← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

إسماعيل بن ثابت، وأنّ جزاءه عليه الإبعاد إلى طنجة «١» ، وقبض نعمته، وضياعه، وأنّي أعرفه بالعجب والجهل، ولولا أنّ الزمان، قد كفاني، بإسقاط أبيه، وأنّه صار إلى منزلة، إن عاقبته بما يستحقّه، جعلت له سوقا، لما أخّرت عقوبته، ولكن قل له: والله لولا تذمّمي، لأمرت بالآخر «٢» أن يصفع من داره إلى ديوان إسماعيل بن ثابت، ويقام على رجله، حتى يؤدّي ما عليه، ولا تدعه من الديوان، أو يحضر وكيله وحاجبه، فيسلّمهما إلى إسماعيل بن ثابت، وتصرفه حينئذ، ليطالبهما إسماعيل، بما عليه. قال: فخرجت، وكتبت إليه رقعة، أستدعيه فيها إلى الديوان، دعوت له فيها، كما يدعى من الديوان لمثله، وهي سطران دعاء، وترجمتها في ظاهرها: «لأبي فلان، من فلان» . وكان الكاتب كتبها عني، فلما عرضها عليّ، زدت فوق الدعاء، بخطّي، يا سيدي، وكتبت في داخل الرقعة، عبدك، وإنّما أردت توفيته الحق بذلك، وستر الأمر عن كاتبي، لئلا يسمع أنّي خاطبته بتعظيم، فأقع في مكروه، مع إسماعيل. وزدت في آخر الرقعة بخطّي: أنّه لا يجب أن يستوحش من شيء أتوسّطه، فإني أحوطه بجهدي، وأنّ سبيله أن يحضر عشيّا، ليكون مجلسي خاليا، فأوفّيه الحق، ولا يجيء [٦٥] غدوة، فإن وفيته الحقّ لحقني من الوزير إنكار، وإن قصّرت تذمّمت إليه، وراعيت العواقب فيه. فجاءني في جواب الرقعة، عشيا، فقمت إليه، وكان هذا عظيما، محظورا

стр. 2662

على مثلي، وخاصّة في الديوان، وصدّرته، وجلست بين يديه وعرّفته ما جرى من الزغل، وأعدت من كلام الوزير، من الإنكار، والإيعاد، ما جمل لفظه. وقلت: قال أشياء أخرى كثيرة، قبيحة، عظيمة، هائلة، لا أستحسن تلقّيك بها، وأجلّ سمعك عن إيرادها عليك، هذا أقلّها وأحسنها، ومع ذلك فإنّه أمرني، أن لا تبرح، أو تحضر الوكيل والحاجب، ثم أستاذنه في انصرافك، فأجاب، إن فعلت هذا، وأن يصير لك اعتقال إن خالفت، ثم لا أدري أيّ شيء ينجرّ عليك، وأكون سببه، ولكن اجعلني على ثقة من إنفاذك الرجلين إليه، وانصرف، لأعرّفه ما جرى، فإن أنكر عليّ انصرافك بغير إذن، جحدته أنّي سمعت ذلك منه، وكن على تحرّز، من غير أن يشيع ذلك، إلى أن يجيئك ثقتي بجليّة الصورة، فتعمل بها، وبحسبها، إمّا في الأمن، أو الهرب. فشكرني، وقال: ما أطمع أن أكافيك على هذا. وقام، وقمت بقيامه، وودّعته، وقلت: يا غلمان، بأسركم، بين يديه، فخرج، وأنفذ الرجلين، وتوقّى توقّيا ضعيفا، ودخلت، فعرّفت الوزير الصورة، وجمّلت القصة، وأمرني بترك التعرّض له، وتسليم الرجلين إلى الزغل. فأحضرت الزغل، وسلّمت الرجلين إليه، وقلت له: تقبل رأيي؟ فقال: قل. فقلت: قد بلغت ما تريد، فأحسن في الأمر ما قدرت. فقال: يا سيدي، هذا إبطال للعمل، ولا بدّ من تقويمهما. فجهدت به في الإحسان، فلم يفعل، وأنفذ الرجلين، إلى باب عبيد الله، فضربهما عليه، كلّ واحد منهما، عشرين مقرعة، وصفع الوكيل، بعد

стр. 2663

الضرب، خمسين صفعة، واستخرج الدراهم. ومضت السنون على هذا، وفرّج الله عن عبيد الله [٦٦] ، وتقلّد الوزارة، فاستترت، لأجل اختصاصي بإسماعيل الوزير، وما ألتزم من جهته. وقبض عبيد الله، على الزغل، وكان أوّل من صودر، من أسباب إسماعيل، وعومل من المكاره، بما لم يسمع بأعظم منه، ولم يتصرّف في أيّام عبيد الله، إلى أن مات وهو يتصدّق. واستترت أنا، أياما، فلم يعرض عبيد الله لطلبي، ولا لشيء من داري، وضيعتي، ولا لأهلي، ولا معاملي، فأنست بذلك، وكتبت إليه بعد ذلك، أسأل الأمان، فأمنني. فحضرت مجلسه، وهو حافل بالناس، وبين يديه الخلق، من أصحاب الدواوين والقوّاد. فحين رآني، قام إليّ قياما تاما. فقبّلت رجليه، وقلت: يقيلني الوزير أطال الله بقاءه، وليس هذا محلّي. فقال: ولم؟ ما يفي قيامي لك، بقيامك لي، لأنّك قمت لي في وقت عرّضت- بقيامك لي- نفسك، ودمك، ونعمتك، وحالك، لذلك العدوّ لله، وعاملتني، بما لا يفي به شكري، ولك عندي كلّما تحبّه، ولن يلحقك سوء في مالك ولا غيره. قال: ولجّ به المعتضد، في مصادرتي، وهو يدفعه عنّي، ويقول له أشياء يدفع بها عنّي، لا أصل لها، منها: أنّه قال له: هذا قد صادره إسماعيل، في أيّام تصرّفه معه، دفعات، وأفقره على سبيل القرض، وكانت له نفقات عظيمة، ومروءة، وهو مع هذا عفيف، لا يرتفق بشيء، ولا يجاوز رزقه، ولا حال له، فيصادر، ولا طريق عليه.

стр. 2664

قال: والمعتضد يلحّ. فقال لي عبيد الله: ليس لك، إلّا أن تبتعد عن المعتضد حتى ينساك. فقلت: الأمر للوزير. فقلّدني الخراج والضياع بقم، وكتب إلى صاحب المعونة، بخدمتي، وأخرجني على أمر يعظم. وطالبه المعتضد، بالتزام مصادرتي، فأعاد عليه القول، وقال: احتجت إلى الاستعانة بكفايته، فأنفذته إلى قم. فقال: لا بد من إلزامه شيئا هناك. فكتب بالصورة إليّ، وألزمني عشرين ألف دينار، وعدني بإخلافها عليّ، فالتزمتها، ولم يكن القول بها مؤثرا في حالي. فلما أدّيت منها عشرة آلاف، أسقط الباقي، وسأل المعتضد فيه، فحطّه [٦٧] عني، وما عطّلني، إلى أن مات. فسلمت ونعمتي عليه، وكسبت معه نعمة ثانية، أنا فيها إلى الآن، بثمرة ذلك الإحسان. وهلك الزغل، وبلغ إلى الصدقة، ومات في الفقر، بثمرة ذلك الشرّ «١» .

стр. 2665

٧٢ آثار قديمة في سواد واسط ومن عجائب الدنيا، وآياتها، أشياء في سواد واسط. حدّثني جماعة، منهم رجل يعرف بابن السراج، وغيره، ومنهم محمد ابن عبد الله بن محمد بن سهل بن حامد الواسطي، وجدّه أبو بكر محمد بن سهل، كان وجها من وجوه الشهود بواسط، ثم تقلّد القضاء بها سنين، دفعات، فأثبتّ ذلك بخطّ محمد بن عبد الله، عقيب هذا الكلام: شاهدت على نحو من فرسخ وكسر من رصافة الميمون «١» ، قرية من قرى النبط، أو الأكاسرة، وتعرف بجيذا «٢» ، وقالوا فيها آثار قديمة، من بناء آجر وجص، وفيها قبّة قائمة، كالهيكل كانت قديما، ومثال رجل من حجر أسود أملس، عظيم الخلق، يعرف عند أهل ذلك الصقع بأبي إسحاق، لأنّه يتعاطى قوم من أهل القوّة شيله «٣» فيسحقهم، ويكسر عظامهم، وقد قتل وأزمن خلقا، فيذكر أهل الموضع، أنّهم سمعوا أشياخهم، يدعونه بذلك، على قديم الأيام. وهذه القرية خراب، لا يذكر فيها عمارة. وقد كان احتمل هذا الحجر، رجل يعرف بالجلندي، كان على حماية المأمون «٤» ، فعمد إليه، وشدّ فيه الحبال، وجرّه بالبقر، إلى أن بلغ موضعا من الصحراء، فأمسى، فتركه في موضعه، فلما أصبح عاد فوجده ناحية عن

стр. 2666

الموضع الذي تركه فيه، وأنّ ذلك الحجر صار بالقرب من موضعه الأوّل، فتركه وانصرف. ثم احتمله بعد ذلك، رجل آخر، من أهل الرصافة «١» ، على خلق من الحمّالين، يتناوبون عليه، حتى أدخله الرصافة، فحضر أهل ذلك الصقع الذي كان فيه، يضجّون، ويقولون: إنّ هذا نأنس به في ذلك المكان، وإنّا نأوي إليه في الليل، فنأنس به، ويمنع عنّا الوحش، إذا كنّا بقربه، فلا يقربون ما يأوي إليه، فحملوه ثانية، حتى ردّوه إلى موضعه الأوّل، بعد أن بذل لهم الرجال، حمله من الرصافة. وكان على صدره، وعلى ظهره، وكتفيه، كتابة محفورة، قديمة لا يدري بأيّ قلم هي [٦٨] . وفي هذه البلاد، قرية، تعرف بقصبة نهر الفضل، وهي تلهوار «٢» ، و [على] نحو فرسخين [منها] تلّ يعرف بتل ريحا «٣» ، من البلاد القديمة، فيها آثار، وفيه حجر عظيم مربع، له سمك كثير، وهو كالسرير، طول تسعة أذرع، في أذرع «٤» ، قد غاب في الأرض أكثره، وعليه تماثيل، ونقش. وكان صاحب تلهوار، أحمد بن خاقان «٥» ، أراد إقلاب هذا الحجر، لينظر ما تحته، فاحتفر حوله، واجتهد أن يقدر على قلبه، فلم يقدر على ذلك، لأنهم كانوا كلّما احتفروا تحته، ليتمكّنوا من قلبه، هوى إلى الحفرة،

стр. 2667

فاستغرق فيها، فلما أعياه ذلك، تركه على حاله. وفي موضع من ... «١» الذي في ظهر البطائح، بين واسط والبصرة، ممّا يلي الطفوف «٢» ، من القبة العتيقة، فيه خزانة يقال لها: القارة «٣» ، يقال إنها من خزائن قارون، طولها أربعون ذراعا، والعرض مثله، وارتفاعها أكثر من ذلك، مبنيّة بالقار، والحصى، والنوى، وهي مجموعة ليس «٤» لها باب ولا نقف لها على مدخل «٥» . وكان رجل من ساكني تلهوار، يعرف بعمر النجار، أضاف رجلا من المجتازين، وأكرمه، فأحبّ أن يكافيه، فأعلمه كيفيّة الوصول إلى هذه القارة، وكتب له بذلك كتابا، أوقفه عليه. وقال له: نريد أن نستعين برجل كبير، وأومأ إلى خاقان، وأبي القاسم بن حوط العبدسي، وكانا رئيسي البلد، فأعلمهما ذلك. فأعدوا له آلة لما يحتاج إليه من الفتح، من مرور «٦» ، وآلات حديد، وخشب وزبل «٧» ، وسلاليم «٨» ، وأجرّة سفن، وحبال، وغير ذلك، ولزمهما عليها- مع مؤن الرجال- ألوف دراهم كثيرة، وأثبتا رجالا كثيرة

стр. 2668

للحماية، لأنّ الموضع تطرقه القرامطة «١» والبوادي «٢» ، ثم أخرجاه، ومن معه من الرجال، في سفن في البطيحة، لأن الماء إذا زاد في البطيحة يصير فيما بينه وبين هذه القارة دون الفرسخين، فمضوا إليها. فحدّثنا ابن لهذا الرجل، المعروف بعمر النجار، أنّه كان مع أبيه، في الموضع، فوافى، فمسح ممّا يلي مطلع الشمس، من هذه القبة، أربعين ذراعا، ثم احتفر الموضع، فظهر له حجر عظيم [٦٩] لا يقلّه إلّا الجماعة الكثيرة، فلم يزل يحلحل حوله، حتى أخرجه، وإذا أزج عظيم، كان ذلك الحجر عليه على بابه، ولحقه المساء، فعمل على المباكرة لدخول الأزج، والوصول إلى باب القبّة، فبات ليلته، ومن معه، فلما كان في وجه الصباح، حين يبدو الفجر، سمعت الجماعة، تكبيرا وضجّة، ونظروا إلى السيوف والخيل «٣» تبين من خلال الظلمة، فناذروها، ولم يشكّوا أنّها خيل القرامطة، وتوجهوا نحو البطيحة، والسفن التي لهم هناك، فلم يزالوا كذلك يتعادون إلى أن أصبحوا، وبان ما في الصحراء، ممّا يحتاجون أن يروه، فلم يروا خيلا، فظنوا أنّها قد انصرفت عنهم، فعادوا راجعين إلى مواضعهم، فوجدوا عمر النجار مذبوحا في بعض الطريق، ووافوا إلى مواضعهم، فوجدوا أمتعتهم كما هي، ما فقدوا منها شيئا، فاحتملوها، واحتملوا عمر النجار، وانصرفوا. وقيل لي: إنّه لم يوجد الحجر، ولا أثر الموضع الذي احتفروا. وقد يجد الناس، ممّن يجتازون بذلك الموضع، أو يقصده، دراهم،

стр. 2669

وجواهر، حول تلك الخربات، والقبّة. وقد يأوي إلى تلك الخربات، النعام، وتبيض فيها، لخلوّها، وانقطاع الناس، عن الإجتياز بها، إلّا في الحين بعد الحين «١» .

стр. 2670

٧٣ سيدوك الشاعر رأيت بواسط شيخا، ذكر لي، في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، أنّه قد تجاوز الستّين سنة، وأنّ مولده ومنشأه بالدحب «١» ، قرية من سواد واسط، وأنّ أباه كان رجلا من أهل البصرة، من بني تميم، وفد قديما إلى واسط، ثم استوطن [٧٠] السواد، فولد هو فيه، ونشأ إلى أن بلغ، فأحبّ العلم، فرجع إلى البصرة، وأقام بها، وتأدّب، ثم دخل البادية، فأقام بها نحو عشر سنين، ولقي الناس، ووجدته يفهم من اللغة والنحو طرفا، وهو شاعر من شعراء واسط المشهورين، ويلقب بسيدوك «٢» . وأخبرني هو، قال: قال لي أبو محمّد المهلّبي، وقد امتدحته لما وزّر، لم تسميت بسيدوك؟ فقلت: لأنّه اسم رئيس الجنّ، وأنا رئيس الشعراء. فقال: أفتدري لم سمّي سيدوك رئيس الجنّ بهذا الاسم؟ قلت: لا. قال: بلغني أنّه إنّما سمّي بذلك، لأنّ في الجنّ قبيلة يقال لها: هلوك، وهو سيدها، فاستثقلوا أن يقولوا: سيّد هلوك، فخفّفوها، فقالوا: سيدوك. والرجل كان يكنى أبا طاهر، واسمه عبد العزيز بن حامد بن الخضر، على ما أخبرني.

стр. 2671

٧٤ من شعر سيدوك وحدّثني «١» ، قال: كنت يوما بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرماني بنارنجة نصفها أصفر، ونصفها أخضر. وقال لي: قل في هذه شيئا. فقلت في الحال: وطيّبة النشر مسكيّة ... مرصّعة بالتحايا العذاب فأصفر في لون شمس المساء ... وأخضر في لون قوس السحاب فلون لوجنة مرعوبة ... ولون لأثر نصول الخضاب فهذا كمصّة نحر الحبيب ... وذاك كما علّ صرف الشراب وأنشدني لنفسه أيضا: شربت حلاوة عيش الصبا ... وذقت مرارة فقد الشباب فلا طعم أكره ممّا اغتدى ... خضابك مستهترا من خضابي ولا شيء أعجب ممّا التقى ... نصول الخضابين يوم العتاب أشارت إلى أصص «٢» محدقات ... بألوان نيلوفرات طياب وأنشدني لنفسه [٧١] :

стр. 2672

أرى قسمة الأرزاق أعجب قسمة ... فذو دعة مثر ومكد به الكدّ فأحمق ذو مال، وأحمق معدم ... وعقل بلا حظّ وعقل له جدّ يعمّ الغنى والفقر ذا الجهل والحجى ... ولله من قبل الأمور ومن بعد وأنشدني لنفسه: أظنّ بليّة دهمت فؤادي ... وأحسبها غزال بني سليم وإلّا لم يغيب فيعتريني ... تدلّه ضائم من غير ضيم «١» ولم عيني إذا فقدته كانت ... كعين الشمس إذ غطّت «٢» بغيم

стр. 2673

٧٥ محنة القرامطة حدّثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن عبيد الله «١» ، قال: كنت مع إبراهيم بن نافع العقيلي، المعروف بابن البارد الطوق، وبعض العرب تسميه بباري الطوق، وكانت العامّة تسميّه: ابن البارد الطوق، وخبروني أنّه سمي بذلك أبوه، لأنّه ضرب رجلا في عنقه طوق، فبراها بالضربة. قال: وكان أبو إسحاق بن البارد هذا، إذ ذاك، أمير نهر الأيسر «٢» الذي بين رستاق البصرة والأهواز، وهو إذ ذاك يليها من قبل معزّ الدولة «٣» . فورد عليه رجل، قد هرب من القرامطة «٤» ، من بني عقيل، يعرف بمختار بن فرناس، وكان من حيّ إبراهيم، من بني معاوية بن حزن. وكان في عنق المختار هذا، طوق فضّة. وكان سبب هربه، على ما سمعت خلقا من بني عقيل، يخبرون بذلك، إذ ذاك، أنّه قتل أخاه، وابن عمّه، لأجل ضيف أضافه. وذلك، أنّه كان مع الضيف، مال صامت، فأعمل أخوه، على الغدر بالضيف، وأخذ المال منه، وعلم المختار بذلك فمنعه، واقتتلا بالسيوف، فقتل أخاه، فجاء ابن عمه يلومه، وتخاطبا، إلى أن تجاذبا السيوف، وتخابطا

стр. 2674

بها، فقتل ابن عمه أيضا، وسكّن من نفس الضيف، حتى لا يذعر، ولم يكن له ما يطعمه تلك الليلة، فعرقب فرسه، وذبحه، واشتوى من لحمه، وأوقده حتى اصطلى به الضيف. فلما أصبح، وارتحل الضيف، خاف أن يبلغ القرامطة خبره، فيأمر العريف بأخذه وإسلامه إلى المحنة، فهرب إلى إبراهيم. فرأيت رسول القرامطة، قد جاء إلى إبراهيم، فأخذه على صلح وأمان، ورجع إلى حيّه، ثم بلغنا أنّهم محنوه بعد ذلك، تأديبا له، فما سمع برجل في زماننا من أهل البادية، أشجع، ولا أكرم، ولا آدب منه. والمحنة عند القرامطة، أنّهم إذا نقموا على رجل، استدعوه من حيّه، إلى الأحساء بلدهم، فطرحوه، إمّا مقيّدا يكدّى في البلد، أو سائسا للخيل، أو راعيا للغنم أو الإبل أو ضربوه، وجدّدوا عليه في كل يوم لونا من العقاب، ولا يزال عندهم حولا، وأكثر. وربما عاقبوه [٧٢] بألوان أخر. فجميع ما يعملونه من التأديب، يسمونه محنة «١» .

стр. 2675

٧٦ من شعر أبي القاسم الصروي أنشدني أبو القاسم «١» لنفسه: أصدّع صدر الرمح في صدر فارس ... وأوقد ما يبقى من الرمح للضيف وأقطع سيفي في الطلى ثم أنثني ... فأذبح عيري بالبقيّة من سيفي وإنّي لصيف في الشتاء إذا أتى ... وإنّي شتاء بارد الظلّ في الصيف وما زلت صدر العلم صدر كتابه ... وقلب الوغى ناب عن الضيم والحيف

стр. 2676

٧٧ عدة جند الخلافة في أيام المقتدر حدّثني أبو الحسين علي بن هشام «١» ، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن زكريا بن شيرزاد» ، قال: لما أخرج المقتدر «٣» هارون بن غريب الخال «٤» ، مع مؤنس «٥» ،

стр. 2677

ونصر «١» ، والقوّاد، لمحاربة القرمطي «٢» ، حين وافى «٣» من زبارا «٤» ، عرضنا الجيش، لأنّه كان ديوان العرض إلى صاحبي ابن الخال، وكنت أكتب عليه، وعلى أمره كله، فأمره المقتدر، بعرض الجيش بزبارا، لئلّا يكون قد أخلّ ممّن جرّد إلى الحرب أحد، فتقدم إليّ ابن الخال بذلك، فعرضتهم، فكانت العدّة من سائر الفرسان، والرجّالة، مع من جرّد من الحجرية، وخدم الدار، اثنين وخمسين ألف رجل مرتزق، أو واحدا وخمسين- الشك من ابن شيرزاد- وهذا سوى من يتبعهم، ممّن لا رزق له على السلطان، وإنّما رزقه على صاحبه. قال أبو جعفر: وكان قد تخلّف ببغداد، نازوك «٥» وعسكر برسمه، ورسم الشرطة، سبعة آلاف فارس، وراجل، وبقي في دار الخليفة، ممّن لم يخرج، ألف غلام من الحجرية، وألف خادم- أقلّ أو أكثر- ممّن ترك لحراسة الدار، وهذه العدّة، سوى من كان في النواحي من الشحن «٦» ، إلّا من استدعي، ممّن كان في السواد، لمعاون بغداد، مثل طريق خراسان، وطريق دجلة، وسقي الفرات، وهذه النواحي القريبة.

стр. 2678

٧٨ الشاعر البدوي عساف النميري حدّثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي، قال: كنت قد ركبت مع نفر من بني قشير، بالموصل، فحملوني إلى حيّ لهم بالبادية، على أيام منها، فأقمت في الحيّ شهورا. فكنت يوما جالسا، فرأيت فتى بدويّا يسمى بعسّاف، حدث السنّ، [٧٣] حسن الوجه، راكبا. فقال لي صاحب البيت: هذا رجل من بني نمير، وهو جار لنا، وهو شاعر، فنحبّ أن تسمع من شعره. فقلت: نعم. فسأله النزول، فنزل، وذاكرته بالشعر، فوجدته كثير الرواية لأشعار البادية، في زمانه، فما أنشدني بيتا أعرفه، ولا نسب شيئا ممّا أنشدنيه إلى شاعر أعرفه، متأخّر أو متقدّم، ووجدته لا يلحن البتّة. وأنشدني شيئا كثيرا، فعلق بحفظي من ذلك، قصيدة، استعدته إياها دفعات، حتى حفظتها، وقد شذّ عني منها أبيات. قال: وكان هذا، في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، واسم الشاعر عسّاف النميري، قال: ولا أعرف اسم أبيه، ولا نسبه. والقصيدة: نظرت وأعلام السريّة دوننا ... بعيني فتى صب يرى الهجر مغرما وأشرف ركب يهلك الطرف دونه ... تظنّ به الحبشيّة الحوّ جثّما وأكرهت طرف العين حتى كأنّما ... أرى بفضاء الأرض سترا منمنما

стр. 2679

إذا القوم قالوا صحّ شيئا حسبته ... أصمّ وعن ردّ المشورة أعجما دعاهنّ من نجد لحوران بعدما ... رمين بسهم الحب قلبا متيّما تعرّضن لي يوم اللوى عن مشورة ... وأودعن في ذات الوشاحين مرتما «١» وقلنا اقتليه يا مليح فإنّه ... متى ما رمى كانت مراميه حذّما «٢» دماء الغواني عند ذا مستحلة ... فإن يرم رشقا نلق سهما مسمّما فأبدت على اللبّات وحفا «٣» كأنّه ... عناقيد عنّاب تفرّعن سلّما وجيدا كجمّار الفسيلة بزّه ... من اللّيف جانيه وكان مكرّما وعيني غضيض الطرف من جدل المها ... كحيل المآقي، قرنه حين كمّما «٤» وأبيض برّاق الغروب «٥» كأنّما ... حصى برد ضمّت «٦» به إن تبسما وقالت: أبا سعدى تبدّلت بيننا ... صدودا ومحمود العشيرة ضيغما «٧» فقلت: هنيّا ذاك شيء يسرّني ... غناها وأن تلقى من العيش أنعما ولكن سليني عن حراجيج «٨» ضمرّ ... سواهم «٩» يحذين السريح المخدّما «١٠»

стр. 2680

وحرف «١» كأنّ البق يلدغ دفّها ... إذا المعجب الساري عليها ترنّما وعن فتية شعث اللمام «٢» رمى بهم ... هويّ المطايا مخرما «٣» ثم مخرما سروا لسنا نار هويّا «٤» وكلّهم ... من البرد ما يبدي البنان المكمّما [٧٤] فلمّا أتونا جانب الحيّ عرّسوا ... غراثى وما ذاقوا من الأمس مطعما فحيّيتهم قبل القرى وقريتهم ... قرى لم يكن نزرا ولم يأت مغنما وماء قديم قد مضى دون عهده ... لوارده عشرون حولا متمّما وعن شزّب «٥» شعث النواصي كأنها ... سراحين يحملن الوشيج المقوّما عليهنّ منّا كلّ أروع ماجد ... كريم إذا ما عارض الموت أوسما «٦» أخو حملات يعلم القوم أنّه ... ضروب بنصل السيف ضربا غشمشما «٧» لحقت بهم جمع القطاميّ بعدما ... دنا من بشير الصبح أن يتكلّما غداة التقينا لا سفيرة بيننا ... سوى مخلصات تترك الهام أقعما «٨» تكرّ عليهم مخطفات «٩» كأنّها ... صقور المضرّي كان للصيد مطعما كأنّ على المشوي «١٠» منها ومنهم ... عمائم تسقى حالك اللون عندما سلوا قرن مدفوع فقد كان شاهدا ... غداة التقينا أيّنا كان أكرما

стр. 2681

٧٩ مناظرة بين عالمين في مجلس القاضي أبي عمر حدّثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن البختريّ «١» ، القاضي الداودي، وهو شيخ من خلفاء قضاة القضاة، مشهور بمدينة السلام بالعلم، والتصرف في الحكم، قال: حدّثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد ابن محمد بن المغلس الداودي، قال: كان أبو بكر محمد بن داود «٢» ، وأبو العباس بن سريج «٣» ، إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر «٤» ، لم يجر بين اثنين، فيما يتفاوضانه، أحسن ممّا يجري بينهما. وكان ابن سريج- ﵁ كثيرا ما يتقدّم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدّمه في الحضور، أبو بكر، يوما، فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب للكفّارة ما هو؟ قال: إنّه إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه. وحضر ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه.

стр. 2682

فقال ابن سريج، لابن داود: يا أبا بكر، أعزّك الله، هذا قول من المسلمين تقدّمكم؟ فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدّر أنّ من اعتقدت أنّ قولهم إجماع في هذه المسألة، إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدّه خلافا، وهيهات أن يكون كذلك. فغضب ابن سريج، وقال له: أنت يا أبا بكر، بكتاب الزهرة «١» أمهر منك في هذه الطريقة. فقال أبو بكر [٧٥] : بكتاب الزهرة تعيّرني؟ والله ما تحسن تستتم قراءته، قراءة من يفهم، وإنّه لمن إحدى المناقب، إذ كنت أقول فيه: أكرّر في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرّما وينطق سرّي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي ردّه لتكلّما رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم ... فما إن أرى حبّا صحيحا مسلّما فقال القاضي أبو العباس بن سريج: أعليّ تفتخر بهذا القول، وأنا الذي أقول: ومسامر «٢» بالغنج من لحظاته ... قد بتّ أمنعه لذيذ سناته حبّا «٣» بحسن حديثه وعتابه ... وأكرّر اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولّى بخاتم ربّه وبراته

стр. 2683

فقال ابن داود، لأبي عمر: أيّد الله القاضي، قد أقرّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادّعى البراءة ممّا يوجبه، فعليه إقامة البينة. فقال ابن سريج: من مذهبي، أنّ المقرّ، إذا أقرّ إقرارا، وناطه بصفة، كان إقراره موكولا إلى صفته. فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان. قال ابن سريج: فهذا القول، اختياري الساعة «١» .

стр. 2684

٨٠ إخوانيات حدّثني مبشّر- مولى أبي «١» - قال: قدمنا سوق الأهواز، من غيبة كان مولاي غابها، فكتب من المشرعة «٢» ، إلى أبي أيوب داود بن عليّ بن أبي الجعد الكاتب، وكان بينهما أنسة ومودّة، وعرّفه قدومه، فالتمس منه، أن ينفذ إليه مركوبا ليركبه من المشرعة إلى داره. فأنفذ إليه أبو أيوب المركب، وكتب إليه: عبدك داود به علّة ... تمنعه أن يتلقّاكا والبغلة الشهباء قد أسرجت ... فاركب فديناك فديناكا عيني إلى الباب وأذني إلى ... مبشّري قد جاء مولاكا

стр. 2685

٨١ إن كان قد أخذ طالعي فقد أخذت غاربه حدّثني أبو علي محمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال «١» ، وكان أبوه المكنى بأبي حامد، قد تقلّد القضاء، وأبو علي هذا قد خلف عدّة قضاة على غير بلد، قال: حدّثنا ابن جحا الأصبهاني، قال: قيل لأبي مسلم، محمد بن بحر «٢» ، لمّا دخل أصبهان، واليها، وصارفا لابن رستم: إنّ ابن رستم، قد أخذ طالعا في دخولك، وهو يذكر [٧٦] ، أنّه غير جيّد، فقال: إن كان قد أخذ طالعي، فقد أخذت غاربه «٣» .

стр. 2686

٨٢ الحق يوفي على الجرم حدّثني أبو الحسين، عليّ بن هشام «١» ، قال: كان أبو الحسن بن الفرات «٢» ، لما ولي الوزارة الأولى، وجد سليمان بن الحسن «٣» ، يتقلّد مجلس المقابلة، في ديوان الخاصّة، من قبل عليّ بن عيسى «٤» ، وإليه- إذ ذاك- الديوان، فقلّد أبو الحسن، سليمان، الديوان بأسره، فأقام يتقلّده نحو سنتين. فقام يصلّي المغرب، فسقطت من كمّه رقعة، بخطّه، نسخة سعاية بابن الفرات، وأسبابه، وسعي لابن عبد الحميد، كاتب السيدة «٥» ، بالوزارة، وأخذها بعض أسبابه «٦» ، وتقرّب بها إلى ابن الفرات، فقبض عليه للوقت، فأنفذه إلى واسط، في زورق مطبق، وصودر، وعذّب بواسط. ثم رجع له ابن الفرات، لما وقف من كتاب صاحب الخبر، على أنّ أمّ سليمان، ماتت ببغداد، ولم يحضرها، ولا رأته قبل موتها، فاغتمّ لذلك،

стр. 2687

وبدأ، فكتب إليه، بخطّه، كتابا أقرأنيه سليمان، بعد ذلك، فحفظته، ونسخته: ميّزت- أكرمك الله- بين حقّك وجرمك، فوجدت الحقّ، يوفي على الجرم. وتفكّرت في سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، فثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت. فثق- أكرمك الله- بذلك، وأسكن إليه، وعوّل في صلاح ما اختلّ من أمرك عليه. واعلم أنّني أراعي فيك، حقوق أبيك، التي تقوم بتوكيد السبب، مقام اللحمة والنسب، وتسهّل ما عظم من جنايتك، وتقلّل ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها، والمحافظة عليها، إن شاء الله. وقد قلّدتك أعمال دستميسان «١» لسنة ثمان وتسعين ومائتين، وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى أحمد بن حبش «٢» ، بحمل عشرة آلاف درهم، إليك.

стр. 2688

فتقلّد هذه الأعمال، وأظهر فيها أثرا حميدا، ينبىء عن كفايتك، ويؤدّي إلى ما أحبّه من زيادتك، إن شاء الله «١» .

стр. 2689

٨٣ يحيى بن خالد البرمكي والفضل بن الربيع حدّثني أبو الحسين عليّ بن هشام، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي «١» ، قال: حدّثنا عمّي «٢» عن اليزيدي الأكبر، مؤدب المأمون «٣» ، قال: دخل أبو العباس، الفضل بن الربيع «٤» ، على أبي عليّ، يحيى بن خالد البرمكي «٥» ، وهو جالس للحوائج، وابنه جعفر «٦» ، يوقّع بين يديه. فعرض عليه رقعة، فقال: هذا لا يمكن [٧٧] . وأخرى، فقال: هذا ممّا قد حظره أمير المؤمنين. وأخرى، فقال: هذا يفسد به الأولياء. وأخرى، فقال: هذا يثلم الارتفاع.

стр. 2690

إلى أن عرض عليه عشر رقاع، واعتلّ فيها بعلل مختلفة، ولم يوقّع له بشيء. فجمعها الفضل، وقال: ارجعن خائبات، ونهض وهو يقول: عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور فتقضى لبانات وتشفى حسائك ... وتحدث من بعد الأمور أمور فسمعها يحيى، فقال: عزمت عليك يا أبا العبّاس، لما رجعت. فرجع، فوقّع له في الرقاع كلها «١» .

стр. 2691

٨٤ ثمن هديتين وثمن نفط وحبّ قطن حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثنا أبو الحسن، عليّ بن عيسى، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أبي «١» ، داود بن الجراح، قال: قال لي الفضل ابن مروان «٢» : كنت أعمل، في ديوان ضياع الرشيد «٣» ، مجلس الحساب، فنظرت في حساب السنة التي نكب فيها البرامكة «٤» ، ووجدت، قد أثبت فيه، ثمن هديّة، دفعتين من مال ضياع الرشيد، أهداهما إلى جعفر بن يحيى، بضعة عشر ألف دينار. وفيه بعد شهور من هذه الهدية، قد أثبت في الحساب لثمن نفط، وحب قطن، ابتيع، وحرق بها جثة جعفر بن يحيى، بضعة عشر قيراطا ذهبا.

стр. 2692

٨٥ من يشناك كان وزيرا حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا أبو عبد الله نفطويه «٢» ، قال: حدّثنا أبو العباس بن الفرات «٣» ، قال: قال لي أبو [القاسم] عبيد الله بن سليمان «٤» ، قال: قال لي أبي «٥» : سمعت أبا الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان «٦» ، قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن يوسف «٧» يقول، وهو إذ ذاك، وزير المأمون، لما قال الشاعر، بعد قتل أبي سلمة، وزير السفاح «٨» : إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا كذبت، [كل] الوزراء من يشناك، فلا يدخل في هذا الأمر إلا منحوس.

стр. 2693

٨٦ المتنبي يعارض القرآن حدّثني أبو علي بن أبي حامد، قال: سمعت خلقا بحلب، يحكون: أنّ أبا الطيّب، أحمد بن الحسين، المتنبىء بها «١» إذ ذاك، كان في بادية السماوة «٢» ، ونواحيها. إلى أن أخرج إليه لؤلؤ من حمص «٣» ، من قبل الإخشيدية «٤» ، فقاتله، وأسره، وشرّد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب، وغيرهما من قبائل العرب. وحبسه في السجن دهرا طويلا، فاعتلّ، وكاد أن يتلف، حتى سئل في [٨٧] أمره، فاستتابه، وكتب عليه وثيقة، أشهد عليه فيها، ببطلان ما ادّعاه، ورجوعه إلى الإسلام، وأنه تائب منه، ولا يعاود مثله، وأطلقه. قال: وكان قد تلا على البوادي، كلاما، ذكر أنّه قرآن نزل عليه، وكانوا يحكون له سورا كثيرة، نسخت منها سورة، فضاعت، وبقي أوّلها

стр. 2694

في حفظي، وهو: «والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إنّ الكافر لفي أخطار» . «امض على سبيلك، وأقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه، وضلّ عن سبيله» . قال: وهي طويلة، ولم يبق في حفظي منها غير هذا. قال: وكان المتنبّىء إذا استوعب في مجلس سيف الدولة «١» ، ونحن إذ ذاك، بحلب «٢» ، يذكر له هذا القرآن، وأمثاله، ممّا كان يحكى عنه، فينكره، ويجحده. قال: وقال له ابن خالويه النحوي «٣» ، يوما، في مجلس سيف الدولة، لولا أنّ الآخر «٤» جاهل، لما رضي أن يدعى بالمتنبّىء، لأنّ متنبىء، معناه كاذب، ومن رضي لنفسه أن يدعى بالكذب، فهو جاهل. فقال: لست أرضى أن أدعى بذلك، وإنّما يدعوني به، من يريد الغضّ مني، ولست أقدر على الامتناع. فأمّا أنا، فإنني سألته بالأهواز «٥» ، في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة،

стр. 2695

عند اجتيازه بها، إلى فارس «١» ، في حديث طويل، حدث بيننا، عن معنى المتنبّيء، لأني أردت أن أسمع منه، هل تنبأ أم لا؟ فأجابني بجواب مغالط لي، وهو أن قال: هذا شيء، كان في الحداثة، أوجبته الصبوة، فاستحيت أن أستقصي عليه، وأمسكت. وقال لي أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي، ونحن بحلب، وقد سمع قوما يحكون عن أبي الطّيب المتنبّىء، هذه السورة التي قدّمنا ذكرها: لولا جهله، أين قوله: امض على سبيلك، إلى آخر الكلام، من قول الله (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) «٢» إلى آخر السورة «٣» ، وهل تتقارب الفصاحة بينهما، أو يشتبه الكلامان.

стр. 2696

٨٧ معقود العسل ودهن اللوز حدّثنا أبو الحسن محمد بن شجاع المتكلّم البغداديّ، قال [٧٩] : حدّثنا أبو سلمة العسكريّ، أحد غلمان أبي عليّ الجبائي «١» ، قال: كنت بحضرته يوما، وهو يصلّي، ونحن جلوس نتحدّث، فقال رجل منّا: اليوم كنت عند صديق لي، فأطعمني معقود العسل ودهن اللّوز. فقالوا: [إنّ جبّى] ليس بها من يكون هذا عنده، إلّا العامل، ولست ممّن يأكل طعام العمّال. فمرّ الرجل يشوّش الكلام. وسلّم أبو عليّ من صلاته، فقال: لا يهوّسكم الرجل، لعلّه كان اليوم عند الصيدلاني وتناول لطريفك «٢» ؟ فقال الرجل: هكذا كان.

стр. 2697

٨٨ أندلسي تتلمذ للجاحظ وحدّثنا أبو الحسين «١» أيضا، قال: حدّثنا أبو محمد الحسن بن عمرو، قال: كنت بالأندلس «٢» ، فقيل لي: إنّ بها تلميذا لأبي عثمان الجاحظ «٣» ، يعرف بسلام بن زيد، ويكنى أبا خلف. فأتيته، فرأيت شيخا همّا «٤» ، فسألته عن سبب اجتماعه مع أبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس؟ فقال: كان طالب العلم [بالمشرق] «٥» يشرف عند ملوكنا [بلقاء أبي عثمان] «٦» ، فوقع إلينا كتاب التربيع والتدوير «٧» ، فأشاروا إليه، ثم أردفه عندنا كتاب البيان والتبيين «٨» ، فبلغ الرجل الصكاك «٩» بكتابة هذين الكتابين. قال: فخرجت، لا أعرّج على شيء، حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي: هو بسر من رأى.

стр. 2698

فأصعدت إليها، فقيل: قد أنحدر إلى البصرة. فانحدرت إليه، وسألت عن منزله، فأرشدت، فدخلت إليه، وإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيره. قال: فدهشت، فقلت: أيّكم أبو عثمان؟ فرفع يده، وحرّكها في وجهي، وقال: من أين؟ فقلت: من الأندلس. قال: طينة حمقاء، فما الاسم؟ قلت: سلام. قال: اسم كلب القراد، ابن من؟ قلت: ابن زيد. قال: بحق ما صرف، أبو من؟ قلت: أبو خلف. قال: كنية قرد زبيدة، ما جئت تطلب؟ قلت: العلم. قال: ارجع بوقت، فإنّك لا تفلح. قلت له: ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلدية، وبعد الشقّة، وغرّة الحداثة، ودهشة الداخل. قال: فترى حولي عشرين صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيري، ما كان يجب أن تعرفني بها؟ قال: فأقمت عليه عشرين [٨٠] سنة. قال: وكان سلام هذا يحسن العلم «١» .

стр. 2699

٨٩ الناس أربعة قال» : وبلغني عن أبي بكر بن مجاهد «٢» ، أنّه قال: الناس أربعة: مليح يتبغّض لملاحته [فيحتمل] «٣» ، وبغيض يتملّح، فذاك الحمّى، والداء الذي لا دواء له، وبغيض يتبغّض، فيعذر لأنّه طبيعة، ومليح يتملّح، فتلك الحياة الطيّبة.

стр. 2700

٩٠ كيفية صيد الفيل واستئناسه حدّثنا أبو الحسين، قال: كنت بتانة من بلاد الهند «١» ، فسمعتهم يتحدّثون: أنّ ملوك الهند، يغالون في الأفيلة «٢» الحربية، على قدر عظم بطشها، فربما بلغ الفيل الفاره، المنقطع النظير، مائة ألف دينار، ودائما يبلغ الفيل الواحد منها عشرة آلاف دينار. قال: فإذا بلغ الملك، أنّ فيلا قد تغرّب، وله بطش عظيم، وأنّه يصلح للحرب، أمر بصيده. قالوا: وليس له حيلة في صيده، إلّا بأن يخرج قوم من الفيّالين، ومعهم فيلة أنثى، أهلية معلّمة، فيها فضل خنث وتأنيث، والأفيال، فيها من الفطنة أمر عظيم. قال: فيخرج الفيّالون، وهي معهم، إلى حيث قد بلغهم موضعا يتغرّب الفيل فيه، فيقاربون الموضع، ويلجأون إلى موضع يختبئون فيه، في شجرة عظيمة، لا تمكن الفيل فيها حيلة، أو شيء يحفرونه ويغطّونه، ويدعون الفيلة الأنثى ترعى. فحين يشمّ الفيل رائحتها، يقصدها، وتقصده، فتلاعبه، وتطاعمه بخرطومها، وتؤانسه، ولا تبرح من حيث هي، ويرعيان في موضع فيّالها، والفيّالون مختبئون شهرا، لا يفرّقون بينهما.
следующие страницы →