Полный текст (2 817 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قال: فحين قلتها سجد الرشيد، فوقع لي إنّه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك، وإنّ الذي أشار إليّ بالاستغاثة، هو الابن الزاني.
قال: ثم رفع رأسه، فقال: ومن أين قلت هذا؟
قلت: لأنّ النبي ﷺ ، قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات، وهذه شبهة يسقط الحد معها.
فقال: وأي شبهة مع المعاينة؟
قلت: ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم.
قال: ولم؟
قلت: لأن الحدّ حقّ الله تعالى، والإمام مأمور بإقامة الحدّ، فكأنّه قد صار حقا له، وليس لأحد أخذ حقّه بعلمه، ولا تناوله بيده، وقد أجمع المسلمون على وقوع الحدّ بالإقرار والبيّنة، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم.
قال: فسجد مرّة أخرى، وأمر لي بمال جليل، ورزق في الفقهاء في كل شهر، وأن ألزم الدار.
قال: فما خرجت، حتى جاءتني هديّة الفتى، وهديّة أمّه، وأسبابه، فحصل لي من ذلك، ما صار أصلا للنعمة، وانضاف رزق الخليفة، إلى ما كان يجريه عليّ ذلك القائد.
ولزمت الدار، فكان هذا الخادم يستفتيني، وهذا يشاورني، فأفتي وأشير، فصارت لي مكنة فيهم، وحرمة بهم، وصلاتهم تصل إليّ، وحالتي تقوى.
ثم استدعاني الخليفة، وطاولني، واستفتاني في خواصّ أمره، وأنس بي.
فلم تزل حالي تقوى معه، حتى قلّدني قضاء القضاة.
стр. 282
١٣٦ أنس الرشيد بأبي يوسف القاضي
قال لي أبي [٧٤ ط] : بلغني أنّ أبا يوسف، لما مات، خلّف في جملة، كسوته، مائتي «١» سراويل خزّ، دون غيرها من أصناف السراويلات.
وأنّ جميع سراويلاته كانت مختصّة كلّ سراويل بتكّة أرمنيّ تساوي دينارا، وبلغ من محلّه عنده «٢» ، أن طلبه الرشيد يوما، فجاء وعليه بردة، أنسا به، فحين رآه الرشيد، قال لمن بحضرته:
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء «٣» ترمي بنسيج وحده
стр. 283
١٣٧ كيف نصب أبو جعفر بن البهلول قاضيا
حدّثني القاضي أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن القاضي أبي جعفر بن البهلول «١» قال: حدّثني أبي «٢» ، عن أبيه، وحدّثني أيضا، أبو الحسن أحمد ابن يوسف الأزرق «٣» عن أبي جعفر بن البهلول القاضي «٤» ، قال:
لما استقرّت الأمور للناصر لدين الله «٥» ، بعد فراغه من أمر الزنج «٦» ، نظر في البلدان ومصالحها، وأمر بارتياد قضاة من أهل البلدان لها.
فسأل عن الأنبار، ومن فيها يصلح لتقلّد القضاء، فأسميت له.
وكان عارفا بأبي، إسحاق بن البهلول، حين استقدمه المتوكّل إلى سرّ من رأى [٨٣ ب] حتى حدّثه، ولم أكن تقلّدت شيئا من ذلك.
قال: فأمر بإحضاري وتقليدي.
стр. 284
فتقدّم إسماعيل بن بلبل، إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي»
في ذلك، وكاتبني بالحضور، فحضرت، فعرّفني الصورة، وحملني إلى إسماعيل.
فقلت لهما: أنا في كفاية وغناء، ولا حاجة بي إلى تقلّد القضاء.
فأمسكا عنّي، فعدت إلى منزلي ببغداد لأصلح أمري وأرجع.
فجاءني جعفر بن إبراهيم الحصينيّ الأنباريّ، وكان من عقلاء العجم «٢» بالأنبار، ولي صديقا، فقال لي: لأيّ شيء استدعيت؟ فحدّثته.
فقال: اتّق الله في نفسك، إنّ الذي جرى بينك وبينهما خاف عن الناس، وإنّك تعود إلى بلدك، فيقول أعداؤك: طلب للقضاء، فلما شوهد، وجد لا يصلح، فردّ.
فقلت: ما أصنع، وقد قلت ما قلت؟
قال: ترجع إلى إسماعيل فتصدقه عما جرى بيننا.
قال: فباكرت إسماعيل، فحين رآني، قال: هذا وجه غير الوجه الأمسيّ.
قلت: هو كذلك.
قال: هي «٣» .
قلت: كان كذا وكذا، فأخبرته بما جرى بيني وبين جعفر بن إبراهيم.
فقال: نصحك والله «٤» هذا الصديق، والأمر على ما قاله، قم بنا إلى الوزير.
стр. 285
قال: فحملني إليه، فلما رآنا إسماعيل تبسّم، وقال: كيف عاد أبو جعفر؟
قال: فقصّ عليه إسماعيل القاضي الخبر.
فقال: جزى الله هذا الصديق عنك خيرا، فقد أشار عليك بالرأي الصحيح، اكتبوا عهده.
قال: فكتب عهدي عن الناصر، على الأنبار «١» ، وهيت «٢» وعانات «٣» ، والرحبة «٤» ، وقرقيسيا «٥» ، وأعمال ذلك، وعدت إلى بلدي.
قلت أنا: ولم يزل محلّ أبي جعفر ينمى ويزيد، حتى قلّد مدينة أبي جعفر المنصور «٦» عند صرف أبي عمر في قصّة ابن المعتز «٧» ، فظهر من فضله ما اشتهر.
стр. 286
١٣٨ ارتفاع محل القاضي ابن البهلول في دولة المقتدر
وكان «١» عند المقتدر ووزرائه، بصورة الناسك الزاهد، من ذلك ما حدّثني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، قال: حدّثني أبو علي أحمد بن جعفر بن إبراهيم الحصيني [٧٥ ط] الأنباريّ الكاتب، قال:
مات واثق «٢» مولى المعتضد، فأوصى أن يصلّي عليه أبو الحسن عليّ بن عيسى «٣» ، فحضر الحقّ «٤» وجوه الدولة، من القوّاد، والكتّاب، والأشراف، والقضاة، وغيرهم.
فكان فيمن حضر، القاضيان أبو جعفر «٥» ، وأبو عمر «٦» ، وكنت حاضرا.
قال: فوضعت الجنازة، وقيل [لأبي الحسن] «٧» عليّ بن عيسى تقدّم، فجاء ليتقدّم، فوقعت عينه على أبي جعفر، فجذبه، وقدّمه، وتأخّر هو.
стр. 287
قال: فلمّا انقضت الصلاة، طلبت أبا عمر، لأنظر كيف هو، فوجدته قد اسودّ وجهه غمّا، بتقديمهم أبا جعفر عليه.
فجئت إلى أبي جعفر [٨٤ ب] ، وهنّأته بذلك، وأخبرته بخبر أبي عمر، فاستسرّ «١» بذلك، وسرّ بعلمي أنا بالأمر، ومشاهدتي له، لأجل البلديّة «٢» .
قال لي أبو الحسن: هذا، مع نفرة كانت بينهما «٣» ، ولكن أبا الحسن لفضله، لم يكن يدفع أهل الفضل عنه، وإن لم يكن ما بينه وبينهم مستقيما.
стр. 288
١٣٩ الحسين بن القاسم بن عبيد الله يتصرّف تصرّفا يكون أوكد الأسباب في عزله عن الوزارة
حدّثني أبو الحسن عليّ بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، قال:
كان قد ارتكب الحسين بن القاسم بن عبيد الله «١» دين عظيم، عشرات ألوف دنانير، فدعاه غرماؤه إلى القاضي، فخافهم، واستتر.
وجاء إلى جدّي فشاوره في أمره، وقال: إن بعت ملكي، كان بإزاء ديني، وحصلت فقيرا، وقد رضيت أن أجوع، وأعطي غلّتي بأسرها الغرماء، وليس يقنعون بذلك، فكيف أعمل؟ يحتال لي القاضي في ذلك! وكان منزل الحسين في الجانب الشرقيّ، والحكم فيه إلى أبي عمر.
فقال له جدّي: إنّ من مذهب مالك، الحجر على الرجال إذا بان سفههم في الأموال، وإن عني بك أبو عمر، جعل استدانتك من غير حاجة كانت بك إليها، وإنّما بذرّت المال، وتخرّقت في النفقة، دليلا على سفهك في مالك.
стр. 289
ولو صار أن يسمع في ذلك شهادة من يعرّفه عن حالك، فيثبت حينئذ السفه عنده، فيحجر عليك، ويمنعك من التصرّف في مالك، ويدخل فيه أيدي أمنائه، ويحول بينك وبينه. فإذا أثبت عنده الغرماء عليك الدين، أمرهم، يعني أمناءه، بأن يصرفوا الغلّات إليهم، قضاء للدين، وبقيت عليك الأصول.
قال: فطرح الحسين نفسه على أبي عمر، ففعل به ذلك، فظهر وصلحت حاله، وجرى أمره مع الغرماء. على ذلك.
قال: ولما ولي الحسين الوزارة، وفسد عليه مؤنس «١» ، فسعى في صرفه، وقال للمقتدر: يا أمير المؤمنين، هذا لم يكن موضعا لحفظ ماله، حتى حجر عليه القضاة لسفهه وتبذيره فيه، كيف يحمد حتى يردّ إليه مال الدنيا وتدبيرها، وسياسة العالم، وهو عجز عن تدبير داره ونفقته؟
وكان ذلك أوكد الأسباب في صرفه.
стр. 290
١٤٠ عدد الشهود الذين قبلهم القاضي التيميّ بالبصرة
حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله المعروف بابن نصرويه، قال:
قبل التيميّ، القاضي كان قديما عندنا بالبصرة، ستة وثلاثين ألف شاهد، في مدّة ولايته.
فقلت له: هذا عظيم [٧٦ ط] ، فكيف كان ذلك؟
فقال لي: كان القضاة على مذهب أبي حنيفة، وغيره من الفقهاء، في أنّ الناس كلّهم عدول، على الشرائط التي تعرفها، وكان يشهد الناس عند التيميّ بأسرهم، فإذا سمع شهاداتهم، سأل عنهم، فيزكّون، فيقبلهم، وكان الناس يشهد بعضهم لبعض، من الجيران، وأهل [٨٥ ب] الأسواق، ولا نعرف ترتيب قوم مخصوصين للشهادة، إلى أن ولي إسماعيل «١» .
قال: وكان مبلغ من قبله التيميّ، ستة وثلاثون ألف شاهد، منهم عشرون ألفا لم يشهدوا عنده إلّا شهادة واحدة.
стр. 291
١٤١ أسد بن جهور وما فيه من سوداء ونسيان
أخبرني أبو القاسم الجهنيّ، قال:
كانت في أسد بن جهور «١» سوداء ونسيان.
فحضرته يوما، وهو في دار بعض الوزراء، وقد جلس يتحدّث، ومعنا بعض القضاة، وكان اليوم حارّا، فوضعنا عمائمنا، ووضع القاضي قلنسوته.
فطلب الوزير أسدا، فقام مستعجلا، فأخذ قلنسوة القاضي، فلبسها ودخل على الوزير.
فصاح القاضي به، وجماعتنا، فما سمع، حتى دخل كذلك على الوزير، فضحك منه.
[وخجل أسد وعاد إلينا راجعا عنه] «٢» .
стр. 292
١٤٢ المتوكل يختار فتى لمنادمته
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان، قال: حدّثني أبو جعفر بن حمدون، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، قال:
كنت مع أبي «١» ، وأنا صبيّ، بسرّ من رأى، وهو ينادم المتوكّل على الله «٢» ، فخرج إلى الصيد، وهو معه، وأنا مع أبي.
فانفرد أبي في يوم من الأيام، يبول، وأنا معه، فأعطاني دابّته،
стр. 293
فأمسكتها [وحوّلت وجهي عنه] «١» ، وجلس يبول، إذ جاء المتوكل يحرّك وحده، ويقصده، وقد انفرد عن الجيش، ليولع به.
فلما قرب منه، قال له: من هذا الصبيّ الذي يمسك دابتك؟
قال: عبد أمير المؤمنين، ابني.
قال: فلم قد حوّل وجهه عنك؟
[قال: فعنّ لأبي أن يتنادر، ولم يراع كون النادرة عليّ وعلى أمّي] «٢» ، فقال: حوّل وجهه عنّي استحياء من كبر أيري.
قال: فقلت أنا للخليفة: والله يا أمير المؤمنين، لو رأيت أير جدّي، لعلمت أنّ أيره عنده زرّ.
فضحك المتوكل، وقال: يا أحمد، ابنك والله أطيب منك، فأحضره معك للندام «٣» .
فحضرت منذ ذلك اليوم، وصرت في الندماء.
стр. 294
١٤٣ المعتضد يلاعب ابن حمدون بالنرد
وحدّثني «١» ، وقال: حدّثني أبو جعفر «٢» ، قال: حدّثني أبو محمد «٣» ، قال:
كنت قد حلفت، وعاهدت الله تعالى، أن لا أعتقد مالا من القمار، وأنّه لا يقع في يدي شيء منه، إلّا صرفته في ثمن شمع يحرق، أو نبيذ يشرب، أو جذر مغنيّة تسمع.
قال: فجلست يوما ألاعب المعتضد «٤» بالنرد، فقمرته سبعين ألف درهم.
فنهض المعتضد يصلّي العصر، من قبل أن يأمر لي بها، وكان له ركوع طويل قبلها، فتشاغل به.
وصلّيت أنا العصر فقط، فجلست أفكّر، وأندم على ما حلفت عليه، وقلت: كم عساي أشتري من هذه السبعين ألفا، شمعا، وشرابا، وكم أجذر؟ وما كانت هذه العجلة في اليمين، ولو لم أكن حلفت، كنت الآن [٨٦ ب] قد اشتريت بها ضيعة.
قال: وكانت اليمين بالطلاق، والعتاق، وصدقة الملك، والضيعة.
وأغرقت في الفكر، والمعتضد يراني، وأنا لا أعلم.
فلما سلّم من [٧٧ ط] الركوع، سبّح، وقال لي: يا أبا عبد الله في أيّ شيء فكّرت؟
стр. 295
فقلت: خيرا يا مولاي.
فقال: بحياتي أصدقني، فصدقته.
فقال: وعندك أنّي أريد أن أعطيك سبعين ألفا في القمار؟
فقلت له: أفتضغو «١» ؟
قال: نعم، ضغوت، قم ولا تفكّر في هذا.
قال: ودخل في صلاة العصر الفرض.
قال: فلحقني غمّ أعظم من الأوّل، وفكر أشدّ منه، وندم على فوت المال، وقلت لم صدقته، وأخذت ألوم نفسي.
قال: فلما فرغ من صلاته، وجلس، قال لي: يا أبا عبد الله، بحياتي أصدقني عن هذا الفكر الثاني.
فلم أجد بدّا، فصدقته.
فقال: أمّا القمار فقد فاتك، لأنّي قد ضغوت بك، ولكنّي أهب لك سبعين ألف درهم غير تلك، من مالي، فلا يكون عليّ إثم في دفعها، ولا عليك إثم في أخذها، وتخرج من يمينك، فتأخذها وتشتري بها ضيعة حلالا.
فقبّلت يده، فأحضر المال، وأعطانيه، فأخذته، واعتقدت به ضيعة
стр. 296
١٤٤ المعتضد يسدد دين نديمه مرتين
وحدّثني أبو محمد قال: حدّثني أبو جعفر، قال: حدّثني أبو محمد ابن حمدون، قال:
كان عليّ دين ثقيل، مبلغه خمسة آلاف دينار، ولم يكن لي وجه قضائه، ولم تكن القضاة تعدي عليّ «١» ، لملازمتي المعتضد.
فجلس المعتضد للمظالم بنفسه مجالس عدة، فتظلّم إليه منّي غرمائي.
فأحضرني، وسألني عن الدين، فأقررت به عنده للقوم.
ففكّر المعتضد في حبسي به لهم، فيبطل أنسه بي، ويتحدّث عنه إنّه بخل بقضاء دين نديم له، ورأى أن يلتزم المال.
ثم قال للغرماء: المال عليّ، ووقّع لهم [به] «٢» في الحال.
فأخذوه، وانصرفوا.
فلما خلونا، قال: يا عاضّ كذا «٣» ، أيّ شيء كانت هذه المبادرة إلى الإقرار، ما قدرت أن تجحد، ولا أغرم أنا المال، ولا تحبس أنت؟
فقلت: لم أستحلّ ذلك، وكيف أجحد قوما في وجوههم، وقد أعطوني أموالهم؟
قال: ومضت على هذا مديدة، فأضقت، فاستدنت ألوفا أخرى دنانير، أقلّ من تلك، وطولبت بها، فدافعت، لأن دخلي لم يكن يفي بنفقتي، وما أقيم من المروءة، أكثر من قدر حالي، فما كان لي وجه أقضي منه الدين.
стр. 297
وجلس المعتضد للمظالم، فرفع إليه القوم، فأحضرني، وسألني، فأقررت، فوزن المال عنّي.
ثم قال للقاضي الذي يلي حضرته: خذ هذا، فناد عليه في البلد بسفهه «١» في ماله، وعدمه «٢» ، وإنّه لا يملك ما يباع عليه فيقضي به دينه، وإنّ من عامله [٨٧ ب] بعد هذا فقد طوّح بماله.
فاضطربت من ذلك.
فقال: لا والله، لا جعلت أنت غرماءك كل يوم، حيلة على مالي.
قال: فما نفعني معه شيء، حتى مضيت إلى دار القاضي وجلست معه في مجلسه، وهو يشيّع في الناس ذلك، ويجريه في وجهي، ولم يناد عليّ.
стр. 298
١٤٥ بين ابن المدبر وعريب
حدّثني أبو محمد، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي الكاتب، قال: أخبرني من أثق به، أنّ إبراهيم بن المدبّر «١» قال:
كنت أتعشّق عريب «٢» ، دهرا طويلا، وأنفقت [٧٨ ط] عليها مالا جليلا «٣» ، فلما قصدني الزمان، وتركت التصرّف، ولزمت البيت، كانت هي أيضا، قد أسنّت، وتابت من الغناء، وزمنت.
فكنت جالسا يوما، إذ جاءني بوّابي، وقال: طيّار عريب بالباب، وهي فيه تستأذن.
فعجبت من ذلك، وارتاح قلبي إليها، فقمت حتى نزلت إلى الشطّ، فإذا هي جالسة في طيّارها.
فقلت: يا ستّي، كيف كان هذا.
قالت: اشتقت إليك، وطال العهد، فأحببت أن أجدده، وأشرب عندك اليوم.
стр. 299
قلت: فاصعدي.
قالت: حتى تجيء محفّتي.
قال: فإذا بطيّار لطيف، قد جاء وفيه المحفّة، فأجلست فيها، وأصعد بها الخدم.
وتحدّثنا ساعة، ثم قدّم الطعام، فأكلنا، وأحضر النبيذ، فشربت، وسقيتها فشربت، وأمرت جواريها بالغناء، وكان معها منهنّ عدّة، محسنات، طيّاب، حذّاق، فتغنّين أحسن غناء وأطيبه، فطربت وسررت.
وقد كنت، قبل ذلك بأيّام، عملت شعرا، وأنا مولع في أكثر الأوقات بترديده، وإنشاده، وهو:
إن كان ليلك نوما لا انقضاء له ... فإن جفني لا يثنى لتغميض
كأنّ جنبي في الظلماء تقرضه ... على الحشيّة أطراف المقاريض
أستودع الله من لا أستطيع له ... شكوى المحبّة إلّا بالمعاريض
فقلت لها: يا ستّي، إنّي قد عملت أبياتا، أشتهي أن تصنعي فيها لحنا.
فقالت: يا أبا إسحاق مع التوبة؟
قلت لها: فاحتالي في ذلك كيف شئت.
فقالت: روّ هاتين الصبيّتين الشعر، وأومأت إلى بدعة وتحفة جاريتيها.
فحفّظتهما الشعر، وفكّرت ساعة، ووقّعت بالمروحة على الأرض، وزمزمت مع نفسها، ثم قالت لهما: أصلحا الوتر الفلاني على الطريقة الفلانيّة، [وأضربا بالإصبع الفلانية، وافعلا كذا وكذا، إلى أن فتح لهما
стр. 300
الضرب، ثم قالت غنّياه على الطريقة الفلانيّة] «١» ، واجعلا في الموضع الفلاني كذا.
فغنّتاه، كأنّهما قد سمعتاه قبل ذلك دفعات، وما خرج الغناء من بين شفتيها.
[فطربت] «٢» وقلت في نفسي: عريب تزورني [٨٨ ب] وتلحّن شعري، وهي على كلّ حال مغنّية، وتنصرف من عندي صفرا؟ والله، لا كان هذا، ولو انّني متّ ضرا وجوعا وفقرا.
فقمت إلى جواريّ، وشرحت الحال لهنّ، وقلت: عاونّني بما يحضركن، فدفعت إليّ هذه خلخالا، وهذه سوارا، وهذه عقد حبّ، وهذه جان «٣» ، إلى أن اجتمع لي من حليهنّ ما قيمته ألف دينار.
قال: واستدعيت زنبيلّا مشبّكا ذهبا كان عندي، فيه مائة مثقال، فجعلت ذلك فيه، وخرجت به إليها، وقلت: يا سيدتي، هذه طرف، أحببت إتحاف هاتين الصبيّتين بها، فأحبّ أن تأمريهما بأخذها.
فامتنعت امتناعا ضعيفا، وقالت: يا أبا إسحاق، بيننا اليوم هذا، أو فضل فضل له؟
فقلت: لا بدّ.
فقالت لهما: خذاه، فأخذتاه، وجلست إلى وقت المغرب.
ثم قامت لتنصرف، فشيّعتها [٧٩ ط] إلى دجلة.
فلمّا أرادت الجلوس في طيّارها، قالت: يا أبا إسحاق لي حاجة.
قلت: مري بأمرك.
стр. 301
قالت: قد ابتاعت فلانة، أمّ ولدك، ضيعة يقال لها كذا، وهي تجاورني، وأنا شفيعتها «١» ، وأريد أن تأمرها بأخذ المال منّي والنزول عنها لي.
فعلمت أنّها إنّما جاءت لهذا السبب.
فقلت: مكانك، فتوقّفت في الطيّار.
فدخلت إلى أمّ ولدي وضمنت لها المال، وأخذت العهدة بالضيعة، فجئت بها إليها.
وقلت: قد وهبتها لك، وضمنت المال لها، وفي غد أتقدّم بالأشهاد لك في ظهر الكتاب. فخذيه معك عاجلا.
فشكرتني ومضت.
وكان شراء الضيعة ألف دينار.
فقام عليّ يومها، وتلحينها هذا الشعر بألفي دينار ومائة دينار.
стр. 302
١٤٦ الزجاج يدرس النحو على المبرّد
حدّثني أبو الحسن بن الأزرق قال: حدّثني أبو محمد بن درستويه النحويّ «١» قال: حدّثني الزجّاج «٢» ، قال:
كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو، فلزمت المبرّد «٣» لتعلّمه، وكان لا يعلّم مجانا، ولا يعلّم بأجرة إلّا على قدرها.
فقال لي: أيّ شيء صناعتك؟
قلت: أخرط الزجاج، وكسبي في كل يوم درهم ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك في كلّ يوم درهما، وأشرط لك أنّي أعطيك إيّاه أبدا، إلى أن يفرّق الموت بيننا، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه.
قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره، ومع ذاك أعطيه الدرهم،
стр. 303
فنصحني في التعليم، حتى استقللت.
فجاءه كتاب من بني مارية «١» ، من الصراط، يلتمسون معلّما نحويّا لأولادهم، فقلت له: أسمني لهم، فأسماني، فخرجت إليهم، فكنت أعلّمهم، وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما، وأتفقّده بعد ذلك بما أقدر عليه.
ومضت على ذلك مدّة، فطلب منه عبيد الله بن سليمان، مؤدّبا لابنه القاسم [٨٩ ب] .
فقال له: لا أعرف لك إلّا رجلا زجّاجا بالصراة «٢» مع بني مارية.
قال: فكتب إليهم عبيد الله فاستنز لهم عنّي، فنزلوا له.
فأحضرني وأسلم القاسم إليّ، فكان ذلك، سبب غناي.
وكنت أعطي المبرّد ذلك الدرهم في كلّ يوم، إلى أن مات، ولا أخليه من التفقّد معه بحسب طاقتي.
стр. 304
١٤٧ بيتان من نظم أبي محمد الشامي كاتب الأمير سيف الدولة
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد، وأبو الفرج الببغاء، قالا: أنشدنا أبو محمّد عبد الله بن محمد الشامي، كاتب سيف الدولة [لنفسه] «١» .
وقالوا يعود الماء في النهر بعد ما ... عفت منه آثار «٢» وسدّت مشارع «٣»
فقلت إلى أن يرجع الماء جاريا ... ويعشب جنباه تموت الضفادع
стр. 305
١٤٨ ليحيى بن محمد في مواهب المغنية
وأنشدني أبو محمد «١» لنفسه في قينة ببغداد، مشهورة بالإحسان، تسمى مواهب «٢» ، كانت جارية لأبي عليّ الحسن بن هارون الكاتب «٣» ، باعها، فاشتراها أبو الفضل العباس بن الحسين «٤» الوزير [الآن] «٥» فلما تزوّج ابنة
стр. 306
الوزير أبي محمد المهلبي «١» ، زينة بنت الحسن «٢» ، دفعها إلى أبي محمد، فأعتقها، وزوّجها غلاما من غلمانه يسمى غالب، ويعرف بالشار زادي»
، وهي [٨٠ ط] الآن تخدم الأمير عزّ الدولة «٤» بصناعتها:
تمام الحجّ أن تقف الركائب ... على دار تحلّ بها مواهب
ولولا أن يقال صبا لقلنا ... عجائب دون أيسرها عجائب
стр. 307
١٤٩ لأبي الفرج الببغاء في الأمير سيف الدولة
أنشدني أبو الفرج الببغاء لنفسه، قصيدة له في سيف الدولة: أوّلها:
سقت العهاد خليط ذاك المعهد ... ريّا وحيّا البرق برقة ثهمد
في جحفل كالسيل أو كالليل أو ... كالقطر صافح موج بحر مزبد
فكأنّما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلّة في الجلمد
وكأنّ طرف الشمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الأثمد
ووصف فيها اللواء فقال:
ومملّك رقّ القنا مستخرج ... باللطف أسرار الرياح الرّكّد
خرس يناجيها فتفهم نطقه ... وتجيبه أنفاسها بتصعّد
قلق كأنّ الجوّ ضاق به فما ... ينفكّ بين توثّب وتهدّد
وكأن همّة ربّه قالت له ... طل وارق في درج المعالي واصعد
[وفيها يقول] «١» :
إنّ المحامد رتبة لا يبلغ ... الإنسان راحتها إذا لم يجهد
من لم تبلّغه السيادة «٢» نفسه ... دون الأبوّة لم يكن بمسوّد
[يقول في آخرها يصف القصيدة] «٣» :
حلل من المدح ارتضى لك لبسها ... شكري فأغرب مفرد في مفرد «٤»
لما نشرت عليك فاخر وشيها ... قالت لك العلياء أبل وجدّد
стр. 308
١٥٠ لأبي الفرج الببغاء يعزّي الأمير سيف الدولة بولده أبي المكارم
وأنشدني «١» لنفسه يعزّي سيف الدولة بابنه أبي المكارم «٢» من قصيدة أوّلها:
سرورنا بك فوق الهمّ بالنوب «٣» ... فما يغالبنا حزن على طرب
إذا تجاوزت الأقدار عنك فهل ... من واجب الشكر أن يرتاع من سبب
حتّام تخدعنا الدنيا بزخرفها ... ولا تحصّلنا منه على أرب
نسرّ منها بما تجني عواقبه ... همّا ونهرب والآجال في الطلب
стр. 309
١٥١ سيف الدولة يقيم الفداء مع الروم على شاطىء الفرات
قال: وكان سيف الدولة أقام الفداء «١» بشاطئ الفرات في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فأنفق عليه خمسمائة ألف دينار، وأخرج كلّ من قدر على إخراجه من أسارى المسلمين من بلد الروم، واشترى كل أسير بثلاثة وثمانين دينارا وثلث روميّة، من ضعاف الناس «٢» ، فأمّا الجلّة ممّن كان أسيرا، ففادى بهم رؤساء كانوا عنده أسرى من الروم.
وكانت الحال هائلة فيما أخبرني جماعة حضروا، يبقى فخرها وثوابها له.
فقال أبو الفرج قصيدة في ذلك، أنشدنيها، أوّلها:
ما المال إلّا ما أفاد ثناء ... ما العزّ إلّا ما حمى الأعداء
[فقال فيها، في ذكر الفداء] «٣»
وفديت من أسر العدوّ معاشرا ... لولاك ما عرفوا الزمان فداء
كانوا عبيد نداك ثم شريتهم ... فغدوا عبيدك نعمة وشراء
والأسر إحدى الميتتين وطالما ... خلدوا به فأعدتهم أحياء [٨١ ط]
وضمنت نفس أبي فراس للعلا ... إذ منه أصبحت النفوس براء
ما كان إلا البدر طال سراره ... ثم انجلى وقد استتم بهاء
يوم غدا فيه سماحك يعتق ... الأسراء منك ويأسر الأمراء
стр. 310
١٥٢ رأي أحد القضاة في الخليفة المقتدر
جرى في مجلس أبي «١» يوما ذكر المقتدر بالله وأفعاله، فقال بعض الحضّار:
كان جاهلا.
فقال أبي: مه، فإنّه لم يكن كذلك، وما كان إلا جيّد العقل، صحيح الرأي، لكنّه كان مؤثرا للشهوات.
ولقد سمعت أبا الحسن عليّ بن عيسى يقول، وقد جرى ذكره بحضرته في خلوة: ما هو إلّا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيّام متتابعة، حتى يصحّ ذهنه، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه، ولا أبصر بالرأي، وأعرف بالأمور، وأسدّ في التدبير، ولو قلت إنّه إذا ترك النبيذ هذه المدّة، في أصالة الرأي، وصحّة العقل كالمعتضد والمأمون، ومن أشبههما من الخلفاء، ما خشيت أن أقع بعيدا، وما يفسده غير متابعة الشرب، ولا يخبّله سواها.
стр. 311
١٥٣ المؤتمن أبو القاسم سلامة يتحدّث عن صحّة تفكير الخليفة المقتدر
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: سمعت المؤتمن أبا القاسم سلامة «١» ، أخا نجح الطولوني «٢» ، يقول:
اجتمع عليّ بن عيسى «٣» وعليّ بن محمد الحواريّ «٤» ، ونصر القشوري «٥» ، وأنا معهم، على رأي عقدناه في بعض الأمور الكبار، التي حدثت في أيّام المقتدر.
فلما صحّ الرأي عندنا، وتقرّر في أنفسنا دخلنا على المقتدر فعرضناه [٩١ ب] عليه، واستأذنّاه في إمضائه.
فقال لنا: هذا خطأ في الرأي، والصواب كيت وكيت.
ففكّرنا فيما قال، فوجدنا الصواب معه، وقد خفي علينا، فرجعنا عن رأينا لرأيه، وعملنا عليه.
стр. 312
١٥٤ حديث القاضي أبي طالب ابن البهلول مع الخليفة المقتدر
حدّثني أبو الحسن، قال حدّثني القاضي أبو طالب ابن البهلول «١» ، قال:
حضرت في بعض أيّام المواكب، باب دار الخلافة، فوقفت في طيّاري، والقضاة في طيّاراتهم، والقوّاد، والكتّاب، نتوقّع الإذن.
فاستدعيت وحدي من بين القضاة، فدخلت على المقتدر، فوجدت أبا عليّ بن مقلة، قائما بين يديه، وهو الوزير إذ ذاك.
فقال لي المقتدر [بهذا اللفظ والإعراب] «٢» : قد كان أبوك عضدا، وأنت بحمد الله، خلف منه، وقد ترى كلب غلماني هؤلاء عليّ، ومطالبتهم إيّاي بالأموال، ولو قد فقدوني لتمنّوا أيّامي، وقد عزمت على بيع ضياعي النمروديّات بالأهواز «٣» ، فتكتب إلى خليفتك على القضاء بها، في الاجتماع مع أحمد بن محمد البريديّ «٤» على بيع ذلك، والمعاونة فيه.
فقلت: إذا كان الأمر من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، بهذا الموضع من العناية، خرجت أنا فيه.
فقال: لسنا نكلّفك ذلك، ولكن اكتب إلى خليفتك فيه.
قال: فخرجت، وامتثلت أمره، وكاتبت أبا القاسم عليّ بن محمد
стр. 313
التنوخيّ «١» ، وكان يخلفني إذ ذاك، على كور الأهواز، وقصصت عليه ما جرى.
ومضت الأيّام، وصرف ابن مقلة، بأبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد [٨٢ ط] فأنفذ أبا الحسن بن الحرث صاحبه إلى الأهواز، صارفا للبريديّ، فزاد على من كان اشترى الضياع مالا عظيما.
وكتب أليّ أبو القاسم التنوخي «٢» ، إنّه «٣» قد استثنى من المال بجملة عظيمة لنفسه، وخنسها «٤» .
وكانت في نفسي على ابن الحرث موجدة، فأسررت ذلك في نفسي.
وانحدرت في يوم موكب على رسمي، وكنّا في طيّاراتنا، إذ خرج خلفاء «٥» الحجّاب يطلبونني وحدي.
فصعدت، والقضاة كلهم محجوبون، فدخلت على المقتدر، وبحضرته سليمان «٦» ، وعليّ بن عيسى، وكان يسدّده، ويصل معه، ويخاطب ويتخاطب على الأمور.
فقال لي المقتدر: قد أحمدنا ما كان من خليفتك على القضاء بالأهواز، فيما كنّا تقدمنا به في أمر النيرمذيات «٧» ، وقد كتب ابن الحرث إنّه قد زاد على المبتاعين زيادة قبلوها، وامتنعوا عن أدائها إلّا بعد أن أقول بلساني
стр. 314
إنّي قد أمضيت البيع، وإنّي لا أقبل بعدها زيادة، ولا أفعل هذا، فاكتب إلى خليفتك بأنّي قد قلت ذلك، وأن يسجّل لهم بما ابتاعوه.
فأردت أذيّة ابن الحرث [٩٢ ب] فقلت يحتاج في المكاتبة إلى ذكر مبلغ الزيادة.
فالتفت، فنظر إلى عليّ بن عيسى نظر منكر، فرأيته يرتعد، وقال له: مبلغ الزيادة كذا وكذا.
فقال لي: اكتب إلى خليفتك، بأنّها كذا وكذا.
فدعوت له، وانصرفت.
فلما ولّيت، ثقّلت في مشيتي لأسمع ما يجري، فسمعته يقول لعليّ بن عيسى: أيّ شيء أقبح من هذا؟ كأنّه أنكر لم لم يعرف مبلغ الزيادة أوّلا، فيذكرها لي من غير أن أحتاج إلى استدعاء علمها منه.
قال: وكرّر الإنكار، قال: أيّ شيء أقبح من هذا؟ وأخرج عن الأدب فيه؟ تحقّقا برسم الملوك في أن يتكلّموا هم بجميع ما يحتاج إليه، في جميع الأمور، من غير تقصير يحوج المخاطب إلى مطالبتهم بالزيادة في البيان.
وأومأ في آخر كلامه، إلى أنّي إن ذكرت ذلك عنه للناس، غضّ منه، ومن الملك.
فسمعت عليّ بن عيسى، يقول له: يا أمير المؤمنين، هذا خادمك، وابن خادمك، وغذيّ نعمتك، ونشو دولتك، ليس مثله من ظنّ به هذا.
стр. 315
١٥٥ الخليفة المعتضد يتنبأ بأن ضياع الدولة يجري على يد ولده المقتدر
حدّثني أبو عليّ الحسن بن محمد الأنباري الكاتب [قال: سمعت دلويه الكاتب] «١» ، يحكي عن صافي الحرمي الخادم «٢» ، مولى المعتضد، إنّه قال:
مشيت يوما بين يدي المعتضد، وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب دار شغب أمّ المقتدر، وقف يتسمّع ويطّلع من خلل الستر، فإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها، وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه «٣» في السنّ، وبين يديه طبق فضّة، فيه عنقود عنب، في وقت فيه العنب عزيز جدا، والصبيّ يأكل عنبة واحدة، ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة، على الدور، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثلما أكلوا، حتى فني العنقود، والمعتضد يتمزّق غيظا.
قال: فرجع، ولم يدخل الدار، ورأيته مهموما.
فقلت: يا مولاي، ما سبب ما [٨٣ ط] فعلته؟ وما قد بان عليك؟
فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار، لقتلت هذا الصبيّ اليوم، فإنّ في قتله صلاحا للأمّة.
стр. 316
فقلت: يا مولاي، حاشاه، أيّ شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، إلعن إبليس.
فقال: ويحك، أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بدّ من موتي، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلّا ولدي، وأنهم سيجلسون ابني عليّا- يعني المكتفي «١» - وما أظن عمره يطول، للعلّة التي به، قال صافي، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، فيجلسونه وهو صبيّ، وله من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنّه أطعم الصبيان مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم، في شيء عزيز في [٩٣ ب] العالم، والشحّ على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهنّ، فيقسم ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، ويبذّر ارتفاع الدنيا ويخربها، فتضيع الثغور، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا.
فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله، حتى ينشأ في حياتك، ويصير كهلا في أيّامك، ويتأدّب بآدابك، ويتخلّق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت.
فقال: احفظ عنّي ما أقوله، فإنّه كما قلت.
قال: ومكث يومه مهموما.
وضرب الدهر ضربه، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل
стр. 317
عمره، ومات، وولي المقتدر، [فكانت الصورة] «١» كما قال المعتضد بعينها.
فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال، فأخرجت إليه، وحلّت البدر «٢» ، وجعل يفرّقها على الجواري والنساء، ويلعب بها، ويمحقها، ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت.
قال: وقال صافي: كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيّب، فقال: هاتم فلانا الطّيبيّ،- خادم يلي خزانة الطيب- فأحضر.
فقال له: كم عندك من الغالية؟
فقال: نيّف وثلاثون حبّا «٣» صينيّا، مما عمله عدّة من الخلفاء.
فقال: فأيّها أطيب؟
قال: ما عمله الواثق «٤» .
قال: أحضرنيه.
فأحضره حبّا عظيما، يحمله خدم عدّة، بدهق ومصقلة «٥» ففتح، فإذا الغالية قد ابيضّت من التعشيب، وجمدت من العتق، في نهاية الذكاء.
فأعجبت المعتضد، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحبّ، فأخذ من
стр. 318
لطاخته شيئا يسيرا، من غير أن يشعّث رأس الحب، وجعله في لحيته، وقال:
ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب، شيلوه «١» ، فرفع.
ومضت الأيّام، فجلس المكتفي للشرب يوما، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه، فطلب غالية، فاستدعى الخادم، وسأله عن الغوالي، فأخبره بمثل ما كان [٨٤ ط] أخبر به أباه.
فاستدعى غالية الواثق، فجاءه بالحبّ بعينه، ففتح، فاستطابه، وقال:
أخرجوا منه قليلا، فأخرج منه مقدار ثلاثين [أو أربعين] «٢» مثقالا، فاستعمل منه في الحال ما أراده، ودعا بعتيدة «٣» له، فجعل الباقي فيها، ليستعمله على الأيّام.
وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيّب، فاستدعى الخادم، وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه.
فقال: هات الغوالي كلّها، [فأحضرت [٩٤ ب] الحباب كلّها] «٤» ، فجعل يخرج من كل حبّ، مائة مثقال، وخمسين، وأقلّ، وأكثر، فيشمّه «٥» ويفرّقه على من بحضرته، حتى انتهى إلى حبّ الواثق، فاستطابه.
فقال: هاتم عتيدة، فجاءوه بعتيدة، وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحبّ ناقصا، والعتيدة فيها قدح الغالية، ما استعمل منه كثير شيء.
стр. 319
فقال: ما السبب في هذا؟
فاخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك.
ثم قال: فرّقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منها أرطالا، وأنا أتمزّق غيظا، وأذكر حديث العنب، وكلام مولاي المعتضد، إلى أن مضى قريب من نصف الحبّ.
فقلت له: يا مولاي، إنّ هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، ولا يعتاض منها، فلو تركت منها لنفسك، وفرّقت الباقي من غيرها كان أولى.
قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد، فاستحى مني، ورفع الحبّ.
فما مضت إلّا سنتين من خلافته، حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم.
стр. 320
١٥٦ يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل الذي عملته السيّدة أمّ المقتدر
أخبرني غير أبي عليّ «١» :
إنّ تلك الغوالي كلّها، وما كان في الخزائن من المسوك والعنابر، استعمل كلّه في الوحل «٢» الذي كانت السيّدة عملته.
وخبر الوحل مستفيض على ألسنة العوامّ، فلا وجه للإطالة بذكره.
ورأيت، أهل العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها، يكذّبون بذلك تكذيبا شديدا، فلم أورده لهذا السبب.
следующие страницы →