Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
الوزير فوكّل به من داره «١» ، مستحثا له في رفع الحساب لعدّة سنين.
فتشاغلت أنا بعمل مؤامرة له، فلم أجد عليه كثير تأوّل، وحضرنا بين يدي عبيد الله لمناظرته.
وقد كنت، صدّرت أول باب من المؤامرة، بأنّه فصّل تفصيلا، ثمن الغلّة المبيعة، جملته على حسب ما يوجبه التفصيل، أكثر من الجملة التي أوردها بألف دينار.
فقال: أتتبّع، فما زال يتتبّع، إلى أن صحّ الباب عليه، وقال: وما هذا؟ غلط الكاتب في الجملة.
فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، وأقبل على عبيد الله، فقال: أيها الوزير، صدق، هذا غلط في الحساب، فالدنانير في كيس من حصلت؟
فقال له عبيد الله: صدق أبو العباس، والله، لا وليت لي عملا يا لصّ.
ثم أتبعت هذا الباب، بباب آخر، وهو ما رفعه ناقصا عمّا كان قدّم به كتابه في كيل غلّة عند قسمتها.
فلما لاحت عليه الحجة، قال: أريد كتابي بعينه.
فبدأت أكلّمه، فأسكتني أخي، ثم قال: أيها الوزير، يطعن في ديوانك، ونسخ الكتب الواردة، والنافذة، شاهدا عدل.
فقال: صدق، يا عدوّ الله، وأمر بسحبه، فسحب.
وما برحنا، حتى أخذ خطّه بثلاثة عشر ألف دينار، وأهلكناه بهذا، وما عمل بعد هذا كثير عمل.
стр. 2522
٧ أبو العباس ابن الفرات يهدّد عاملا قد ألطّ بالمال
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، وأبو منصور عبد الله بن جبير النصرانيّ «١» ، قالا:
حضرنا مجلس ابن الفرات، وقد عملت مؤامرة لابن حبش العمانيّ، وكان يتقلّد الزاب ونهر سابس «٢» ، في أيام وزارة عبيد الله بن سليمان.
فأخذ أبو العباس وأبو الحسن يناظرانه عليها، إلى أن ألزم خمسة وعشرين ألف درهم، من أبواب صحيحة، وطولب بأدائها، وأخذ خطه بتصحيحها «٣» .
فصحّح خمسمائة وأربعين، طول المدة، وألطّ بالمال «٤» [٨] ، فقيّد فلم ينفع، وضرب سبع مقارع، فلم يودّ.
وكان إذا خرج بإنسان من العمال، إلى هذا القدر من المكروه، فعندهم أنّه النهاية.
стр. 2523
فأخرجه أبو العباس إلى حضرته، وطالبه بالمال، فأقام على أنّه لا شيء معه، وأنّ ضيعته وقف.
فقال له: ويلك، لا أعرف أجهل منك، إذا كان هذا صبرك على المكروه، وإسلامك لنفسك، وبذلك لها، فلم لم تأخذ أصل الارتفاع؟
فإنّا ما كنّا نعمل بك أكثر من هذا.
ولكن إن شئت، فأنا أدع عليك هذا المال، وأصرفك إلى منزلك، ولكن بعد أن كشف للوزير صبرك على المكاره، فلا تتصرّف- والله- في أيّامه أبدا، ويذهب خبرك.
قال: فقلق من ذلك، وسأل أن يخفّف عنه شيء من المال، ليؤديّ الباقي.
فما برحنا حتى تقرّر أمره على بعض المال، وأدّاه، وانصرف.
стр. 2524
٨ الوزير عبيد الله بن سليمان يحرم عاملا من التصرّف
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات «٢» ، يقول:
ناظرت الجهظ «٣» ، أحد العمال، على مؤامرة قد عملناها له، وكنت أنا وأخي، وجعلنا نأخذ خطّه بباب باب.
فلما كثر ذلك، قال لي سرّا: ليس الشأن في الخطّ، الشأن في الأداء، ستعلمون أنّكم لا تحصلون على شيء.
فسمعه عبيد الله «٤» ، لأنّا كنّا في مجلسه، فقال له: أعد عليّ ما قلت، فاضطرب.
فقال: لا بدّ أن تعيده، فأعاد ذلك.
فقال: إذن، لا تلي لي- والله- بعدها عملا أبدا، قم عافاك الله إلى منزلك، خرّق يا غلام، المؤامرة.
قال: فخرّقت في الحال، وانصرف الجهظ إلى منزله، فما صرّفه عبيد الله بعد ذلك.
وشاع خبره، فتحامى الناس كلّهم استخدامه، فهلك جوعا في منزله، حتى بلغ أنّه احتاج إلى الصدقة.
стр. 2525
٩ وزير ينفى لأنه طرب لغناء صوت
حدّثنا أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا أبو عبد الله زنجي الكاتب «٢» ، قال:
حدّثنا أبو العباس بن الفرات «٣» ، قال:
كتب صاحب الخبر «٤» ، بمدينة السلام «٥» ، إلى إسماعيل بن بلبل «٦» ، في وزارته الأولى «٧» للمعتمد، بأنّ مغنية من جواري بدعة الكبرى «٨» ، غنّت عند الحسن بن مخلد «٩» ، وهو إذ ذاك معطّل، بهذا الصوت، فاستعاده، وطرب عليه [٩] .
عادات طيء في بني أسد ... ريّ القنا وخضاب كلّ حسام
стр. 2526
لهفي على قتلى النباج «١» فإنّهم ... كانوا الذرى ورواسي الأعلام
كانوا على الأعداء سيف محرّق ... ولجارهم حرما من الأحرام
لا تهلكي جزعا فإنّي واثق ... برماحنا وعواقب الأيام
فأنهى إسماعيل «٢» ذلك إلى المعتمد، وقال: هذا يسعى عليك، ويتربّص بك الدوائر، فأمر بنفيه إلى مصر، فكان مضيّه إليها سبب تلفه «٣»
стр. 2527
١٠ أحمد بن طولون يقتل الحسن بن مخلد بالسمّ
حدّثنا أبو الحسين «١» ، قال: سمعت أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «٢» ، قبل الوزارة «٣» ، يتحدّث، قال: حدّثني أبو عبد الله حمد بن محمد القنّائي «٤» الكاتب.
قال أبو الحسين: وكان «٥» ابن أخت الحسن بن مخلد «٦» ، وكان قد خلفه دفعات، على ديوان الخراج، ومرّة على ديوان الضياع، ثم ولي أعمالا جليلة، من العمالات «٧» ، والدواوين «٨» ، منها ديوان المغرب «٩» ، ومات وهو
стр. 2528
يتقلّد ديوان الخراج، والضياع العامة بالسواد، وما يجري فيه، وقد رأيته، وتعلّمت بين يديه، وسمعته يتحدّث بأشياء، ولم أسمع هذا منه.
قال سليمان: قال لي حمد:
سألت الخادم الذي تبع خالي الحسن بن مخلد «١» ، إلى ابن طولون «٢» ، لما نفي إليه، عن السبب الذي دعا ابن طولون، إلى قتله، فقال:
لما ورد عليه، تناهى في إكرامه، وبرّه وإعظامه، ثم أنس به، حتى نادمه، وصار يشاوره في مهمّ أموره.
فشاوره مرات في خلع طاعة المعتمد، فعظّم عليه أمر السلطان، وخوّفه من العصيان، فقبل رأيه.
ثم طولب ابن طولون، بمال الوظيفة التي كانت عليه، فقال لابن مخلد:
ما رأيت أعجب من جهل هذا المخذول- يعني الموفّق- يطالبني بالوظيفة، وهو عاص على الخليفة، إلى من أحمل؟
فقال له: لا تفعل، فإنّ الأمور إليه، والجيش معه، وإن منعته المال، قصدك وحاربك.
فقام في نفس ابن طولون أنّه دسيس للقوم عليه، وقال: لو كان هذا عدوّا للقوم، ما أشار عليّ بهذه المشورة، وإنما هو دسيس على ملكي، ليأخذ البلدان منّي لهم، ويرهبني، ويستخرج البلدان منّي باللّطف.
فتنكّر له، ثم أمر بالقبض عليه، وحبسه، وكان جبانا، فلم يحبّ.
стр. 2529
- مع إيحاشه له- أن يفلت، في وقت من الأوقات، فدسّ إليه في شربة، فقتله بها.
وجدّ الموفّق، وأنفذ إليه المعتضد في الجيش [١٠] ، وأخرج أحمد بن طولون، خمارويه، ابنه «١» ، لمحاربة المعتضد، فتحاربا، فانهزم كل واحد منهما من صاحبه، وهو لا يعلم أن صاحبه قد انهزم.
فضرب الناس بهما المثل، وقالوا: صبيّ لقي صبيّا، وهكذا تكون محاربة الصبيان.
قال: فلما جرت هذه الحال، تندّم أحمد بن طولون، على قتل الحسن ابن مخلد، وقال: صدقني، فلم أقبل منه، واتّهمته.
стр. 2530
١١ جرأة وزير على أخذ أموال السلطان
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «٢» ، قال: قال لي نافذ، خادم أبي وثقته، وكان يتولى نفقته:
إنّي ما رأيت أجسر من مولاي «٣» ، على أخذ مال السلطان.
ومن ذلك، أنّي باكرته يوما، وقد لبس سواده، ليمضي إلى دار المعتمد «٤» ، وهو إذ ذاك يتولى دواوين الأزمّة «٥» والتوقيع «٦» ، وبيت المال «٧» .
فقلت له: قد صككت «٨» عليّ البارحة للمعاملين، بألف وستمائة دينار، وما عندي من ذلك حبّة واحدة.
فقال لي: يا بغيض، تخاطبني في هذه الساعة؟ أين كنت عن خطابي البارحة لأوجّه لها وجها؟ ولكن اتبعني إلى دار السلطان.
فتبعته.
стр. 2531
ودخل إلى المعتمد، مع عبيد الله بن يحيى الوزير «١» ، ودخل معهما أحمد ابن صالح بن شيرزاد «٢» ، صاحب ديوان الخراج، فلما خرج، قال لي:
امض إلى صاحب بيت المال، فخذ منه ما يسلّمه إليك.
فظننت أنّه قد استسلف على رزقه شيئا، فمضيت إلى صاحب بيت المال، فسلم إليّ ثلاثين ألف دينار.
فاستعظمت ذلك، وعلمت أنّه ليس من الرزق، وحملتها إلى الدار، وعرّفته خبرها.
فقال لي: أنفق منها ما وقّعت به إليك، واحفظ الباقي، فليس في كلّ وقت يتّفق لنا مثل هذا.
ومضى على الحديث أيام، ودعا دعوة، فيها صاعد بن مخلد «٣» ، وإليه- إذ ذاك- عدّة دواوين، وجماعة من الكتّاب، وأكلوا، وناموا، وانتبهوا.
فإذا كاتب من كتّاب أحمد بن صالح بن شيرزاد، يستأذن عليّ، فاستأذنت لدخوله على مولاي، وكانوا قد بدأوا بالشرب.
فترك مولاي المجلس، وخرج إلى بيت الخلوة، واستدعى الرجل، فأدخله إليه.
فسمعته يقول: أخوك أبو بكر، يقرأ عليك السلام- يعني أحمد بن صالح- ويقول لك: أنت تعرف رسمي مع صاحب بيت المال، وأنّ
стр. 2532
محاسبته [١١] في سائر الأموال إليّ، وأنا إذا تمّت ثلاثون يوما، وجّهت صاحبي إلى حساب بيت المال، فحمله مع صاحب بيت المال، لينظّم دستور الختمة «١» بحضرتي، وأصحّح حكاياتها.
ونحن منذ عشرة أيام في هذا، حتى انتظمت الحسبة، ولم يبق إلّا ثلاثون ألف دينار، ذكر صاحب بيت المال، أنّك خرجت إليه، من حضرة أمير المؤمنين، فأمرته بحملها إلى خادمك نافذ، ولست أدري في أية جهة صرفت؟
ولا في أي باب أثبتها؟ ولا ما الحجة فيها؟
قال: فأجابه مولاي بلا توقّف، وقال: أخي أبو بكر- والله- رقيع، أسأل أنا الخليفة، في أي شيء صرف ما أمر أن يحمل إلى حضرته؟ يجب أن يكتب في الختمة: وما حمل إلى حضرة أمير المؤمنين في يوم كذا وكذا، ثلاثون ألف دينار.
قال: فقام الكاتب خجلا، ومرّ ذلك في الحساب على هذا، فما تنبّه أحد عليه، وحصل له المال «٢» .
стр. 2533
١٢ الوزير ابن الفرات يستولي على أموال المصادرات
قال أبو الحسين، فقال لي سليمان، بعقب هذه الحكاية:
ما رأيت لهذه الفعلة شبيها، إلّا ما عمله ابن الفرات، في وزارته الأولى، فإنّه نصب يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، الجهبذين، فلم يدع مالا لابن المعتز «١» ، ولا للعباس بن الحسن «٢» ، ومن نكب، وبل في الفتنة، وما صحّ من مال المصادرين، وغيرهم ممّن يجري مجراهم، إلّا أجراه على أيديهما، دون يد صاحبي بيت مال العامة والخاصة.
وأفرد لذلك ابن فرجويه «٣» ، كاتبه، يحاسبهما، ولا يرفع لهما حساب إلى ديوان من الدواوين.
فلما كان في السنة التي قبض عليه فيها، كتب كتابا عن نفسه إلى مؤنس الخادم «٤» صاحب بيت المال، ذكر فيه: أنّه حوسب يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، على ما حصل عندهما من كيت وكيت- حتى استغرق
стр. 2534
تلك الوجوه- فكان الباقي قبلهما- بعد الذي حمل إلى حضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وصرف في مهمّات أمر بها هو، والسادة «١» أيّدهم الله- من الورق «٢» ، ألف ألف، وأربعمائة وسبعين ألف درهم، وخمسمائة وستة وأربعين درهما، وأمر بقبض ذلك منهما، وإيراده بيت مال الخاصة «٣» .
فقبض مؤنس منهما تلك البقيّة، ومضى الأصل [١٢] كله، لا يعرف في أي شيء صرف، وكان مبلغه، فيما ظنّه الكتاب، وكانوا يتعاودونه، نحو ألف ألف دينار، فإنّ ابن الفرات فاز بجميعها، ولم تقم بها حجة عليه.
قال أبو الحسين: فحدّثني أبي بعد ذلك، قال:
لما قّلدني عليّ بن عيسى، في وزارته الأولى، ديوان الدار، الجامع للدواوين، أمرني بإحضار هذين الجهبذين «٤» ، ومطالبتهما بختماتهما «٥» ، لما كان حصل في أيديهما، في وزارة ابن الفرات الأولى، من الجهات التي تقدّم ذكرها.
فاستدعيتهما، وطالبتهما، فأحالا على أن ابن الفرات، أخذ حسابهما، ولم يدع عندهما نسخة منه.
فأمرني بحبسهما، وتهديدهما، ففعلت ذلك.
فأحضراني حسابا مبتورا، ذكرا أنهما وجداه، فرأيته غير منتظم.
стр. 2535
فلم أزل أرفق بهما، إلى أن أقرّا أنّه قد وصل إليهما من فضل الصرف، فيما بين ما ورد عليهما، وبين ما أنفقاه، مائة ألف درهم، فجعلتها عشرة آلاف دينار، وقررت أمرهما عليها، وأخذت بها خطوطهما.
فلم يقنع عليّ بن عيسى بذلك، وأخذهما من يدي، وسلّمهما إلى حمد ابن محمد «١» وكان إليه ديوان المغرب، وأمره أن يتتبّع أمرهما بنفسه، وكان حسن الكتابة، ولم يعرّفه أني أخذت خطّهما بشيء.
فتتبّع حمد ذلك، فلم يجد في الحساب، إلّا إحالات على «حمل إلى الخليفة، والسادة» ، وأشياء صرفت إلى خاص ابن الفرات.
فقال له حمد: هذا كله مزوّق «٢» ، والقوم معهم حجج بالابراء، وما عليهم طريق، وابن الفرات كان أجلد من أن يدع هؤلاء يفوزون بجبّة من المال.
فردّهما إليّ، وقال: اجتهد في أن تأخذ منهما مائتي ألف دينار «٣» .
فقلت: لا يمكن ذلك.
فقال: اعمل على أنك طالبتهم بمرفق لنفسك بتمام مائتي ألف درهم.
فقلت له: فإذا فعلت هذا، فأي شيء أعمل أنا لنفسي؟
فقال: خذ منها عشرين ألف درهم، وألزمهما مائة وثمانين.
قال: فخرجت، وجددت بهما، إلى أن ألزمتهما ذلك، وأخذت لنفسي منه ما قال.
стр. 2536
فلما فرغنا من ذلك، أخذنا بها خطوطهما، وأخذنا لهما خطّه بالبراءة من ذلك.
فقال لي عليّ بن عيسى: سأريك موضعي أنا من العمل [١٣] ، وأنّ للرئيس في كل أمر موضعا لا يقوم فيه أحد مقامه.
فاستحضرتهما إلى حضرته، وأنا في مجلسه، فقال لهما: تريدان مني أن أزيل عنكما تبعة، إن لم أزلها بقيت عليكما، وعلى ورثتكما، أبد الدهر؟
لست أفعل هذا إلّا بشيء يقرب، لا ضرر عليكما فيه، وهو: أنّي أحتاج في كل هلال، إلى مال أدفعه في ستة أيام من ذلك الشهر، إلى الرجّالة، ومبلغه ثلاثون ألف دينار، وربما لم يتّجه في أول يوم من الشهر، ولا الثاني، وأريد أن تسلفاني في أول كل شهر، مائة وخمسين ألف درهم، ترتجعانها من مال الأهواز في مدة الشهر، فإنّ جهبذة الأهواز إليكما، فيكون هذا المال سلفا لكما أبدا، واقفا، لأضيف إلى هذا المال، الوظيفة التي على حامد، التي ترد في أول كل شهر، وهي عشرون ألف دينار، فيكون ذلك بإزاء مال القسط الأوّل من النوبة، فيخف عنّي ثقل ثقيل.
فتأبيا ساعة، فلم يفارقهما حتى استجابا لذلك.
فقال لي علي بن عيسى: كيف رأيت؟
فقلت: ومن يفي بهذا إلّا الوزير، أيده الله تعالى.
قال: وكان علي بن عيسى، إذا حلّ المال، وليس له وجه، استسلفه من التجار على سفاتج قد وردت من الأطراف، فلم تحلّ «١» ، عشرة آلاف دينار، بربح دانق ونصف فضّة في كل دينار «٢» ، وكان يلزمه في كل شهر ألفان وخمسمائة درهم أرباحا.
стр. 2537
فلم يزل هذا الرسم يجري على يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران، ومن قام مقامهما، مدة ست عشرة سنة، وبعد وفاتهما، لأنهما ما صرفا إلى أن ماتا، وكانا قد تقلدا في أيام عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان السلطان لا يرى صرفهما، ليبقى جاه الجهبذة مع التجّار «١» ، فيقرض التجار بالجهبذ، إذا وقعت الضرورة، ومتى صرف الجهبذ، وقلّد غيره، ولم يعامله التجار، وقف أمر الخليفة «٢» .
стр. 2538
١٣ الصناعة نسب
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثني أبو بكر محمد بن جنّي الكاتب، وكان أبوه مغنّيا، وهو من أعيان الكتّاب، قال: [حدّثني] ابن ثوابة الكاتب، قال: حدّثني أبو الفرج «١» عن نجاح بن سلمة، عن أبيه «٢» ، عن الفضل بن مروان «٣» ، قال:
كنت أتولى مجلس الحساب، من قبل صاحب ديوان الرشيد، وكان يجيئنا إلى الديوان، شيخ من بقايا كتّاب [١٤] بني أمية، وكان صاحب الديوان يقول لنا: هذا أكتب أهل زمانه، وكان يلبس درّاعة وقلنسوة كأكسية النصارى، وخفّا أحمر، وكان هذا زيّ المتعطّلين من الكتّاب إذ ذاك، وكان صاحب الديوان يكرمه جدّا.
فصار إليّ في يوم من الأيام لحاجة عرضت له، وأنا متشاغل بعمل مهمّ قد طلبه الرشيد، وأنا جالس حيال صاحب الديوان أعمله، فقصرت في حقّ الشيخ.
стр. 2539
ولا مني صاحب الديوان على تقصيري به، ووبخني، فاعتذرت إليه بشغل القلب.
فلما كان بعد أيام جاءني، فزدت في إكرامه، وقمت إليه، وجلست بين يديه.
فأقبل على صاحب الديوان، فقال: أحسبك عاتبت فتانا على تقصيره أولا.
ثم أقبل عليّ، وقال: يا فتى، كنّا نعدّ الصناعة «١» نسبا، والنعمة «٢» نسبا، واللغة نسبا، والنحلة «٣» نسبا.
стр. 2540
١٤ كيف اتصل الفضل بن مروان بالمأمون ووزّر له
حدّثنا أبو الحسين قال: حدّثنا أبو عبد الله الباقطائي «١» ، قال: حدّثني أبو الفضل عون بن هارون بن مخلد بن أبان، وكان كاتب المأمون، على ديوان الضياع، قال: [قال] ميمون: سمعت الفضل بن مروان يقول:
لا ينبغي لأحد أن يحقر أحدا، ولا يأيس من علوّه، فإني كنت في حداثتي أتوكّل لهرثمة بن أعين «٢» في مطبخه، أيام الرشيد، وكان بخيلا، وكان له خادم يشرف على مطبخه، وأجرى عليّ خمسة عشر درهما في الشهر، ووظيفة خبز.
فلما كثر توفيري عليه، صيّرها عشرين درهما.
وكنت لا آكل من مطبخه شيئا، فسأل الخادم عن أكلي، فعرّفه أنّي لا آكل، فأمره أن يطعمني من المطبخ كلّ يوم، ويوفّر الوظيفة على منزلي.
فدعا يوما دعوة عظيمة، فوفرت عليه في الأسعار ألف درهم، وعرضت عليه بذلك عملا، فسرّه، وحسن موقعه منه، وكان بخيلا جدا.
فقال لي يوما: قد استحققت الزيادة، فكم تحب أن أزيدك؟
فقلت: لا أقلّ من عشرة دراهم أخرى.
فقال: هذا كثير، ولكن أربعة دراهم.
стр. 2541
فأيست من خيره، واتفق له بعد ذلك، خروج عن مدينة السلام، فتعاللت عليه، ولم أتبعه، ولزمت الديوان، وتعلّمت، فصرت كاتب مجلس في ديوان الرشبد «١» ، وكان ذلك أوّل إقبالي [١٥] ، وتخرّجت، وزادت حالي مع الأيّام.
فلما ولي المأمون، وعظّم من أمر المعتصم، كان المعتصم شديد المحبّة للصيد، وكنت في فتنة محمد المخلوع، قد صرفت ما كنت جمعته في ضياع وبساتين بالبردان «٢» وصاهرت بعض تنّائها، واجتمعت لي حال، فلما انجلت الفتنة، كنت من وجوه البردان.
فاجتاز بها المعتصم، منصرفا من صيده، متسرّعا، وليس معه من أصحابه كبير أحد.
فاجتاز في الطريق، وأنا واقف على بابي، فتوسّمت فيه الجلالة، وقدّرته أحد وجوه القوّاد.
كان لي وعد على عامل البلد، أن يكون ذلك اليوم في دعوتي، وقد أعددت له طعاما، وفيه جداء، وحلوى، وفاكهة كثيرة، وثلج استدعيته من بغداد، وكان قبل ذلك بساعة، قد جاءني خبر العامل، أنّه عرض له مهمّ في السواد، فخرج لوقته.
فلما رأيت المعتصم، وتوسّمت فيه الجلالة، قلت: لم لا أحلف على هذا القائد، وأضيفه عندي على هذا الطعام المعدّ؟
قال: فكلّمته، وسألته النزول عندي.
فأجاب، ونزل، وأكل، وشرب، وأنفذت في الحال، فاستدعيت له
стр. 2542
قيانا، وجلس يشرب، وقد انبسطت بين يديه، وخدمته.
فنحن نشرب، انبثّ الجيش في طلبه، وعرفوا خبره، وأحاطوا بالدار، فعرفت حينئذ، أنّه أخو الخليفة، فهبته.
فبسطني، وسألني عن شرح حالي، فعرّفته، فقال: لا بد أن تجيء معي إلى بغداد.
وقلّدني بعض أموره، ثم تزايدت حالي عنده، إلى أن جمع لي جميع أمره، ورياسة كتّابه.
ثم خلطني بخدمة المأمون، وقلّدني ديوان الخراج مضافا إلى كتبة أخيه.
ثم رقّيت إلى الوزارة، من تلك الحال التي كنت عليها مع هرثمة.
قال أبو الحسين: ما رؤي في الدولة العباسية، من الكتّاب، من اتّصل تصرّفه منذ نشأ، إلى أن مات، وتردّدت ولايته الوزارة، وديوان الخراج، وديوان الضياع، من غير أن يتعطّل، أحد، غير الفضل بن مروان.
وصادره المعتصم على أربعين ألف ألف درهم [١٦] ، فأداها بغير مكروه «١» .
стр. 2543
١٥ الخليفة المعتصم يصادر وزيره
وسمعت حامد بن العباس «١» ، يحكي: أنّه سمع صاعدا «٢» ، يقول:
حدّثني أحمد بن إسرائيل، قال: حدّثني الفضل بن مروان، قال:
ما في الأرض أجهل من وزير يطلب الخليفة منه مالا، وهو في ولايته، فيعطيه إيّاه، فإنّه يطمعه في نعمته، وإنّما يدفع النكبة مدة، ثم تحدث، وقد ذهب المال.
فمن ذلك: أنّ المعتصم، لما خرج لغزو الروم، وأنا وزيره، استخلفني على سر من رأى، واستخلف لي بحضرته، محمد بن الفضل الجرجرائي.
فلما عاد، طمع فيّ، فقال لي: قد وردت، والمال [نزر] ، والجيش مستحق، فاحتل لي مائة ألف دينار، من مالك وجاهك، ففعلت.
فلما مضى شهر، طلب مني على هذا السبيل، خمسين ألف دينار، ففعلت.
فطلب منّي في الدفعة الثالثة، بمثل هذا الوجه، ثلاثين ألف دينار، فوعدته بها، ودافعته أياما، ثم حملتها إليه.
فبلغني عنه، أنّه قال لابنه الواثق: هذا النبطي، ابن النبطية، أخذ مالي جملة، وهو ذا يتصدّق به عليّ تفاريق.
ثم قبض عليه، بعد أيّام، وأخذ منه أربعين ألف ألف درهم.
стр. 2544
١٦ العمارة والتوفير أولى واجبات الوزير
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد الملك التواريخي، وكان شيخا قد عني بجمع التواريخ، فلقّب بها، وكان يجلس في الجامع إلى جانب الزجّاج «٢» ، ويعظّمه، قال: سمعت المبرد «٣» يقول:
كنت أصحب الفضل بن مروان «٤» ، فذكر بحضرته- في أيّام الواثق- عظم بناء أحمد بن الخصيب «٥» بسرّ من رأى، وأنّه استعمل في سقف دهليز داره سبعين قارية ساج، والقارية: ساجة عظيمة، تستعمل صحيحة «٦» ، فقال الفضل: ما كانت لي في حياتي «٧» ، لذّة في بناء، ولا فرش، ولا غلمان، ولا جوار، ولا مفاخرة بمروءة، وإنما كانت لذّتي في العمارة
стр. 2545
والتوفير، ولهذا اتّصلت مدّتي في صحبتهم.
ولعهدي، وقد وليت للمأمون ديوان الخراج، فوجدت الأهواز «١» ، قد اختلّت ببثق سدّ أبطل العمارة، فأنفقت عليه، مائة ألف دينار، وجددت في عمارة النواحي، وكانت كور الأهواز [١٧] ، إذ ذاك، قد ارتفعت بأربعة وعشرين ألف ألف درهم للسلطان، فضمنتها له بثمانية وأربعين ألف ألف درهم، صالحة للحمل.
стр. 2546
١٧ السبب في علو حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان مع المتوكّل
حدّثنا أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفرج محمد بن جعفر بن حفص الكاتب قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت نجاح بن سلمة، يقول:
إنّ السبب في علوّ حال عبيد الله بن يحيى بن خاقان، مع المتوكل، أنّ أباه يحيى بن خاقان بن موسى، تقلّد ديوان الخراج في أيام المتوكل، فقلّد ابنه أبا محمد عبد الله، مجلسا من مجالس الديوان، ولم ير عبيد الله، أهلا لمثل ذلك.
فغضب على أبيه، وصار إلى الفضل بن مروان، وهو يتقلّد ديوان الضياع، فلزمه، وخطّ بين يديه.
وكانت أرمينية «١» تجري في ديوان الضياع، وكان على أهلها مقاطعة فضلها مال جليل، فامتنع الفضل من إمضائها لهم، وعرض عليه مرفق مائة ألف درهم، فأبى قبولها، وطرحوا نفوسهم على أكثر الوجوه بسرّ من رأى، فلم يجب أحدا إلى ذلك، فلجأوا إلى عبيد الله بن يحيى، وسألوه مسألته، لما ظهر من اختصاصه به، ونفاقه عليه.
فخاطبه في أمرهم، فتذمّم «٢» من رده، لأنّه ما كان «٣» يعمل معه بالرزق، ولا له نفع، وكانت حاله قويّة، وإنّما أراد التصرّف مراغمة لأبيه، وجعل
стр. 2547
ذلك كالمرفق له، والصلة، فأجابه، وأمضى المقاطعة.
فحمل إليه القوم خمسة آلاف دينار، فردّها، وقال: ما كنت لآخذ على معروفي ثمنا.
فلما خرجوا إلى أرمينية، أحبّوا مهاداته، ومكافأته، فاستعملوا له فرش بيت أرمنيّ ببساط عظيم، ومصلّيات، وأنخاخ، ومساور، ومخادّ، ودست، وستور «١» ، وأذهبوا الجميع، وكتبوا عليه كنيته واسمه، ولم يكن رؤي قط مثله حسنا وجلالة، وحملوه إليه.
واتفق أنّه وكّل المتوكل، تلك السنة، بالطرق، وأمر أن لا يدخل شيء من الأمتعة، أو يعرض عليه، فعرض عليه البيت، في جملة ما جيء به من أرمينية، فاستهوله، وقال: من هذا [١٨] الرجل؟
فقالوا: هو عبيد الله بن خاقان.
стр. 2548
قال: وأي شيء إليه، حتى يستعمل له هذا العمل؟ لعلّ هذا مرفق لأبيه؟
فقيل له: إنّ أرمينية تجري في ديوان الضياع، ولا معاملة بينه وبين أبيه.
فاستشرح الصورة، ونقّر عليها، إلى أن حدّث الحديث على صحّته.
فاستحسن ذلك من فعل عبيد الله، وأمر بتسليم فرشه إليه، وقال: هذا فتى يدل فعله، على كبر همّته.
فلما صرف محمد بن الفضل الجرجرائي، عن وزارته «١» ، قال: قد استغنيت عن وزير، لأنّ أصحاب الدواوين، يعرضون أعمالهم عليّ، والتاريخ يجعل باسم وصيف التركي، فأجرى الأمر على ذلك مدة.
ثم إنه احتاج إلى كاتب يكون بين يديه، في أبنيته، والتوقيعات في المهمّ الذي يأمر به من حضرته فيها، وفي غيرها، إلى أصحاب الدواوين، وغيرهم، فأمر أن يطلب له حدث من أولاد الكتاب، ينصبه لذلك.
فسمي له جماعة، منهم: عيسى بن داود بن الجراح، وأبو الفضل بن مروان، وجماعة، وكان فيهم عبد الله وعبيد الله، ابنا يحيى بن خاقان.
فحين مرّ على سمعه ذكر عبيد الله، ذكر حديث الفرش، فاختاره، ولم يزل حاله يرقى معه، إلى أن استوزره.
стр. 2549
١٨ ابن شيرزاد يتحدث عن عمله في ديوان الضياع الخاصّة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد الكاتب «١» ، قال:
لمّا تقلّد أبي ديوان الضياع المعروفة بغريب الحال «٢» ، استخلف أخي أبا الحسين، زكريا بن يحيى على الديوان، وأجرى له عشرين دينارا في الشهر، وأجرى عليّ عشرة دنانير برسم التحرير في هذا الديوان، فأنفت من ذلك، ولم أقبل الرزق، ولا العمل.
ومضيت إلى ديوان الضياع الخاصّة، وكان يليه، إذ ذاك، أبو حامد محمد ابن الحسن، الملقب (بسودانية) ، فلم ألقه، ولا توسّلت إليه، بما كان بين أبي وبينه.
ولزمت الديوان بحضرة أبي يوسف عبد الرحمن بن محمد بن سهل المعروف بالمرمّد، وإليه كان مجلس الحساب في هذا الديوان، مدة [١٩] شهر، وكنت أتعلّم.
فبلغ أبا حامد خبري، ولم أكن- إذ ذاك- بلغت عشرين سنة، ولا قاربتها، فاستحضرني، فدخلت إليه، فعاتبني على تركي الدخول إليه،
стр. 2550
والتعرّف إليه، وأمرني بملازمة حضرته، وأجرى لي درجين وثبتا وقرطاسا في كل يوم، وقال: سوّد فيها، وتعلّم الخط.
فلما كان بعد أيام، فرّقت أرزاق الكتّاب لشهر واحد، فوقّع إلى خازنه، المتولّي للتفرقة، أن يحمل إليّ، بقيمة عشرين دينارا، ثلاثمائة درهم، وقال: قد أجري لك هذه في كل شهر.
فصرت إلى أبي، فأريته إيّاها، وقلت: قد فعل الله بي خيرا ممّا فعلت.
فقال: خذ الآن العشرة، والزم موضعك، ليصير لك ثلاثين دينارا في الشهر.
فأخذتها، وكان هذا أوّل إقبالي «١» .
стр. 2551
١٩ البحتري وأبو معشر يؤصلان عند المعتز أصلا
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «١» ، قال:
لما أنفذ أبي «٢» إلى مصر، اجتذبت البحتري وأبا معشر، فكنت آنس بهما، لوحدتي، وملازمتي البيت، وكانا في أكثر الأوقات، يحدّثاني، ويعاشراني.
فحدّثاني يوما: أنّهما أضاقا في وقت من الأوقات، إضافة شديدة، وكانا مصطحبين، فعرض لهما أن يلقيا المعتز «٣» ، وهو محبوس، ويتوددان إليه، ويؤصّلان عنده أصلا، فتوصّلا إليه، حتى لقياه في حبسه.
قال: فقال لي البحتري: فأنشدته أبياتا، كنت قلتها في محمد بن يوسف الثغري «٤» ، لما حبس «٥» ، وجعلتها إليه، وهي:
стр. 2552
جعلت فداك الدهر ليس بمنفكّ ... من الحادث المشكوّ والحدث المشكي
وقد هذّبتك النائبات وإنّما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
على أنّه قد ضيم في حبسك العلى ... وأصبح عزّ الدين في قبضة الشرك
فأخذ الرقعة التي فيها الأبيات، ودفعها إلى خادم كان معه، وقال:
غيّبها واحتفظ بها، فإن فرّج الله عني، فأذكرني بها، لأقضي حقّ هذا الرجل.
قال أبو معشر: وكنت قد أخذت مولده، وعرفت وقت عقد البيعة للمستعين «١» ، ووقت [٢٠] البيعة بالعهد من المتوكل للمعتز، ونظرت فيه، وقد صحّحت النظر، وحكمت له بالخلافة، بعد فتنة وحروب، وحكمت على المستعين بالخلع والقتل، فسلّمت ذلك إليه، وانصرفنا.
قال وضربت الأيام ضربها، وصحّ الحكم بأسره، فدخلنا جميعا، إلى المعتز، وهو خليفة، وقد خلع المستعين، وكان المجلس حافلا.
قال أبو معشر: فقال لي المعتز: لم أنسك، وقد صحّ حكمك، وقد أجريت لك مائة دينار في كل شهر رزقا، وثلاثين دينارا نزلا، وجعلتك رئيس المنجمين في دار الخلافة، وأمرت لك عاجلا بألف دينار صلة.
قال: فقبضت ذلك عاجلا كله في يومي.
قال البحتري: وأنشدته أنا في ذلك اليوم، قصيدتي التي مدحته بها، وهنّأته، وهجوت المستعين، وأوّلها:
стр. 2553
يجانبنا في الحبّ من لا نجانبه ... ويبعد عنّا في الهوى من نقاربه
حتى انتهيت إلى قولي:
وكيف رأيت الحقّ قرّ قراره ... وكيف رأيت الظلم آلت عواقبه
ولم يكن المغترّ بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتزّ بالله طالبه
رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعرّي من برد النّبي مناكبه
وقد سرّني أن قيل وجّه مسرعا ... إلى الشرق تحدى سفنه وركائبه
إلى واسط نحو الدجاج ولم تكن ... لتنشب إلّا في الدجاج مخالبه
فضحك، واستعاد هذه الأبيات مرارا، فأعدتها.
فدعى بالخادم، وطلب الرقعة التي فيها أبياتي التي أنشدته إيّاها في حبسه، فأحضره إياها، بعينها.
فقال: قد أمرت لك لكلّ بيت في الرقعة بألف دينار، وكانت ستة، فأعطيت ستة آلاف دينار.
وقال لي: كأنّي بك، وقد بادرت، فاشتريت غلاما، وجارية، وفرسا، وفرشا، وأتلفت المال، لا تفعل، فإنّ لك، فيما تستأنفه من أيّامك معنا، ومع وزرائنا وأسبابنا، إذا علموا موقعك منّا، غناء عن ذلك، فاشتر بهذا المال ضيعة ببلدك، تقوم في أدناها فترى أقصاها، ويبقى لك أصلها، وتنتفع بغلّتها، كما فعل ابن قيس الرقيات، بالمال الذي وصله به عبد الله بن جعفر.
فقلت: السمع والطاعة، وخرجت، فعملت [٢١] بما قاله، واعتقدت بالمال ضيعة جليلة بمنبج «١» ، ثم تأثّلت حالي معه، وأعطاني، وزاد وما قصّر.
стр. 2554
٢٠ ضيعة البحتري في حيازة حفيد ولده
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفتح بن جعفر بن محمد بن الفرات «١» ، بعد عوده من مصر والشام، في أيّام الراضي، وتقلّد الوزارة «٢» ، قال:
اجتزت في رجوعي هذا، إلى مدينة السلام، بمنبج، فرأيت ضياعا في نهاية العمارة والحسن.
فسألت عنها، فقيل: هي أقطاع البحتري الشاعر وأملاكه.
فقلت: لمن هي اليوم؟
فقيل لي: هي اليوم في يد ابن ابنة ابنه أبي الغوث.
فقلت: هذا نسب طويل، وأمرت الحسن بن ثوابة بقبضها.
فلما كان من الغد، جاءني رجل متكهّل «٣» ، في زيّ الجند، وذكر أنّه صاحب الضياع، وقال: يا سيدي، هذه الضياع التي قال جدّي البحتري بسببها:
وما أنا والتقسيط إذ تكتبونه ... ويكتب قبلي جلّة القوم أو بعدي
وأنشدني هذه الأبيات كلّها، وقال: ذاك بكاء لأجل تقسيط يسير، فكيف يكون حالي، إذا قبضت هذه الضياع؟
قال: فتذمّمت أن أكون سبب ذهاب معيشته، فأطلقت له عنها.
стр. 2555
٢١ عامل يصفع عند المطالبة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الفتح، قبل تقلّده الوزارة الأولى «١» بمدّة طويلة، قال: حدّثني أبي «٢» ، قال:
صرفت محمد بن سيف العامل، عن بادوريا «٣» ، وتقلّدتها، فاستدركت عليه أشياء كثيرة، وطالبته بها، فلم يردّ فيها شيئا.
فأخرجته يوما إليّ، وناظرته، فأقام على أمر واحد، فاغتظت عليه وأمرت بصفعه، فلم يتأوّه، ولم يزل يصيح: واحدة، فإذا صفع أخرى قال: ثانية.
وعلى هذا، إلى أن صفع ثلاث عشرة صفعة.
فتعجّبت من عدّه، وقلت: يا هذا، ويحك أيّ فائدة لك في العدّ؟
وأن لا تستعفي.
قال: أنا أعدّد ذلك- أعزّك الله- لأصفعك بعدده، بعد أيّام، إذا صرفتك، وتقلّدت مكانك، فلا أظلمك بالزيادة، ولا تفوز بالنقصان.
قال: فأخجلني، فقلت: قم، في غير حفظ الله إلى منزلك.
فأطلقته، وذهب المال.
стр. 2556
٢٢ حمال مستور
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا نفطويه «٢» ، قال: حدّثنا ثعلب «٣» ، قال:
كان عندنا في الحربية «٤» ، حمّال مستور [٢٢] ، يوصف بالزهد، وكان لا يحمل لأصحاب السلطان شيئا «٥» ، وكان إذا حمل على قدر قوته- على ضيق- لم يزدد عليه شيئا، وأراح نفسه، ولا يحمل إلّا كارة «٦» خفيفة، مثل لحم وفاكهة، وما يكون قدره خمسين رطلا أو نحوه.
قال: فاتّبعته يوما، وهو لا يعلم أنّي خلفه، فرأيته يضع رجلا، ويقول: الحمد لله، ويرفعها، ويقول: أستغفر الله.
فقلت له: لم تفعل هذا؟
فقال: أنا بين نعم لله، وذنوب، فأنا أحمده- على نعمه، وأستغفره من ذنوبي.
стр. 2557
فأردت امتحانه، فقلت: ما تقول في عليّ وأبي بكر؟
فقال: إذا نشرت الدواوين، ووضعت الموازين، أأسئل عن ذنوبي، أم عن تفضيل أبي بكر وعلي؟
فقلت: بل عن ذنوبك.
فقال: فلي في نفسي شغل عن معرفة الأفضل منهما «١» .
стр. 2558
٢٣ حامد بن العباس وبوّاب الوزير إسماعيل بن بلبل
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت حامد بن العباس «١» يقول:
ما في الدنيا أضرّ على الإنسان من مداجاة العدوّ، وينبغي أن تشهر ما بينك وبين عدوّك، حتى لا يقبل قوله فيك.
قال، وسمعته يقول: ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير، أكثر من منفعته بالكبير.
فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن بلبل «٢» ، لما حبسني، جعلني في يدّ بوّاب، كان يخدمه قديما، قال: وكان رجلا حرّا، فأحسنت إليه، وبررته، وكنت أعتمد على عناية أبي العباس بن الفرات.
وكان البوّاب قديم الخدمة لإسماعيل، يدخل إلى مجلس الخاصة، ويقف بين يديه، فلا ينكر ذلك خدمه عليه، لسالف الصحبة.
فصار إليّ في بعض الليالي، فقال: قد حرد الوزير على ابن الفرات، وقال له: ما يكسر المال على حامد غيرك، ولا بد من الجدّ في مطالبته بباقي مصادرته، وسيدعو بك الوزير في غد إلى حضرته، ويهدّدك.
فشغل ذلك قلبي، فقلت له: فهل عندك من رأي؟
فقال: اكتب رقعة إلى رجل من معامليك، تعرف شحّه، وضيق نفسه،
стр. 2559
والتمس منه لعيالك ألف درهم يقرضك إيّاها، واسأله أن يجيبك على ظهر رقعتك، لترجع إليك، فتخرجها، فإنّه لشحّه وسقوطه، يردّك بعذر، واحتفظ بالرقعة، فإذا طالبك الوزير، أخرجتها [٢٣] إليه، وقلت:
قد أفضت حالي إلى هذا، وأخرجتها على غير مواطأة، فلعلّ ذلك ينفعك.
ففعلت ما قاله، وجاءني جوابه بالردّ، كما حسبنا، فشددت الرقعة معي.
فلما كان من غد، أخرجني الوزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وأقرأته إيّاها، ورقّقته، وتكلّمت، فلان واستحيا، وكان ذلك سبب خفّة أمري، وزوال محنتي.
فلمّا تقلّدت في أيّام عبيد الله بن سليمان «١» ، سألت عن البواب، واجتذبته إلى خدمتي، فكنت أجري عليه خمسين دينارا كل سنة.
وهو باق معي إلى الآن.
стр. 2560
٢٤ عامل مصروف يختبىء في قدر هريسة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، عن جدي عبد الله بن هشام، قال: حدّثني يحيى بن عبد الله الكسكري «١» ، قال:
كنت أكتب لابن البختري الأصغر على مصر، فصرف بسليمان بن وهب «٢» ، وخرج معه ابنه عبيد الله «٣» - وكان يخلفه عليها-.
فجلس العامل ابن البختري لرفع حسابه، وتخلّوا لنظم الحساب، وكنت أغدو وأروح إلى سليمان، أعرض عليه ما أعمل.
وكان قد وكّل بابن البختري، قائدا من قوّاد مصر، معه عدّة من الفرسان، والرجّالة، والغلمان، وكان ابن البختري يقيم لهم الطعام الواسع.
وحضر المهرجان، فتقدّم بأن تحضر قدر النبيذ، وتعمل فيها الهريسة، في الدار التي كان فيها معتقلا.
وكان قصيرا ضئيلا، فجاءوا له بالقدر، وطبخ فيها الهريسة، في جملة الطعام، وأكل الموكلون، وشربوا، وسكروا.
وأعمل هو الحيلة، فجلس في القدر، وغطّيت عليه، وأخرجت، ولم يعرفوا خبره، حتى طلبوه لمّا أفاقوا، فلم يجدوه.
قال يحيى بن عبد الله: ولم أكن أنا عرفت الخبر، فبكّرت إلى سليمان،
следующие страницы →