← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

٥٨ إذا تم أمر بدا نقصه حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، وهو ابن بنت إبراهيم بن المدبّر، قال: حدّثني أبو الفضل صاعد ابن هارون بن مخلد بن أبان، قال: حدّثني عدّة من جلّة الكتّاب، عن كاتب كان يخطّ بين يدي الموريانيّ «١» ، وهو وزير المنصور، قال: كنت يوما بحضرته على خلوة، فدخل عليه حاجبه، وقال: بالباب رجل يذكر أنّه يريد أن يلقي إليك شيئا مهمّا. قال: اسمع منه ما يقوله، وأدّه إليّ. قال: قد سمته ذلك فأبى، وبذلت أن أخرج إليه كاتبا فامتنع من ذلك، وقال إمّا أن أصل إليه، أو أنصرف [٥٠] . قال: فما زيّه؟ قال: زي التنّاء. قال: هاته. فأدخله، فلما وصل، استأذنه في السرار، فأذن له، فدنا إليه، فأطال سراره، ثم دعا بخازنه، فقال: خذ ما يدفعه إليك. ثم قال لي: قم، فاكتب بكلّ ما يريده، على إملائه، وإن التمس توقيعي في شيء منه، فأنفذه إليّ مع غلامك.

стр. 2627

قال: فقمت، فكتبت له بما أملاه، وعدت، فعرّفته إزاحتي علّته «١» فيما طلبه، فجعل يبكي بكاء شديدا. فسألت غلمانه: هل ورد بعدي شيء يكرهه. فقالوا: لا. فقلت: يا سيدي، ما هذا البكاء؟ وكنت آنسا به. فقال: إنّ هذا الرجل لقيني منذ أكثر من سنة، وذكر أنّه من بني البختكاني «٢» وذكر كبر نعمته- وأنا بهم عارف-، ووصف أنّ العمال يتحيّفونه، ويستضعفونه، وسألني أن أوقع اسمي على ضيعته، وأظهر أنّي قد استأجرتها منه، وأكاتب العمّال، ووكلائي بذلك، وأن تقرّ يده فيها، إذ كنت قد وثقت به على ذلك، وبذل لي النصف من ارتفاعه، بعد المؤونة، حلالا. فوافقته على ذلك، وكتبت له بما أراد، ومضى. ولم تبتغ نفسي الاستقصاء عليه، ولا الاستظهار، ولا مضايقته، وقلت لعلّه أراد الانتفاع بجاهي، فلا أحرمه إيّاه، فإن وفى، وإلّا كان ذلك من زكاة الجاه. ثم أنسيت أمره، فما ذكرته حتى رأيته الساعة، فأعلمني أنّه يتردد منذ مدة إلى الباب، فلا يصل، وأعلمني أنّه قد حصل لي من ذلك، مائتا ألف درهم، وأوقفني على حساب رفعه، واستأذني في تسليم المال.

стр. 2628

وسألني تجديد الكتب، بمثل ما كنت كتبت به إليهم في السنة الماضية، في أمر هذه الضياع. فتقدّمت إلى خازني، بقبض المال، وتقدّمت إليك، فكتبت عنّي بذلك، فأنا أبكي لهذه الحال. فقلت له: يا سيدي، فأيّ شيء في هذا ممّا يبكيك؟ فقال: ويحك، ويذهب هذا عليك، مع طول ملازمتي وخدمتي؟ قد كنت عندي، أنّك تحنّكت بخدمتي، أمر يكون هذا من إقباله، فكيف يكون إدباره؟ قال: فما بعد أن قبض عليه المنصور، ونكبه، واستصفى ماله، وأموال أهله، وقتله «١» . قال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد: فحدّثت بهذا الحديث، أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات، وأبا الحسن عليّ بن [٥١] عيسى، كلّ واحد على الانفراد، في وقت مفرد، فكل واحد منهما أفرط في استحسانه، حتى سأل أن أمليه عليه، فكتبه عنّي بخطّه.

стр. 2629

٥٩ الجزاء من جنس العمل حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب، المعروف بابن أبي عمر، كاتب المحسّن بن الفرات «٢» ، وكان ممّن تقلّد بعد آل الفرات، عدّة أعمال جليلة، ودواوين عظيمة، حتى تقلّد الأزمّة «٣» ، صارفا للخصيبي، في أيام ابن رائق «٤» ، وقتل بديار مضر، قتله عمّار القرمطي. وقد كان أبو الحسن، متقلّدا لديار مضر «٥» من قبل ابن رائق، فأغار عليها عمّار، ليتملّكها عاصيا، فطالبه بالمال لأصحابه. فقال: ما معي شيء، ولو قتلتني، وصلبتني. فقال: عليّ أن أفعل بك ذلك. فقتله، وصلبه، في يوم عيد الفطر من سنة تسع وعشرين. فلم يزل ابن رائق، يحتال على عمّار، حتى حضر مجلسه، وتركه أيّاما مع جيشه، ثم قبض عليه، وبحضرته وجوه الأتراك المستأمنة إلى ابن رائق

стр. 2630

بالشام، من أصحاب بجكم «١» ، فأمرهم بدقّه بالأعمدة. فلما كاد أن يموت، قال: أذيقوه حدّ السيف، فأخذ رأسه، وصلبه في المكان الذي صلب فيه عامله ابن أبي عمر «٢» .

стр. 2631

٦٠ الخليفة المهدي ووزيره أبو عبيد الله قال أبو الحسين «١» : فحدّثني أبو الحسن بن أبي عمر «٢» هذا، قال: حدّثنا أبو عبد الله حمد بن محمد القنائي «٣» ، ابن أخت الحسن بن مخلد «٤» ، قال: حدّثني أبو محمد خالي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس الصولي «٥» ، يقول: حدّثت عن المأمون، عن الرشيد، أنّه سمع المهدي يقول: بعد زوال أمر أبي عبيد الله «٦» عن الوزارة، واقتصاره على ديوان الرسائل، وعلى الجلوس في منزله، وتفويض الأمر إلى يعقوب بن داود «٧» : ما رأيت أحزم، ولا أفهم، ولا أكفأ، ولا أعفّ، من أبي عبيد الله،

стр. 2632

ولقد كنت أحبّه، مع إجرائي إيّاه مجرى الوالد، وكنت أجتهد به أن يدعوني إلى داره، فيمتنع، ويزعم أنّه لا تتّسع همّته، ولا نعمته، لذلك. إلى أن اعتلّ علّة عظيمة، فتمادت الأيام به، ولم أعده، إلى أن كتب إليّ باستقلاله، وأنّه قد عمل على الركوب إليّ، بعد يوم أو يومين، فسابقته، وركبت إليه في خفّ من غلماني وخاصّتي. فلما دخلت إليه، قلت له: قد كنت أجتهد بك أن تدعوني [٥٢] ، فتأبى، والآن، قد جئتك جامعا للعيادة، والتهنئة بالعافية، والدعوة. فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما لي طعام، ولا غلمان، ولا زيّ يصلح لدعوتك. فقلت: قد فرغت لك من ذلك، وتقدّمت إلى غلماني، بحمل الآلات، والطعام، والأشربة، وجميع ما يحتاج إليه، وإنّما أردت تشريفك، والأنس بك. قال: وجاء الغلمان، بآلات، وفرش لي، وجلست، وهو معي، فأكلنا، وجعل يتحفني من منزله، بالفاخر من الفرش، والآنية، والآلات هدية لي، كما يفعل الناس، فأخذت كلّما يحمله من أحسن شيء، وأجمله، وأرشقه، فازداد ابتهاجا به. ثم دعوت بالشراب، فلما شربت ثلاثة فقط، عملت على الانصراف. فلما أحسّ بذلك، قال لي: أريد أن أبكي، وأنا أتطيّر أن أبكي بعد انصراف أمير المؤمنين، وأنا أستأذنه في البكاء بحضرته. قال: وتحدّرت دموعه عقيب الكلام، فبكى بكاء شديدا. فقلت له: يا هذا، أنا أعلم أنّ فيك شحا، تسميه حسن التدبير، وما يحسن منك أن تبكي، فإن كان ندما على ما أهديته، فهو مردود بلا شكّ. قال: فحلف بأيمان عظيمة، وانزعج انزعاجا شديدا، أنّه ما بكى لذلك.

стр. 2633

وقال: كيف أبكي على ما سبيلي أسرّ به، حيث جعلتني أهلا لقبوله؟ قال: فقلت: فلم تبكي؟ قال: لم تبق مرتبة تنال، إلّا وقد نلتها، وبلغتها، بفضل أمير المؤمنين، وتطوّله، حتى انتهت بي الحال، إلى أن وصلت، من مال أمير المؤمنين، بأمره، وعن أمره، في ليلة واحدة، وهي ليلة ورد الخبر بوفاة أمير المؤمنين المنصور صلوات الله عليه، وأخذت بيعة ثانية لأمير المؤمنين على الناس، بعشرة آلاف ألف درهم، وفي هذه العلّة، تصدّقت بجميع ما في خزانتي من المال، وكان أربعة آلاف ألف، بعد أن أستأذنت أمير المؤمنين، فأذن لي، ولم يكن بقي، إلّا أن يعودني أمير المؤمنين في علّة، أو يهنئني بحال مسجددة، أو يصير إلى دعوتي، فلمّا كان اليوم، جمع أمير المؤمنين لي ذلك، فعلمت أنّي قد بلغت النهاية، وأنه ليس بعدها إلّا الانحطاط، فبكيت لذلك [٥٣] . قال: فرققت له، وعلمت فضله، وقلت له: أمّا في أيامي، فأنت آمن ذلك، وإن أصابك شيء بعدي، فالحياة- على كلّ حال- خير من الموت، ولك بي أسوة. واعتقدت أن لا أنكبه. فلما رأى الربيع «١» عظم منزلته، حسده، فجدّ في السعاية إليّ به، والفساد بيننا، والحيلة عليه عندي، إلى أن جرى في أمر ابنه، وإقراره بالزندقة، ما لم يسع معه، أن لا يقتل، فقتلته، وخفت أن يكون قد استوحش لذلك فلم آمنه على نفسي، فاحتجت إلى صرفه، فصرفته، وحرست نفسه، وبقيت نعمته، واستحال الأمر عما عقدته له. وكان الأمر على ما ظنّه، من النقصان بعد التناهي.

стр. 2634

٦١ معنى النهروان بالفارسية حدّثني أبو الحسين» ، قال: سمعت عليّ بن عيسى «٢» ، يحدّث، دفعات، عن أبيه، أنّه سمع أباه، يحدّث عن جده، عن مشايخ أهل العلم بأخبار الفرس، وأيّامهم، قالوا: معنى النهروان بالفارسية: ثواب العمل. قالوا: وإنّما سمّي نهر النهروان بذلك، لأن بعض ملوك الأكاسرة، كان قد غلب عليه بعض حاشيته، حتى دبّر أكثر أمره، وترقّت منزلته عنده، وكان قبل ذلك، من قبل صاحب المائدة، مرسوما بإصلاح الألبان والكواميخ «٣» ، ثم علت حاله، فكان صاحب المائدة يتحسّر، كيف علت حال هذا، وقد كان تابعا له، وغلب على الملك؟ وكان مع ذلك الرجل، يهوديّ ساحر ممخرق، فقال له: ما لي أراك مهموما؟ فحدّثني بأمرك، لعل فرجك على يدي. قال: فحدّثه. فقال له اليهودي: إن رددتك إلى منزلتك، ما لي عندك؟ قال: أشاطرك حالي ونعمتي، وجميع مالي. فتعاهدا على ذلك، فقال: أظهر وحشة تجري بيننا، وأنّك قد صرفتني ظاهرا.

стр. 2635

ففعل ذلك به. فصار إلى الرجل الغالب على الملك، فحدّثه، وتقرّب إليه بما جرى عليه من الرجل الأول، ولم يزل يحدّثه مدّة طويلة، حتى أنس به ذلك الرجل. فلقيه في بعض الأيام، ومع غلامه غضارة «١» ذهب، فيها شيراز «٢» في نهاية الطيبة، يريد أن يقدمه إلى الملك. فقال: أرني هذا الشيراز. فقال الرجل لغلامه: أره إيّاه، فأراه، فخاتل الرجل والغلام، وأخذ بأعينهما بسحره، وطرح في الشيراز قرطاسا كان معه، فيه سم ساعة. وغطّى الغلام الغضارة [٥٤] الكبيرة، ومضى ليقدّمها، إذا قدّمت المائدة. فبادر اليهودي إلى صاحب المائدة الأول، وقال له: قد فرغت من القصة، وعرّفه ما عمله، ووصف له الغضارة، وقال له: امض الساعة إلى الملك، فقل له: هذا أراد أن يسمّك في هذه الغضارة، فلا تأكلها، وجرّبها، فإنّه سيجرّبها على كلب، أو غيره، فيموت في الحال، فيقتل عدوّك، ويشكر لك، فيردّك إلى مرتبتك. قال: فبادر الرجل، فوجد المائدة، تريد «٣» أن تقدّم إلى الملك، فحين قدّمت، تقدّم إليه، وقال: أيّها الملك، إنّ هذا يريد أن يسمّك في هذه الغضارة، وهي مسمومة بسمّ ساعة، فلا تأكلها. فراع الملك، وأمر بتجريب الشيراز على حيوان.

стр. 2636

فقال الرجل: قد كذب هذا، وليس يحتاج إلى حيوان، أنا آكل من هذه الغضارة، ليعلم الملك كذبه. قال: والرجل لا يعلم ما في الغضارة، فبادر فأكل منها لقمة، فتلف في الحال. فقال صاحب المائدة الأوّل: إنّما أكل أيّها الملك من ذلك، ليتلف، لما علم أنّك تجرّب ذلك، فتجده قاتلا، فخاف أن تعذّبه، فاستروح إلى هذا. فلم يشكّ الملك، في صحة الأمر، وردّ إلى صاحب المائدة الأول، ما كان إليه، وأكرمه وعظّمه. ومضت السنون على ذلك. قال: وعرض للملك، علّة، كان يسهر من أجلها في أكثر الليالي، فكان يخرج، وحاشيته غافلون، فيطوف في صحون داره، وحجرها، وبساتينها، ويقف على أبواب حجر نسائه، وغلمانه، فيتسمّع عليهم، ويعلم ما يتحدّثون به. فانتهى في ليلة، في طوفه، لأجل السهر، إلى حجرة فيها ذلك اليهودي، وقد خلطه صاحب المطبخ بنفسه، وغلمانه، وهو جالس يحدّث بعض أصحاب صاحب المطبخ، ويتشكّى إليه، ويقول: إنّه يقصّر في حقّي، ويعدّد تقصيره في حقه. ثم قال: أنا أصل نعمته وما هو فيه. فقال له الذي يحدّثه: وكيف صرت أصل نعمته؟ قال: وتكتم ذلك؟ قال: نعم. فحدّثه بحديث الشيراز والسمّ.

стр. 2637

فلما سمع الملك ذلك، قامت قيامته، وأحضر الموبذ «١» من غد، وحدّثه بالحديث، وشاوره فيما يعمله، ممّا يزيل عنه إثم ذلك الفعل في معاده، فأمر بقتل اليهودي [وصاحب المائدة] «٢» والإحسان إلى عقب- إن كان- للذي قتل نفسه. وقال: ولا يزيل عنك إثم هذا، إلّا أن تطوف في عملك، حتى تنتهي إلى بقعة [٥٥] خراب، فتستحدث لها عمارة، ونهرا، وشربا، فيعيش الناس بذلك، في باقي الدهر، بدلا من موت ذلك الرجل، فيمحّص عنك الإثم. ففعل الملك ذلك، وطاف أعماله، حتى بلغ موضع النهروان، وهو خراب، فأجمع رأيه، على حفر النهر فيه، فحفر، وسمّاه: ثواب العمل، لأجل هذه القصة «٣» .

стр. 2638

٦٢ رقعة نفعت صاحبها وخلفه حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثني أبو الحسن الأنباري «٢» الكاتب، صديق الكرخيين «٣» قال: دفع إليّ أبو أحمد عبد الوهاب بن الحسن بن عبيد الله بن سليمان، رقعة أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة بن خالد «٤» ، الكاتب، إلى جدّه عبيد الله. وقال لي: كان إلى أبي- الحسن بن عبيد الله- ديوان الرسائل، وديوان المعاون، في جملة الدواوين التي كانت إليه في أيّام أبيه. فأمر الوزير عبيد الله، أبي، أن يستخلف أبا الحسين بن ثوابة، على ديوان الرسائل، والمعاون، وصار كالمتقلّد له من قبل الوزير، لكثرة استخدامه له فيه، وكانت هذه الرقعة سبب ذلك. ثم مات أبي، فأقرّه جدّي على الديوان رياسة، وبقي عليهم، يتوارثونه، مرة رياسة، ومرّة خلافة.

стр. 2639

فما سمع برقعة أولى منها، وهي في غاية الحسن، ونسختها: قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صرفها إلى عطفك، وأستجير من لؤم غلبتها، بكرم قدرتك، فإنها تؤخّرني إذا قدّمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت، أعطت يسيرا، وإن ارتجعت، ارتجعت كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا أعددت للإنصاف منها إلّا فضلك، ودفع ذمام المسألة، وحقّ الظلامة، وحقّ التأميل، وقدم صدق الموالاة والمحبّة، والذي يملأ يدي من النصفة، ويسبغ العدل عليّ، حتى تكون محسنا إليّ، وأكون بك للأيام معديا، أن تخلطني بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعديني، فقد استعديت، وتجيرني فقد عذت بك، وتوسع عليّ كنفك، فقد أويت إليه، وتعمّني بإحسانك، فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدي ولساني، فيما يصلحان لخدمتك فيه، فقد درست كتب أسلافك، وهم الأئمة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفيت آثارهم، اقتفاء حصّلني بين وحشيّ الكلام وأنيسه [٥٦] ، ووقفني منه على جادّة متوسطة، يرجع إليها الغالي، ويسمو نحوها المقصّر، فعلت، إن شاء الله «١» .

стр. 2640

٦٣ أبو قوصرة المستخرج والوزير المصروف الحسن بن مخلد حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى ابن أبي البغل «٢» ، وهو إذ ذاك، عدل في جوارنا ببغداد، ويعاشرني. قال: حدّثني أبو قوصرة المستخرج «٣» . قال أبو الحسين: وقد رأيت أنا أبا قوصرة، وأنا حدث، وهو شيخ مسنّ، من بقيّة القوّاد المتقدمين، وقد لزم منزله، وكان الرسم قدما، ان يقلّد بعض القوّاد الذين يفهمون المناظرة، الاستخراج. قال ابن أبي البغل: قال لي أبو قوصرة: تقدّم إليّ سليمان بن وهب «٤» ، في وزارته للمعتمد، لما قبض على الحسن بن مخلد «٥» ، أن أدخل إليه، إلى الحبس، فأطالبه بما صودر عليه، فكنت أخشن عليه ظاهرا، وألين له باطنا، وأتخبّر له على سليمان «٦» ، وأشير عليه. فوقفت على أنّ عبيد الله بن سليمان، قد عمل على أن يجتمع هو، وأبوه، وصاعد بن مخلد، وأبو صالح بن المدبّر، وجماعة من الكتاب، في مجلس،

стр. 2641

ويخرجوا الحسن، فيباهتوه «١» بكل محال لا أصل له، ويكابروه «٢» على المحالات، حتى يضطروه بذلك، إلى الأداء، ويرهبوه بأخذ خطّه بزيادة على ما عليه، لأنّه كان قد بلح، وقال: لم يبق لي ما أؤديّه. قال: فجئته إلى الحبس، فحدّثته بأنّهم في غد، سيخرجونه لذلك. قال: ففكّر ساعة، فظننته يفكّر فيما يدبّر به أمره. ثم أنشدني لنفسه: من صادر الناس صادروه ... وكابر الناس كابروه وباهتوه الحقوق بهتا ... وبالأباطيل ناظروه بمثل ما راح من قبيح ... أو حسن منه باكروه

стр. 2642

٦٤ من تواضع ارتفع حدّثني أبو الحسين، قال: كان أبو الفضل عبيد الله بن عبد الله بن الحارث الكاتب «١» ، من وجوه العمّال، ثم خلف أبا القاسم سليمان «٢» بن الحسن، في وزارته الأولى، على كثير من أمر الوزارة، فتكبّر على الناس، ولم يوفهم الحق، فبحثوا عن معايبه، وأطلقوا الألسن بمثالبه. وكان قد اشتهر أنّ أمّه، تزوجت أزواجا، بعد أبيه وقبله، وقيل إنّ عددهم بضعة عشر رجلا، ومنهم رجل يعرف بسوشيخ، يبيع الأرز باللبن. فقال فيه العصفري الشاعر يهجوه، وأنشدنيها لنفسه: قالوا: أبو الفضل شمخ ... وازداد كبرا وبذخ [٥٧] فقلت مه، قولوا له ... يا هرل «٣» سوشيخ الوسخ ما كنت، لا كنت بذي ... سوشيخ يقرط لأمخ وإنّما أراد أن يتطايب بهذا الشعر، مع ذكر أمّه، لأنّ أصله كان من قرية من أعمال واسط بالأسافل، يقال لها قلمايا. وقد كان أبو الحسين بن عياش القاضي، أنشدني هذه الأبيات قديما،

стр. 2643

وحكى مثل هذه القصة، فأنسيت «١» الأبيات حتى أذكرنيها أبو الحسين بن هشام، وفي رواية ابن عياش: ويلك ما كنت بذي قال: ومعنى يقرط لأمخ: ينيك أمّك «٢» .

стр. 2644

٦٥ الخليل بن أحمد والراهب حدّثني أبو الحسين بن هشام، قال: حدّثني أبو الحسن زكريا بن يحيى ابن محمد بن شاذان الجوهري، قال: حدّثنا أبو العباس المبرّد «١» ، قال: حدّثت عن الخليل بن أحمد «٢» [قال] : اجتزت في بعض أسفاري، وأنا متوجّه، براهب في صومعة، فدققت عليه، والمساء قد أزف «٣» جدا، وقد خفت من الصحراء، وسألته أن يدخلني. قال: فقال: من أنت؟ فقلت: أنا الخليل بن أحمد. فقال: أنت الذي يزعم الناس أنك وجه، وواحد في العلم بأمر العرب؟ فقلت: كذا يقولون، ولست كذلك. قال: إن أجبتني عن ثلاث مسائل، جوابا مقنعا، فتحت لك، وأحسنت ضيافتك، وإلّا لم أفتح لك. فقلت: وما هي؟ قال: ألسنا نستدل على الشاهد بالغائب؟ قلت: بلى.

стр. 2645

قال: فأنت تقول: إن الله تعالى ليس بجسم و [لا] عرض «١» ، ولم نر له مثلا، فبأيّ شيء أثبتّه؟. وأنت تزعم: إنّ الناس في الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوّطون، وأنت لم تر آكلا، شاربا، إلّا متغوّطا. وأنت تقول: أنّ نعيم أهل الجنّة لا ينقضي، وأنت لم تر شيئا إلّا منقضيا. قال: فقلت له: بالشاهد الحاضر، استدللت على ذلك كلّه. أمّا الله تعالى، فإنّي استدللت عليه، بأفعاله الدالة عليه، [أنّه] لا مثل له، وفي الشاهد مثل ذلك، الروح التي فيك، وفي كل حيوان، نعلم أنّه يحسّ بها تحت كل شعرة منّا، ونحن لا ندري أين هي، ولا كيف هي؟ ولا ما صفتها، ولا جوهرها، ثم نرى الإنسان من الناس، يموت إذا خرجت، ولا يحسّ بشيء، وإنّما استدللت عليها بأفعالها، وبحركاتها، وتصرّفنا، بكونها فينا. وأمّا قولك: إنّ أهل الجنّة لا يتغوّطون، مع الأكل، فالشاهد لا يمنع ذلك، ألا تعلم أنّ الجنين يغتذي في بطن أمّه، ولا يتغوّط. وأما [٥٨] قولك: إنّ نعيم أهل الجنّة، لا ينقضي مع أنّ أوله موجود، فإنّا نجد أنفسنا نبتدىء الحساب بالواحد، ثم لو أردنا أن لا ينقضي إلى ما لا نهاية له، لم نزل نكرره، وأعداده، وتضعيفه، إلى ما لا انقضاء له. قال: ففتح لي الباب، وأحسن ضيافتي.

стр. 2646

٦٦ عافية القاضي يستقيل من القضاء حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن سعد، مولى بني هاشم، وكان يكتب ليوسف القاضي» قديما، قال: حدّثنا إسماعيل ابن إسحاق القاضي «٢» ، عن أشياخه، قال: كان عافية القاضي «٣» ، يتقلّد للمهدي، القضاء، بأحد جانبي مدينة السلام، مكان ابن علاثة «٤» ، وكان عافية عالما زاهدا. فصار إلى المهدي، في وقت الظهر، في يوم من الأيام، وهو خال، فاستأذن عليه، فأدخله، وإذا معه قمطره «٥» ، فاستعفاه من القضاء، واستأذنه في تسليم القمطر، إلى من يأمره بذلك. فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه، أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك. فقال: ما جرى من هذا شيء. فقال: ما سبب استعفائك؟ فقال: كان تقدّم إليّ خصمان من شيراز وأصبهان، في قصّة معضلة

стр. 2647

مشكلة، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبّت، فرددت الخصوم، رجاء أن يصطلحا، أو يتعيّن لي وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدهما، من خبري، على أنّي أحب الرطب السكر «١» ، فعمد، في وقتنا، وهو أول أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكّرا، لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلّا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة دراهم، على أن يدخل الطبق إليّ، ولا يبالي أن يردّ، فلما أدخل إليّ، أنكرت ذلك، وطردت بوّابي، وأمرت بردّ الطبق، فردّ. فلما كان اليوم، تقدم إليّ مع خصمه، فما تساويا في قلبي، ولا في عيني، وهذا يا أمير المؤمنين، ولم أقبل، فكيف لو قبلت، ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني، فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني، أقالك الله، واعفني «٢» . فأعفاه «٣» .

стр. 2648

٦٧ لا تصلح الدنيا إلا بالعدل حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: سمعت حامد بن العباس «٢» ، في وزارته «٣» ، يتحدّث، قال: كان صاعد بن مخلد «٤» ، وصفني للناصر لدين الله «٥» ، وعظّم عنده من أمري، حتى اختصصت بخدمته. فاستدعاني يوما على خلوة، وقال: قد علمت ما لحقنا من هذا العدوّ، يعني [٥٩] صاحب الزنج «٦» ، حتى عدنا إلى هاهنا. قال: وكان ذلك بعد انهزامه من بين يدي صاحب الزنج «٧» ، وعوده من مقامه بواسط «٨» ، ليستريح، ويتأهب للرجوع، ويستعد لقتاله. قال: وقال لي الناصر: وأمري كما ترى مختلّ، وجميع ما في خزانتي ثلاثون ألف دينار عينا، وهذا لا يقع منّي «٩» ، وأريد أن تصرف همّتك إلى

стр. 2649

ما يثمر معه، ويضعف قدره. قال: فقلت له: هاهنا وجه فيه مرفق عظيم. فقال: ما هو؟ فقلت: هذه أسناية «١» الخيزران، ومنها يشرب المبارك «٢» بأسره، وبعض الصلح «٣» ، وكانت إقطاعا لأمّ الرشيد، الخيزران «٤» ، فحفرت لها هذه الاسناية، وكانت تغلّها غلّة عظيمة، وقد تعطّلت الآن، وخرب الصلح، والمبارك، كلّه، فإن صرفت هذه الثلاثين الألف الدينار، في حفر الاسناية، وإطلاق البذر والبقر، لأهل هاتين الناحيتين، تولّيت لك تفرقة ذلك، ومشاهدة الحفر بنفسي، حتى لا يضيع منه دانق واحد، ولا يرتفق أحد بحبّة منه، وتغلّ في سنة، ضعف هذا وأكثر. قال: قد فعلت. قال: فأنفقت على حفر الاسناية عشرين ألف دينار، بأتمّ احتياط، وأطلقت العشرة الآلاف الدينار، الباقية، للضعفاء من الأكرة، والتنّاء، والمزارعين، في أثمان بقر وبذور، واحتطت في جميع ذلك، وطالبت الأقوياء بالزراعة من أموالهم، وحرصوا هم أيضا الحرص كله، لما رأوا الماء، وأنّ الضياع معطّلة منذ سنين كثيرة، وطمعوا في كثرة الريع، ووفور الأسعار في النواحي.

стр. 2650

فزرع الناس بالرغبة والرهبة، حتى استنفذوا جهدهم. فلما أدركت «١» ، حصلت في بيدر واحد، من بيادر الصلح، وقد كان ارتفع أصل الكيل منه، ثلاثة آلاف كرّ وستمائة كرّ حنطة، بالنصف، فحصلت منه الثلث، والعشر، على المقاسمة مع الأجور، وفضل الكيل، ألف كرّ وستمائة كرّ للسلطان، وبعتها بحساب الكرّ بنيف وعشرين دينارا، فحصل الثمن ستة وثلاثون ألف دينار عينا من بيدر واحد، وبقي البلد كلّه بأسره ربحا. فحصل له منه في أوّل سنة، أضعاف ما أنفق مضاعفا. فتقوّى بذلك على الرجوع إلى الخائن «٢» [٦٠] ، وكان ذلك من أكبر أسباب تقدّمي عنده ورفعتي. قال: وكان حامد يحدّث بهذا، عقيب شيء جرى، قال حامد معه: لا تصلح الدنيا إلّا بالعمارة، والعدل، وقمع العمال عن السرقات. ثمّ تحدّث بهذا الحديث.

стр. 2651

٦٨ تنحّ عن القبيح ولا ترده حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات، يقول: كان أبو الحسن محمد بن فراس الكاتب، سبب الوصلة بين القاسم بن عبيد الله «١» ، والعبّاس بن الحسن «٢» ، حتى استكتبه له. فلما علت حال عباس، حسده ابن فراس «٣» ، وعاد يسعى عليه، ويثلبه عند القاسم. إلى أن اعتلّ القاسم علّة موته، فقال ابن فراس: إنّ العباس بن الحسن، يسعى في طلب الوزارة، مع الداية «٤» ، وصافي الحرمي «٥» ، وإنّه قد قطع السواد «٦» .

стр. 2652

فلم يتقبّل ذلك القاسم، وكتب الرقعة المشهورة إلى المكتفي «١» . قال: فدخلنا عليه في الليلة التي ولي فيها الوزارة، إثر موت القاسم، ولم يكن خلع عليه، ودخل ابن فراس مهنئا له، فجلس في أخريات الناس. وتشاغل العباس، بتقليب ثياب السواد، وقد جاءوه بها، ليختار منها ما يقطع له، فيلبسه من غد، في دخوله إلى الخليفة، قبل الخلع، حتى يبرّكه هناك، ويلبس الخلع فوقه. وكان الرسم إذ ذاك، أن لا يصل أحد إلى الخليفة، في يوم موكب إلّا بسواد. قال: فلمّا اختار العباس ما يريده من الثياب، أقبل علينا، وقال معرّضا بابن فراس: لعن الله أهل الحسد والشرّ، سعى قوم على دمي، عند وليّ الدولة، وقالوا له: إنّي قد سعيت في الوزارة، وإنّي قد قطعت السواد منذ أيام كثيرة، وهذا بحضرتكم، على غير تواطؤ، هو ذا أقلّب ثيابا، ليقطع منها سواد لي. فقام ابن فراس قائما، وقال: قد حضرني، أطال الله بقاء الوزير، بيتان في هذا المعنى، فإن أذن الوزير- أيّده الله- أنشدتهما. فاستحيا العبّاس، وقال: بحياتي، اجلس، وأنشد. فجلس، وقال: تنحّ عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده ستكفى من عدوّك كل كيد ... إذا كاد العدوّ ولم تكده [٦١]

стр. 2653

٦٩ جور أبي عبد الله الكوفي حدّثنا أبو الحسن، محمد بن محمد بن عثمان الأهوازي الكاتب، المعروف بابن المهندس، قال: حدّثني ابن مروان الجامدي، قال: لما ظلم الناس بواسط «١» ، أبو عبد الله، أحمد بن عليّ بن سعيد الكوفي «٢» ، وهو إذ ذاك يتقلّدها لناصر الدولة «٣» ، وقد تقلّد الوزارة، وإمرة الأمراء ببغداد «٤» ، كنت أحد من تظلّم «٥» ، فظلمني وأخذ من ضيعتي بالجامدة «٦» ، نيفا وأربعين كرا أرزا بالنصف من حقّ رقبتي- سوى ما أخذه من حقّ بيت المال- بغير تأويل ولا شبهة، فتظلّمت إليه، وكلّمته، فلم ينصفني. وكان الكرّ الأرز بالنصف، إذ ذاك، بثلاثين دينارا. فقلت له: قد أخذ سيّدنا منّي، ما أخذ، وو الله، ما أهتدي، أنا وعيالي، إلى شيء سواه، وما لي ما أقوتهم به، باقي سنتي، ولا ما أعمّر به ضيعتي، وقد طابت نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وأجعل الباقي لك حلالا. فقال: هذا ما لا سبيل إليه.

стр. 2654

فقلت: فخمسة أكرار. فقال: لا أفعل. قال: فبكيت، وقبّلت يده، ورقّقته، وقلت: فهب لي منه، وتصدّق عليّ، بثلاثة أكرار، وأنت من الجميع في حلّ وسعة، بطيب من قلبي. فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة. قال: فتحيّرت، وقلت له: فإني أتظلّم إلى الله منك. فقال لي: كن على الظلامة- يكررها دفعات- وبكسر الميم، بلغة الكوفيين «١» . قال: فانصرفت محترق القلب، فجمعت عيالي، وما زلت أدعو الله عليه، ليالي كثيرة. فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، وجئت إلى البيدر، فأخذت أرزي، وحملته إلى منزلي. وما عاد الكوفيّ بعدها إلى واسط، ولا أفلح «٢» .

стр. 2655

٧٠ أبو عبد الله الكوفي يعاقب ملّاحا على سوء أدبه حدّثني أبو الحسن محمد بن محمد الأهوازي بن عثمان المعروف بابن المهندس، قال: كنت أتقلّد الضريبة وغيرها، في «١» أعمال واسط، في هذا الوقت «٢» ، للكوفيّ. فقدم ملّاح، يقال له ابن شبيب، من بغداد، في زورق عظيم، وكان فيه حديد، وخواب، فطالبته على ضريبتهما بثمانية آلاف درهم وكسر. فالتجأ إلى ثمل «٣» وهو غلام سيف الدولة، لأن سيف الدولة كان مقيما بواسط حينئذ، أميرا عظيما. فكتب إليّ ثمل، رقعة يلزمني تخفيف [٦٢] الضريبة عن الملّاح، ومقاربته، وأنفذ غلمانا من غلمانه. فوضعت في نفسي المقاربة لأجله، فقلت للملّاح، عليك ثمانية آلاف درهم، وكذا وكذا، فبكم تحب أن أسامحك، لأجل كلام فلان أيّده الله؟ قال: وكان مجلسا حافلا بأهل الأسواق، والتجّار، والمعاملين في الضريبة. قال: فقال لي الملّاح مستفهما: كم عليّ؟

стр. 2656

فقلت: ثمانية آلاف درهم وكسر. قال: فضرط من فمه «١» ، لي، وقال: تأخذ مني بميزان قرع، وصنج بعر. قال: فورد عليّ أمر عظيم، من استخفافه بي في مجلس العمل، وكرهت أن أوقع به، فتشرّق الحال بيني وبين ثمل، مع تمكّنه من سيف الدولة، وتصير منابذة بينه وبين صاحبي، ولا أدري كيف يكون حالي في ذلك. فقلت له: أمّا أنت فأقلّ من أن تجاب عن هذا الكلام، ولكن سأريك أمرك، كونوا معه. قال: فوكّلت به جماعة من الرجّالة، وعبرت في زبزبي، إلى الكوفيّ، فحدّثته بالقصة. فحين استتم حديثي، قال: وأيّ شيء عملت بالملّاح؟ فقلت: لم أقدم أن أعمل به شيئا، لأجل ثمل، وخشيت أن تنكر أنت ذلك. فقال: نفّاطين، نفّاطين «٢» ، وصاح، وتغيّظ. فأحضروا. وقال: ثلاثين راجلا، الساعة، فأحضروا. فقال: اعبروا إلى الزورق، فأحرقوه، بجميع ما فيه من الأمتعة، الساعة. قال: فورد عليّ أمر عظيم، وندمت على الشكاية، فقلت: يكفي من هذا- أطال الله بقاء سيدنا- ضرب الملّاح بالمقارع في السوق، وأن تضعف

стр. 2657

عليه الضريبة، وتستخرجها منه. فقال: لا والله، إلّا الإحراق. قال: فاجتهدت به، فلم يكن في يدي منه شيء. وتوجّه النفّاطون، والرجّالة، إلى الزورق، فضربوه بالنار، وأقبل الملاح يلطم، ويصيح، ويقول: يا قوم، فيه أموال الناس، قد افتقروا، وافتقرت، ويستغيث بالمسلمين، ولا يقدم أحد على إغاثته. وأحرقت قلوس «١» الزورق، التي كانت تربطه، وتمسكه، وخرج منه الملّاحون، وطرحوا أنفسهم إلى الماء. فانحدر مع الماء لنفسه، والنار تشتعل فيه، فوقع على الجسر، فقطعه، وانحدر، حتى انتهى إلى موضع معسكر سيف الدولة، وكان نازلا في المأصر «٢» بواسط. والملّاح [٦٣] في بكائه وراءه، لا يجسر أن يطفىء النار، ولا يقدر على أكثر من أن يلطم ويصيح. فلما رأى سيف الدولة الصورة، استهولها، مع صياح الملّاح، وقوله فيه أموال، فاستدعاه، وقال: أيش فيه؟.

стр. 2658

فقال: فيه مال صاحب البريديين، أصدره إليهم صاحبهم من بغداد سرّا، وجعله تحت الحديد. قال: فأمر سيف الدولة بالزورق، فقدّم إلى الشط، وأطفئت النار، وقد احترق جوانب الزورق، وظلاله «١» ، وأكثر آلته، إلّا الأمتعة التي في أسفله، فإنها كالسالمة. فرقي بها إلى الشط، فأخرج المال، فإذا هو ثمانية آلاف دينار عينا، ونيف وستون سيفا ومنطقة، من فضة، وبعضها من ذهب، فأخذ ذلك. وسلّم الزورق إلى الملاح، وشدّ على يده، وعصمه من الكوفيّ، حتى نقض الملّاح الزورق، وانتفع ببقية خشبه وحديده، ووصل التجّار إلى ما سلم من المتاع.

стр. 2659

٧١ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان حدّثني أبو الحسين، قال: سمعت أبا عيسى، أحمد بن محمد بن خالد، المعروف بأخي أبي صخرة «١» ، يحدّث أبي، قال: ما رأيت أحسن رعاية من أبي القاسم، عبيد الله بن سليمان «٢» . فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن ثابت، المعروف بالزغل، كان يتقلّد لأبي الصقر، إسماعيل بن بلبل «٣» ، في وزارته، طساسيج «٤» بادوريا «٥» ، وقطربّل «٦» ، ومسكن «٧» ، ونهر بوق «٨» ، والذئب؟؟؟ «٩» ، وكلواذى «١٠» ، ونهربين «١١» . فلفّق على عبيد الله بن سليمان- وهو إذ ذاك متعطّل في منزله، بعقب تقضّي النكبة عنه، ولزومه لبيته- ثلاثة آلاف درهم، ذكر أنّها تجب عليه

стр. 2660

ببادوريا، في سنين، من مظالم باطلة، وبقايا غير لازمة، وأحضر وكيله، وطالبه بها. فقال له: أمضي، وألتقي بصاحبي، وأواقفه على الأداء. فوكّل به عدّة من رجّالته، وانصرف، فصار إلى عبيد الله، فقال له: أغرم للرجّالة جعلا، ودافع بلقائه يومين، إلى أن أطرح عليه، من يسأله ترك المطالبة، بأن يقرّرها معه. فخرج الوكيل، وبذل للرجّالة أوفر الأجعال، فذكروا أنّهم لا يقدمون على الإفراج عنه خوفا من الزغل. وتكرّر الكلام بينهم، إلى أن وثب حاجب عبيد الله بهم، وحال بينهم وبين الوكيل، وأدخله الدار. وانصرفوا، فشكوا [٦٤] ذلك إلى الزغل، وأسرفوا، خوفا منه، ليقوم عذرهم. فجاء الزغل، فأسرف إسرافهم، وأضاف كل قبيح إلى عبيد الله، وشكاه إلى الوزير إسماعيل، وقال له: إنّه لا يقدر على استخراج مال عليه، إلّا بالمبالغة في مكروه عبيد الله، والإنكار عليه، وحبسه بنفسه في الديوان، حتى يؤدّي، ولا يقتدي به المتعذّر. وكان إسماعيل، من العداوة لعبيد الله، والبغض له، والخوف منه على محلّه، بمنزلة عظيمة، وفيه- مع ذلك- تشدّد في نصرة العمل، وجبرية في نفسه، فاغتاظ جدا. فأحضرني، وأنا- إذ ذاك «١» - أتولّى له ديوان ضياعه، وتقدمته، وتدبير الجيش برسمه، ومنزلتي في الاختصاص به قويّة. فقال: أحضر هذا الجاهل عبيد الله بن سليمان، وعرّفه ما شكا منه

стр. 2661

إسماعيل بن ثابت، وأنّ جزاءه عليه الإبعاد إلى طنجة «١» ، وقبض نعمته، وضياعه، وأنّي أعرفه بالعجب والجهل، ولولا أنّ الزمان، قد كفاني، بإسقاط أبيه، وأنّه صار إلى منزلة، إن عاقبته بما يستحقّه، جعلت له سوقا، لما أخّرت عقوبته، ولكن قل له: والله لولا تذمّمي، لأمرت بالآخر «٢» أن يصفع من داره إلى ديوان إسماعيل بن ثابت، ويقام على رجله، حتى يؤدّي ما عليه، ولا تدعه من الديوان، أو يحضر وكيله وحاجبه، فيسلّمهما إلى إسماعيل بن ثابت، وتصرفه حينئذ، ليطالبهما إسماعيل، بما عليه. قال: فخرجت، وكتبت إليه رقعة، أستدعيه فيها إلى الديوان، دعوت له فيها، كما يدعى من الديوان لمثله، وهي سطران دعاء، وترجمتها في ظاهرها: «لأبي فلان، من فلان» . وكان الكاتب كتبها عني، فلما عرضها عليّ، زدت فوق الدعاء، بخطّي، يا سيدي، وكتبت في داخل الرقعة، عبدك، وإنّما أردت توفيته الحق بذلك، وستر الأمر عن كاتبي، لئلا يسمع أنّي خاطبته بتعظيم، فأقع في مكروه، مع إسماعيل. وزدت في آخر الرقعة بخطّي: أنّه لا يجب أن يستوحش من شيء أتوسّطه، فإني أحوطه بجهدي، وأنّ سبيله أن يحضر عشيّا، ليكون مجلسي خاليا، فأوفّيه الحق، ولا يجيء [٦٥] غدوة، فإن وفيته الحقّ لحقني من الوزير إنكار، وإن قصّرت تذمّمت إليه، وراعيت العواقب فيه. فجاءني في جواب الرقعة، عشيا، فقمت إليه، وكان هذا عظيما، محظورا

стр. 2662

على مثلي، وخاصّة في الديوان، وصدّرته، وجلست بين يديه وعرّفته ما جرى من الزغل، وأعدت من كلام الوزير، من الإنكار، والإيعاد، ما جمل لفظه. وقلت: قال أشياء أخرى كثيرة، قبيحة، عظيمة، هائلة، لا أستحسن تلقّيك بها، وأجلّ سمعك عن إيرادها عليك، هذا أقلّها وأحسنها، ومع ذلك فإنّه أمرني، أن لا تبرح، أو تحضر الوكيل والحاجب، ثم أستاذنه في انصرافك، فأجاب، إن فعلت هذا، وأن يصير لك اعتقال إن خالفت، ثم لا أدري أيّ شيء ينجرّ عليك، وأكون سببه، ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه، وانصرف، لأعرّفه ما جرى، فإن أنكر عليّ انصرافك بغير إذن، جحدته أنّي سمعت ذلك منه، وكن على تحرّز، من غير أن يشيع ذلك، إلى أن يجيئك ثقتي بجليّة الصورة، فتعمل بها، وبحسبها، إمّا في الأمن، أو الهرب. فشكرني، وقال: ما أطمع أن أكافيك على هذا. وقام، وقمت بقيامه، وودّعته، وقلت: يا غلمان، بأسركم، بين يديه، فخرج، وأنفذ الرجلين، وتوقّى توقّيا ضعيفا، ودخلت، فعرّفت الوزير الصورة، وجمّلت القصة، وأمرني بترك التعرّض له، وتسليم الرجلين إلى الزغل. فأحضرت الزغل، وسلّمت الرجلين إليه، وقلت له: تقبل رأيي؟ فقال: قل. فقلت: قد بلغت ما تريد، فأحسن في الأمر ما قدرت. فقال: يا سيدي، هذا إبطال للعمل، ولا بدّ من تقويمهما. فجهدت به في الإحسان، فلم يفعل، وأنفذ الرجلين، إلى باب عبيد الله، فضربهما عليه، كلّ واحد منهما، عشرين مقرعة، وصفع الوكيل، بعد

стр. 2663

الضرب، خمسين صفعة، واستخرج الدراهم. ومضت السنون على هذا، وفرّج الله عن عبيد الله [٦٦] ، وتقلّد الوزارة، فاستترت، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير، وما ألتزم من جهته. وقبض عبيد الله، على الزغل، وكان أوّل من صودر، من أسباب إسماعيل، وعومل من المكاره، بما لم يسمع بأعظم منه، ولم يتصرّف في أيّام عبيد الله، إلى أن مات وهو يتصدّق. واستترت أنا، أياما، فلم يعرض عبيد الله لطلبي، ولا لشيء من داري، وضيعتي، ولا لأهلي، ولا معاملي، فأنست بذلك، وكتبت إليه بعد ذلك، أسأل الأمان، فأمنني. فحضرت مجلسه، وهو حافل بالناس، وبين يديه الخلق، من أصحاب الدواوين والقوّاد. فحين رآني، قام إليّ قياما تاما. فقبّلت رجليه، وقلت: يقيلني الوزير أطال الله بقاءه، وليس هذا محلّي. فقال: ولم؟ ما يفي قيامي لك، بقيامك لي، لأنّك قمت لي في وقت عرّضت- بقيامك لي- نفسك، ودمك، ونعمتك، وحالك، لذلك العدوّ لله، وعاملتني، بما لا يفي به شكري، ولك عندي كلّما تحبّه، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره. قال: ولجّ به المعتضد، في مصادرتي، وهو يدفعه عنّي، ويقول له أشياء يدفع بها عنّي، لا أصل لها، منها: أنّه قال له: هذا قد صادره إسماعيل، في أيّام تصرّفه معه، دفعات، وأفقره على سبيل القرض، وكانت له نفقات عظيمة، ومروءة، وهو مع هذا عفيف، لا يرتفق بشيء، ولا يجاوز رزقه، ولا حال له، فيصادر، ولا طريق عليه.

стр. 2664

قال: والمعتضد يلحّ. فقال لي عبيد الله: ليس لك، إلّا أن تبتعد عن المعتضد حتى ينساك. فقلت: الأمر للوزير. فقلّدني الخراج والضياع بقم، وكتب إلى صاحب المعونة، بخدمتي، وأخرجني على أمر يعظم. وطالبه المعتضد، بالتزام مصادرتي، فأعاد عليه القول، وقال: احتجت إلى الاستعانة بكفايته، فأنفذته إلى قم. فقال: لا بد من إلزامه شيئا هناك. فكتب بالصورة إليّ، وألزمني عشرين ألف دينار، وعدني بإخلافها عليّ، فالتزمتها، ولم يكن القول بها مؤثرا في حالي. فلما أدّيت منها عشرة آلاف، أسقط الباقي، وسأل المعتضد فيه، فحطّه [٦٧] عني، وما عطّلني، إلى أن مات. فسلمت ونعمتي عليه، وكسبت معه نعمة ثانية، أنا فيها إلى الآن، بثمرة ذلك الإحسان. وهلك الزغل، وبلغ إلى الصدقة، ومات في الفقر، بثمرة ذلك الشرّ «١» .

стр. 2665

٧٢ آثار قديمة في سواد واسط ومن عجائب الدنيا، وآياتها، أشياء في سواد واسط. حدّثني جماعة، منهم رجل يعرف بابن السراج، وغيره، ومنهم محمد ابن عبد الله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي، وجدّه أبو بكر محمد بن سهل، كان وجها من وجوه الشهود بواسط، ثم تقلّد القضاء بها سنين، دفعات، فأثبتّ ذلك بخطّ محمد بن عبد الله، عقيب هذا الكلام: شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من رصافة الميمون «١» ، قرية من قرى النبط، أو الأكاسرة، وتعرف بجيذا «٢» ، وقالوا فيها آثار قديمة، من بناء آجر وجص، وفيها قبّة قائمة، كالهيكل كانت قديما، ومثال رجل من حجر أسود أملس، عظيم الخلق، يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي إسحاق، لأنّه يتعاطى قوم من أهل القوّة شيله «٣» فيسحقهم، ويكسر عظامهم، وقد قتل وأزمن خلقا، فيذكر أهل الموضع، أنّهم سمعوا أشياخهم، يدعونه بذلك، على قديم الأيام. وهذه القرية خراب، لا يذكر فيها عمارة. وقد كان احتمل هذا الحجر، رجل يعرف بالجلندي، كان على حماية المأمون «٤» ، فعمد إليه، وشدّ فيه الحبال، وجرّه بالبقر، إلى أن بلغ موضعا من الصحراء، فأمسى، فتركه في موضعه، فلما أصبح عاد فوجده ناحية عن
следующие страницы →