بعلم النجوم من المسلمين، أبو القاسم غلام زحل «١» ، وقد حكى الشيخ الفاضل المحسّن بن علي التنوخي، في الجزء السادس من نشوار المحاضرة عنه جملا، وذكر طرفا من فضله، وإصابته في الأحكام بالنجوم، فقال: ومن العجيب، حكمه في قتل أبي يوسف» ، فإنه قد كان يخدمه في النجوم أبو القاسم غلام زحل المنجم، وهو الآن شيخ من شيوخ المنجمين في الأحكام، وكان أبي يقدمه في هذه الصناعة، ويستخدمه فيها، ويسلّم إليه سنيّ تحويل مولده، ومولدي، إذا قطعه قاطع عن عملها بيده، لأنه كان قلّما يأخذ تحاويلنا بيده، بل يولّي ذلك غيره «٣» . وأبو القاسم الآن مقيم بخدمة الأمير عضد الدولة بشيراز «٤» .

стр. 2367

فقال أبو القاسم هذا، لأبي يوسف البريديّ، في اليوم الذي عزم فيه على الركوب إلى الأبلّة «١» ، ليسلّم فيه على أخيه أبي عبد الله «٢» : أيها الأستاذ لا تركب، فإنّ هذا اليوم يوجب تحويلك فيه عليك، قطعا بالحديد. فقال: يا فاعل، إنما أركب إلى أخي فممّن أخاف؟ وخرج بالطيّار. فعاد غلام زحل، فأخرج جميع ما كان له في الدار من أثاث، وذهب لينصرف. فقال له الحجّاب: إلى أين؟ فقال: أهرب، لأن الدار بعد ساعة تنهب.

стр. 2368

ومضى أبو يوسف، إلى أبي عبد الله، فقتله في ذلك اليوم «١» . وكان هذا الخبر مشهورا، عن أبي القاسم غلام زحل، نقله أبي، وشهد بصحته. وكان يحكي ذلك في تلك الأيام، وأنا صبيّ، فأسمع ذلك، وكان يعدّه من إصابات، غلام زحل. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٦٨

стр. 2369

١٢٣ سهلون ويزدجرد ابنا مهمندار الكسروي وممّن وصف بعلم النجوم، سهلون، ويزدجرد، من علماء الإسلام، فيما ذكره التنوخي في رابع أجزاء النشوار، فقال ما هذا لفظه: حدّثني أبو عبد الله محمد الحارثي «١» ، قال: كان ببغداد، في أيام المقتدر، أخوان كهلان، فاضلان، وعندهما من كل فن مليح، وهما من أحرار فارس، قد نشآ ببغداد، وتأدّبا بها، وتعلّما علوما كثيرة، يقال لأحدهما: سهلون، وللآخر يزدجرد، ابنا مهمندار الكسروي، ويعرفان بذلك، لانتسابهما إلى الأكاسرة، وكانا ذوي نعمة قديمة، وحالة ضخمة، وكنت ألزمهما، على طريق الأدب. وكان ليزدجرد منهما، كتاب حسن ألّفه في صفة بغداد «٢» ، وعدد

стр. 2370

سككها، وحماماتها، وشوارعها، وما تحتاج إليه في كل يوم من الأقوات والأموال، وما تحتوي عليه من الناس، وعدة كتب أدبية وفلسفية، قرأت أكثرها عليه. وكان هو وأخوه ينشدان الشعر الجيد لأنفسهما، وسهلون بن مهمندار كان لزم بعض الرؤساء، وعمل له رسائل وقصائد. ثم ذكر التنوخي، من شعر سهلون، ما يقتضي علمه بالنجوم، فقال: أنشد من شعره: تعفّفت عن أخذ الدراهم والبرّ ... ليمسك من سرّي فبالغت بالستر ولم يرّ ميلي للّجين وللتبر ... ولكن لإكرامي وأن يعرفوا قدري ولست أسوم الناس صعبا من الأمر ... ولا عابني حال من العسر واليسر ولا أنا ممّن يمدح الناس بالشعر ... ولا أنا من يهجو بشعر ولا نثر ولكنّني رب العلوم وذو الأمر ... بنظم تغلّيه الجواري على الدرّ ولي دربة طالت على كل عالم ... إذا أعوز الإنسان علم بما يدري من الطبّ والتنجيم من بعد منطق ... ولا علم إلّا ما أحاط به صدري وها أنا سيف الله علما بدينه ... أذبّ عن التوحيد في أمم الكفر «١» ثم ذكر تمام الأبيات، والمراد منها ما ذكره عن نفسه في عالم النجوم. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٧٦

стр. 2371

١٢٤ أبو العباس بن المنجم يعرّض بأبي عبد الله البصري المتكلم ومن المعروفين بعلم النجوم من أهل الإسلام، وإن لم يعرف له شيء من الأحكام، ممّن ذكرهم التنوخي، في كتابه النشوار، جماعة، منهم: أبو بكر ابن عمر «١» ، وقد صنف كتبا كثيرة في النجوم. ومنهم أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم «٢» . ومنهم يحيى بن أبي منصور المنجم «٣» ، وكان يحيى مجوسيا، أسلم على يد المأمون، فصار مولاه بذلك، وكان خصيصا به، ومنجمه، ونديمه. وأبو منصور، والده، منجم المنصور «٤» . ومنهم أبو الحسن محمد بن سليمان، صاحب الجيش، وكان منقطعا إلى أبي علي بن مقلة، قبل الوزارة، وبعدها، مختصا به من أجل النجوم والأدب. ومنهم الحسن بن علي بن زيد المنجم «٥» ، غلام أبي نافع، عامل معز

стр. 2372

الدولة على الأهواز وقطعة من كورها، ومحله عنده محل أحد وزرائه. ومنهم والد أبي العباس هبة الله بن المنجم، الذي ذكر التنوخي، أنّ ولده أبا العباس «١» جرت له حكاية، فقال: أنشد أبو العباس لنفسه، يعرّض بأبي عبد الله البصري المتكلّم «٢» ، لمّا صيّر له عضد الدولة رسما، أن يحمل إليه من مائدته كل يوم جونة كبيرة، طعاما، تشريفا له بذلك. وأنا أقول: كان سبب ذلك، أنّه أقطعه إقطاعا بمال جليل في كل سنة، فلم يقبل، فبذل له شراء ضياع يوقفها عليه، بدل هذا الإقطاع، وتستطاب غلّتها، ويصحّ إنفاقها، فلم يقبل، وأبى. قال عضد الدولة «٣» : فلا أقل من أن ينفذ إليك في كل يوم، من حضرتي، بما تأكله، وفي كل فصل بكسوة، وطيب تستعمله. فأجاب إلى ذلك. فأنفذ إليه ثيابا جليلة، من صنوف القطن، والكتّان، والعود الهندي، وأنواعا من العطر، وصار ينفذ إليه جونة في كل يوم، مع غلام من أصحاب مائدته،

стр. 2373

من الطعام الذي يقدّم إليه، ثم يشال من بين يديه. فقال هبة الله، أبو العباس المنجم، لكنّي سمعت هذا الشعر، وأبو العباس ليس بحي، ولا أبو إسحاق النصيبي «١» ، فأعرف صحّته، إلّا أنّي أثق بخبر أبي علي «٢» ، والشعر هو: أظهر هذا الشيخ مكنونه ... وجنّ لما أبصر الجونه «٣» شحّ عليها إذ رأى حسنها ... وهي بلحم الطير مشحونه أسلم للعاثور «٤» إسلامه ... وباع في أكلتها دينه فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم لرضي الدين بن طاوس ٢٠١

стр. 2374

١٢٥ منجم يأخذ طالع المعتصم ذكر التنوخي في الجزء السابع من نشوار المحاضرة، قال: حدّثني علي ابن العباس النوبختي «١» ، قال: حدّثني محمد بن داود بن الجراح «٢» ، قال: حدّثني أبو علي الحسن بن وهب «٣» ، قال: رأيت يوما محمد بن عبد الملك الزيات «٤» ، قد عاد من موكب المعتصم «٥» ، قبل خروجه إلى سامراء، وهو على غاية من الضجر، وكنت جسورا عليه. فقلت: ما لي أرى الوزير أيّده الله مهموما؟ قال: أفما عرفت خبري؟ قلت: لا. قال: ركب أمير المؤمنين، وأنا أسايره من جانب، وابن أبي دؤاد «٦» يسايره من الجانب الآخر، حتى بلغنا رحبة الجسر، فأطال الوقوف، حتى ظننّا أنّه ينتظر شيئا. ثم أسرع خادم يركض، حتى أسرّ إليه سرّا، فقال: غممتني، وكرّ

стр. 2375

راجعا إلى الجانب الشرقي، فلما توسّط الطريق جعل يضحك، ولا شيء يضحكه. فجسر عليه ابن أبي دؤاد، فقال: إن رأى أمير المؤمنين، أن يشركنا بالسرور فيما يسرّه. قال: ليست لكما حاجة في ذلك. فقال ابن أبي دؤاد: بلى. قال: أما إذ سألتماني لم ركبت اليوم، فإنّي اعتمدت أن أبعد، وصرت إلى رحبة الجسر، فذكرت منجما كان يجلس فيها أيّام فتنة الأمين «١» ، وبعدها، وكان موصوفا بالحذق قديما، وكنت أسمع به. فلما غلب إبراهيم بن شكلة «٢» ، على الأمور، اعتمد «٣» عليّ في الرزق، وأجرى لي خمسمائة دينار في الشهر، ولم يكن أحد داخله أكثر رزقا منّي، لأنّ جيشه إنما كان كلّ واحد له تسعة دراهم وعشرة، والقوّاد مثلها دنانير ونحو ذلك، لضيق الأحوال، وخراب البلاد، والناس إنما كانوا يقاتلون معه عصبيّة، لا لجائزة. فركبت يوما حمارا، متنكرا «٤» لبعض شأني، فرأيت ذلك المنجّم، فتطلّعت إليه نفسي أن أسأله عن أمر إبراهيم وأمري، وهل يتمّ لنا شيء، أم يغلبنا المأمون «٥» ، فعدلت إلى المنجم، وكنت متنكّرا.

стр. 2376

وقلت للغلام: أعطه ما معك، فأعطاه درهمين. وقلت له: خذ الطالع، واعمل لي مسألة، ففعل. ثم قال لي: سألتك بالله هل أنت هاشمي؟ قلت: ما سؤالك عن هذا؟ فقال: كذا يوجب الطالع، فإن لم تصدقني لم أنظر لك. فقلت: نعم. قال: فهذا الطالع أسد، وهو الطالع في الدنيا، وإنّه يوجب لك الخلافة، وأنت تفتح الآفاق، وتزيل الممالك، ويعظم جيشك، وتبني لك بلادا عظيمة، ويكون من شأنك كذا، ومن أمرك كذا، وقصّ عليّ جميع ما أنا فيه الآن. قلت: فهذا السعود، فهل عليّ من النحوس؟ قال: لا، ولكنك إذا ملكت، فارقت وطنك، وكثرت أسفارك. قلت: فهل غير هذا؟ قال: نعم، ما شيء أنحس عليك من شيء واحد. قلت: ما هو؟ قال: يكون المتولّون عليك في أيام ملكك، أصولهم دنيّة، سفلة، فيغلبون عليك، ويكونون أكابر أهل مملكتك. قال: فعرضت عليه دراهم كانت في خريطة معي في خفّي، فحلف أن لا يقبل غير ما أخذه. وقال: إذا وليت هذا الأمر فاذكرني، وأحسن في ذلك الوقت إليّ. فقلت: أفعل. ولكنّي ما ذكرته إلى الآن، ولما بلغت الرحبة، وقعت عيني على موضعه فذكرته، وذكرت كلمته، وتأمّلتكما حواليّ، وأنتما أكبر أهل مملكتي،

стр. 2377

وأنت ابن زيّات «١» ، وهذا ابن قيّار «٢» - وأومأ إلى ابن أبي دؤاد- فإذا قد صح جميع ما قال. فأنفذت هذا الخادم في طلبه والبحث عنه، لأفي له بسالف الوعد، فعاد إليّ، وذكر أنه قد مات قريبا، فكسلت، وغمّني أن فاتني الإحسان إليه، فرجعت عن الابعاد، وأخذني الضحك، إذ ترأس في دولتي أولاد السفل. قال: فانكسرنا، ووددنا أنّا ما سألناه. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ١٩٠

стр. 2378

١٢٦ كيف اتصل نوبخت المنجم بأبي جعفر المنصور أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني «١» ، قال: أنبأنا الحسين بن القاسم الكسروي «٢» ، قال: حدّثني أبو سهل بن علي بن نوبخت «٣» ، قال: كان جدّنا نوبخت على دين المجوسيّة، وكان في علم النجوم نهاية، وكان محبوسا في سجن الأهواز. قال: رأيت أبا جعفر المنصور «٤» قد دخل السجن «٥» ، فرأيت من هيبته، وجلالته، وسيماه، وحسن وجهه، وشأنه، ما لم أره لأحد قط، فصرت من موضعي إليه، فقلت: يا سيدي، ليس وجهك من وجوه أهل هذه البلاد. فقال: أجل يا مجوسي.

стр. 2379

قلت: من أيّ بلاد أنت؟ قال: من المدينة. قلت: أي مدينة؟ قال: مدينة الرسول صلوات الله عليه. فقلت: وحق الشمس والقمر، من أولاد صاحب المدينة؟ قال: لا، ولكن من عرب المدينة. فلم أزل أتقرّب إليه وأحدّثه، حتى سألته عن كنيته. فقال: أبو جعفر. فقلت: أبشر، وجدتك في الأحكام النجومية، تملكني، وجميع ما في هذا البلد، حتى تملك فارس، وخراسان، والجبال. فقال لي: وما يدريك يا مجوسي؟ قلت: هو كما أقول، واذكر لي هذا. قال: إن قضى الله، فسوف يكون. قلت: قد قضى الله من السماء، فطب نفسا. وطلبت دواة، فوجدتها، فقلت: اكتب، فكتب. «بسم الله الرحمن الرحيم. إذا فتح الله على المسلمين، وكفاهم معرة الظالمين، وردّ الحق إلى أهله، فلا نغفلك» . فقلت: اكتب لي في خدمتك خطّا، وأمانا. فكتب لي. قال نوبخت: ولما ولي الخلافة، صرت إليه، فأخرجت الكتاب، فقال: أنا له ذاكر مع الأمان، والحمد لله الذي صدق وعده، وردّ الحق إلى أهله. قال: فأسلم نوبخت، وكان منجما لأبي جعفر، ومولى له. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ٢١١

стр. 2380

١٢٧ كلب يموت على قبر صاحبه وذكر بعض الرواة «١» ، قال: كان للربيع بن بدر، كلب قد رباه، فلما مات الربيع، ودفن، جعل الكلب يتضرّب «٢» على قبره حتى مات. وكان لعامر بن عنترة «٣» كلاب صيد وماشية، وكان يحسن صحبتها، فلما مات عامر، لزمت الكلاب قبره، حتى ماتت عنده، وتفرق عنه الأهل والأقارب. فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٠

стр. 2381

١٢٨ وفاء الكلب، وغدر أبي سماعة كان للأعمش «١» كلب يتبعه في الطريق إذا مشى، حتى يرجع، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت صبيانا يضربونه، ففرقت بينهم وبينه، فعرف لي ذلك فشكره، فإذا رآني يبصبص لي، ويتبعني. ولو عاش- أيدك الله- الأعمش إلى عصرنا، ووقتنا هذا، حتى يرى أهل زماننا هذا، ويسمع خبر أبي سماعة المعيطي ونظائره، لازداد في كلبه رغبة، وله محبة. قال: هجا أبو سماعة المعيطي، خالد بن برمك «٢» ، وكان إليه محسنا، فلما ولي يحيى «٣» الوزارة، دخل إليه أبو سماعة، فيمن دخل من المهنئين. فقال: انشدني الأبيات التي قلتها. فقال: ما هي؟ قال: قولك: زرت يحيى وخالدا مخلصا لل ... هـ ديني فاستصغرا بعض شاني ولو انّي ألحدت في الله يوما ... أو لو انّي عبدت ما يعبدان ما استخفّا فيما أظن بشأني ... ولأصبحت منهما بمكان

стр. 2382

إنّ شكلي وشكل من جحد الل ... هـ وآياته لمختلفان قال أبو سماعة: لا أعرف هذا الشعر، ولا من قاله. فقال له يحيى: ما تملك صدقة إن كنت تعرف من قالها؟ فحلف. فقال يحيى: وامرأتك طالق، فحلف. فأقبل يحيى على الغساني، ومنصور بن زياد، والأشعثي، ومحمد بن محمد العبدي- وكانوا حضورا في المجلس- وقال: ما أحسبنا إلّا وقد احتجنا أن نجدد لأبي سماعة منزلا، وآلة، وحرما، ومتاعا، يا غلام: ادفع له عشرة آلاف درهم، وتختا فيه عشرة أثواب، فدفع إليه. فلما خرج تلقّاه أصحابه، يهنئونه، ويسألونه عن أمره، فقال: ما عسيت أن أقول إلّا أنه ابن زانية أبي إلّا كرما. فبلغت يحيى كلمته من ساعته، فأمر به، فحضر، فقال له يا أبا سماعة، لم تعرق في هجائنا، وتغرق في شتمنا؟ فقال له أبو سماعة: ما عرّفته أيها الوزير، افتراء وكذب عليّ. فنظر إليه يحيى مليّا، ثم أنشأ يقول: إذا ما المرء لم يخدش بظفر ... ولم يوجد له أن عضّ ناب رمى فيه الغميزة من بغاها ... وذلّت من قرائنه الصعاب فقال أبو سماعة: كلّا أيها الوزير، ولكنّه كما قال: لم يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يذلّوا، وإن عزّوا، لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام فتبسّم يحيى، وقال: إنّا عذرناك، وعلمنا أنّك لن تدع مساوىء شيمك، ولؤم طبعك، فلا أعدمك الله ما جبلك عليه من مذموم أخلاقك،

стр. 2383

ثم تمثّل قائلا: متى لم تتّسع أخلاق قوم ... تضيق بهم فسيحات البلاد إذا ما المرء لم يخلق لبيبا ... فليس اللب عن قدم الولاد ثم قال: هو والله، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: المؤمن لا يشفي غيظه. ثم إن أبا سماعة، هجا بعد ذلك سليمان بن أبي جعفر «١» ، وكان إليه محسنا، فأمر به الرشيد «٢» ، فحلق رأسه ولحيته «٣» . فضل الكلاب على من لبس الثياب ١١

стр. 2384

١٢٩ كلب يخرج صاحبه من حفرة دفن فيها حيا أنبأنا الفقيه أبو موسى عيسى بن أبي عيسى القابسي «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي قراءة عليه، قال: حدّثنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيويه الخزاز «٢» ، أنّ أبا بكر محمد بن خلف بن المرزبان «٣» ، أخبرهم، قال: أنشدني أبو عبيدة «٤» ، لبعض الشعراء: يعرّج عنه جاره وشقيقه ... ويرغب فيه كلبه وهو ضاربه قال أبو عبيدة: قيل هذا الشعر، في رجل من أهل البصرة خرج إلى الجبّانة «٥» ينتظر ركابه، فاتبعه كلب له فطرده، وضربه، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر فأدماه، فأبى الكلب ألّا أن يتبعه. فلما صار إلى الموقع، وثب به قوم، كانت لهم عنده طائلة «٦» ، وكان معه جار له، وأخ، فهربا عنه، وتركاه وأسلماه، فجرح جراحات كثيرة،

стр. 2385

ورمي به في بئر، وحثوا عليه التراب، حتى واروه، ولم يشكّوا في موته، والكلب مع هذا يهرّ «١» عليهم، وهم يرجمونه. فلما انصرفوا، أتى الكلب إلى رأس البئر، فلم يزل يعوي، ويبحث في التراب بمخالبه، حتى ظهر رأس صاحبه وفيه نفس يتردد، وقد كان أشرف على التلف، ولم يبق فيه، إلّا حشاشة نفسه، ووصل إليه الروح. فبينما هو كذلك، إذ مرّ أناس، فأنكروا مكان الكلب، ورأوه كأنّه يحفر قبرا، فجاءوا، فإذا هم بالرجل على تلك الحال، فاستخرجوه حيّا وحملوه إلى أهله. فزعم أبو عبيدة، أنّ ذلك الموضع، يدعى: بئر الكلب. فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٦
следующие страницы →