← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

٢٢ حمال مستور حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا نفطويه «٢» ، قال: حدّثنا ثعلب «٣» ، قال: كان عندنا في الحربية «٤» ، حمّال مستور [٢٢] ، يوصف بالزهد، وكان لا يحمل لأصحاب السلطان شيئا «٥» ، وكان إذا حمل على قدر قوته- على ضيق- لم يزدد عليه شيئا، وأراح نفسه، ولا يحمل إلّا كارة «٦» خفيفة، مثل لحم وفاكهة، وما يكون قدره خمسين رطلا أو نحوه. قال: فاتّبعته يوما، وهو لا يعلم أنّي خلفه، فرأيته يضع رجلا، ويقول: الحمد لله، ويرفعها، ويقول: أستغفر الله. فقلت له: لم تفعل هذا؟ فقال: أنا بين نعم لله، وذنوب، فأنا أحمده- على نعمه، وأستغفره من ذنوبي.

стр. 2557

فأردت امتحانه، فقلت: ما تقول في عليّ وأبي بكر؟ فقال: إذا نشرت الدواوين، ووضعت الموازين، أأسئل عن ذنوبي، أم عن تفضيل أبي بكر وعلي؟ فقلت: بل عن ذنوبك. فقال: فلي في نفسي شغل عن معرفة الأفضل منهما «١» .

стр. 2558

٢٣ حامد بن العباس وبوّاب الوزير إسماعيل بن بلبل حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت حامد بن العباس «١» يقول: ما في الدنيا أضرّ على الإنسان من مداجاة العدوّ، وينبغي أن تشهر ما بينك وبين عدوّك، حتى لا يقبل قوله فيك. قال، وسمعته يقول: ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير، أكثر من منفعته بالكبير. فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن بلبل «٢» ، لما حبسني، جعلني في يدّ بوّاب، كان يخدمه قديما، قال: وكان رجلا حرّا، فأحسنت إليه، وبررته، وكنت أعتمد على عناية أبي العباس بن الفرات. وكان البوّاب قديم الخدمة لإسماعيل، يدخل إلى مجلس الخاصة، ويقف بين يديه، فلا ينكر ذلك خدمه عليه، لسالف الصحبة. فصار إليّ في بعض الليالي، فقال: قد حرد الوزير على ابن الفرات، وقال له: ما يكسر المال على حامد غيرك، ولا بد من الجدّ في مطالبته بباقي مصادرته، وسيدعو بك الوزير في غد إلى حضرته، ويهدّدك. فشغل ذلك قلبي، فقلت له: فهل عندك من رأي؟ فقال: اكتب رقعة إلى رجل من معامليك، تعرف شحّه، وضيق نفسه،

стр. 2559

والتمس منه لعيالك ألف درهم يقرضك إيّاها، واسأله أن يجيبك على ظهر رقعتك، لترجع إليك، فتخرجها، فإنّه لشحّه وسقوطه، يردّك بعذر، واحتفظ بالرقعة، فإذا طالبك الوزير، أخرجتها [٢٣] إليه، وقلت: قد أفضت حالي إلى هذا، وأخرجتها على غير مواطأة، فلعلّ ذلك ينفعك. ففعلت ما قاله، وجاءني جوابه بالردّ، كما حسبنا، فشددت الرقعة معي. فلما كان من غد، أخرجني الوزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وأقرأته إيّاها، ورقّقته، وتكلّمت، فلان واستحيا، وكان ذلك سبب خفّة أمري، وزوال محنتي. فلمّا تقلّدت في أيّام عبيد الله بن سليمان «١» ، سألت عن البواب، واجتذبته إلى خدمتي، فكنت أجري عليه خمسين دينارا كل سنة. وهو باق معي إلى الآن.

стр. 2560

٢٤ عامل مصروف يختبىء في قدر هريسة حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، عن جدي عبد الله بن هشام، قال: حدّثني يحيى بن عبد الله الكسكري «١» ، قال: كنت أكتب لابن البختري الأصغر على مصر، فصرف بسليمان بن وهب «٢» ، وخرج معه ابنه عبيد الله «٣» - وكان يخلفه عليها-. فجلس العامل ابن البختري لرفع حسابه، وتخلّوا لنظم الحساب، وكنت أغدو وأروح إلى سليمان، أعرض عليه ما أعمل. وكان قد وكّل بابن البختري، قائدا من قوّاد مصر، معه عدّة من الفرسان، والرجّالة، والغلمان، وكان ابن البختري يقيم لهم الطعام الواسع. وحضر المهرجان، فتقدّم بأن تحضر قدر النبيذ، وتعمل فيها الهريسة، في الدار التي كان فيها معتقلا. وكان قصيرا ضئيلا، فجاءوا له بالقدر، وطبخ فيها الهريسة، في جملة الطعام، وأكل الموكلون، وشربوا، وسكروا. وأعمل هو الحيلة، فجلس في القدر، وغطّيت عليه، وأخرجت، ولم يعرفوا خبره، حتى طلبوه لمّا أفاقوا، فلم يجدوه. قال يحيى بن عبد الله: ولم أكن أنا عرفت الخبر، فبكّرت إلى سليمان،

стр. 2561

على رسمي، فوجدت عبيد الله جالسا، متشاغلا بطلبه، وقد ضجّ، وهو يقول: أيّ شيء أقبح من أن يتّصل بالخليفة، أنّا عجزنا عن حفظ العامل المصروف، فيقال فينا: كيف يحفظ هؤلاء الأموال، والأعمال، مع عجزهم عن حفظ محبوس؟ وجعل يضرب الناس في التقرير عليه. وأمر بالقبض عليّ، لمّا رآني، فقلت له: أعزّك الله، لو كان عندي علم بالخبر ما جئتك، قال: فصدّق قولي، وكان حضوري سبب [٢٤] خلاصي. قال: ووقع في يده وكيل نصرانيّ لابن البختري، يتوكّل في مطبخه، وكان نبطيّا، وقيل له: إنّه لا يجوز أن يخفى عليه خبره، فجعل يضربه. وكان في المجلس سليمان بن وهب، وأصحاب البرد والأخبار، والناس بأجمعهم. وكنت أحسن النبطيّة، ولم يكن عبيد الله يحسنها. فلما حمي الضرب على الوكيل، كاد أن يقرّ على موضع ابن البختري، ففهم ذلك سليمان، ولم يحب أن يأمره بالإنكار، فيكتب بالخبر، وأراد أن يسلم المنكوب، سلوكا لمذهب الناس قديما، في طلب السلامة، بالإبقاء على أعدائهم. قال: فقال للمضروب كلاما بالنبطية، تفسيره: لا تقرّ، فإنّ الإقرار مثل القير لا ينقلع. قال: فتصبّر الرجل على الضرب، ثم قال سليمان لعبيد الله: إلى كم تضرب هذا البائس؟ لو كان يعرف شيئا لقاله، اقطع عنه الضرب، لا يتلف، فتدخل في دمه. قال: فرفع الضرب عنه، وأطلق من يومه، وأفلت المستتر.

стр. 2562

٢٥ من مكارم أخلاق المأمون حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخيّ «١» ، قال: حدّثنا المبرّد «٢» ، قال: حدّثني الحسن بن سهل «٣» ، لمّا أسنّ، وجلس في بيته، قال: دخلت يوما إلى المأمون، وهو جالس، وبحضرته جماعة من خواصّه، منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب «٤» ، وكان في يده كتاب يقرأه، فلم ينظر إليّ، فوقفت قائما. فقال له إسحاق: يا أمير المؤمنين، أبو محمد، الحسن بن سهل. فقال لي: اقعد، فقعدت. فقال: أحضر دواتك، فأحضرت. فقال: وقّع بتقليد إسحاق بن إبراهيم، جميع أعمال المعاون «٥» بالسواد «٦» ، جزاء له على ما نبّه عليه من تكرمتك يا أبا محمد. فشكرته، ودعوت له، ووقّعت بذلك.

стр. 2563

٢٦ الشاعر الكوفي أبو الحسن البصير أنشدني أبو الحسن محمد بن غسان بن عبد الجبار بن أحمد الداري، الصيدلانيّ، البصري «١» ، قال: أنشدني أبو الحسن عبد الله بن سليمان الكوفي، الضرير، المعروف بالبصير، لنفسه: واحربا ما الذي لقيت أنا ... أحمل في كلّ بلدة شجنا أدخلها وادعا فتجلب لي ... رقة قلبي من أهلها سكنا [٢٥]

стр. 2564

٢٧ الخارجي وصلاة الجمعة حدّثني أبو الحسن محمّد بن غسّان بن عبد الجبار، قال: رأيت بعمان شيخا من الخوارج، قد دخل في يوم جمعة، من ناحية بلد الشراة، إلى السوق بعمان، وكانت طريق الناس إلى الجامع، والناس يتعادون إلى حضور الجمعة، خوفا من فوتها، والخارجيّ ماش الهوينا «١» في حاجته، لا يراعي أمر الجمعة، فإذا بشيخ قد جاء من ناحية الجامع، فالتقيا. فقال الشيخ للخارجي، وهو لا يعرفه، وقدّر أنّه يريد الجامع: إلى أين تمضي يا شيخ؟ وقد صلّى الناس وفاتتك الصلاة؟ فقال الخارجي: يا أبله، إنّما فاتت من أدركها. يريد أنّ التجميع معهم، لا يسقط الفرض الذي هو الظهر، وهو إذا جمعّ معهم ترك الظهر، فتفوته الصلاة الواجبة، وهي الظهر، ويصلّي، ما لا يجزي عنه في مذهبه من تكفيرهم. قال: ولم يفهم الشيخ ما سمعه. وقلت أنا للخارجيّ: أظنّك- أعزّك الله- شاريا؟ قال: فقال: نعم، والحمد لله. قال: وهم يستحبّون أن يقال لهم شراة، ويأبون أن يقال لهم: خوارج، ويذهبون إلى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) «٢» .

стр. 2565

٢٨ أحد القائلين بالتناسخ يدعي أنّ الهرّة أمّة حدّثني أبو الحسن عليّ بن نظيف «١» البغدادي، المعروف بابن السراج، المتكلم، المعروف بالبهشمي «٢» ، قال: كان يجتمع معنا في المجالس ببغداد، شيخ للإماميّة يعرف بأبي بكر بن الفلّاس، وكان طيّبا، فحدّثنا يوما: أنّه دخل على بعض من كان يعرفه بالتشيّع، ثم صار يقول بمذهب أهل التناسخ «٣» ، قال: فوجدته، وبين يديه سنّور سوداء، وهو يمسحها، ويحكّ بين عينيها، ورأسها، وعينها تدمع، كما جرت العادة في السنانير بذلك، وهو يبكي بكاء شديدا. فقلت له: لم تبكي؟

стр. 2566

فقال: ويحك، ما ترى هذه السنور تبكي كلما مسحتها؟ هذه أمّي لا شك، وإنّما تبكي من رؤيتها لي حسرة. قال: وأخذ يخاطبها خطاب من عنده أنّها تفهم عنه، وجعلت السنّور تصيح قليلا قليلا. قال: فقلت له، وأنا معتقد الطنز به «١» : فهي تفهم ما تخاطبها به؟ فقال: نعم. فقلت له: أفتفهم أنت عنها صياحها؟ فقال: لا. فقلت له: [٢٦] فأنت إذن الممسوخ، وهي الإنسان «٢» .

стр. 2567

٢٩ كتاب تعزية كتب محمد بن عيسى، أحد كتّاب زماننا، بتعزية إلى صديق له، قرأته بخطّه، فاستحسنت منه صدره، ونسخته: من سرّه امتداد عمره، ساءته فجائع دهره، بفقد حميم، أو طارق هموم، عادة للزمان معروفة، وسنّة للحدثان «١» مألوفة، وأحقّ من سلّم للأقضية والأقدار، من وهب الله تعالى له جميل الاصطبار، فإن أصابته مصيبة، تلقّاها مسلما، أو [نابته] نائبة، وجدته محتسبا «٢» .

стр. 2568

٣٠ شاعر يقتضي ثواب مديح كتب إليّ عمرو بن محمد بن الأشعث، شاب ورد من عمان، مجتازا بواسط- ذكر أنّه كان من الجند فيها، فزالت نعمته، وهرب حين ملك الديلم عمان «١» - أبياتا في آخر رقعة له، اقتضاني فيها، ثواب مديح، كان أسلفنيه، وهي: مات الرجاء بغيظه فلك البقا ... ولربّما أفضى النعيم إلى الشقا فإن احترقت فمن تلهّب حادث ... لأقلّ منه تلهّبا أن يحرقا إن كان عود الجود جفّ فإنّه ... لم يسق ماء نداك حتى أورقا وأريد منك إذا حرمت مطالبي ... تسعى معي فلعلني أن أرزقا

стр. 2569

٣١ الانتقال في ليلة واحدة من الحرّ إلى البرد حدّثني أبو علي المنتاب، قال: حدّثني أبي، قال: كنّا مع حامد بن العباس في ولايته، يوما، جلوسا في الخيش «١» ، بواسط، في النصف الأخير من تشرين الثاني، لشدّة الحر، فجاء البرد في ليلة، فأصبحنا من غد، وقد لبسنا الخزوز «٢» والمحشوّ «٣» ، وعجبنا من التفاوت بين الحالين في شدّة الحر، وفي شدّة البرد، في ليلة واحدة.

стр. 2570

٣٢ في العافية طعم كل شيء حدّثني أبو عليّ محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده «١» الواسطي، قال: سمعت بعض شيوخنا، يحكي عن إبراهيم الحربي «٢» ، أنّه قال: في العافية طعم كل شيء، وفي الرزق نصر كل شيء.

стр. 2571

٣٣ القاضي أبو خازم والخليفة المعتضد حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام «١» ، قال: سمعت القاضي أبا جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ، الأنباري «٢» ، يحدّث أبي «٣» ، وقد جئت إليه معه نهنّيه بعيد أضحى، فحدّث أحاديث، فقال: حدّثني أبو خازم القاضي «٤» ، قال: كان في حجري أيتام، ذكور وإناث، خلّفهم بعض العمال «٥» ، فرددت أمانتهم، إلى بعض الشهود، فصار إليّ [٢٧] الأمين يوما، وعرّفني أنّ عامل المستغلّات «٦» ، ببغداد، الذي يتولّى مستغلّات السلطان، وعامل بادوريا «٧» ، قد أدخلا أيديهما، في أملاك الأيتام، وذكرا أنّ الوزير عبيد الله ابن سليمان «٨» ، أمرهما بذلك، عن أمير المؤمنين المعتضد «٩» .

стр. 2572

فصرت إلى المعتضد في يوم موكب، فلما انقضى الموكب، دنوت منه وشرحت له الصورة. فقال لي: يا عبد الحميد، هذا عامل خانني في مالي، واقتطعه، ولي عليه مال جليل، من نواحي كان يتولّاها من ضيعتي خاصّة، وما لي عليه بضعف هذه الأملاك التي خلفها. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما تدّعيه عليه يحتاج إلى بيّنة، وقد صحّ عندي أنّ هذه الأملاك أملاكه يوم مات، ولا طريق إلى انتزاعها من يد وارثه إلّا ببيّنة بالمال، هذا حكم الله في البالغين، فكيف في الأطفال؟ قال: فسكت ساعة مطرقا، ثم دعا بدواة، ووقّع بخطّه إلى عبيد الله ابن سليمان، بالإفراج عن الضياع «١» .

стр. 2573

٣٤ دهاء عبدون أخي صاعد بن مخلد حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات «١» ، وكان يخلف أبا نوح عيسى بن إبراهيم «٢» ، على ديوان الضياع، حدّث أنّه: كانت في يد صاعد بن مخلد «٣» ، ضمانات كثيرة، وكانت إليه معاملة مع أبي نوح، وكان صاعد- إذ ذاك- من وجوه الناس، ولم يكن بلغ المبالغ الكبار. فحضر عنده صاعد، أوّل خلافة المعتزّ، ونحن حضور، فطالبه أبو نوح بأموال وجبت عليه، وجرت بينهما مناظرات، أدّت إلى أن تنطّع «٤» في الجواب. فاغتاظ أبو نوح، فأعضّه «٥» ، فردّ عليه صاعد، مثل ما قاله له. فاستعظم الناس ذلك، فاستخفّوا به «٦» ، وقالوا: يا مجنون، يا جاهل، قتلت نفسك، قم، قم.

стр. 2574

وخلّصوه من أن يفتك به أبو نوح في الحال، وقالوا: هذا مجنون، ولم يدر ما خرج من فيه. وانصرف صاعد إلى منزله متحيّرا، لا يدري ما يعمل فيما قد نزل به. فحدّث أخاه عبدونا «١» بما جرى، فقال له: إن لم تطعني، فأنت غدا مقبوض عليك، مطالب من المصادرة بما لا يفي به حالك، ولا حال من عرفك من أهلك، ومقتول بلا شكّ، تشفيّا منك. قال: وما الرأي؟ قال: كم عندك [٢٨] من المال الصامت العتيد «٢» ؟ وأصدقني عن جميعه. قال: خمسون ألف دينار. قال: تسمح نفسك أن تتعرّى منها، وترمي بها كأنّها لم تكن، وتنقذ نفسك وتحرس بدنك، وما بقي من حالك، وضياعك، وعقارك، فتصير من أجلّاء الناس؟ أو لا تسمح بذلك، فتؤخذ الدنانير منك تحت المقارع، وتذهب الضيعة والنعمة كلها، وتذهب النفس؟ قال: ففكّر طويلا، ثم قال: قد تعرّيت عنها في عزّ نفس «٣» . قال: أعطني منها الساعة ثلاثين ألف درهم. قال: خذ. فأخذها، وجاء إلى حاجب موسى بن بغا «٤» ، وقت عتمة، وقال له:

стр. 2575

هذه عشرة آلاف درهم، وأوصلني إلى فلان الخادم. قال: وكان هذا الخادم، يتعشّقه موسى جدا، ويطيعه في كل أمره، وموسى إذ ذاك هو الخليفة، وكتبته كالوزارة، والأمور في يديه، والخليفة في حجره «١» . قال: فأخذ الحاجب المال، وأوصله إلى الخادم، فأحضره العشرين الألف درهم الباقية، وقال: هذه هدية لك، وتوصلني الساعة إلى الأمير، وتعاونني في حاجة أريد أن أسأله إياها، ومشورة أريد أن أشير عليه بها. فأوصله الخادم. فلما مثل بين يديه، سعى إليه بكتّابه، وقال: قد نهبوك، واقتطعوا مالك، وأخربوا ضياعك، وأخي يجعل كتبتك أجلّ من الوزارة، ويتغلّب لك على الأمور، ويوفّر عليك كذا، ويفعل كذا، ويحمل إليك الليلة، من قبل أن ينتصف الليل، خمسين ألف دينار عينا، هدية منه لك، لا يريد عليها مكافأة، ولا يرتجعها من مالك، وتستكتبه، وتخلع عليه غدا سحرا. قال: فقال له موسى: أفكّر. فقال: ليس هذا موضع فكر، وألحّ عليه. قال: وقال له الخادم: في الدنيا أحد جاءه هذا المال العظيم دفعة واحدة، فردّه؟ وكاتب بكاتب، والمال ربح. قال: فأجابه، وصافحه. فقال له: فتنفذ الساعة بمن يحضرك أخي، وتشافهه بذلك. وأنفذ من أحضره، وبات عبدون في الدار، وقلّد موسى كتبته لصاعد،

стр. 2576

في الحال، وأمره بالبكور إليه ليخلع عليه، وتقدّم إلى النقباء «١» بأن يباكروا الرجل ليركبوا معه. قال: وبكّر صاعد، وليس عند أحد له خبر، فخلع عليه موسى بن [٢٩] بغا لكتبته، وركب الجيش على بكرة أبيهم، وانقلبت سرّ من رأى، بظهور الخبر. فبكّر بعض المتصرفين، إلى الحسن بن مخلد «٢» ، وكان صديقا لأبي نوح، فقال له: قد خلع على صاعد. فقال: لأيّ شيء؟ فقال: تقلّد كتبة موسى بن بغا. فاستعظم ذلك، وقال: ثيابي. فأحضرت، فلبس، وركب إلى أبي نوح، فقال له: عرفت خبر صاعد؟ فقال: نعم، الكلب، وقد بلغك ما عاملني به؟ والله لأفعلنّ به ولأصنعنّ. قال: أنت نائم؟ ليس هذا أردت، قد ولي الرجل كتبة الأمير موسى ابن بغا، وخلع عليه الساعة، وركب الجيش معه بأسرهم، إلى داره. فقال له أبو نوح: هذا ما لم نظنّه، بات خائفا، وأصبحنا خائفين منه، فما الذي عندك؟ فقال: أنا أصلح بينكما الساعة. قال: فركب الحسن بن مخلد، إلى صاعد، وهنّأه، وأشار عليه أن يصالح أبا نوح، وقال له: وأنت بلا زوجة، وأنا أجعلك صهره، وتعتضد

стр. 2577

به، فإنّك وإن كنت قد نصرت عليه، فهو من يعلم موضعه، ومحملّه، ويتجمّل بمصاهرته، ومودّته، وأنت حبيب على الرجل. قال: ولم يدعه، حتى أجاب إلى الصلح والصهر. فقال له: فتركب معي إليه، فإنه هو أبو الابنة، والزوج يقصد المرأة، ولولا ذاك لجاءك. قال: فحمله من يومه إلى أبي نوح، واصطلحا، ووقع العقد في الحال بينهما. وزوّج أبو نوح، في مجلسه ذلك، ابنته الأخرى، بالعبّاس بن الحسن بن مخلد، فولدت له أبا عيسى المعروف بابن بنت أبي نوح «١» ، صاحب بيت مال الاعطاء، ثم تقلّد ديوان زمام الجيش لعمّه سليمان بن الحسن، وكان أصغر سنا من أبيه. فكانت كتبة صاعد لموسى، ومصاهرته لأبي نوح، أوّل رتبه العظيمة التي بلغها، ثم تقلّبت به الحال، حتى ولي الوزارة.

стр. 2578

٣٥ حدّة طبع أبي العباس بن الفرات حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو القاسم سليمان بن الحسن «١» ، قال: كنت أخطّ بين يدي أبي العباس بن الفرات «٢» ، في أوّل وزارة عبيد الله ابن سليمان، وأتحقّق به، لأن أبي اصطنع أباه «٣» ، وكنت أشرب معه. فكنّا ليلة على شراب، وقد جرت الأحاديث، فحدّثنا بأخبار عدة من الكتّاب والوزراء، كانت فيهم حدّة. وقال: كان أحمد بن الخصيب «٤» ، يركل المتظلّمين. وكان أبو عبّاد ثابت بن يحيى «٥» ، يضربهم بالمقرعة، إذا كان راكبا.

стр. 2579

وكان أحمد بن أبي خالد «١» ، يشتمهم. وعدّ جماعة [٣٠] ، قال: وكان في أبي العباس، حدّة، وسفه لسان، فسمعنا ذلك منه، ولم نقدم على مواقفته. فلما كان من غد، ركب وأنا معه، في السحر، فلقيه في الطريق، أهل سمطيا «٢» ، يتظلّمون من عاملهم، في شيء ذكروه، فصاح عليهم، وشتمهم. فتقدّم إليه أحدهم، فألحّ عليه في الكلام، فرفسه برجله في الركاب، وقنّعه بالمقرعة، وبصق عليه. فذكرت الحديث الذي حدّثنا به من ليلته، فضحكت. فسمع قهقهتي، فالتفت مبتسما، وقال: من أيّ شيء ضحكت يا عيّار؟ فقلت: زدتنا نتفة «٣» يا سيّدي في ذلك الحديث الذي جرى البارحة. فقال: أو قد حفظته؟ قلت: نعم. قال: فقال لي سليمان بن الحسن: سمعت دفعات لا أحصيها، أبا العباس ابن الفرات، وقد احتدّ طبعه على قوم غضب عليهم، وكان يقول للواحد منهم: يا ابن مائة ألف كرّ خردل مضروبة في مائة ألف مثلها زواني، تشاغل بحساب هذا فهو أنفع لك «٤» .

стр. 2580

٣٦ سفه لسان حامد بن العباس قال أبو الحسين: وما رأينا ولا سمعنا، برئيس أسفه لسانا، من حامد ابن العباس «١» ، فإنه كان لا يردّ لسانه عن أحد البتة، وكان إذا غضب شتم. فمن ذلك: أنّ أبي حدّثني، أنّه كان بحضرته في مجلس حافل، فجاءت أمّ موسى القهرمانة «٢» ، فقالت له: إنّ أمير المؤمنين «٣» أمرني أن أقول لك، في مجلس حفلك، أنّ ابن الفرات «٤» ، كان يحمل إليّ خريطة «٥» في كلّ يوم فيها ألف دينار، وإلى السيدة عشرة آلاف دينار في الشهر، وإلى الأمراء والقهارمة، خمسة آلاف دينار في الشهر، وأنّك قد أخللت» منذ أربعين يوما. فقال لها في جواب ذلك: الساعة قد جئت حادّة محتدّة، تطالبيني بهذا؟ اضرطي والتقطي، واحذري لا تغلطي. قال: فقامت خجلة «٧» ، وكان ذلك أحد أسباب سقوطه عندهم، وغلبة عليّ بن عيسى «٨» على الأمور.

стр. 2581

ومن ذلك: أنّه استحضر ابن عبد السلام العدل «١» ، يطالبه بوديعة، سعي بأنّها عنده لابن الفرات، وأنّ يحيى بن عبد الله الدقيقي، أبا زكريا «٢» ، قرابة أم كلثوم، قهرمانة ابن الفرات، أودعه ذلك [٣١] . فجرى الخطاب بينهما في ذلك، وعليّ بن عيسى حاضر، والخلق من القضاة والأشراف والأولياء، وكنت فيهم، وأنا حدث مع أبي. فقال له: هذا الدقيقي ابن البظراء «٣» ، قرابة أم كلثوم العفلاء «٤» ، تعرفه؟ فقال العدل: الوزير أعزّه الله، أعرف به مني «٥» . ومن ذلك: أنّه قال لابن الحواريّ «٦» ، في دار الخليفة، وأمّ موسى حاضرة، ليلة قدم من واسط ليتقلّد الوزارة، في حديث جرى بينهما: قد نكت أمّه مرتين «٧» . فقالت أمّ موسى: ويلي، أيّ شيء هذا؟ فاستحيا، وقال لابن الحواري: نحن في السواد، إذا غلبنا خصومنا، قلنا، قد نكنا أمّهاتهم «٨» . ومنها: أنّه استحضر الوليد بن أحمد، ابن أخت الراسبي، ليصادره

стр. 2582

بمصادرة قد ووقف عليها، عشية عيد أتى عليه في وزارته، ولم يشغله حضور الناس عنده للتهنئة بالعيد. فأتي بالرجل بجبة صوف، فلما رآه علي بن عيسى، وكان حاضرا، قال: إن رأى الوزير أن يخليني وإياه لأخاطبه، وأقوده إلى امتثال أمره. فقال: افعل. واستدعاه إليه، وجعل يسارّه، وكان عليّ بن عيسى، قريب المجلس من حامد، يسمع عليه ما يخاطبه به. فسمع الوليد يحلف قليلا، قليلا، ما بقيت لي حيلة. فقال لعليّ بن عيسى: يا أبا الحسن، تلومني «١» الساعة، أن أنيك أمّ هذا؟ فقال علي بن عيسى: اللهم غفرا، أي والله، أيّ لوم. قال: وكان ابن عبدوس الجهشياري، الذي ألّف كتاب الوزراء، قائما على رأس عليّ بن عيسى، لأنّه كان يحجب أبا الحسن، وكان أبوه من قبله مضموما إليه رئاسة الرجال، برسم عليّ بن عيسى الوزير، وكان يحجبه أيضا. قال: فتنحّى ابن عبدوس من مكانه، وقال: لعن الله زمانا صرت أنت فيه وزيرا. ومنها: أنّني سمعته، وقد اجتاز على باب دار كنّا ننزلها بشارع الكوفة، إذ ذاك، وأنا قائم على الباب، وقد اتّفق أن كلّمه في الموضع، قوم من أهالي بادوريا، في خراج النخل الشهريز، وأكثروا، وأنّهم يبيعون المائة رطل منه- وهي حمل نخلة- بدرهمين، وخراجها ثلاثة دراهم، وأنّهم يمنعون من قلعه، فإما أذن لهم في ذلك، وإمّا خفّف عنهم من الخراج.

стр. 2583

قال: فصاح عليهم، وقال: ليس لي في هذا نظر، قد صار النظر في هذا وشبهه، إلى عليّ بن عيسى، فامضوا إليه. قال: فانصرف القوم؛ وسار خمس خطى أو نحوها، ثم وقف، وقال: ردّوهم، فردّهم [٣٢] الرجّالة. فقال لهم: كأنّي بكم، تمضون إلى عليّ بن عيسى، وتقولون: قد أحالنا الوزير عليك، وأجابنا، وأمّي إن كنت أجبتكم إلى هذا زانية، وأمكم إن قلتم هذا زانية، وأمّ علي بن عيسى إن أجابكم إلى هذا زانية «١» . ثم سار متوجها إلى بستانه المعروف بالناعورة «٢» ليتنزه. ومن ذلك: أنه كان يجتمع مع عليّ بن عيسى، في دار الخليفة، لما ضمن حامد في وزارته السواد، وصار عليّ بن عيسى مستوفيا عليه، ومطالبا له، فيتناظران في أمر المال، فيحتفيه «٣» . عليّ بن عيسى، بالحجّة، فيعدل هو به إلى السب والسفه، فيقول له عليّ بن عيسى: سلاما، سلاما. يريد بذلك، قول الله تعالى: (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ، قالُوا سَلاماً) «٤» . فلما كثر ذلك على حامد، قال له يوما عقيب سفه جرى عليه منه: كم تذكر سلامه الذي ينيك أختك أسماء «٥» ؟ فقام عليّ بن عيسى، وقال: ما بعد هذا شيء، وتجنّب مخاطبته بعد ذلك. وقال لعليّ بن عيسى مرة بحضرة المقتدر: أنا والله، نكت هذا مرتين، وهو أمرد.

стр. 2584

٣٧ من عجائب صنع الله حدّثني أبو الحسين، قال: رأيت ببغداد، في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وأبي، وأنا، مستتران في الكرخ «١» ، طوّافا، يصيح ويقول: انظروا إلى قدرة الله، في رأس بقرة، برأسين وأربعة أعين، فرأيت ذلك كما وصف. ورأيت معه فرّوجا له ثلاثة أرجل، يمشي بهن، ولا يعرج.

стр. 2585

٣٨ الرياسة دين لا يقضى وحدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبي يقول: لما ولي أبو الحسن بن الفرات، الوزارة الأولى «١» ، لم يبدأ بتقليد أحد، قبل أبي العباس أحمد بن محمد بن بسطام «٢» ، وكان مقيما في مصر، على عطلة، فكاتبه بأجلّ مكاتبة، وقلّده أعمال مصر، وزاده في الدعاء «٣» . وقال: هذا رجل، قد جرت له عليّ رياسة، والرياسة دين لا يقضى «٤» .

стр. 2586

٣٩ ابن الفرات يتعصب لآل نوبخت قال أبو الحسين: وسمعت أنا- في الوزارة الثالثة- أبا الحسن بن الفرات، يقول:- وقد دفع إليه صاحب الخبر، خبرا، فقرأه، وخرّقه- ثم قال: يتمعّضني الناس «١» ، بتعطيلي مشايخ الكتّاب، وتفريقي الأعمال على آل بسطام، وآل نوبخت، والله، لولا أنّه لا يحسن تعطيل نفر من العمال، وقد قلّدتهم، لما استعملت في الدنيا، إلّا آل [٣٣] نوبخت، دون غيرهم. قال أبو الحسين: وإنّما كان يتعصّب لآل بسطام لرياسة أبي العباس عليه «٢» وللمذهب، ويتعصّب لآل نوبخت، للمذهب «٣» .

стр. 2587

٤٠ المعتضد والعمال المنكوبون حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت جماعة من مشايخ الكتّاب، يقولون: كان المعتضد «١» ، إذا نكب رجلا من جلّة العمال ورؤسائهم، وكلّ به من يحفظه من قبله، ولم يمكّن عبيد الله «٢» من نفسه. وربما أمر بصيانته، وشدّد الوصية في أمره، من غير توكيل به من جهته، ولا أطماع في المال. وكان إذا وكّل به، يظهر أنّ التوكيل للمطالبة، وزيادتها، والتشدّد فيها، لا لحفظ نفسه، فيطمع العامل. قال: وكان يقول: هؤلاء من أكابر العمال الذين قد قامت هيبتهم في نفوس الرعية، وعرفوا أقطار البلاد، هم أركان الدولة، وأنداد «٣» الوزارة، والمرشّحون لها، فإن لم تحفظ نفوسهم، وضع ذلك من الأمر، وأثّر فيه.

стр. 2588

٤١ لون من ألوان التعذيب حدّثني أبو الحسين، عليّ بن هشام، قال: حدّثني أبو منصور عبد الله ابن جبير النصراني «١» ، كاتب ابن الفرات، قال: لما نكبت، بنكبة أبي الحسن بن الفرات، بعد الوزارة الأولى، سلّمت إلى أبي الحسن عليّ بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل «٢» ، فحبسني عنده، وكان يطالبني بالمال، فأدفع عن نفسي. إلى أن أحضرني يوما، فخاطبني في المال، فلم أذغن بشيء، فدعا بمزيّن، وأمره أن ينتف بالمنقاش ربع شعر رأسي. فلما نتف منه طاقات يسيرة، كدت أتلف، وقام هو، وقال: إذا نتفم ربع رأسه، فعرّفوني. فلما قام، رشوت الموكلين، فحلقوا باقي الربع من رأسي، ولم ينتف، وأعلموه أنّه قد نتف، فأمر أن يقيّر الموضع النظيف من رأسي، بقير حار.

стр. 2589

فجاءوا بالقير، فوضعوه على رأسي، ولم يكن مفرط الحرارة، لأنّه لو كان مفرطا، لأتلفني لا محالة. فحين أحسست بحمي القير، قامت قيامتي، وكدت أن أتلف، فأذعنت بالأداء، وأقررت بسبعين ألف دينار، ودائع لي [٣٤] ، وكتبت ألتزم تسليمها إليهم، فأخذت في اليوم الثالث. فلما كتبت خطّي بتسليمها، أمر بالزيت فطلي به رأسي، وقلع به القير من رأسي، فقزع «١» شعري إلى الآن.

стр. 2590

٤٢ من شعر نفطويه حدّثني أبو الحسين قال: انصرفت من عند أبي عبد الله، نفطويه «١» ، وقد كتبت عنه أشياء، فجئت إلى أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجّاج، فقال لي: ما هذا الدفتر؟ فأريته إياه، وكان على ظهره مقطوعتان، قد أنشدنيهما نفطويه لنفسه. فلما قرأهما الزجّاج استحسنهما جدا، وكتبهما بخطّه على ظهر كتاب (غريب الحديث) ، وكان بحضرته. والمقطوعتان: تواصلنا على الأيّام باق ... ولكن هجرنا مطر الربيع يروعك صوته لكن تراه ... على روعاته داني النزوع كذا العشّاق هجرهم دلال ... ومرجع وصلهم حسن الرجوع معاذ الله أن نلفى غضابا ... سوى دلّ المطاع على المطيع والأخرى: وقالوا شانه الجدريّ فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم فقلت ملاحة نثرت عليه ... وما حسن السماء بلا نجوم»

стр. 2591

٤٣ رعونة عبيد الله بن سليمان جرّت النكبة عليه وعلى أبيه حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا جماعة من شيوخ الكتّاب، منهم عليّ بن عيسى «١» ، والباقطائي «٢» ، وغيرهما، قالوا: حدّثنا عبيد الله بن سليمان، قال: لما أضاق المعتمد بسرّ من رأى، وأمره- إذ ذاك- نافذ، ومعه قطعة من الجيش، وكان سليمان بن وهب وزيره، والموفّق بواسط «٣» ، وعبيد الله ابن سليمان كاتبه، طلب المعتمد من سليمان، مالا يحتاله، لداره، وحرمه، وخاص نفقته، لا يعلم به الجند، فدافعه بذلك، فقبض عليه، وقال له: قد تقلّدت منذ أيّام المعتز، إلى الآن، أعمالا متوالية، منها الوزارة للمهتدي، ومرّة الجبل، وغير ذلك، وما نكبت، ولا صودرت، وأريد منك خمسمائة ألف دينار. قال: وورد عليّ الخبر، فلشدة محبتي لخلاص أبي، ما جنيت عليه جناية عظيمة، بأن صرت إلى الموفّق، فقلت له: لم يقدم المعتمد على أبي إلّا لبغضه لك، وليس يحقد علينا إلّا تمشية أمرك، واجتذاب الجيش [٣٥] إليك. فوعدني بتخليص أبي، على مهل. فقلت: إن أخّرت الأمر، أسرع إلى مكروهه، وإزالة نعمته.

стр. 2592

فقال: ما تريد؟ فقلت: تخرج بمن معك، فتنتزعه من يده قسرا. فقال: هذا يحتاج إلى مال ورجال، وهو خليفة على كل حال، ولا أحسب الرجال يطاوعوني على حربه. فقلت له: عليّ المال والرجال. فقال: دعني، حتى أفكّر. قال: ودافعني، واعتقد فيّ أقبح اعتقاد، ورآني بصورة من يملك طاعة الرجال، في قتال خليفته، ويمكنه من المال، من عنده، ومن حيلته، ما يرضي به الجيش. فلما عاودته، قال: يجب أن نقدّم المراسلة بيننا وبينه، فإن أنجعت، وإلّا كانت الحرب. فاخترنا للرسال «١» ، صاعد بن مخلد «٢» ، وهو إذ ذاك، من جلّة أصحاب الدواوين. فاستدعاه الموفّق إلى حضرته من سرّ من رأى، فصار إليه، وحمّله رسالة إلى المعتمد. فمضى، وأدّاها، وأصلح الأمر مع المعتمد لنفسه، وأشار على المعتمد بإطلاق أبي عاجلا، وضمن له إفساد رأي الموفّق فيه، وفيّ، حتى يقبض علينا. فأقام أبي عند الموفّق، والوزارة إليه، فدبّر أمر الموفّق، ثم عاد صاعد فشرع مع الموفق في الأمر، وأنفذ المعتمد ثقاته سرّا إلى الموفق، بما لقّنه صاعد، ولم يزل ينسج الأمر، حتى تمت النكبة علينا.

стр. 2593

٤٤ ما في الأرض أشد جناية على الوزراء والرؤساء من أصاغر أسبابهم حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو عيسى، أخو أبي صخرة «١» ، واسمه أحمد بن محمد بن خالد، قال: سمعت إسماعيل بن بلبل «٢» يقول: ما في الأرض أشد جناية على الوزراء، والرؤساء، من أصاغر أسبابهم، ولقد قال لي راشد، صاحب جيش الموفّق: كنت قد بليت بالنظر في أمر أنزال الرجّالة، ومن يجري مجراهم، وكنّا نحتاج في كل يوم لذلك إلى ستّة آلاف دينار، فما زالت تنقص بالإضاقة، إلى أن اقتصر على ما لا بدّ منه، وكان ثلاثة آلاف دينار. واعتمد الموفّق «٣» عليّ في ذلك، لشدة اهتمامه به، لأقوم به- إذا لم يطلق المال- بمالي وجاهي، وحيلتي، فأفقرني ذاك. وكان عبيد الله بن سليمان «٤» ، وأبوه «٥» ، وهما مقيمان [٣٦] بالحضرة، يقصداني، ويريّثان المال عليّ «٦» ، فأحفظني ذلك عليهما، واقتصرا لي، على

стр. 2594

ألفي دينار في كل يوم، عاجلة، وألف بحوالات لا تروج، فكنت أحتاج أن أرهن سيوفي، وسروجي، وأدخل كل مدخل، حتى أقيم الأنزال «١» . ووقّعا لي في بعض الأيام، إلى جهبذهما ليث، بمال من مال الأنزال، جعلاه من مال ضياعهما، فتوارى ليث، فبثثت الرسل في طلبه، فوجده بعض رجّالتي، فأوصل إليه التوقيع. فقال: ما عندي للوزير، ولا لابنه مال. فقال له: فاحتل، ولو من مالك، فهذا مهمّ للأمير أبي أحمد. فقال: وأيش لأبي أحمق عندي؟ فجاءني الرجل بالخبر، فحملني الغيظ عليهما، أن شكوت إلى الموفّق هذه الحال، وقلت: قد قال كلاما لا يجوز إعادة مثله- قبحا- عليك. فطالبني بإحضار الرسول، فأحضرته، فأمره أن يحكي الكلام، فخاف الرسول، فأرهبه، فأعاده عليه بعينه، من غير كناية. فقال: صدق ليث، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه، وعلى أصحابه الأموال، حتى ننظر «٢» . فكان ذلك سبب تعجيل النكبة لهما. فقال لي الموفق: أريد أن تلزم أصحابك، طلب ليث، وتظهر أنّه بسبب هذا التوقيع، وتبثّ الرجالة، حتى إذا حصل، قبضنا على أصحابه. فأنفذت عدة، ولم أزل أجتهد حتى حصل. وجاء سليمان وعبيد الله، من غد، للخدمة على الرسم، فشوغلا في الدار، إلى أن حصل ليث، فلما حصل، قبض عليهما، وأنفذ إلى صاعد،

стр. 2595

من أحضره، فتقلّد الأمر، وسلّم إليه ليث. قال راشد: صرت إلى صاعد مهنئا له بالوزارة، فقال: قم بنا، لأريك العجب. فقمنا، وخلونا، ودعا بليث، ورفق به، فلم ينفع الرفق، فقال: عليّ بجيش غلامه، فجيء به، فضربه مقارع يسيرة. فقال: أنا أدلّك على بئر المال. فقال لليث: هذه البئر مالك، أو مال أصحابك؟. فقال: بل مالي، أنا رجل تاجر. فأخرجوا من البئر ثمانين ألف دينار، واستخرج بعدها من ليث، جملة أخرى كثيرة. فكانت تلك أحد ما قوّى طمع الموفّق في آل وهب، واستئصالهم «١» [٣٧] .
следующие страницы →