Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
٤٣ رعونة عبيد الله بن سليمان جرّت النكبة عليه وعلى أبيه
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا جماعة من شيوخ الكتّاب، منهم عليّ بن عيسى «١» ، والباقطائي «٢» ، وغيرهما، قالوا: حدّثنا عبيد الله بن سليمان، قال:
لما أضاق المعتمد بسرّ من رأى، وأمره- إذ ذاك- نافذ، ومعه قطعة من الجيش، وكان سليمان بن وهب وزيره، والموفّق بواسط «٣» ، وعبيد الله ابن سليمان كاتبه، طلب المعتمد من سليمان، مالا يحتاله، لداره، وحرمه، وخاص نفقته، لا يعلم به الجند، فدافعه بذلك، فقبض عليه، وقال له:
قد تقلّدت منذ أيّام المعتز، إلى الآن، أعمالا متوالية، منها الوزارة للمهتدي، ومرّة الجبل، وغير ذلك، وما نكبت، ولا صودرت، وأريد منك خمسمائة ألف دينار.
قال: وورد عليّ الخبر، فلشدة محبتي لخلاص أبي، ما جنيت عليه جناية عظيمة، بأن صرت إلى الموفّق، فقلت له: لم يقدم المعتمد على أبي إلّا لبغضه لك، وليس يحقد علينا إلّا تمشية أمرك، واجتذاب الجيش [٣٥] إليك.
فوعدني بتخليص أبي، على مهل.
فقلت: إن أخّرت الأمر، أسرع إلى مكروهه، وإزالة نعمته.
стр. 2592
فقال: ما تريد؟
فقلت: تخرج بمن معك، فتنتزعه من يده قسرا.
فقال: هذا يحتاج إلى مال ورجال، وهو خليفة على كل حال، ولا أحسب الرجال يطاوعوني على حربه.
فقلت له: عليّ المال والرجال.
فقال: دعني، حتى أفكّر.
قال: ودافعني، واعتقد فيّ أقبح اعتقاد، ورآني بصورة من يملك طاعة الرجال، في قتال خليفته، ويمكنه من المال، من عنده، ومن حيلته، ما يرضي به الجيش.
فلما عاودته، قال: يجب أن نقدّم المراسلة بيننا وبينه، فإن أنجعت، وإلّا كانت الحرب.
فاخترنا للرسال «١» ، صاعد بن مخلد «٢» ، وهو إذ ذاك، من جلّة أصحاب الدواوين.
فاستدعاه الموفّق إلى حضرته من سرّ من رأى، فصار إليه، وحمّله رسالة إلى المعتمد.
فمضى، وأدّاها، وأصلح الأمر مع المعتمد لنفسه، وأشار على المعتمد بإطلاق أبي عاجلا، وضمن له إفساد رأي الموفّق فيه، وفيّ، حتى يقبض علينا.
فأقام أبي عند الموفّق، والوزارة إليه، فدبّر أمر الموفّق، ثم عاد صاعد فشرع مع الموفق في الأمر، وأنفذ المعتمد ثقاته سرّا إلى الموفق، بما لقّنه صاعد، ولم يزل ينسج الأمر، حتى تمت النكبة علينا.
стр. 2593
٤٤ ما في الأرض أشد جناية على الوزراء والرؤساء من أصاغر أسبابهم
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو عيسى، أخو أبي صخرة «١» ، واسمه أحمد بن محمد بن خالد، قال: سمعت إسماعيل بن بلبل «٢» يقول:
ما في الأرض أشد جناية على الوزراء، والرؤساء، من أصاغر أسبابهم، ولقد قال لي راشد، صاحب جيش الموفّق: كنت قد بليت بالنظر في أمر أنزال الرجّالة، ومن يجري مجراهم، وكنّا نحتاج في كل يوم لذلك إلى ستّة آلاف دينار، فما زالت تنقص بالإضاقة، إلى أن اقتصر على ما لا بدّ منه، وكان ثلاثة آلاف دينار.
واعتمد الموفّق «٣» عليّ في ذلك، لشدة اهتمامه به، لأقوم به- إذا لم يطلق المال- بمالي وجاهي، وحيلتي، فأفقرني ذاك.
وكان عبيد الله بن سليمان «٤» ، وأبوه «٥» ، وهما مقيمان [٣٦] بالحضرة، يقصداني، ويريّثان المال عليّ «٦» ، فأحفظني ذلك عليهما، واقتصرا لي، على
стр. 2594
ألفي دينار في كل يوم، عاجلة، وألف بحوالات لا تروج، فكنت أحتاج أن أرهن سيوفي، وسروجي، وأدخل كل مدخل، حتى أقيم الأنزال «١» .
ووقّعا لي في بعض الأيام، إلى جهبذهما ليث، بمال من مال الأنزال، جعلاه من مال ضياعهما، فتوارى ليث، فبثثت الرسل في طلبه، فوجده بعض رجّالتي، فأوصل إليه التوقيع.
فقال: ما عندي للوزير، ولا لابنه مال.
فقال له: فاحتل، ولو من مالك، فهذا مهمّ للأمير أبي أحمد.
فقال: وأيش لأبي أحمق عندي؟
فجاءني الرجل بالخبر، فحملني الغيظ عليهما، أن شكوت إلى الموفّق هذه الحال، وقلت: قد قال كلاما لا يجوز إعادة مثله- قبحا- عليك.
فطالبني بإحضار الرسول، فأحضرته، فأمره أن يحكي الكلام، فخاف الرسول، فأرهبه، فأعاده عليه بعينه، من غير كناية.
فقال: صدق ليث، لو لم أكن أبو أحمق لما تركت عليه، وعلى أصحابه الأموال، حتى ننظر «٢» .
فكان ذلك سبب تعجيل النكبة لهما.
فقال لي الموفق: أريد أن تلزم أصحابك، طلب ليث، وتظهر أنّه بسبب هذا التوقيع، وتبثّ الرجالة، حتى إذا حصل، قبضنا على أصحابه.
فأنفذت عدة، ولم أزل أجتهد حتى حصل.
وجاء سليمان وعبيد الله، من غد، للخدمة على الرسم، فشوغلا في الدار، إلى أن حصل ليث، فلما حصل، قبض عليهما، وأنفذ إلى صاعد،
стр. 2595
من أحضره، فتقلّد الأمر، وسلّم إليه ليث.
قال راشد: صرت إلى صاعد مهنئا له بالوزارة، فقال: قم بنا، لأريك العجب.
فقمنا، وخلونا، ودعا بليث، ورفق به، فلم ينفع الرفق، فقال:
عليّ بجيش غلامه، فجيء به، فضربه مقارع يسيرة.
فقال: أنا أدلّك على بئر المال.
فقال لليث: هذه البئر مالك، أو مال أصحابك؟.
فقال: بل مالي، أنا رجل تاجر.
فأخرجوا من البئر ثمانين ألف دينار، واستخرج بعدها من ليث، جملة أخرى كثيرة.
فكانت تلك أحد ما قوّى طمع الموفّق في آل وهب، واستئصالهم «١» [٣٧] .
стр. 2596
٤٥ الأمير الموفق يأمر وزيره الجديد بتعذيب الوزير المصروف
حدّثني أبو الحسين، قال: كنّا في مجلس حامد بن العباس، وهو وزير، وكان يتحدّث في مجلس العمل كثيرا، فسمعته يحكي، قال: قال لي صاعد ابن مخلد:
لما قلّدني الموفّق وزارته، شرطت عليه، أن لا أدخل في مكاره سليمان ابن وهب، وعبيد الله ابنه، ولا أطالبهما، ولا أنظر إليهما في مال، ولا وديعة.
وقلت للموفّق: سليمان اصطنعني، ورفع حالي، وصرّفني، وما دخل قط لي في مكروه، ولا دخلت لهما في مثله.
ولم أجب إلى التقليد، حتى صافحني أن لا يلزمني ذلك.
فلما تقلّدت، وخلع عليّ، خاطبني في أمرهم بعد أيّام، وذكر ضيق المال إلّا من جهتهم، فقلت: الشرط أملك، وأنت قادر أن تنصب لهذا كاتبا، وتدبّره بنفسك، وبمن ترى من حاشيتك.
فعاودني دفعات، وأنا ممتنع، حتى مضى شهر من تقلّدي.
فلما رآني على هذه الحال، راسل سليمان، وقال له: إنّ صاعدا غرّني من نفسه، وضمن لي القيام بالأمور، وقد بلح «١» ، وليس يذهب ولا يجيء، وهو عدوّك وعدوّ ابنك، وهو سعى بكما، فاضمنه منّي، واذكر لي ما عليه من الأموال، وما في جيبه، ومعايبه، والحجج، والتطرّق عليه وعلى أملاكه.
стр. 2597
وكان سليمان محنكا، مجرّبا، فأعاد الجواب على الرسالة، بأنّي إن كنت موثوقا بي، فلا تحتاج إلى ضماني، لأنّي أنصح وأستقصي على كل من يجب عليه حق للأمير، إن أعادني إلى خدمته.
ودافع عن كتابة الرقعة، وعلم أنّها حيلة عليه، لا متناعي عن مكروهه، حتى يجعل الرقعة حجّة عليه عندي.
فأنفذ الموفّق، إلى عبيد الله، مثل هذه الرسالة، واستكتمه ذلك عن أبيه، فكتب عبيد الله، رقعة طويلة، يسعى عليّ فيها، أقبح سعاية، ويضمني بمال جليل، ويثلبني، وينكّل بي.
فلما وصلت إلى الموفّق، احتفظ بها، وغدوت عليه، فخاطبني في تسلّمهم، ومطالبتهم، فاستعفيت، وأقمت على الامتناع.
فقال: اقرأ هذه الرقعة، فلما قرأتها، ولم يكن عندي- إذ ذاك- علم كيف جرت الصورة، وإنّما [٣٨] انكشفت لي بعد ذلك المجلس، قامت قيامتي، وخفت على نفسي، من معاجلة الموفّق، متى لم أعاجلهم، ولم أشكّ أنّ ذلك القول صحيح من عبيد الله، وأنّ الموفق قد أنعم عليّ بإطلاعي عليه.
فاستجبت إلى تسلّمهم، وناظرتهم، وألزمتهم الأموال العظيمة، واستمرّت النكبة عليهم «١» .
стр. 2598
٤٦ سبيل الإنسان في المحن أن يطأطئ لها
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن عيسى، يقول:
سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول:
لما دخل صاعد بن مخلد، عليّ وعلى أبي، ليناظرنا، ونحن في حبس الموفّق، قمنا، وتلقيناه.
فخاطب أبي بجميل، وأكرمه، وتجهّمني «١» بقبيح، وجعل لا يخاطبني إلّا باسمي، ويقول: يا عبيد الله.
فلما أكثر عليّ، آلمني ذلك، فقلت له: أنا عبيد الله بن سليمان بن وهب بن سعيد، نتصرّف في خدمة السلطان، منذ خمسين ومائة سنة، ونتقلّب في جلائل الأعمال، أنت صاعد بن مخلد، مخلد من أبوه؟.
فكان هذا من أكبر ما أحفظه «٢» عليّ، حتى تناهى في مكارهي.
وكان أبي يلومني على ذلك، ويقول: سبيل الإنسان في المحن أن يتطأطأ لها، ويذلّ لوقوعها، ولا يغالبها.
ولم تكن نفسي، أنا، تطاوعني على ذلك، وكان من أضرّ الأمور عليّ، وكان الحزم مع أبي دوني.
стр. 2599
٤٧ حفلة تعذيب بمحضر الوزير
قال أبو الحسين: حدّثني أبو الحسن محمد بن محمد بن حمدون الواسطي «١» ، صاحب حامد بن العباس، وخليفته، قال: قال لي حامد:
كان صاعد بن مخلد، أوّل من قلّدني العمالة، رياسة، فقال لي في بعض الأيام: احضر دار الأمير الموفّق، فحضرتها معه.
فجلس في مجلسه منها، واستدعى على خلوة، سليمان بن وهب، وابنه عبيد الله، وهما منكوبان.
فرأيت سليمان، وقد خرج بطيلسان، وخفّ، ومبطّنة، وابنه حاف مكشوف الرأس، على أذلّ صورة.
فأكرم الأب، وأسمع الابن المكروه، إلى أن دعا له بالمقارع، فأخذ سليمان يستعطفه كلّ الاستطعاف، وهو لا ينثني، ويقول له: إذا صنتك يا أبا أيّوب عن مثل [٣٩] هذه الحال، فلا أقلّ من أن تدعني أنتقم من هذا الجاهل، الفاعل، الصانع.
قال: وأقبلت المقارع تأخذ عبيد الله، وسليمان يستعطفه.
فلما زاد الأمر، قال له سليمان: يا كافر، يا فاجر، أما تستحي؟
إنّا اصطنعناك، وأقعدناك هذا المقعد، تضربه بين يديّ، سبّة عليك.
стр. 2600
قال: فاستحيا، وأمر بقطع الضرب، فما ضرب بعدها عبيد الله بحضرته، وواضع الموفّق بعد ذلك، على أن يكون الضرب بحضرته، بأيدي غلمانه، في داره.
فحرّض الموفّق عليهما، حتى نهكهما «١» عقوبة وضربا «٢» .
стр. 2601
٤٨ وحفلة تعذيب بمحضر الأمير
فحدّثني أبو علي بن مقلة، في نكبته بعد الوزارة الثالثة «١» ، وهو في دار أبي بكر بن قرابة «٢» ، لمال يؤديّه، ضمنه عنه ابن قرابة «٣» ، وشكا ما عامله
стр. 2602
به الخصيبي «١» من المكروه، ثم قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات «٢» ، يقول:
سمعت أبا القاسم عبيد الله بن سليمان «٣» ، يقول:
أخرجت وأخرج أبي في نكبتنا، في بعض الأيام، بواسط، إلى حضرة الموفّق، وقد نصبت له سبنية «٤» ، فجلس وراءها، ونحن نعلم بذلك.
ودعا براغب، فأمره بضربنا، فضرب أبي نيفا وعشرين مقرعة، ثم دعي بي، فنوظرت، ثم أمر بضربي.
فإلى أن يستدعي لي من يضربني، قال أبي لراغب: الذي نحن فيه يستطاب معه الموت، وما أقول ما أقوله دفعا عن نفسي، ولا عن ولدي، وإنّما أقوله شفقة على الأمير، فأعلمه: أنّ ملكا من ملوك بني إسرائيل، ذبح سخلة، بحضرة أمّها فخبط من ساعته.
قال: فو الله، ما مضى راغب ليؤدّي الكلام، حتى جاءت الرسل من عند الموفّق، بأن يرفع الضرب عنّا، وقد كان بحيث يسمع الكلام من وراء السبنيّة.
فما عاد بعدها علينا مكروه.
стр. 2603
٤٩ أبو زكريا السوسي يرى مناما
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسي «١» ، المعروف بخلف، ومحله، في اليسار، والجلالة، والمكنة من السلطان، والاشتهار بالدين، والثقة، والصدق، والأمانة، وصحة الرأي، مشهور، وكان نصرانيا في حداثته، فأسلم، وحسن إسلامه، قال:
رأيت في منامي- يعني بعد إسلامه- عليا ﵇، وكأنّه جالس ومعه جماعة [٤٠] من أصحابه، وبالقرب منه، أبو بكر وعمر ﵄، ومعهما جماعة.
قال: فسألته، قلت: يا أمير المؤمنين، ما عندك في أبي بكر وعمر؟
فأثنى خيرا كثيرا.
قلت: فلم لم تجلس معهما؟
فقال: حياء منهما لما يعمل بهما الرافضة.
стр. 2604
٥٠ حفيد يزيد بن هارون يرى جده في المنام
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي المعروف بنفطويه، في مسجد الرصافة، إملاء في سنة ثمان وثلاثمائة، قال: حدّثنا ابن بنت يزيد بن هارون «١» ، ولم يسمّه «٢» ، وكذا أملى علينا، قال:
رأيت جدي يزيد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ ومنكر ونكير ما قالا لك؟
قال: قالا لي: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟
فقلت: ألي يقال هذا؟ وأنا أعلمه الناس منذ ثمانين سنة؟
فقالا لي: نم نومة العروس، فلا بؤسى عليك.
وعاتبني ربي، على كتابي عن عثمان بن جرير «٣» ، فقلت: يا رب، عبدك، وما أعلم إلّا خيرا.
قال: إنّه كان يبغض عليّا ﵇ «٤» .
стр. 2605
٥١ ابن الفرات وأحد طلاب الوزارة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسن بن الفرات، قال:
دخل عليّ المقتدر يوما، وأنا في حبسه، في وزارة حامد، فقال لي:
يا أبا الحسن، أتعرف الحسن بن محمد الكرخي الكاتب «١» ؟
فقلت: نعم.
قال: أي شيء هو من الناس؟
قلت: عامل، له محلّ، ويفهم في الحساب شيئا، وهو من صنائعي، ووجوه عمّالي، وقد كان قبل، تقلّد عمالات لعبيد الله بن سليمان، وهو أخو القاسم بن محمد الكرخي «٢» ، وهو من أهل بيت.
قال: فقال لي: إنّه قد كتب إليّ يخطب الوزارة، ويتضمّن بحامد، وبعليّ بن عيسى.
قال: فقلت له: ولا كلّ هذا يا أمير المؤمنين، إنّ هذا، إنّما طمع في الأمر لما رأى حامدا قد تقلّد الوزارة، ولعمري إنّها قد اتضعت بتقلّده،
стр. 2606
وطمع فيها كل أحد، ولعمري أنّه فوق حامد، أولا في العفافة، وحفظ اللسان، والحساب والخط، ولكن ليس لأنّه فوق حامد، يجب أن يقلّد الوزارة، ولا لأنّ الغلط جرى في أمر حامد، يجب أن يقلّد هذا، على أنّه غلط في ظنّه أنّه يصلح لصرف حامد، لأنّ حامدا رجل قديم الرياسة في العمال، وله مروءة عظيمة، وضياع كثيرة، وغلمان كثير والعدد، وله هيبة [٤١] ، وسطوة، وسنّ، ونشأ بعيدا عن الحضرة، فلم تستشفّ أخلاقه، وأفعاله، فانستر أمره عن أهلها، وله كرم يغطي كثيرا من معايبه، وترك الأمر في يده، ويد عليّ بن عيسى، وهو لا يلحق بعض كتّابه، فضلا عنه [أولى] ، وإنّي لأقول الحق فيهما، على عداوتهما لي.
قال: فأضرب المقتدر عن تقليده.
قال هشام: ثم تمّ التدبير لأبي الحسن، في الوزارة، وصرف حامد، فحين جاءه الحسن بن محمد الكرخي، أبو أحمد، ذكر تلك الحال التي حدّثه بها المقتدر، فهاب الحسن بن محمد، على الأمر، ورآه بعين رجل بعيد الهمّة، وعرف تقلّب رأي المقتدر، فرأى أن يحسن إلى الحسن بن محمد، ويبعده عن الأعمال، فقلّده الموصل، وأخرجه إليها صارفا لابن حماد «١» .
فانتفع الكرخي بذلك الشروع «٢» .
стр. 2607
٥٢ الحسن بن محمد الكرخي وكمال مروءته
قال أبو الحسين «١» : فكنّا في بعض الليالي بحضرة ابن الفرات «٢» ، وهو يعمل، وأنا مع أبي «٣» ، والمجلس حافل، حتى قرأ كتابا من صاحب بريد الموصل «٤» ، يذكر فيه، أنّ أبا أحمد «٥» ، قد تبسّط في الأعمال، وأظهر من المروءة أمرا عظيما، وركب باللبود الطاهرية، وبعدة حجّاب وغلمان، حتى أنّه يسير معهم في موكب، وأنّه ورد معه من الزواريق والجمال التي تحمل أثقاله، شيء كثير، وأنّ هذا ما لا يحتمله رزقه، وإنّما هو من الأصل.
فرمى بالكتاب إلى أبي القاسم زنجي «٦» ، الباقي إلى الآن- وكان إذ ذاك، حدثا يخطّ بحضرته- وقال له: وقّع عليه، ليكتب إليه، ويعرّف، أنّه نفع الرجل من حيث تعمّد ضرّه، لأنه إذا كان في مثل هذا الصقع، عامل وجيه، جليل، كثير التجمّل، والهيبة، والمروءة، صلح أن يبادر به
стр. 2608
السلطان، إلى مصر، وأجناد الشام، متى أنكر على عمّالها أمرا، لأنّ هذه النواحي، لا تصلح إلا لمن كان حسن التجمّل، والمروءة، كثير النعمة «١» .
стр. 2609
٥٣ راتب عامل فارس ثلاثة آلاف دينار في الشهر
ثم أقبل «١» على من في مجلسه، فقال: حدّثنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان:
أنّ المعتضد، رفع إليه خبر، رفعه النوشجانيّ «٢» ، صاحب بريده، يذكر فيه: أنّ الأخبار ذاعت ببغداد، بأنّ حامد بن العباس، لما دخل فارس، متقلّدا لعاملتها، دخل ومعه عدد [٤٢] كثير عظيم، من الغلمان والحاشية.
قال: فتحيّرت، لما دفع الكتاب إليّ، وخفت أن يكون قد أنكر ذلك، ويقع له، أنّ هذا اصطلام للمال، ودخلني فزع منه، فلم أدر بأيّ شيء أجيب.
فقال لي: يا أبا القاسم، وقد كان كنّاه أول ما استوزره، وكان يتكنّى على الناس إلّا على بدر، وصاحب خراسان، وكان هو وبدر يتكاتبان بالكاف، والدعاء بينهما سواء.
قال المعتضد: يا أبا القاسم، قرأت الكتاب؟
فقلت: نعم.
فقال: قد سرّني ما ذاع من مروءة حامد، وهيبته بذلك في نفوس الرعيّة، فكم رزقه؟
فقلت: ألفان وخمسمائة دينار في الشهر.
فقال: اجعلها ثلاثة آلاف، ليستعين بها على مروءته «٣» .
стр. 2610
٥٤ المعتضد يعفي عاملا من المطالبة لما ظهر من مروءته
قال: ثم قال أبو الحسن بن الفرات، عقيب هذا:
وقد فعل المعتضد، قريبا من هذا، مع أبي العباس أحمد بن بسطام «١» ، فإنّ المعتضد، طالبه، بعجز ضمانه واسط، وحبسه في دار ابن طاهر، وألزم سبعين ألف دينار يؤدّيها، فكان يصحّحها «٢» على جميل، وهو موكّل به من قبل المعتضد في دار ابن طاهر، وأصحاب عبيد الله يطالبونه، ويقتضون المال.
فكتب النوشجانى، صاحب الخبر، فيه: أنّه كان يفرّق في أيام ولايته، في كل شهر، عشرين كرا، حنطة ودقيقا، على حاشيته، وعلى المستورين والفقراء، وأنّه فرّق في هذا الشهر الأكرار على رسمه، ولم يقطعها، وهو مع ذلك يماطل بأداء ما عليه.
فلما دخل عبيد الله على المعتضد، أراه الرقعة، فسكت عبيد الله، فقال له المعتضد: قد سرّني هذا، لأنّ ابن بسطام رجل مشهور بعظم المروءة، وكثرة المعروف، وقد جمّلنا بما قد فعله، حين لم يظهر أنّ ما قد ألزمناه، أحوجه إلى الزوال عن عادته في المعروف، فكم بقي عليه؟
قال: بضعة عشر ألف دينار.
فقال: أسقطها عنه، وردّه إلى عمله، وعرّفه إحمادي ما قد فعله.
فامتثل عبيد الله ذلك.
стр. 2611
٥٥ علوّ نفس الحسن بن مخلد
حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن بدر ابن [أبي] الأصبغ «١» ، يحدّث أبي، قال: كنت أتصرّف مع سليمان بن وهب «٢» ، لقرابة كانت بيننا من جهة النساء، وكانت حالي بصحبته في نهاية السعة، حتى إنّه كان يطحن الزعفران في داري، كما يطحن الناس الدقيق [٤٣] ، لكثرة ما كان يجيئنا من الجبل «٣» ، ونستعمله، ونهديه.
فولي سليمان ديوان الخراج، فكنت أحد عماله فيه، فوقعت بيني وبين ابنه عبيد الله «٤» نفرة، فلزمت منزلي أياما.
فما شعرت إلّا برقعة الحسن بن مخلد «٥» ، يستدعيني وهو يتولّى ديوان الضياع، وكانت بينهما مماظّة «٦» ، فمضيت إليه، فقال لي: أنت معطّل ولا تصير إليّ؟ وقد انفصل ما بينك وبين أبي أيوب؟
فقلت: يا سيدي، كيف ينفصل ما بيننا، مع القرابة؟ ولكن بيننا عتب.
فقال: دع ذا، أنت معطّل، وما تبرح حتى أقلّدك عملا.
стр. 2612
قال: وأراد اجتذابي لناحيته، وكان الناس- إذ ذاك- يتغايرون على الكفاة.
فقلّدني أعمال السيب الأسفل «١» ، وقسّين «٢» ، وجنبلا «٣» ، وكانت تجري في ديوانه، فقبلتها.
وخرجت إليها، وكان الأرز قد قارب الإدراك، فقدّرته، وعدت إلى سرّ من رأى، لأشرح له حال التقدير، وأستأمره في العمل.
فلما بصر بي قال: قد قدمت على فاقة منّي إليك، قد تأذيت بالفلّاحين، وأريد لهم عشرة آلاف دينار سلفا لما يقيمونه في جبل باسورين «٤» من الثلج.
فقلت له: الأرز خافور «٥» ، وما بلغ إلى أن يحرز.
فقال: لا بدّ من أن تستفرغ جهدك، وحيلتك، في هذا، حتى تخفّف عنّي.
وكان، أول خدمة، فاحتجت أن أضطرب، لأصنّع نفسي عنده، فخرجت مفكرا فيما أعمله.
فلإقبالي، لقيني رجل من وجوه التجار في الطريق، وكانت بيننا مودّة، وكان موسرا، وكان جميع متجره غلّات السلطان، فبدأني بالعتاب على تركي مبايعته شيئا بالسلف من غلّات عملي.
فاجتذبته إلى منزلي، وقلت: البيت لك، فاحتفل، ولو رأيتك ما عدلت عنك.
стр. 2613
قال: فأقام عندي يومه، ولم أزل حتى بعته بحساب الكرّ الأرز المعدّل، بسبعة دنانير، وكنت قد قدّرت الحاصل فيه للسلطان، ثلاثة آلاف كرّ معدّل، واستثنيت عليه في كل كرّ دينارا، وأخذت خطّه بضمانة تعجيل عشرة آلاف دينار، لمن يؤمر بأدائها إليه.
ورحت إلى دار الحسن بن مخلد، فوجدته نائما، والناس [٤٤] مطرّحون في داره، ثم دخلت إليه، وشرحت له الصورة، فسرّ بها، وأمر بإحضار صاحب مجلس النفقات في الديوان، وسلّم الرقعة إليه، وقال: أحل الفلّاحين على هذا التاجر.
فلمّا خلا مجلسه، تقدّمت إليه، وعرّفته خبر الاستثناء، وأريته الخطّ، وقلت: إلى من أسلّم المال، إذا قبض؟
فلم يجبني، فأححت عليه.
فقال لي: يا هذا، إنّك صحبت قوما، لا مروءة لهم، فتعوّدت منهم، أن تعطو «١» نفوسهم إلى مضايقة خدمهم في هذا القدر، وما هو أتفه منه، وإذا أخذت أنا هذا المرفق، فأنت لم تخدمني، وتتبعني؟ خذ هذا وأصلح به حالك، ليبين عليك أثر خدمتك لي.
فقبلت يده، ورجله، وعدت إلى عملي، واستخرجت المال، ودبّرت العمل.
وحضر بعد مديدة، النوروز، وقد كنت مذ خرجت من حضرته، سألت ثقات إخواني من التجار في الأسواق، أن يجمعوا لي كل علق، حسن، غريب، طريف، مثمن، من فرش ديباج «٢» مثقل، وأبي قلمون مذهب «٣» ،
стр. 2614
ووشي «١» ، ودبيقي «٢» مرتفع، وقصب «٣» .
قال: فجمع لي من ذلك، ما كان شراه خمسة آلاف دينار، وهو يساوي أكثر منها بكثير.
ثم كتبت إليه رقعة في معنى الهدية، وتضرّعت في قبولها، وتشبّثت بذلك، وكتبت ثبت الهدية، في أسفل الرقعة.
فكتب إليّ فيها: لك أكرمك الله، بنات، وهنّ إلى هذا أحوج منّي، وقد قبلت ما يصلح قبوله أنسا بك، وإسقاطا للحشمة معك، ورددت إليك الباقي، ليكون لهنّ.
وكان الذي قبله، ثوب قصب، ومنديل دبيقي، وشستجة «٤» قصب.
стр. 2615
٥٦ الوزير علي بن عيسى يرفع التكملة ويضع الخراج على الشجر
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي «٢» ، يقول:
وحكى لي أبي «٣» ذلك، قالا:
إنّ السجزيّة «٤» لما غلبوا على فارس «٥» ، أجلي قوم من أهل الخراج عنها، لسوء المعاملة، ففضّوا خراجهم على الموجودين، وسمّوا ذلك:
التكملة، حتى يكمل به مال قانون فارس- كان- متقدما.
ولم تزل الحال في ذلك، تزيد تارة، وتنقص أخرى، إلى أن افتتح أبو
стр. 2616
الحسن بن الفرات «١» ، في وزارته الأولى «٢» ، فارس، على يد وصيف «٣» [٤٥] ، ومحمد بن جعفر العبرتائي «٤» ، ومن ضمّه إليهما من القوّاد «٥» في سنة ثماني وتسعين ومائتين.
فأمر ابن الفرات، بإجراء الأمر في التكملة، على ما كان جاريا عليه.
وجرى الأمر على ذلك، في أيام محمد بن عبيد الله الخاقاني «٦» ، وفعله عليّ بن عيسى «٧» ، في صدر وزارته الأولى «٨» .
فلما مضت منها مديدة، صار إلى مدينة السلام، عبد الرحمن بن جعفر
стр. 2617
الشيرازي «١» ، وطعن على محمد بن أحمد بن أبي البغل «٢» ، وكان- إذ ذاك- يتقلّد فارس، وذكر أنّه إن ضمن العمل مكانه، وفرّ جملة من المال، فضمّنه عليّ بن عيسى، وانصرف ابن أبي البغل عما كان يتقلّده أمانة، وقلّده أصبهان «٣» .
ثم أخّر عبد الرحمن بن جعفر المال، واحتجّ بأن أهل فارس يتظلّمون من التكملة، ولا يلتزمونها.
وكان أبو المنذر النعمان بن عبد الله «٤» ، يتقلّد ديوان كور الأهواز «٥» ، مجموعة، فكتب إليه عليّ بن عيسى، أن يستخلف على أعماله، وينفذ إلى
стр. 2618
فارس، فيطالب عبد الرحمن بما حلّ عليه من المال، وينظر في هذه التكملة، ويشرح أمرها.
وكتب إلى أحمد بن محمد بن رستم «١» بأن يصير من أصبهان إلى فارس ليضمنها.
وكتب إلى النعمان، بحلّ ضمان عبد الرحمن، وعقد البلد على ابن رستم.
فاستخرج النعمان التكملة، ووجد قطعة منها على عبد الرحمن، قد قدّر أن يكسرها، فعسفه، وباع قطعة من أملاكه، حتى استوفى ذلك.
وكتب إليه عليّ بن عيسى يسأله عن التكملة، وأن يشرح له أمرها، وأنّه قد صار يستضعف قوم فيلزمون منها أكثر ممّا يجب عليهم، ويرهب قوم، فيسامحون بها، أو بأكثرها.
فكتب إليه النعمان وابن رستم: إنّ من طرائف ما يجري بفارس، أنّ الناس يطالبون بالتكملة، وهي ظلم صراح، سنّه الخوارج، ويترك عليهم ما قد أوجبه الفقهاء، وهو خراج الشّجر، لأنّ فارس افتتحت عنوة، وليس على الشجر بها خراج، وأرباب الشجر يذكرون، أنّ المهديّ «٢» أسقط عنهم خراج الشجر، وليس لهم حجّة بذلك، إلّا طول مدة الرسم، والأصل وجوب الخراج على الشجر.
فتسامع أهل البلد بالخبر، فتبادر أجلّاؤهم إلى حضرة عليّ بن عيسى من فارس، فدخلوا مجلسه للمظالم [٤٦] ، وفي أكمامهم حنطة محرقة.
فلما تظلّموا، قالوا له: نمنع من إطلاق غلّاتنا، وتعتقل علينا
стр. 2619
في الكناديج «١» ، إلى أن تعفن «٢» وتصير هكذا- ورموا بالحنطة المحرقة من أكمامهم- حتى نبيع شعورنا، ونؤدي التكملة الباطلة، حتى تطلق غلّاتنا وقد احترقت هكذا.
ورمى قوم من أكمامهم بتين يابس، وخوخ مقدّد، ولوز، وفستق، وبندق، وغبيراء «٣» ، ونبق، وبلّوط، وقالوا: هذا كلّه بغير خراج، لقوم آخرين، والبلد عنوة، فأمّا تساوينا في الإحسان أو الاستيفاء.
فخاطب عليّ بن عيسى، في ذلك، الخليفة، واستأذنه في جمع الفقهاء، والقضاة، ومشايخ الكتّاب، ووجوه العمّال، وجلّة القوّاد، ومناظرة القوم بحضرته، وتقرير الأمر على ما يوجب الحقّ- عند الجماعة- والعدل، فأذن له في ذلك.
فجمع الناس في دار المخرّم «٤» ، التي كانت برسم الوزارة، وصيّرها
стр. 2620
عليّ بن عيسى ديوانا، وطالت المناظرات، واحتجّ من حضر من أرباب الشجر، بفعل المهدي، وقالوا: قد استهلكت أموالنا، في أثمان هذه الأملاك التي لا خراج عليها، وإن ألزمت الخراج، بطلت القيم، وافتقرنا:
فأفتى الفقهاء بوجوب الخراج، وبطلان التكملة.
وقال الكتّاب: إن كان المهدي، شرط شرطا، لمصلحة في الحال، أو عناء اعتناه أهل البلاد، في جدب أو غيره، ثم زالت المصلحة، زال الشرط.
فقال عليّ بن عيسى للقوم: أليس عندكم أنّ ما فعله المهدي واجب؟
قالوا: بلى.
قال: لم؟، أليس لأنّه إمام رأى رأيا ليس فيه مضرة؟
قالوا: بلى.
قال: فإنّ أمير المؤمنين، وهو الإمام الآن، قد رأى أنّ الأحوط للمسلمين، والأحفظ للكافّة، إلزام الخراج الشجر، وإزالة التكملة.
فقام إليه الزجّاج «١» ، ووكيع القاضي «٢» ، فوصفاه «٣» ، وقرضاه «٤» .
وقال الزجّاج: لقد حكمت بحكم، لو كان عمر بن الخطاب ﵁، حاضرا، ما تجاوزه.
وقال وكيع: لقد فعل الوزير في هذا، كفعل أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه، في مطالبة أهل الردّة بالزكاة.
стр. 2621
وأنهى عليّ بن عيسى، والقضاة، ما جرى، إلى المقتدر، في يوم الموكب، واستأذنه في كتب كتاب بإسقاط التكملة عاجلا، إلى أن يتقرّر أمر الشجر.
فأمر بكتب ذلك [٤٧] في الحال بحضرته، وأحضر قائدا من قوّاد الحضرة، كان يخلف بدرا الكبير، المعروف بالحمامي «١» ، عامل المعاون، بفارس وكرمان، ليسلّم إليه الكتاب، ويطالب النعمان، وابن رستم، بامتثاله.
وأمر الخليفة بإحضار دواة يكتب بها عليّ بن عيسى، وكان رسم الوزراء، إذا أمروا بكتب كتاب بحضرة الخليفة، أن تحضر لهم دواة لطيفة، بسلسلة، فيمسكها الوزير بيده اليسرى، ويكتب منها باليمنى.
فأحضرت تلك الدواة، لعليّ بن عيسى، وبدأ يكتب منها الكتاب بغير نسخة.
فلما رآه المقتدر، وقد شقّ عليه ذلك، أمر بإحضار دواته، وأن يقف بعض الخدم، فيمسكها إلى أن يكتب.
فكان أوّل وزير أكرم بهذا، ثم صار ذلك رسما جاريا للوزراء، بحضرته.
فكتب عليّ بن عيسى، في ذلك كتابا إلى النعمان، وخرجت نسخته، إلى الديوان، وأثبت فيه.
قال أبو الحسين: فحفظناه ونحن أحداث، ونسخته «٢» :
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله جعفر، الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين، إلى النعمان ابن عبد الله.
стр. 2622
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين، يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، ﷺ تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإن أفضل الأعمال قدرا، وأجملها ذكرا، وأكملها أجرا، ما كان للتقى جامعا، وللهدى تابعا، وللورى نافعا، وللبلوى رافعا.
وقد جعل الله- أمير المؤمنين، فيما استرعاه من أمور المسلمين، مؤثرا لما يرضيه، صابرا على ما يزلفه عنده ويحظيه، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكّل، وبه يستعين.
وقد عرفت حال السجزيّة والخرمية، الذين تغلبوا على كور فارس وكرمان، وأحدثوا الجور والعدوان، وأظهروا العتوّ والطغيان، وانتهكوا المحارم، وارتكبوا المظالم، حتى أنفذ أمير المؤمنين جيوشه إليهم، وتورّد «١» بها عليهم، فأزالهم وبدّدهم، وشتّتهم وأبادهم، بعد حروب تواصلت، ووقائع تتابعت، أحلّ الله بهم فيها سطوته [٤٨] ، وعجّل لهم نقمته، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة للمستمعين، (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)
«٢» .
ولما محق الله أمر هؤلاء الكفار، وفرّق عدد أوباشهم الفجّار، وجد أمير المؤمنين، أفظع ما اخترعوه، وأشنع ما ابتدعوه، في مدّتهم التي طال أمدها، وعظم ضررها، تكملة اجتبوها بكور فارس، في سنّي غوايتهم، لمّا طالبوا أهلها بالخراج على أوفر عبرتهم «٣» ، من غير اقتصار به على
стр. 2623
الموجودين، حتى فضّوا عليهم خراج ما خرب من ضياع المفقودين.
فأنكر أمير المؤمنين، ما استقرّ من هذا الرسم الذميم، وأكبر ما استمرّ به من الظلم العظيم، ورأى صيانة دولته، عن قبيح معرّته، وحراسة رعيّته، من عظيم مضرّته، مع كثرته، ووفور جملته.
فرفع عن الرعية هذه التكملة رفعا مشهورا، وقد جعل الله تعالى من سنّها مدحورا، ونادى في المساجد الجامعة بإزالتها، وإبطال جبايتها، ليرتفع ذلك في الجمهور، ويتمكّن السكون إليه في الصدور، وتحمد الله الكافّة على ما أتاحه لها من تعطّف أمير المؤمنين ورعايته، وجميل حياطته لهم وعنايته.
واكتب ما يكون منك في ذلك، فإنّ أمير المؤمنين يتوكّفه «١» ، ويراعيه «٢» ويتشوّفه «٣» ، إن شاء الله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب علي بن عيسى يوم النصف من رجب سنة ثلاث وثلاثمائة.
стр. 2624
٥٧ الوزير علي بن عيسى يأمر بالرفق في الجباية
وقد كان عليّ بن عيسى، قبل ذلك بسنة، نظر لأهل التكملة من جملتها في شيراز، بعشرة آلاف درهم «١» ، قبل أن يخرج في السنة المقبلة، خراج الشجر، ثم تقرر أمر الشجر على أن يؤخذ منه الخراج، ويقارب أهله فيه، على طسوق «٢» توضع لهم مخفّفة، وكان النعمان رفيقا يقاربهم، حتى عاد بإزاء ما أسقط من مال الضمان في التكملة، أكثره على التدريج.
فكتب علي بن عيسى، في أمر الشجر، كتابا كنّا نتحفّظه في الحداثة من الدار، نسخته إلى ابن رستم، لأنّ النعمان عاد إلى بغداد، واستخلف بفارس أبا مسلم، محمد بن بحر «٣» ، وضمّن البلد من ابن رستم، وجعل أبا مسلم، مستوفيا عليه للمال:
بسم الله الرحمن الرحيم «٤» .
إلى أحمد بن محمد بن رستم [٤٩] ، من عبد الله جعفر الإمام المقتدر بالله، أمير المؤمنين.
سلام عليك، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو،
стр. 2625
ويسأله أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، ﷺ تسليما كثيرا.
أمّا بعد، فإنّ الله تعالى بعظيم آلائه، وقديم نعمائه، وجميل بلائه، وجزيل عطائه، جعل أموال الفيء للدين قواما، وللحقّ نظاما، وللعزّ تماما، فأوجب للأئمة حمايتها، وحرّم عليهم إضاعتها، إذ كان ما يجتبي منها، عائدا بصلاح العباد، وحراسة البلاد، وحماية البريّة، وحياطة الحوزة والرعية، ولذلك، يعمل أمير المؤمنين، فكره ورويّته، ويستفرغ وسعه وطاقته، في حراستها وحياطتها، وقبض كل يد عن تحيّفها وتنقّصها، والله وليّ معونته، على جميل نيّته، وحسن طويّته، بمنّه ورحمته.
ولما فتح الله ، كور فارس على المسلمين، وأزال عنها أيدي المتغلّبين، وجد أمير المؤمنين أهلها، قد احتالوا في إسقاط خراج الشجر بأسره، مع كثرته وجلالة قدره، فأمر بإشخاص وجوههم إلى حضرته، واتّصلت المناظرة لهم بمشهد من قضاته وخاصّته، إلى أن اعترفوا به مذعنين، والتزموه طائعين، وضمنوا أداء ما أوجبه الله تعالى فيه من حقوقه، على ما تقرّر معهم من وضائعه وطسوقه، فطالب بخراج الشجر، في سائر الكور، على استقبال سنة ثلاث وثلاثمائة، فاستخرجه، واستوف جميعه واستنظفه، واكتب بما يرتفع من مساحته، ويتحصّل من مبلغ جبايته، متحرّيا للحقّ، متوخّيا للرفق، إن شاء الله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب عليّ بن عيسى، يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة.
стр. 2626
٥٨ إذا تم أمر بدا نقصه
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، وهو ابن بنت إبراهيم بن المدبّر، قال: حدّثني أبو الفضل صاعد ابن هارون بن مخلد بن أبان، قال: حدّثني عدّة من جلّة الكتّاب، عن كاتب كان يخطّ بين يدي الموريانيّ «١» ، وهو وزير المنصور، قال:
كنت يوما بحضرته على خلوة، فدخل عليه حاجبه، وقال: بالباب رجل يذكر أنّه يريد أن يلقي إليك شيئا مهمّا.
قال: اسمع منه ما يقوله، وأدّه إليّ.
قال: قد سمته ذلك فأبى، وبذلت أن أخرج إليه كاتبا فامتنع من ذلك، وقال إمّا أن أصل إليه، أو أنصرف [٥٠] .
قال: فما زيّه؟
قال: زي التنّاء.
قال: هاته.
فأدخله، فلما وصل، استأذنه في السرار، فأذن له، فدنا إليه، فأطال سراره، ثم دعا بخازنه، فقال: خذ ما يدفعه إليك.
ثم قال لي: قم، فاكتب بكلّ ما يريده، على إملائه، وإن التمس توقيعي في شيء منه، فأنفذه إليّ مع غلامك.
стр. 2627
قال: فقمت، فكتبت له بما أملاه، وعدت، فعرّفته إزاحتي علّته «١» فيما طلبه، فجعل يبكي بكاء شديدا.
فسألت غلمانه: هل ورد بعدي شيء يكرهه.
فقالوا: لا.
فقلت: يا سيدي، ما هذا البكاء؟ وكنت آنسا به.
فقال: إنّ هذا الرجل لقيني منذ أكثر من سنة، وذكر أنّه من بني البختكاني «٢» وذكر كبر نعمته- وأنا بهم عارف-، ووصف أنّ العمال يتحيّفونه، ويستضعفونه، وسألني أن أوقع اسمي على ضيعته، وأظهر أنّي قد استأجرتها منه، وأكاتب العمّال، ووكلائي بذلك، وأن تقرّ يده فيها، إذ كنت قد وثقت به على ذلك، وبذل لي النصف من ارتفاعه، بعد المؤونة، حلالا.
فوافقته على ذلك، وكتبت له بما أراد، ومضى.
ولم تبتغ نفسي الاستقصاء عليه، ولا الاستظهار، ولا مضايقته، وقلت لعلّه أراد الانتفاع بجاهي، فلا أحرمه إيّاه، فإن وفى، وإلّا كان ذلك من زكاة الجاه.
ثم أنسيت أمره، فما ذكرته حتى رأيته الساعة، فأعلمني أنّه يتردد منذ مدة إلى الباب، فلا يصل، وأعلمني أنّه قد حصل لي من ذلك، مائتا ألف درهم، وأوقفني على حساب رفعه، واستأذني في تسليم المال.
стр. 2628
وسألني تجديد الكتب، بمثل ما كنت كتبت به إليهم في السنة الماضية، في أمر هذه الضياع.
فتقدّمت إلى خازني، بقبض المال، وتقدّمت إليك، فكتبت عنّي بذلك، فأنا أبكي لهذه الحال.
فقلت له: يا سيدي، فأيّ شيء في هذا ممّا يبكيك؟
فقال: ويحك، ويذهب هذا عليك، مع طول ملازمتي وخدمتي؟
قد كنت عندي، أنّك تحنّكت بخدمتي، أمر يكون هذا من إقباله، فكيف يكون إدباره؟
قال: فما بعد أن قبض عليه المنصور، ونكبه، واستصفى ماله، وأموال أهله، وقتله «١» .
قال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد: فحدّثت بهذا الحديث، أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات، وأبا الحسن عليّ بن [٥١] عيسى، كلّ واحد على الانفراد، في وقت مفرد، فكل واحد منهما أفرط في استحسانه، حتى سأل أن أمليه عليه، فكتبه عنّي بخطّه.
стр. 2629
٥٩ الجزاء من جنس العمل
حدّثني أبو الحسين «١» ، قال:
حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب، المعروف بابن أبي عمر، كاتب المحسّن بن الفرات «٢» ، وكان ممّن تقلّد بعد آل الفرات، عدّة أعمال جليلة، ودواوين عظيمة، حتى تقلّد الأزمّة «٣» ، صارفا للخصيبي، في أيام ابن رائق «٤» ، وقتل بديار مضر، قتله عمّار القرمطي.
وقد كان أبو الحسن، متقلّدا لديار مضر «٥» من قبل ابن رائق، فأغار عليها عمّار، ليتملّكها عاصيا، فطالبه بالمال لأصحابه.
فقال: ما معي شيء، ولو قتلتني، وصلبتني.
فقال: عليّ أن أفعل بك ذلك.
فقتله، وصلبه، في يوم عيد الفطر من سنة تسع وعشرين.
فلم يزل ابن رائق، يحتال على عمّار، حتى حضر مجلسه، وتركه أيّاما مع جيشه، ثم قبض عليه، وبحضرته وجوه الأتراك المستأمنة إلى ابن رائق
стр. 2630
بالشام، من أصحاب بجكم «١» ، فأمرهم بدقّه بالأعمدة.
فلما كاد أن يموت، قال: أذيقوه حدّ السيف، فأخذ رأسه، وصلبه في المكان الذي صلب فيه عامله ابن أبي عمر «٢» .
следующие страницы →