← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

١٢٨ وفاء الكلب، وغدر أبي سماعة كان للأعمش «١» كلب يتبعه في الطريق إذا مشى، حتى يرجع، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت صبيانا يضربونه، ففرقت بينهم وبينه، فعرف لي ذلك فشكره، فإذا رآني يبصبص لي، ويتبعني. ولو عاش- أيدك الله- الأعمش إلى عصرنا، ووقتنا هذا، حتى يرى أهل زماننا هذا، ويسمع خبر أبي سماعة المعيطي ونظائره، لازداد في كلبه رغبة، وله محبة. قال: هجا أبو سماعة المعيطي، خالد بن برمك «٢» ، وكان إليه محسنا، فلما ولي يحيى «٣» الوزارة، دخل إليه أبو سماعة، فيمن دخل من المهنئين. فقال: انشدني الأبيات التي قلتها. فقال: ما هي؟ قال: قولك: زرت يحيى وخالدا مخلصا لل ... هـ ديني فاستصغرا بعض شاني ولو انّي ألحدت في الله يوما ... أو لو انّي عبدت ما يعبدان ما استخفّا فيما أظن بشأني ... ولأصبحت منهما بمكان

стр. 2382

إنّ شكلي وشكل من جحد الل ... هـ وآياته لمختلفان قال أبو سماعة: لا أعرف هذا الشعر، ولا من قاله. فقال له يحيى: ما تملك صدقة إن كنت تعرف من قالها؟ فحلف. فقال يحيى: وامرأتك طالق، فحلف. فأقبل يحيى على الغساني، ومنصور بن زياد، والأشعثي، ومحمد بن محمد العبدي- وكانوا حضورا في المجلس- وقال: ما أحسبنا إلّا وقد احتجنا أن نجدد لأبي سماعة منزلا، وآلة، وحرما، ومتاعا، يا غلام: ادفع له عشرة آلاف درهم، وتختا فيه عشرة أثواب، فدفع إليه. فلما خرج تلقّاه أصحابه، يهنئونه، ويسألونه عن أمره، فقال: ما عسيت أن أقول إلّا أنه ابن زانية أبي إلّا كرما. فبلغت يحيى كلمته من ساعته، فأمر به، فحضر، فقال له يا أبا سماعة، لم تعرق في هجائنا، وتغرق في شتمنا؟ فقال له أبو سماعة: ما عرّفته أيها الوزير، افتراء وكذب عليّ. فنظر إليه يحيى مليّا، ثم أنشأ يقول: إذا ما المرء لم يخدش بظفر ... ولم يوجد له أن عضّ ناب رمى فيه الغميزة من بغاها ... وذلّت من قرائنه الصعاب فقال أبو سماعة: كلّا أيها الوزير، ولكنّه كما قال: لم يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يذلّوا، وإن عزّوا، لأقوام ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام فتبسّم يحيى، وقال: إنّا عذرناك، وعلمنا أنّك لن تدع مساوىء شيمك، ولؤم طبعك، فلا أعدمك الله ما جبلك عليه من مذموم أخلاقك،

стр. 2383

ثم تمثّل قائلا: متى لم تتّسع أخلاق قوم ... تضيق بهم فسيحات البلاد إذا ما المرء لم يخلق لبيبا ... فليس اللب عن قدم الولاد ثم قال: هو والله، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: المؤمن لا يشفي غيظه. ثم إن أبا سماعة، هجا بعد ذلك سليمان بن أبي جعفر «١» ، وكان إليه محسنا، فأمر به الرشيد «٢» ، فحلق رأسه ولحيته «٣» . فضل الكلاب على من لبس الثياب ١١

стр. 2384

١٢٩ كلب يخرج صاحبه من حفرة دفن فيها حيا أنبأنا الفقيه أبو موسى عيسى بن أبي عيسى القابسي «١» ، قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي قراءة عليه، قال: حدّثنا أبو عمر محمد بن العباس بن محمد بن زكريا بن حيويه الخزاز «٢» ، أنّ أبا بكر محمد بن خلف بن المرزبان «٣» ، أخبرهم، قال: أنشدني أبو عبيدة «٤» ، لبعض الشعراء: يعرّج عنه جاره وشقيقه ... ويرغب فيه كلبه وهو ضاربه قال أبو عبيدة: قيل هذا الشعر، في رجل من أهل البصرة خرج إلى الجبّانة «٥» ينتظر ركابه، فاتبعه كلب له فطرده، وضربه، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر فأدماه، فأبى الكلب ألّا أن يتبعه. فلما صار إلى الموقع، وثب به قوم، كانت لهم عنده طائلة «٦» ، وكان معه جار له، وأخ، فهربا عنه، وتركاه وأسلماه، فجرح جراحات كثيرة،

стр. 2385

ورمي به في بئر، وحثوا عليه التراب، حتى واروه، ولم يشكّوا في موته، والكلب مع هذا يهرّ «١» عليهم، وهم يرجمونه. فلما انصرفوا، أتى الكلب إلى رأس البئر، فلم يزل يعوي، ويبحث في التراب بمخالبه، حتى ظهر رأس صاحبه وفيه نفس يتردد، وقد كان أشرف على التلف، ولم يبق فيه، إلّا حشاشة نفسه، ووصل إليه الروح. فبينما هو كذلك، إذ مرّ أناس، فأنكروا مكان الكلب، ورأوه كأنّه يحفر قبرا، فجاءوا، فإذا هم بالرجل على تلك الحال، فاستخرجوه حيّا وحملوه إلى أهله. فزعم أبو عبيدة، أنّ ذلك الموضع، يدعى: بئر الكلب. فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٦

стр. 2386

١٣٠ كلب خلص صاحبه من موت محقق حدّثني عبد الله بن محمد الكاتب، قال: حدّثني أبي، عن محمد بن خلاد «١» ، قال: قدم رجل على بعض السلاطين، وكان معه حاكم أرمينية، منصرفا إلى منزله، فمر في طريقه بمقبرة، فإذا قبر عليه قبّة مبنيّة، مكتوب عليها: هذا قبر الكلب، فمن أحبّ أن يعلم خبره، فليمض إلى قرية كذا وكذا، فإن فيها من يخبره. فسأل الرجل عن القرية، فدلّوه عليها، فقصدها، وسأل أهلها، فدلّوه على شيخ، فبعث إليه، وأحضره، وإذا شيخ قد جاوز المائة سنة، فسأله، فقال: نعم، كان في هذه الناحية ملك عظيم الشأن، وكان مستهترا بالنزهة والصيد والسفر، وكان له كلب قد ربّاه، وسمّاه باسم، وكان لا يفارقه حيث كان، فإذا كان وقت غدائه وعشائه، أطعمه ممّا يأكل. فخرج يوما إلى بعض متنزهاته، وقال لبعض غلمانه: قل للطباخ، يصلح لنا ثريدة لبن، فقد اشتهيتها، فأصلحوها، ومضى إلى متنزهاته. فوجّه الطباخ، فجاء بلبن، وصنع له ثريدة عظيمة، ونسي أن يغطيها بشيء، واشتغل بطبخ شيء آخر. فخرج من بعض شقوق الحيطان أفعى، فكرع من ذلك اللبن، ومجّ في الثريدة من سمّه، والكلب رابض، يرى ذلك كله، ولو كان له في الأفعى حيلة لمنعها، ولكن لا حيلة للكلب في الأفعى والحيّة، وكان عند الملك جارية

стр. 2387

خرساء، زمنة «١» ، قد رأت ما صنع الأفعى. ووافى الملك من الصيد في آخر النهار، فقال: يا غلمان، أوّل ما تقدمون إليّ الثريدة. فلما قدموها بين يديه، أومأت الخرساء إليهم، فلم يفهموا ما تقول، ونبح الكلب وصاح، فلم يلتفتوا إليه، وألحّ في الصياح ليعلمهم مراده فيه. ثم رمى إليه بما كان يرمي إليه في كل يوم، فلم يقربه، ولجّ في الصياح. فقال لغلمانه: نحّوه عنّا، فإن له قصّة، ومد يده إلى اللبن. فلما رآه الكلب، يريد أن يأكل، وثب إلى وسط المائدة، وأدخل فمه في اللبن، وكرع «٢» منه، فسقط ميتا، وتناثر لحمه. وبقي الملك متعجّبا منه ومن فعله، فأومأت الخرساء إليهم، فعرفوا مرادها، وما صنع الكلب. فقال الملك لندمائه وحاشيته: إنّ كلبا قد فداني بنفسه، لحقيق بالمكافأة، وما يحمله ويدفنه غيري، ودفنه بين أبيه وأمه، وبنى عليه قبّة، وكتب عليها ما قرأت، وهذا ما كان من خبره «٣» . فضل الكلاب على من لبس الثياب ١٦

стр. 2388

١٣١ أبو الحسن القمي يقترح أصواتا «١» كان أبو الحسن القمّي، يكتب لروزبهان بن ونداد خورشيد «٢» ، على إقطاعه في السواد، وخليفة عنه بحضرة معز الدولة «٣» ، ببغداد، وكان يهوى «منداة» جارية قهرمانة ابن مقلة «٤» ، وهي صبيّة مليحة الوجه، طيّبة الغناء، وكان من أصواته عليها: أيا راهبي نجران ما فعلت هند ... أقامت على عهدي وأنّى لها عهد فأراد يوما أن تغنّيه له، فقال لها: يا ستّي، غنّي لي ذاك سوت «٥» : أيا راهبي نجران ما فعلت هندي ... أقامت بلا عهد وإنّي بلا عهد فضحكت، وقالت له: أعلم أنّك سفلة، بلا عهد. وقال لها مرة: يا ستّي، غنّي ذاك سوت:

стр. 2389

يا فاطمة بعط ذلول فضحكت، وضحك الحاضرون، يريد: أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل وحدّثت عنه، بين يديه، وهو يسمع، قالت: غنّيت له ليلة: أمن سميّة دمع العين مذروف ... لو أنّ ذا منك قبل اليوم معروف وفيه لحن حسن، فأعجبه، وأطربه، ولم يزل يتلقّنه، ويتحفّظه، إلى أن ظنّ أنّه قد أتقنه. وصبر ساعة، وقال لي: يا ستّي، بالله غنّي لي، ذاك سوت: أمن سميته دموعك عينك ذرذف فضحكت منه، فقال: ما لك؟ فأعدت البيت عليه، على صحّته. فقال: يا باردة، كلّه واحد. قالت: وغنّيت له مرة، صوتا استحسنه، وقال لي: يا ستّي، اكتبيه لي. فقلت له: يا هذا أنت كاتب أو أنا؟ فقال: أنا ما أحسن أكتبه بلحنه، أريد تكتبينه أنت بلحنه، كما تحسنينه «١» . الهفوات النادرة ٣٣١

стр. 2390

١٣٢ أبو الحسن القمي يتحدّث عن يقطين قم وكان يوما في دار أبي الحسن الأهوازي «١» ، فتحدّث بحديث يقطين يكون بقمّ «٢» ، عظيما، حتى إنّ قشر الواحدة- إذا فرّغ وجفّف- وسع من الحنطة شيئا كثيرا. وقال: وهو مقبل على أبي الحسن بن محمود البادرائي، نديم أبي الحسن الأهوازي، وكان طيّبا، نادرا، فقال له: إقطعون راسك، أخرجون صوف. فقال له ابن محمود: يكون- يا سيدي- في قرع قم، صوف؟ قال: هاي، كيف يكون صوف في قرع؟ إنّما أخرجون قماش بطنك. فقال ابن محمود: كانت حالي مع الصوف أصلح، مرّ يا سيدي في حديثك، فلك نيّتك، وقد علمنا ما أردت.

стр. 2391

فضحكت الجماعة. فقال: ذا قرع مبارك، جاب الضحك والفرح. وضحك معهم «١» . الهفوات النادرة ٣٣٢

стр. 2392

١٣٣ رقعة أبي الحسن القمي إلى الأمير عبد الواحد بن المقتدر وكتب يوما رقعة إلى عبد الواحد بن المقتدر بالله «١» ، يسأله مبايعته سقف ساج مذهب، كان في بيت ماء في داره على دجلة، بباب خراسان «٢» : بسم الله الرحمن الرحيم، قد علم سيدي الأمير، حال السقف الذهب، الذي- حاشا وجه سيدي- في الخلاء، وهو هدية من ماله، والشكر عليه كثير، وليس أجعله- وحياة راس سيدي الأمير- في الخلاء، أريده لصفّة «٣» ، ويوعز سيدي الأمير، إذا منحني من ثمنه، مزحت مع سيدي، وليس أخرج له من رأي قضاء حقّي، حتى أبو محمد القرافي يعرّفه ما في الأمر، ويزن الثمن، وعرّفته ذلك، حتى يعمل معي ما يشبهه، إن شاء الله «٤» . الهفوات النادرة ٣٣٣

стр. 2393

١٣٤ ابن الجصّاص يتحدّث عما سلم من أمواله من المصادرة ١ حكى ابن الجصاص «١» ، قال: كنت يوم قبض عليّ المقتدر «٢» ، جالسا في داري، وأنا ضيّق الصدر، وكانت عادتي، إذا حصل مثل ذلك، أن أخرج جواهر كانت عندي في درج، معدة لمثل هذا، من ياقوت أحمر، وأصفر، وأزرق، وحبّا كبارا، ودرّا فاخرا، ما قيمته خمسون ألف دينار، وأضعه في صينيّة، وألعب به حتى يزول قبضي. فاستدعيت بذلك الدرج، فأتي به بلا صينيّة، فأفرغته في حجري، وجلست في صحن داري، في بستان، في يوم بارد، طيّب الشمس، وهو مزهر بصنوف الشقائق «٣» والمنثور «٤» . وأنا ألعب بذلك، إذ دخل الناس بالزعقات والمكروه، فلما رأيتهم دهشت، ونفضت جميع ما كان في حجري من الجوهر، بين ذلك الزهر في البستان، فلم يروه.

стр. 2394

وأخذت، وحملت، وبقيت مدّة في المصادرة والحبس، وتقلّبت الفصول على البستان، وجفّ ما فيه، ولم يفكّر أحد فيه. فلمّا فرّج الله عنّي، وجئت إلى داري، ورأيت المكان الذي كنت فيه، ذكرت الجوهر، فقلت: ترى بقي منه شيء؟. ثم قلت: هيهات، وأمسكت. ثم قمت، ومعي غلام ينثر البستان بين يدي، وأنا أفتش ما ينثره، وآخذ الواحدة بعد الواحدة، إلى أن وجدت الجميع، ولم أفقد منه شيئا «١» . فوات الوفيات ١/٢٧٣

стр. 2395

١٣٥ ابن الجصّاص يتحدّث عما سلم من أمواله من المصادرة ٢ قال ابن الجصاص: لمّا نكبني المقتدر، وأخذ منّي تلك الأموال العظيمة «١» ، أصبحت يوما في الحبس، آيس ما كنت فيه من الفرج، فجاءني خادم، فقال: البشرى! قلت: وما الخبر؟ قال: قم، فقد أطلقت. فقمت معه، فاجتاز بي في بعض دور الخليفة، يريد إخراجي إلى دار السيّدة، لتكون هي التي تطلقني، لأنها هي شفعت فيّ. فوقعت عيني على أعدال خيش «٢» لي أعرفها، وكان مبلغها مائة عدل،

стр. 2396

فقلت: أليس هذا من الخيش الذي حمل من داري؟ قال: بلى. فتأمّلته، فإذا هو مائة عدل، وكانت هذه الأعدال، قد حملت إليّ من مصر، في كل عدل منها ألف دينار، وكانت هناك، فخافوا عليها، فجعلوها في أعدال الخيش، فوصلت سالمة، ولاستغنائي عن المال، لم أخرجه من الأعدال، وتركته في بيت من داري، وقفلت عليه، ونقل كل ما في داري، فكان آخر ما نقل منها، الخيش، ولم يعرف أحد ما فيه، فلما رأيته بشدّه، طمعت في خلاصه. فلما كان بعد أيام من خروجي، راسلت السيّدة، وشكوت حالي إليها، وسألتها أن تدفع إليّ ذلك الخيش لانتفع بثمنه، إذ كان لا قدر له عندهم، ولا حاجة بهم إليه، فوعدتني بخطاب المقتدر في ذلك. فلما كان بعد أيام، أذكرتها، فقالت: قد أمر بتسليمه إليك. فسلّم إليّ بأسره، ففتحته، فأخذت منه المائة ألف دينار، ما ضاع منها شيء، وبعت من الخيش ما أردت، بعد أن أخذت منه قدر الحاجة «١» . المنتظم ٦/٢١٢

стр. 2397

١٣٦ الوزير ابن الفرات يحسن إلى عطار حكي أنّ ابن الفرات اجتاز يوما ببعض الطرق، فاتّفق أن سار تحت ميزاب، فوقع عليه منه ما لوّث ثيابه، وسرجه، ودابته، فوقف في الطريق، وأنفذ إلى داره من يحضره خلعة ثياب أخرى، فرآه رجل عطّار كان في الموضع، فقام إليه، وسأله أن يدخل إلى منزله، ويقيم فيه، إلى أن يعود الرسول بالثياب، ففعل، وأقام عنده، وخلع ما كان عليه، وتنظّف بالماء مما كان أصابه، وأحضره الغلام الثياب، فلبسها، ثم سأله العطار، أن يأذن له في إحضار بخور يتبخّر به، فأذن له، وركب أبو الحسن. ومضت الأيام، فلمّا ولي الوزارة، كانت حال العطّار قد اختلّت، ورزحت «١» . فقالت له زوجته: لو مضيت إلى الوزير، وتعرّفت عليه بخدمتك كانت له «٢» ، لرجوت أن ينظر في أمرك نظرا يغيّر به حالك. فأعرض عن قولها، واستبعد الأمل ممّا ذكرته. ثم ألحّت عليه في القول، فمضى، ودخل دار أبي الحسن، وتعرّض له، إلى أن رآه، فأمسك، وانصرف. فعرّف زوجته ما جرى، فأشارت عليه بالعود. فعاد ومعه رقعة يستميحه فيها، ولم يزل حتى وجد فرصة، فعرضها عليه، فلمّا وقف عليها، قال: سل حاجة، تقض لك.

стр. 2398

واتّفق أن صار إليه من خاطبه في أمر كاتب للعيال «١» ، كان محبوسا، وسأله مسألة الوزير إطلاقه، وضمن له خمسة آلاف دينار له خاصة، وللوزير عشرين ألف دينار، على يده، وللحواشي خمسة آلاف دينار، وواقفه على تعديل المال، عند بعض التجار بالكرخ. فلما توثّق منه، قصد الوزير، ومعه رقعة بالصورة، فأمره بحمل المال، ليطلق له الرجل. فحمل المال، فلما حصل في الدار، منع بعض الخدم من إدخاله في الخزانة، إلى أن يؤذن في قبضه. وعرف الوزير أمره، فتقدّم إلى العطار، أن يفرّق ما للحاشية عليهم، ويأخذ جميع الباقي لنفسه، وأمر بإطلاق كاتب العيال. فاستعظم العطار ذلك، وملأ قلبه، ورأى قدره يصغر عن مثله، فقال للوزير: يقنعني من هذا كلّه، ألف دينار، أغيّر بها حالي، واجعلها رأس مالي. فقال له: خذ الجميع، عافاك الله، ولا تكثر عليّ في الخطاب. فخرج من حضرته، وصار إلى أبي أحمد المحسّن، وعرّفه الحال، وأنّه يقنعه اليسير ممّا أعطيه، وأومأ إلى حمل الباقي إليه. فقال له أبو أحمد: يأمر لك الوزير بشيء وأصانعك عليه؟ خذ المال، وانصرف «٢» . الوزراء للصابي ٨٤

стр. 2399

١٣٧ من يفعل الخبر لا يعدم جوازيه وأنبئت عن عمر بن أحمد بن هبة الله، قال: أنبأنا أبو عبد الله الحنبلي، بأصبهان، عن أبي طاهر التاجر، قال: أنبأنا أبو القاسم بن منده، إذنا، عن أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي، قال: حدّثني أبو الحسن البصري، قال: قال لي رجل: كنت أخدم علي بن محمد بن الفرات، وزيرا، قال: فغضب عليه السلطان، وتقدّم بحبسه. قال: وكان عندي خمسمائة دينار، فقلت لامرأتي، وكانت ذات عقل ورزانة: إنّي أريد أن أحمل هذه الدنانير إلى الوزير، لعلّه يحتاج إليها في حبسه. قالت: ويحك، إنّ ابن الفرات، لا يحمل إليه خمسمائة دينار، فإنّه يستخفّها، وحاملها. قال: فعصيتها، وحملت الدنانير. فلما رآني، تعجّب، وقال: فلان؟ قلت: نعم، أيّد الله سيدنا. قال: حاجتك؟ فأخرجت الصرة، وقلت: هذه خمسمائة دينار، ولعلّها تصلح أن تبرّ بها بوّابا، أو موكّلا. فقال: قبلتها، ثم قال: خذها، تكون وديعة عندك. قال: فخجلت، ورجعت إلى امرأتي، وحدّثتها، فقالت: قد كنت أشرت عليك، أن لا تفعل، فأبيت.

стр. 2400

قال: ثم إنّ السلطان، رضي عن الوزير، وعاد إلى أفضل مما كان عليه، فدخلت عليه؛ فلمّا أبصرني، طأطأ رأسه، ولم يملأ عينه منّي فقلت: هذا ما قالته لي امرأتي. وكنت أغدو إليه بعد، وأروح، فلا يزداد إلّا إعراضا عنّي، حتى أنفقت تلك الدنانير، وبقيت متعطّلا، أبيع ما في بيتي. وبكّرت إلى ابن الفرات يوما، على ما بي من انكسار، وضعف حال ومنّة، فدعاني، وقال: وردت البصرة سفن من بلاد الهند، فانحدر، وفسّرها، واقبض حقّ بيت المال «١» ، وما كان من رسمنا من المستثنى «٢» ، ولا تتأخر. فعدت إلى أهلي، فقلت لها: من تمام المحنة، إنّه كلّفني سفرا، وأنا لا أقدر على ما أنفقه. قال: فناولتني خمارا «٣» لها، وقرطين، فبعت ذلك، وجعلت ثمنه نفقتي، وانحدرت، وفسّرت السفن «٤» ، وقبضت حقّ بيت المال، ورسم الوزير، فحملته إلى بغداد، وعرّفت الوزير فقال: سلّم حقّ بيت المال، واقبض الرسم المستثنى لنا، وكم هو؟

стр. 2401

قلت له: خمسة وعشرون ألف دينار. قال: احملها إلى منزلك. فأخذتها إلى منزلي، وسهرت ليلي لحفظها، على اهتمامي طول نهاري بها، ومضى لهذا الحديث زمان ليس بالطويل، وبان الضرّ في وجهي. فدخلت إليه يوما، فقال لي: ادن منّي، ما لي أراك متغيّر اللون، سيّء الحال؟. فحدّثته بإقلالي وإضاقتي. فقال: ويحك، وأنت ممّن بنفق في مدّة يسيرة، خمسة وعشرين ألف دينار؟ قلت: أيّد الله سيدنا الوزير، ومن أين لي خمسة وعشرون ألف دينار؟ قال: يا جاهل، أما قلت لك احملها إلى منزلك؟ أتراني لم أجد من أودعه مالي غيرك؟ ويحك أما رأيت إعراضي عنك، أوّل دخولك إليّ. قلت: بلى أيّها الوزير، وذاك الذي أذاب قلبي. قال: ويحك، إنّما أعرضت عنك، حياء منك، وتذكّرت جميل صنيعك، وأنا محبوس، فقلت: متى أقضي حقّ هذا فيما فعله؟ فعجّل إلى منزلك، واتّسع في النفقة، وأنا أنظر لك، بما يغنيك، ويغني عقبك، إن شاء الله تعالى. فعدت إلى منزلي، عودة عبد من عند مولى كريم، وكان ذلك سبب غناي. نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي- مخطوط

стр. 2402

١٣٨ خشكنانجانات حشوها دنانير حكى ابن الهمذاني، أنّ ابن سمعون «١» ، ذكر على كرسيه في ليلة النصف من رمضان، الحلوى، وكانت مزنة، جارية أبي سعيد الصائغ «٢» ، حاضرة، وهو تاجر مشهور بكثرة المال، ومنزله بدرب رباح، فلمّا أمسى، أتاه غلام ومعه خشكنانكه «٣» ، فكسر واحدة، فوجد فيها دينارا فكسر الجميع، وأخرج الدنانير، وحملها بنفسه، إلى أبي سعيد الصائغ، وقال: قد جئتك في سبب، وأريد أن يكون جوابك قبول قولي، وأن لا تنكر على أهل الدار، وأخبره بالدنانير. فقال له أبو سعيد: أعيذك بالله، أن يحضر مجلسك من فيه ريبة، والله ما تركت المرأة الدنانير إلا بحضرتي، وتساعدنا جميعا على هذا العمل. المنتظم ٧/٢٠٠

стр. 2403

١٣٩ يكتب هذا في مكارم الأخلاق «١» أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: حدّثنا محمد بن نعيم الضبّي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي، يقول: حضرت مجلس موسى بن إسحاق «٢» ، القاضي بالري، سنة ست وثمانين ومائتين، فتقدّمت امرأة، فادعى وليّها على زوجها خمسمائة دينار مهرا، فأنكر. فقال القاضي: شهودك؟. قال: قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود، أن ينظر إلى المرأة، ليشير إليها في شهادته، فقام الشاهد، وقال للمرأة: قومي. فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك، وهي مسفرة، لتصحّ عندهم معرفتها. فقال الزوج: أنا أشهد القاضي، أنّ لها عليّ هذا المهر الذي تدّعيه، ولا تسفر عن وجهها. فأخبرت المرأة بما كان من زوجها، فقالت: وأنا أشهد القاضي، أنّي قد وهبته هذا المهر، وأبرأته منه في الدنيا والآخرة. فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق. المنتظم ٦/١٨

стр. 2404

١٤٠ من التقط ما تحت مائدته أمن من الفقر وحكي عن هدبة بن خالد «١» ، ﵀، قال: حضرت مائدة المأمون، فلما رفعت المائدة، جعلت ألتقط ما في الأرض، فنظر إليّ المأمون، فقال: أما شبعت يا شيخ؟ قلت: بلى، يا أمير المؤمنين، ولكن حدّثنا حماد بن سلمة «٢» ، عن ثابت ابن أنس «٣» ، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: من التقط ما تحت مائدته، أمن من الفقر. فنظر المأمون إلى خادم واقف بين يديه، فأشار إليه، فما شعرت أن جاءني، ومعه منديل فيه ألف دينار، فناولني إيّاه. فقلت: يا أمير المؤمنين، وهذا من ذاك. ثمرات الأوراق للحموي ٧

стр. 2405

١٤١ من محاسن القاضي أحمد بن أبي دؤاد ومن ملح أخبار القاضي أحمد ابن أبي دؤاد، ما حكي «١» : أنّ المعتصم كان بالجوسق، مع ندمائه، وقد عزم على الاصطباح، فأمر كلّا منهم أن يطبخ قدرا، ونظر سلامة، غلام أحمد بن أبي دؤاد، فقال: هذا غلام ابن أبي دؤاد جاء ليعرف خبرنا، والساعة يأتي، فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيقطعنا بحوائجه عمّا كنّا عزمنا عليه، وأنا أشهدكم أنّي لا أقضي له اليوم حاجة. فلم يكن بأسرع من أن دخل إيتاخ «٢» ، يستأذن لأحمد بن أبي دؤاد. فقال لجلسائه: كيف ترون؟ قالوا: لا تأذن له يا أمير المؤمنين. قال: سوأة لهذا الرأي، والله، لحمّى سنة، أسهل عليّ من ذلك. فأذن له، فدخل، فما هو إلّا أن سلّم، وجلس، وتكلّم، حتى أسفر وجه المعتصم، وضحكت إليه جوارحه. ثم قال: يا أبا عبد الله، قد طبخ كلّ واحد من هؤلاء قدرا، وقد جعلناك حكما في أطيبها. قال: فلتحضر لآكل، وأحكم بعلم. فأمر المعتصم بإحضارها، فأحضرت القدور بين يديه، وتقدّم القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فجعل يأكل من أوّل قدر أكلا تاما. فقال له المعتصم: هذا ظلم.

стр. 2406

قال: وكيف ذاك؟ قال: أراك قد أمعنت في هذا اللون، وستحكم لصاحبه قال: يا أمير المؤمنين، ليس بلقمة، ولا باثنتين، تدرك المعرفة بأخلاط الطعام، وعليّ أن أوفي كلّا حقّه من الذوق، ثم يقع الحكم بعد ذلك. فتبسّم المعتصم، وقال: شأنك إذا. فأكل من جميعها كما ذكر، ثم قال: أما هذه، فقد أجاد صاحبها، إذ كثّر خلّها وقلّل فلفلها، ليشتهي حمضها، وأما هذه فقد أحكمها طبّاخها، بتقليل مائها، وكثرة ربّها، وأقبل يصفها واحدة واحدة، حتى أتى على جميعها، بصفات سرّ بها أصحابها. وأمر المعتصم بإحضار المائدة، فأكل مع القوم بأكلهم، أنظف أكل وأحسنه، فمرّة يحدّثهم بأخبار الأكلة في صدر الإسلام، مثل معاوية بن أبي سفيان، وسليمان بن عبد الملك، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، ومرّة يحدّثهم عن أكلة دهره، مثل ميسرة الروّاس، وحاتم الكيّال، وإسحاق الحمامي، فلما رفعت الموائد قال له المعتصم: ألك حاجة يا أبا عبد الله؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فاذكرها، فإنّ أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا بقيّة يومهم. فقال: رجل من أهلك يا أمير المؤمنين، قد وطئه الدهر، فغيّر من حاله، وخشّن معيشته. قال: ومن هو؟ قال: سليمان بن عبد الملك النوفلي. قال: قدّر له ما يصلحه. «١»

стр. 2407

قال: خمسين ألف درهم. قال: قد أمرت له بها. قال: وحاجة أخرى. قال: وما هي؟ قال: ضياع هارون بن المعمّر توغر بها له «١» . قال: قد فعلت. قال: فو الله ما برح حتى سأل في ثلاث عشرة حاجة، لا يردّه المعتصم عن شيء منها. ثم قام خطيبا، فقال: يا أمير المؤمنين، عمّرك الله طويلا، فبعمرك يخصب جناب رعيتك، ويلين عيشهم، وتنمو أموالهم، ولا زلت ممتّعا بالسلامة، منعّما بالكرامة، مدفوعا عنك حوادث الأيام، وغيرها، ثم انصرف. فقال المعتصم: هذا والله الذي يتزيّن بمثله، ويبتهج بقربه، أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف أكل، وكيف وصف القدور، وكيف انبسط في الحديث، وكيف طاب به أكلنا؟ والله لا يردّ هذا عن حاجة إلّا لئيم الأصل، خبيث الفرع، والله، لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم، ما رددته عنها، فإني أعلم أنّه يكسبني في الدنيا جمالا وحمدا، وفي الآخرة ثوابا وأجرا «٢» . المستجاد من فعلات الأجواد ٢٠٦

стр. 2408

١٤٢ قاضي القضاة ابن ابي دؤاد ينجي أبا دلف من القتل قيل: كان الأفشين «١» مبغضا لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي «٢» ، وحاسدا له على فضله، ويبغضه للفروسية والشجاعة «٣» ، فحمل نفسه يوما على قتله، واستدعاه باستحثاث وإزعاج. وكان أبو دلف، صديقا لقاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد، فبعث إليه: أدركني، فمن أمري كذا وكذا، فركب مسرعا، واستحضر من حضره من الشهود. فلمّا ورد باب الأفشين، قال له الغلمان: نستأذن لك؟ قال: الأمر أعجل من ذلك، ونزل، ودخل، فألفى الأفشين جالسا

стр. 2409

في موضعه، وقد أقيم أبو دلف بين يديه في الصحن. فلمّا رأى الأفشين قاضي القضاة، دخل بلا إذن، بهت. فقال له أحمد بن أبي دؤاد: أيها الأمير، أنا رسول أمير المؤمنين إليك، يأمرك أن لا تحدث في أمر القاسم حدثا إلا بإذنه. ثم التفت إلى الشهود، فقال: اشهدوا أنّي قد بلّغت رسالة أمير المؤمنين والقاسم حيّ معافى. ثم خرج فأتى باب المعتصم مسرعا، واستأذن عليه، فأذن له، فلمّا دخل عليه، قال: يا أمير المؤمنين، قد كذبت عليك واحدة، أرجو بها الجنة، ولك بها الفخر. قال: وما هي؟ قال: كان من الأمر كيت وكيت. قال: فضحك المعتصم، وقال: أحسنت، أحسن الله إليك. ثم لم يلبث أن جاء الأفشين مستأذنا، فأذن له، فلمّا استقر مجلسه قال: يا أمير المؤمنين، جاءتني رسالة منك مع قاضي القضاة في معنى أبي دلف، فما تأمر في شأنه؟ قال: نعم، أرسلت إليك فيه، فاحذر أن تتعرّض له إلّا بخير. فأفلت بذلك من يده «١» . المستجاد من فعلات الأجواد ١٤٨

стр. 2410

١٤٣ سنان بن ثابت الحراني يعالج أمير الأمراء بجكم بعث بجكم التركي، أمير الأمراء «١» ، إلى الطبيب سنان بن ثابت «٢» ، بعد موت الراضي «٣» ، وسأله أن ينحدر إليه، إلى واسط «٤» ، فانحدر إليه، فأكرمه وقال له: إنّي أريد أن أعتمد عليك في تدبير بدني، وفي أمر آخر، هو أهم إليّ من أمر بدني، وهو أمر أخلاقي، لثقتي بعقلك، ودينك، فقد غمّتني غلبة الغضب، والغيظ، وإفراطهما فيّ، حتى أخرج إلى ما أندم عليه، عند سكونهما، من ضرب، وقتل، وأنا أسألك أن تتفقّد ما أعمله، فإذا وقفت لي على عيب، لم تحتشم أن تصدقني عنه، وتنبّهني عليه، ثم ترشدني إلى علاجه. فقال له: السمع والطاعة، أنا أفعل ذلك، ولكن يسمع الأمير منّي بالعاجل، جملة علاج ما أنكره من نفسه، إلى أن آتي بالتفصيل في أوقاته:

стр. 2411

اعلم أيها الأمير، أنّك قد أصبحت، وليس فوق يدك يد لأحد من المخلوقين، وأنّك مالك لكل ما تريده، قادر على أن تفعله، أيّ وقت أردته، لا يتهيّأ لأحد من المخلوقين منعك منه، ولا أن يحول بينك وبين ما تهواه، أيّ وقت أردت، واعلم أنّ الغيظ والغضب يحدثان في الإنسان سكرا، أشد من سكر النبيذ بكثير، فكما أنّ الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ، ما لا يليق به، ولا يذكره إذا صحا، ويندم عليه إذ احدّث به، ويستحي منه، كذلك يحدث له في وقت السكر من الغيظ، بل أشدّ، فإذا ابتدأ بك الغضب، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة إلى غد، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت، لا يفوتك عمله، فإنّك إذا بتّ ليلتك، سكنت فورة غضبك، وقد قيل: أصحّ ما يكون الإنسان رأيا، إذا استدبر ليله، واستقبل نهاره، فإذا صحوت من سكرك، فتأمّل الأمر الذي أغضبك، وقدّم أمر الله ، أوّلا، والخوف منه، وترك التعرّض لسخطه، واشف غيظك، بما لا يؤثمك، فقد قيل: ما شفى غيظه من أثم، واذكر قدرة الله عليك، فإنك تحتاج إلى رحمته، وإلى أخذه بيدك، في أوقات شدائدك، فكما تحبّ أن يغفر لك، كذلك غيرك، يؤمّل عفوك، وفكّر بأيّة ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك، وما يتوقّعه من عقوبتك واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور، بزوال الرعب عنه، ومقدار الثواب الذي يحصل لك، بذلك، واذكر قوله تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ، وإنما يشتد ذلك عليك مرّتين، أو ثلاثا، ثم تصير عادة لك، وخلقا، فيسهل. فابتدأ بجكم، فعمل بما قال له «١» ، المنتظم ٦/٣٢١

стр. 2412

١٤٤ مسافر لا يفكر في قطع الطريق قال عبد الواحد بن نصر المخزومي «١» : أخبرني من أثق به أنّه خرج في طريق الشام، مسافرا يمشي وعليه مرقّعة، وهو في جماعة، نحو الثلاثين رجلا، كلّهم على هذه الصفة، قال: فصحبنا في بعض الطريق رجل شيخ، حسن الهيأة، معه حمار فاره يركبه، ومعه بغلان عليهما رحل، وقماش، ومتاع فاخر. فقلنا له: يا هذا، إنّا لا نفكّر في خروج الأعراب علينا، فإنّه لا شيء معنا يؤخذ، وأنت لا تصلح لك صحبتنا، مع ما معك. فقال: يكفينا الله. ثم سار، ولم يقبل منّا، وكان إذا نزل يأكل، استدعى أكثرنا، فأطعمه وسقاه، وإذا أعيى الواحد منا، أركبه على أحد بغليه، وكانت الجماعة تخدمه وتكرمه، وتتدبّر برأيه. إلى أن بلغنا موضعا، فخرج علينا نحو ثلاثين فارسا من الأعراب، فتفرّقنا عليهم، فقال الشيخ: لا تفعلوا، فتركناهم، ونزل، فجلس، وبين يديه سفرته، ففرشها، وجلس يأكل. وأظلّتنا الخيل، فلما رأوا الطعام، دعاهم إليه، فجلسوا يأكلون، ثم حلّ رحله، وأخرج منه حلوى كثيرة، وتركها بين يدي الأعراب، فلما أكلوا، وشبعوا، جمدت أيديهم، وخدرت أرجلهم، ولم يتحرّكوا.

стр. 2413

فقال لنا: إنّ الحلو مبنّج، أعددته لمثل هذا، وقد تمكّن منهم، وتمّت الحيلة عليهم، ولكن لا يفك البنج «١» ، إلا أن تصفعوهم، فافعلوا، فإنّهم لا يقدرون على الامتناع. فعلمنا صدق قوله، وأخذنا أسلحتهم، وركبنا دوابهم، وسرنا حواليه في موكب، ورماحهم على أكتافنا، وسلاحهم علينا، فما نجتاز بقوم، إلّا ظنونا من أهل البادية، فيطلبون النجاء منا، حتى بلغنا مأمننا. الأذكياء لابن الجوزي ١٤٩

стр. 2414

١٤٥ فهل عند رسم دارس من معوّل قال أبو بكر الصولي، حضرت باب علي بن عيسى الوزير، ومعنا جماعة من أجلّاء الكتّاب، فقدّمت دواة، وكتبت: وقفت على باب ابن عيسى كأنّني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل إذا جئت أشكو طول فقري وخلّتي ... يقولون لا تهلك أسى وتجمّل ففاضت دموع العين من قبح ردهم ... على النحر حتى بلّ دمعي محملي لقد طال تردادي وقصدي إليهم ... فهل عند رسم دارس من معوّل «١» فنمّ الخبر إليه، فاستدعاني، وقال: يا صولي، فهل عند رسم دارس من معوّل؟. فاستحييت، وقلت: أيّد الله الوزير، ما بقي شيء، وأنا كما ترى فأمر لي بخمسة آلاف درهم فأخذتها، وانصرفت «٢» . المنتظم ٦/٣٦٠

стр. 2415

١٤٦ ألا موت يباع فأشتريه ومن لطائف المنقول: أنّ أبا محمد الوزير المهلبي، «١» كان في غاية من الأدب، والمحبة لأهله، وكان قبل اتصاله بمعز الدولة بن بويه، في شدة عظيمة من الضرورة والمضايقة، وسافر وهو على تلك الحالة، ولقي في سفره شدّة عظيمة، فاشتهى اللحم، فلم يقدر عليه، فقال ارتجالا: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصي من العيش الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت لو انّني فيما يليه ألا رحم المهيمن نفس حرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه وكان له رفيق، يقال له: أبو عبد الله الصوفي، وقيل: أبو الحسن العسقلاني، فلما سمع هذه الأبيات، اشترى له لحما بدرهم، وطبخه، وأطعمه، وتفارقا. وتنقّلت الأحوال، وولي الوزارة ببغداد لمعز الدولة المذكور «٢» ، وضاق الحال برفيقه الذي اشترى له اللحم في السفر، وبلغه وزارة المهلبي، فقصده، وكتب إليه:

стр. 2416

ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقال مذكّر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضيق عيش ... ألا موت يباع فأشتريه فلما وقف عليها، تذكّر الحال، وهزّته أريحية الكرم، فأمر له بسبعمائة درهم، ووقّع له في رقعته: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل، في كلّ سنبلة مائة حبّة. ثم دعا به، فخلع عليه، وقلّده عملا، يرتفق منه «١» . ثمرات الأوراق للحموي ٨٠

стр. 2417

١٤٧ سبحة المقتدر بالله تقوّم بما يزيد على مائة ألف دينار وانبئت عنه [ابن النجار] ، قال: أنبأنا أبو الفرج الحرّاني، عن أبي علي بن المهدي، قال: سمعت الأمير أبا محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، قال: أخبرتني والدتي عمرة، جارية المقتدر، قالت: استدعى المقتدر، بجواهر، فاختار منها مائة حبة، ونظمها سبحة يسبّح بها، فعرضت على الجوهريين، فقوّموا كل حبّة منها بألف دينار، وأكثر، فكان إذا أراد أن يسبّح، استدعى بها، ثم ردها إليّ، فأعلّقها في الخزانة، في خريطة. فلما قتل المقتدر، وقع النهب، فأخذت في جملة ما أخذ، فلعلّ الذي أخذها، لا يدري ما هي «١» . نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي- مخطوط

стр. 2418

١٤٨ ما أغنى عني ماليه لما احتضر عضد الدولة «١» ، في السنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، جعل يتمثّل بقول القاسم بن عبيد الله «٢» : قتلت صناديد الرّجال فلم أدع ... عدوّا ولم أمهل على ظنّة خلقا وأخليت دور الملك من كل نازل ... فشرّدتهم غربا وشرّدتهم شرقا فلما بلغت النجم عزّا ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّا رماني الردى سهما فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاطلا ملقى فأذهبت دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي منّي بمصرعه أشقى ثم جعل يقول: ما أغنى عنّي ماليه، هلك عنّي سلطانيه، فردّدها إلى أن توفي في آخر يوم الاثنين من شوال هذه السنة، عن سبع وأربعين سنة، وأحد عشر شهرا وثلاثة أيام «٣» ، وأخفى خبره، ودفن بدار المملكة، ثم حمل إلى مشهد علي ﵇. المنتظم ٧/١١

стр. 2419

١٤٩ أقوال الحكماء في الإسكندر وفي عضد الدولة لمّا توفّي عضد الدولة «١» سنة ٣٧٢، بلغ خبره إلى مجلس بعض العلماء، وفيه جماعة من أكابر أهل العلم، فتذاكروا الكلمات التي قالها الحكماء، عند موت الاسكندر «٢» ، وقد رويت لنا من طرق مختلفة الألفاظ، ونحن نذكر أحسنها: وذاك، أنّ الاسكندر، لما مات، قام عند تابوته، جماعة من الحكماء، فقال أحدهم: سلك الاسكندر، طريق من فني، وفي موته عبرة لمن بقي. وقال الثاني: خلّف الاسكندر، ماله لغيره، وسيحكم فيه بغير حكمه. وقال الثالث: أصبح الاسكندر مشتغلا بما عانى، وهو بالأعمال يوم الجزاء أشغل. وقال الرابع: كنت مثلي حديثا، وأنا مثلك وشيكا. وقال الخامس: إنّ هذا الشخص كان لكم واعظا، ولم يعظكم قط بأفضل من مصرعه. وقال السادس: كان الاسكندر كحلم نائم انقضى، أو كظلّ غمام انجلى.

стр. 2420

وقال السابع: لئن كنت بالأمس لا يأمنك أحد، لقد أصبحت اليوم، وما يخافك أحد. وقال الثامن: هذه الدنيا الطويلة العريضة، طويت في ذراعين. وقال التاسع: أجاهل كنت بالموت فنعذرك، أم عالم به فنلومك؟ وقال العاشر: كفى للعامة أسوة بموت الملوك، وكفى للملوك عظة بموت العامة. وقال بعض من حضر المجلس، الذي أشيع فيه، بموت عضد الدولة، وذكرت فيه هذه الكلمات، لو قلتم أنتم مثلها، لكان ذلك يؤثر عنكم. فقال أحدهم «١» : لقد وزن هذا الشخص الدنيا بغير مثقالها، وأعطاها فوق قيمتها، وحسبك أنّه طلب الربح منها، فخسر روحه فيها. وقال الثاني «٢» : من استيقظ للدنيا فهذا نومه، ومن حلم فيها فهذا انتباهه. وقال الثالث «٣» : ما رأيت غافلا في غفلته، ولا عاقلا في عقله، مثله، فقد كان ينقض جانبا، وهو يظن أنّه مبرم، ويغرم، وهو يظن أنّه غانم. وقال الرابع «٤» : من جدّ للدنيا هزلت به، ومن هزل راغبا عنها جدّت له.
следующие страницы →