Полный текст (2 817 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فقلت: يا مولاي، حاشاه، أيّ شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، إلعن إبليس.
فقال: ويحك، أنا أبصر بما أقوله، أنا رجل قد سست الأمور، وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولا بدّ من موتي، وأعلم أن الناس بعد موتي لا يختارون إلّا ولدي، وأنهم سيجلسون ابني عليّا- يعني المكتفي «١» - وما أظن عمره يطول، للعلّة التي به، قال صافي، يعني الخنازير التي كانت في حلقه، فيتلف عن قريب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده منهم أكبر من جعفر، فيجلسونه وهو صبيّ، وله من الطبع في السخاء، هذا الذي قد رأيت من أنّه أطعم الصبيان مثلما أكل، وساوى بينه وبينهم، في شيء عزيز في [٩٣ ب] العالم، والشحّ على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء، لقرب عهده بهنّ، فيقسم ما جمعته من الأموال، كما قسم العنب، ويبذّر ارتفاع الدنيا ويخربها، فتضيع الثغور، وتنتشر الأمور وتخرج الخوارج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلا.
فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله، حتى ينشأ في حياتك، ويصير كهلا في أيّامك، ويتأدّب بآدابك، ويتخلّق بخلقك، ولا يكون هذا الذي ظننت.
فقال: احفظ عنّي ما أقوله، فإنّه كما قلت.
قال: ومكث يومه مهموما.
وضرب الدهر ضربه، ومات المعتضد، وولي المكتفي، فلم يطل
стр. 317
عمره، ومات، وولي المقتدر، [فكانت الصورة] «١» كما قال المعتضد بعينها.
فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب، ورأيته قد سكر ودعا بالأموال، فأخرجت إليه، وحلّت البدر «٢» ، وجعل يفرّقها على الجواري والنساء، ويلعب بها، ويمحقها، ويهبها، ذكرت مولاي المعتضد، وبكيت.
قال: وقال صافي: كنت يوما واقفا على رأس المعتضد، فأراد أن يتطيّب، فقال: هاتم فلانا الطّيبيّ،- خادم يلي خزانة الطيب- فأحضر.
فقال له: كم عندك من الغالية؟
فقال: نيّف وثلاثون حبّا «٣» صينيّا، مما عمله عدّة من الخلفاء.
فقال: فأيّها أطيب؟
قال: ما عمله الواثق «٤» .
قال: أحضرنيه.
فأحضره حبّا عظيما، يحمله خدم عدّة، بدهق ومصقلة «٥» ففتح، فإذا الغالية قد ابيضّت من التعشيب، وجمدت من العتق، في نهاية الذكاء.
فأعجبت المعتضد، وأهوى بيده إلى حوالي عنق الحبّ، فأخذ من
стр. 318
لطاخته شيئا يسيرا، من غير أن يشعّث رأس الحب، وجعله في لحيته، وقال:
ما تسمح نفسي بتطريق التشعيث على هذا الحب، شيلوه «١» ، فرفع.
ومضت الأيّام، فجلس المكتفي للشرب يوما، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه، فطلب غالية، فاستدعى الخادم، وسأله عن الغوالي، فأخبره بمثل ما كان [٨٤ ط] أخبر به أباه.
فاستدعى غالية الواثق، فجاءه بالحبّ بعينه، ففتح، فاستطابه، وقال:
أخرجوا منه قليلا، فأخرج منه مقدار ثلاثين [أو أربعين] «٢» مثقالا، فاستعمل منه في الحال ما أراده، ودعا بعتيدة «٣» له، فجعل الباقي فيها، ليستعمله على الأيّام.
وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يشرب يوما وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيّب، فاستدعى الخادم، وسأله، فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه.
فقال: هات الغوالي كلّها، [فأحضرت [٩٤ ب] الحباب كلّها] «٤» ، فجعل يخرج من كل حبّ، مائة مثقال، وخمسين، وأقلّ، وأكثر، فيشمّه «٥» ويفرّقه على من بحضرته، حتى انتهى إلى حبّ الواثق، فاستطابه.
فقال: هاتم عتيدة، فجاءوه بعتيدة، وكانت عتيدة المكتفي بعينها، ورأى الحبّ ناقصا، والعتيدة فيها قدح الغالية، ما استعمل منه كثير شيء.
стр. 319
فقال: ما السبب في هذا؟
فاخبرته بالخبر على شرحه، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك.
ثم قال: فرّقوا الحب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منها أرطالا، وأنا أتمزّق غيظا، وأذكر حديث العنب، وكلام مولاي المعتضد، إلى أن مضى قريب من نصف الحبّ.
فقلت له: يا مولاي، إنّ هذه الغالية أطيب الغوالي وأعتقها، ولا يعتاض منها، فلو تركت منها لنفسك، وفرّقت الباقي من غيرها كان أولى.
قال: وجرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد، فاستحى مني، ورفع الحبّ.
فما مضت إلّا سنتين من خلافته، حتى فنيت تلك الغوالي، واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم.
стр. 320
١٥٦ يقال إن جميع الغوالي استعملت في الوحل الذي عملته السيّدة أمّ المقتدر
أخبرني غير أبي عليّ «١» :
إنّ تلك الغوالي كلّها، وما كان في الخزائن من المسوك والعنابر، استعمل كلّه في الوحل «٢» الذي كانت السيّدة عملته.
وخبر الوحل مستفيض على ألسنة العوامّ، فلا وجه للإطالة بذكره.
ورأيت، أهل العلم والخبرة بأمور الخلافة وأخبارها، يكذّبون بذلك تكذيبا شديدا، فلم أورده لهذا السبب.
стр. 321
١٥٧ أنموذج من إسراف السيدة أم المقتدر
حدّثني أبو الحسن البرسي، العامل بالبصرة، إن بعض بني إسحاق الشيرازي المعروف بالخرقيّ، ممن كان يعامل أمّ المقتدر، أسماه هو وأنسيته أنا، حدّثه: إنّها طلبت منه في يوم يقرب من نيروز المعتضد «١» ، ألف شقّة زهريّة خفافا جدا.
قال: فبعثت «٢» في جمعها، والرسل تكدّني بالاستعجال، والقهارمة يستبطؤوني، حتى تكاملت، وصرت بها إلى الدار.
فخرجت القهرمانة، فقالت: اجلس في الحجرة التي برسمك، واستدع الخيّاطين، وتقدّم أن يقطعوا ذلك أزرارا على قدر حبّ القطن، [ويحشونها من الخرق، ويخيطونها، ليجعل بدل حبّ القطن] «٣» ويشرّب دهن البلسان، وغيره من الأدهان الطيّبة الفاخرة، وتوقد في المجامر [٨٥ ط] البرام «٤» على رؤوس الحيطان ليلة النيروز بدلا من حبّ القطن
стр. 322
والنفط «١» والمجامر الطين.
ففعلت ذلك، ومضت تلك الثياب الكثيرة الأثمان في هذا.
قال، وقال لي: كنت أشتري لها ثيابا دبيقيّة، يسمونها [٩٥ ب] ثياب النعال.
وذلك إنها كانت صفاقا، تقطع على مقدار النعال المحذوّة، وتطلى بالمسك والعنبر المذاب، وتجمّد، ويجعل بين كل طبقتين من الثياب، من ذلك الطيب ما له قوام، ونحن نفعل بطاقات كثيرة كذا، وتلفّ بعضها على بعض، ثم تصمّغ حواليها بشيء من العنبر، وتلزق حتى تصير كأنّها قطعة واحدة، وتجعل الطبقة الأوّلة بيضاء مصقولة، وتخرز حواليها بالإبريسم، ونجعل لها شركا «٢» ، من إبريسم كلّها، كالشّرك المضفورة من الجلود، وتلبس.
قال: وكانت نعال السيّدة من هذا المتاع، لا تلبس النعل إلّا عشرة أيام، أو حواليها، حتى تخلق، وتتفتّت، وتذهب جملة دنانير في ثمنها، وترمى.
فيأخذها الخزّان، أو غيرهم، فيستخرجون من ذلك العنبر والمسك فيأخذونه. [وهو يساوي جملة دنانير] «٣»
стр. 323
١٥٨ أنموذج من إسراف الخليفة المقتدر
أخبرني أبو القاسم الجهنيّ:
إنّ المقتدر أراد الشرب على نرجس في بستان لطيف، في صحن دار من صغار صحونه.
فقال بعض من يلي أمر البستان: سبيل هذا النرجس أن يسمّد قبل شرب الخليفة عليه بأيّام، فيحسن ويقوى.
فقال هو: ويلك، يستعمل الخرء في شيء بحضرتي وأريد أن أشمّه؟
قال: بهذا جرت العادة في كل ما يراد تقويته من الزروع.
فقال: وما العلّة في ذلك؟
قال: لأنّ السماد يحميه، فيعينه على النبات والخروج.
قال: فنحن نحميه بغير السماد، وتقدّم، فسحق من المسك بمقدار ما احتاج إليه البستان من السماد، وسمّد به.
وجلس يشرب عليه يومه وليلته، واصطبح من غده عليه، فلما قام، أمر بنهبه.
فانتهب البستانبانون «١» والخدم، ذلك المسك كله من أصول النرجس، واقتلعوه مع طينه، حتى خلّصوا المسك، فصار البستان قاعا صفصفا.
وخرج من المال شيء عظيم في ثمن ذلك المسك.
стр. 324
١٥٩ أنموذج من إسراف الخليفة الراضي
حدّثني أبو إسحاق الطبريّ «١» ، غلام أبي عمر الزاهد «٢» ، غلام ثعلب «٣» ، وكان منقطعا إلى بني حمدون، قال: حدّثني أبو جعفر بن حمدون، قال:
كنّا نشرب مع الراضي بالله يوما، في مجلس مغمّى «٤» بالفاكهة الحسنة الفاخرة. فغرض «٥» من الجلوس فيه، فقال: افرشوا لنا المجلس الفلانيّ، واطرحوا فيه ريحانا ونيلوفر فقط، طرحا فوق الحصر، بلا أطباق، ولا تعبية في مشامّ، كما تفعل العامّة، وعجّلوا ذلك الساعة، لننتقل إليه.
قال: فلم تكن إلّا لحظة، حتى قالوا له: قد فرغنا من ذلك.
فقال لنا: قوموا، فقمنا معه.
فلما رأى المجلس، قال للشرابيّة: غيّروا لون هذا الريحان بشيء من الكافور يسحق ويطرح فوقه، فليس [٩٦ ب] هو مليح هكذا.
стр. 325
قال: فأقبلوا يجيئون بصواني الذهب، وفيها [٨٦ ط] الكافور الرباحي «١» المسحوق أرطالا، ويطرح فوق الريحان، وهو يستزيدهم، إلى أن صار الريحان كالمغطّى ببياض الكافور، وكأنّه ثوب أخضر، قد ندف عليه قطن رقيق، أو روضة سقط عليها ضرائب «٢» الثلج.
فقال حينئذ: حسبكم.
قال: فقدّرت ما استعمل من الكافور، كان أكثر من ألف مثقال بشيء كثير.
فشربنا عليه معه، فلمّا قام، أمر بنهبه.
فأخذ غلماني منه مثاقيل كثيرة، لأنّهم كانوا في جملة الخدم والفرّاشين والغلمان الذين نهبوا ذلك.
стр. 326
١٦٠ الراضي يأمر لكلّ واحد من ندمائه بوزن الآجرّة دراهم
سمعت أبا بكر محمّد بن يحيى الصولي «١» ، وأنا إذ ذاك في حدّ الصبيان، يحكي لأبي، حكاية طويلة عن الراضي، فيها شعر له، وقصّة، لم تعلق بذهني «٢» كلّها في الحال، لصغري عن ذلك.
فسأله أبي أن يمليها، فأملاها على صاحب لأبي كان جالسا بحضرته، وكتبها على ظهر جزء كان قد قرأه عليه، فيه أشعار وأخبار غير ذلك، هو باق عندي، وحصّلت منها ما بقي في حفظي:
إنّه دخل إلى الراضي، وهو يبني شيئا، أو يهدم شيئا- أنا الشاكّ- فأنشده أبياتا، وكان الراضي جالسا على آجرّة حيال الصنّاع.
قال: كنت أنا وجماعة من الندماء «٣» قيام، فأمر بالجلوس بحضرته، فأخذ كلّ واحد منّا آجرة، فجلس عليها.
واتّفق أنّي أخذت آجرتين ملتزقتين بشيء من اسفيداج، فجلست عليهما.
стр. 327
فلمّا قمنا، أمر بأن توزن جرة كلّ واحد منا، ويدفع إليه بوزنها دراهم، أو دنانير- الشكّ مني-.
قال: فتضاعفت جائزتي على جوائز الحاضرين، بتضاعف وزن آجرّتي على آجرّهم.
حدّثني عليّ بن الحسن الحاجيّ «١» ، قال: حدّثنا أبو الحسن العروضيّ، معلّم الراضي [ونديمه] «٢» بهذا الحديث، فذكر مثله، ولم يذكر تضاعف جائزة الصولي، إلّا أنّه قال: كنت أنا وجماعة الندماء.
стр. 328
١٦١ ختم الراضي الخلفاء في أمور عدّة
وللراضي فضائل كثيرة، وقد ختم الخلفاء في أمور عدّة، منها:
انّه آخر خليفة له شعر.
وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، والأموال.
[وآخر خليفة بنى] «١» .
وآخر خليفة خطب على منبر في يوم جمعة.
وآخر خليفة جالس الجلساء، ووصل إليه الندماء.
وآخر خليفة كانت نفقته، وجوائزه، وعطاياه، وخدمته، وجراياته، وخزائنه، ومطابخه، وشرابه، ومجالسه، وخدمه، وحجّابه، وأموره، جارية على ترتيب الخلافة الأولى.
وآخر خليفة سافر بزيّ الخلفاء القدماء.
وقد سافر بعده المتّقي، وسافر المطيع غير سفر، ولكن ليس [٩٧ ب] كذلك.
стр. 329
١٦٢ أنموذج من إسراف المتوكل
حدّثني أبو القاسم الجهنيّ، قال: حدثني أبو محمد بن حمدون، عن أبيه:
إن المتوكّل اشتهى أن يجعل كلّ ما تقع عليه عينه، في يوم من أيّام شربه، أصفر.
فنصبت له قبّة صندل مذهبّة، مجلّلة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر.
وجعل بين يديه الدستنبو «١» والأترج الأصفر، وشراب أصفر في صواني ذهب.
ولم يحضر من جواريه إلّا الصفر، عليهن ثياب قصب «٢» [٨٧ ط] صفر.
وكانت القبّة منصوبة على بركة مرصّصة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر، ليصفرّ الماء ويجري من البركة، ففعل ذلك.
وطال [جلوسه] «٣» وشربه، فنفد ما كان عندهم من الزعفران «٤» ، فاستعملوا العصفر «٥» ، ولم يقدّروا أنّه ينفد قبل سكره، فيشترون منه، فنفد.
стр. 330
فلما لم يبق إلا قليل، عرفوه، وخافوا أن يغضب إن انقطع، ولا يمكّنهم قصر الوقت من شري ذلك من السوق.
فلما أخبروه أنكر لم لم يشتروا أمرا عظيما، وقال: الآن إن انقطع هذا تنغّص يومي فخذوا الثياب المعصفرة القصب، فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ، ففعل ذلك.
ووافق سكره مع نفاد كلّ ما كان في الخزائن من هذه الثياب.
فحسب ما لزم على ذلك الزعفران والعصفر، وثمن الثياب التي هلكت، فكان [قدر جميعه] «١» خمسين ألف دينار.
ويشبه هذا ما أخبرنا به الجمّ الغفير:
إنّ الحسن بن سهل «٢» ، لما زفّ ابنته بوران «٣» إلى المأمون، بفم الصلح «٤» ، انقطع بهم الحطب في المطبخ يوم العرس، أحوج ما كانوا إليه، فعرّفوه ذلك.
стр. 331
فأمر بالخيش «١» ، فصب عليها الزيت وغيره من الأدهان حتى تشرّبها، وأمر بإيقاده تحت القدور، وبثّ الرسل في طلب الحطب.
فاستعمل «٢» من ذلك الخيش شيء كثير إلى أن حمل الحطب.
١٦٣ الوزير المهلبيّ يشتري لمجلس شرابه وردا بألف دينار
وشاهدنا نحن، أبا محمد المهلبيّ في وزارته، وقد اشترى في ثلاثة أيّام متتابعة، وردا بألف دينار، فطرح في بركة عظيمة كانت له في دار كبيرة، تعرف بدار البركة، وشرب عليه، ونهب.
وكان في البركة فوّارة حسنة، فطرح الورد فيها، وفرشه في مجالسه.
وكان لذلك شرح طويل.
стр. 332
١٦٤ أبو القاسم البريدي يشرب على ورد بعشرين ألف درهم
وشرب أبو القاسم بن أبي عبد الله البريديّ «١» ، بالبصرة، على ورد بعشرين ألف درهم، في يوم واحد، على رخصه هناك، واسترخاص السلطان لما يشتهيه، وطرح فيه عشرين ألف درهم خفافا، وزنها عشرة آلاف درهم، وشيئا كثيرا من قطع الندّ المثاقيل اللطاف، وقطع الكافور اللطاف، والتماثيل، ولعب به [٩٨ ب] شاذكلى «٢» ، وانتهب الفرّاشون الورد، مع ما فيه من الدراهم والطيب.
وقيل إنّ ذلك المجلس قام عليه بثلاثة آلاف دينار مع جذور المغنّيات، وثمن الطيب، وما أنفق على المائدة، والشراب، والثلج، ذلك اليوم.
أخبر بهذا أبو العباس النخّاس المعروف بالشامي، في الوقت، وأنا أسمع، وأرانا من الدراهم شيئا، وذكر إنّه انتهبها مع الغلمان.
стр. 333
١٦٥ كان أبو العباس الشامي نخاسا فأصبح قوّادا
وكان هذا الشاميّ «١» أمّة وحده في مذهبه، فإنّه كان يصحب أبا عبد الله البريدي، على طريق التنخّس، ويشتري الجواري السواذج «٢» والمغنّيات فيبيعهنّ عليه.
فربما كره جارية فردّها عليه، وما دار بينهما ميزان.
ثم اتّسع [٨٨ ط] ذلك الباب لأبي العبّاس، فصار يستعمله مع الكافّة، ثم تجاوزه إلى بذل قيان له، وإخراجهنّ بحضرته، وأن يمازحهنّ، ويلاعبهنّ الرجال، ولا ينكر ذلك.
وربما تجاوزوا هذا إلى غيره، ولا ينكر، ويجتعل «٣» عليه- فيما بلغني- من وجوه كثيرة.
стр. 334
١٦٦ أبو العباس الشامي النخاس كان صفعانا طيّبا
وكان «١» ، مع هذا، صفعانا طيّبا.
فمن ذلك: إنّه دخل يوما على أبي يوسف البريديّ «٢» ، فصفعه بمخدّة ديباج حسنة مثمنة.
فأخذها الشامي، وعدا، ليسلّمها إلى غلامه، فيحملها إلى بيته.
فقال له أبو يوسف: قد أخذتها! ويلك.
قال: فأردّها أطال الله بقاء سيدنا من حيث جاءت، ولا آخذها؟
فقال: لا يا ماصّ كذا، خذها، لا بورك لك فيها.
فدفعها إلى غلامه.
стр. 335
١٦٧ أبو العباس الشامي النخاس يطلب من القاضي قبوله للشهادة
ومنها:
إنّه «١» كان مشهورا بالقيادة، وكان يعادي بزّازا بالبصرة، يعرف بالآدمي.
فبلغه أن القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، عمل على قبوله «٢» ، وما كان لذلك أصل، وإنّما كان إرجافا.
فجاء إليه، وكان منبسطا عليه بالمزاح، لمعرفته به.
فقال له: أيها القاضي، إن رأيت أن تقبل شهادتي.
فقال له القاضي: ما بلغ الأمر إلى قبول مثلك، فأيّ شيء دعاك إلى هذا، يا أبا العبّاس؟ ومازحه.
قال: بلغني أنّك تريد أن تقبل الآدمي، وأنا وهو [جميعا] «٣» : كنا نقود على البريديّ، فاقبلني أنا أيضا.
فضحك وقال: لا لك أقبل، ولا له.
стр. 336
١٦٨ الوزير المهلبيّ والشامي النخاس
وجاء «١» إلى الأهواز، بجارية له مغنّية، إلى أبي محمد المهلّبيّ، وكنت بالأهواز.
وحدّثني بهذا الخبر جماعة ممّن شاهدوه من ندمائه.
فغنّت له، وكانت تجلس عنده للغناء، وهو غير حاضر، دفعات كثيرة.
فقال له المهلّبيّ يوما، وقد جرى بحضرته ذكر الجماع، فأخذ الشاميّ يخبر عن نفسه، بالعجز عنه، لأنّه كان قد نيّف على «٢» الثمانين.
فقال له المهلبيّ: فجاريتك يا أبا العباس حبلى، فمن أين هذا الحبل؟
فقال: [٩٩ ب] يا سيّدي إذا ولدت، سمّيت ابنها العبّاس بن الحسن «٣» ، يعرّض بأنّه ابن وزير، يصلح للوزارة، وإنّه ابنك.
فضحك والجماعة منه.
стр. 337
١٦٩ أبو مخلد يستولي على دست مجلس معزّ الدولة
أخبرنا أبو عليّ أحمد بن موسى حمولي «١» ، صاحب معزّ الدولة، قال:
كنّا يوما قياما. بحضرة مولانا الأمير- يعني معزّ الدولة- فدخل إليه أبو مخلد «٢» ، فرأى تحته دست ديباج جديد، حسن جدا، قد استعمله «٣» بتستر، وقام عليه بألفي دينار.
فقال له: أيّها الأمير، تنحّ عن الدست، فإنّ عليه شيئا.
فلم يفهم الأمير مراده، وتزحزح عن دسته، فجذبه، وحمل جزءا منه على كتفه «٤» ، وقام.
فقال له الأمير: يا بغّاء «٥» - بكلام الديلم- إلى أين؟
قال: إلى طيّاري أنقل هذا الدست إليه أولا أولا كما ترى، ومن يعارضني؟ أو يجسر على ذلك؟
قال: فضحك الأمير، وقال: ما يعارضك أحد.
قال: فنقل، يشهد الله، الدست بآلته كاملا، على ظهره، إلى طيّاره وأنا أراه، حتى أخذه جميعه.
стр. 338
١٧٠ أبو مخلد يستولي على طنفسة رآها في مجلس الخليفة المطيع
وكانت لأبي مخلد، مروءة عظيمة، وشهوة للفرش خاصة.
فدخل يوما إلى أمير المؤمنين، المطيع لله، فرأى في المجلس طنفسة «١» عظيمة خليفيّة من [٨٩ ط] خز ورقم أصفر «٢» ، فلما رآها تحيّر.
فقال لأبي أحمد الشيرازيّ، كاتبه «٣» : أريد أن أعمل بهذه، كما عملت بدست «٤» معزّ الدولة، وكان قد اشتهر خبره في نقل الدست على ظهره.
فقال له أبو أحمد: مثل هذا لا يجوز أن يفعل بحضرة الخليفة، لأن الهزل لا يستعمل مع هؤلاء، وخاصة هذا مجلس عام، ولكن أنا أعيد استحسانك لها، وأستوهبها لك منه.
فلما تقوّض الموكب، خرج أبو أحمد، فوجده جالسا في الدهليز.
فقال: ما هذا أيها الشيخ؟
قال: ترجع، وتعرّف مولانا، أنّي لا أبرح، والله، إلا بالطّنفسة، وإنّما قبلت رأيك فوقّرته «٥» ، وإلّا كنت قد أخذتها كما أخذت الدست.
стр. 339
فرجع أبو أحمد، وأخبره «١» ، الخبر على شرحه، فأمر بحملها إلى طيّاره.
فحملت معه، ثم انصرف.
أخبرني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ بذلك.
١٧١ ابن دية الأنماطي يقوّم ثمن قسم من فرش أبي مخلد بمائتي ألف دينار
وسمعت ابن دية الأنماطي، وهو رئيس هذه الصناعة «٢» ببغداد، ومن لم يشاهد أحد بها من المتاع ما شاهده، يخبر في مجلس حافل، إنّه شاهد لأبي مخلد فرشا أخرجه إليه ليقوّمه له.
قال: فقوّمته له، قيما استرخصتها جدّا، فبلغت القيمة مائتي ألف دينار، ولا أدري ذلك فرشه كلّه، أو له شيء آخر من الفرش سواه.
стр. 340
١٧٢ الشيخ الخياط وأذانه في غير وقت الأذان
حدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد [١٠٠ ب] الهاشميّ القاضي:
إنّ شيخا من التجّار، كان له على بعض القوّاد مال جليل، يماطله به.
قال: فعملت على الظلامة إلى المعتضد، لأنّي كنت إذا جئت إلى القائد حجبني، واستخفّ بي غلمانه.
وكنت إذا تحمّلت عليه، فاستشفعت، لم ينجع فيه. وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان «١» منه، فما نفعني.
فقال لي بعض إخواني: عليّ أن آخذ لك المال، ولا تحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة [ولا إلى غيره] «٢» ، فقم معي الساعة.
قال: فقمت معه، فجاء بي إلى خيّاط في سوق الثلاثاء «٣» ، شيخ، وهو جالس يخيط، ويقرىء في المسجد، فقصّ عليه قصّتي، وسأله أن يقصد القائد فيسأله إزاحة علّتي، وكانت داره قريبة من موضع الخيّاط «٤» ، فقام معنا.
стр. 341
فلما مشينا تأخّرت، وقلت لصديقي: إنّك قد عرّضت هذا الشيخ، ونفسك، وإيّاي، إلى مكروه غليظ، هذا إذا حصل على باب الرجل، صفع، وصفعنا معه، فإنّه لم يلتفت لشفاعة فلان وفلان، ولم يفكّر في الوزير، يفكّر في هذا؟
فضحك الرجل، وقال: لا عليك، امش واسكت.
فجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخيّاط أعظموه، وأهووا ليقبّلوا يده، فمنعهم.
وقالوا: ما جاء بك يا شيخ؟ فإنّ صاحبنا راكب، فإن كان أمر نعمله نحن بادرنا إليه، وإلّا فادخل واجلس حتى يجيء.
فقويت نفسي بذلك، فدخلنا، وجلسنا.
وجاء الرجل، فلما رأى الخيّاط، أعظمه إعظاما تامّا، وقال: لست أنزع ثيابي، أو تأمر بأمرك.
فخاطبه في أمري.
فقال: والله، ما عندي إلّا [٩٠ ط] خمسة آلاف درهم، فسله أن يأخذها، ورهنا من مراكبي الفضّة والذهب، إلى شهر، [لأعطيه] «١» .
فبادرت أنا إلى الإجابة، فأحضر الدراهم، والمراكب بقيمة الباقي، فقبضت ذلك.
وأشهدت الخيّاط وصديقي عليه، بأنّ الرهن عندي، إلى شهر على البقيّة، فإن جاز الأجل، فأنا وكيل ببيعه، وأخذ مالي من ثمنه، فأشهدتهما على ذلك، وخرجنا.
فلما بلغنا إلى موضع الخيّاط، طرحت المال بين يديه، وقلت: يا شيخ،
стр. 342
إنّ الله قد ردّ عليّ هذا بك، فأحبّ أن تأخذ ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، بطيب من قلبي.
فقال: يا هذا، ما أسرع ما كافأتني على فعل الجميل بالقبيح، انصرف بمالك، بارك الله لك فيه.
فقلت: قد بقيت لي حاجة.
فقال: قل.
قلت: تخبرني عن سبب طاعة هذا لك، مع تهاونه بأكابر أهل الدولة.
فقال: يا هذا قد بلغت مرادك، [وأخذت مالك] «١» فلا تقطعني عن شغلي، وما أعيش منه.
فألححت عليه.
فقال: أنا رجل أؤمّ، وأقرىء في هذا المسجد، منذ أربعين سنة، ومعاشي [١٠١ ب] من هذه الخياطة، لا أعرف غير هذا.
وكنت منذ دهر، قد صلّيت المغرب، وخرجت أريد منزلي، فاجتزت بتركيّ كان في هذه الدار، فإذا قد اجتازت امرأة جميلة الوجه عليه، فتعلّق بها وهو سكران، ليدخلها داره، وهي ممتنعة تستغيث، وليس أحد يغيثها، وتصيح، ولا يمنعها منه أحد «٢» ، وتقول في جملة كلامها: إنّ زوجي قد حلف بطلاقي أن لا أبيت عنه، فإن بيّتني هذا، أخرب بيي، مع ما يرتكبه منّي من المعصية، ويلحقه بي من العار.
قال: فجئت إلى التركيّ، ورفقت به، وسألته تركها، فضرب رأسي
стр. 343
بدبّوس كان في يده. فشجّني «١» ، وآلمني «٢» ، وأدخل المرأة. فصرت إلى منزلي فغسلت الدم، وشددت الشجّة، واسترحت.
وخرجت أصلّي العشاء، فلمّا فرغنا منها، قلت لمن حضر: قوموا معي إلى عدوّ الله، هذا التركيّ، ننكر عليه، ولا نبرح، حتى نخرج المرأة.
فقاموا، وجئنا، فضججنا «٣» على بابه، فخرج إلينا في عدّة من غلمانه، فأوقع بنا الضرب، وقصدني من بين الجماعة، فضربني ضربا عظيما، كدت أتلف منه، فشالني الجيران إلى منزلي كالتالف.
فعالجني أهلي، ونمت نوما قليلا للوجع، وأفقت نصف الليل، فما حملني النوم فكرا في القصّة.
فقلت: هذا قد شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذّنت، وقع له إنّ الفجر قد طلع، فأطلق المرأة، فلحقت بيتها قبل الفجر، فتسلم من أحد المكروهين، ولا يخرب بيتها، مع ما قد جرى عليها.
فخرجت إلى المسجد متحاملا، وصعدت المنارة، فأذّنت، وجلست أطّلع منها إلى الطريق، أترقّب منها خروج المرأة، فإن خرجت، وإلّا أقمت الصلاة، لئلّا يشكّ في الصباح، فيخرجها.
فما مضت إلّا ساعة، والمرأة عنده، فإذا الشارع قد امتلأ خيلا ورجلا ومشاعل، وهم يقولون: من هذا الذي أذّن الساعة؟ أين هو؟
ففزعت وسكتّ، ثم قلت [٩١ ط] أخاطبهم، لعلّي أستعين بهم على إخراج المرأة.
стр. 344
فصحت من المنارة: أنا أذنت.
فقالوا لي: انزل، فأجب أمير المؤمنين.
فقلت: دنا الفرج، ونزلت، فمضيت معهم، فإذا هم غلمان مع بدر «١» .
فأدخلني على المعتضد، فلما رأيته هبته، وارتعدت، فسكّن منّي.
وقال: ما حملك على أن تغرّ المسلمين بأذانك في غير وقته، فيخرج ذو الحاجة في غير حينها، ويمسك المريد للصوم، في وقت أبيح له فيه الإفطار؟
فقلت: يؤمني أمير المؤمنين، لأصدق؟
فقال: [١٠٢ ب] أنت آمن على نفسك.
فقصصت عليه قصة التركيّ، وأريته الآثار التي بي.
فقال: يا بدر، عليّ بالغلام والمرأة، الساعة، الساعة، وعزلت في موضع.
فلما كان بعد ساعة قليلة، أحضر الغلام والمرأة، فسألها المعتضد عن الصورة، فأخبرته بمثل ما قلته.
فقال لبدر: بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره عنّي بالتمسّك بها، والإحسان إليها.
ثم استدعاني، فوقفت، فجعل يخاطب الغلام، وأنا قائم أسمع.
فقال له: يا فلان، كم رزقك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وكم عطاؤك؟
стр. 345
قال: كذا وكذا.
قال: وكم وظائفك؟
قال: كذا وكذا.
قال: وجعل يعدّد عليه ما يصل إليه، والتركيّ يقرّ بشيء عظيم «١» .
قال: فقال له: كم لك جارية؟
قال: كذا وكذا.
قال: فما كان لك فيهنّ، وفي هذه النعمة العريضة، كفاية عن ارتكاب معاصي الله ، وخرق هيبة السلطان؟ حتى استعملت ذلك، وتجاوزته إلى الوثوب بمن أمرك «٢» بالمعروف؟
فأسقط الغلام في يده، ولم يحر جوابا «٣» .
فقال: هاتم «٤» جوالق، ومداقّ الجص، وقيودا، وغلّا، فأحضر ذلك.
فقيّده، وغلّه، وأدخله الجوالق، وأمر الفرّاشين، فدقّوه بمداقّ الجص.
وأنا أرى ذلك، وهو يصيح، ثم انقطع صوته، ومات.
فأمر به، فغرّق في دجلة، وتقدّم إلى بدر بحمل ما في داره.
ثم قال لي: يا شيخ أيّ شيء رأيت من أجناس المنكر، كبيرا كان أو صغيرا، أو أيّ أمر، صغيرا كان أو كبيرا، فمر به «٥» وأنكره، ولو على هذا، وأومأ بيده إلى بدر.
стр. 346
فإن جرى عليك شيء، أو لم يقبل منك، فالعلامة بيننا أن تؤذّن في مثل هذا الوقت، فإنّي أسمع صوتك فأستدعيك، وأفعل مثل هذا بمن لا يقبل منك، أو بمن يؤذيك.
قال: فدعوت له وانصرفت.
وانتشر الخبر في الأولياء والغلمان، فما سألت أحدا منهم بعدها إنصافا لأحد، أو كفّا عن قبيح إلّا أطاعني، كما رأيت، خوفا من المعتضد.
وما احتجت أن أؤذّن إلى الآن، [في غير وقت الأذان] «١» .
стр. 347
١٧٣ مثل على تيقظ المعتضد وعلو همته
حدّثني أبي، عن أبي محمد ابن حمدون «١» ، قال:
كنت بحضرة المعتضد ليلة على شرب، إذ جاءه كتاب، فقرأه وقطع الشرب، وتنغّص به.
واستدعى عبيد الله بن سليمان «٢» ، فأحضر للوقت، وقد كاد يتلف، وظنّ أنّه قد قبض عليه.
فرمى بالكتاب إليه، فإذا هو كتاب صاحب خبر السرّ بقزوين إليه، يقول: إنّ رجلا من الديلم، وجد بقزوين «٣» ، وقد دخلها متنكّرا.
فقال لعبيد الله: اكتب [٩٢ ط] الساعة، إلى صاحبي الحرب والخراج «٤» ، وأقم قيامتهما، وتهدّدهما [١٠٣ ب] عنّي بالقتل، لم تمّ هذا، وتشدّد في الإنكار، وطالبهما بتحصيل الرجل، ولو من تخوم الديلم «٥» ، وأعلمهما «٦» إنّ دمهما مرتهن به، حتى يحضرانه.
стр. 348
وارسم لهما أن لا يدخل البلد مستأنفا أحد، ولا يخرج ألا بجواز «١» ، حتى لا تتمّ حيلة لأحد من الديلم في الدخول سرّا، وأن يزيدا في الحذر والتيقّظ، [ونفّذنا الناس إليهم] «٢» ، وأفرط في التأكيد.
فقال عبيد الله: السمع والطاعة، أمضي إلى داري، فأكتب.
فقال: لا، إجلس بمكانك، واكتب بخطّك، واعرض عليّ.
قال: فأجلسه، وعقله ذاهل، فكتب ذلك، وعرضه عليه، فلمّا ارتضاه، دعا بخريطة إلى حضرته، فجعلت الكتب فيها، وأنفذها.
وقال لعبيد الله: أنفذ معها من يأتيك بخبر وصولها النهروان «٣» ، وسيرها عنه، وانصرف.
فنهض عبيد الله، وعاد المعتضد إلى مجلس شربه، وكان قد لحقه تعب عظيم، فاستلقى ساعة، ثم عاد يشرب.
فقلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن في الكلام؟
فقال: نعم.
فقلت: كنت على سرور، وطيب نفس، فورد خبر قد كان يجوز أن تأمر فيه غدا بما أمرت به الساعة، فضيّقت صدرك، وقطعت شربك، ونغّصت على نفسك، وروّعت وزيرك، وأطرت عقول عياله وأصحابه،
стр. 349
باستدعائه في هذا الوقت المنكر، حتى أمرته بهذا الذي لو أخّرته إلى غد، لكان جائزا.
فقال: يا ابن حمدون، ليست هذه من مسائلك، ولكنّا أذنّا لك في الكلام. إن الديلم شرّ أمّة في الدنيا، وأتمّهم مكرا، وأشدّهم بأسا، وأقواهم قلوبا، ووالله، لقد طار عقلي فزعا على الدولة من أن يتطرّق إليهم دخول قزوين سرّا، فيجتمع فيها منهم عدّة، يوقعون بمن فيها ويملكونها، وهي الثغر بيننا وبينهم، فيطول أمد ارتجاعها منهم، ويلحق الملك من الضعف والوهن بذلك أمر عظيم، يكون سببا لبطلان الدولة، وتخيّلت أنّي إن أمسكت عن التدبير ساعة، إنّه يفوت، وإنّهم يحتوون على قزوين، ووالله لو ملكوها، لنبعوا عليّ من تحت سريري هذا، واحتووا على دار المملكة، فما هنّأني الشرب، ولا طابت نفسي بمضيّ ساعة من زماني فارغة من تدبير عليهم.
فعملت ما رأيت.
стр. 350
١٧٤ التفريط في حفظ حدود أذربيجان أدّى إلى فساد المملكة
وحدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال:
كنت حدثا في الديوان في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، والوزير إذ ذاك أحمد بن عبيد الله الخصيبي «١» .
فأنشأنا من الديوان، كتبا إلى ابن أبي الساج «٢» ، عن السلطان، يأمره فيها بالمسير إلى الحضرة «٣» ، لقتال القرمطيّ «٤» .
فوردت الأجوبة للخليفة، لا للديوان.
فسمعت مشايخ الكتّاب، يتحدّثون عنه «٥» ، إنّه كتب يقول: أنا في
стр. 351
ثغر أعظم [١٠٤ ب] من ثغور الروم، وبإزاء سدّ أحصن من سد يأجوج ومأجوج، وإن أخللت به، انفتح منه أعظم من أمر القرمطيّ، ولم يؤمن أن يكون سببا لزوال المملكة في سائر النواحي [٩٣ ط] .
قال: فأخذ الكتّاب يتطانزون «١» بذلك، وقالوا: في أيّ ثغر هو؟
ومن بإزائه إلّا الديلم، وإنّما هم أكرة، ولكنّه يريد ترفيه نفسه، والخلاف على السلطان.
قال: وأنشئت كتب أخر، يؤمر فيها بترك ما هو بسبيله، والقدوم، فقدم وخرج إلى القرمطيّ، فقتله القرمطيّ.
فما مضت إلّا مديدة يسيرة، على قتله، حتى سار القاسم بن الحسن الداعي العلويّ «٢» ، وما كان الديلميّ «٣» صاحب جيشه، من طبرستان إلى الريّ، فأخذاها من يد أصحاب السلطان.
وخرج أسفار بن شيرويه الديلميّ «٤» فسار إلى طبرستان «٥» ، فأخذها منهما.
стр. 352
فرجع الداعي إليه، فقاتله، فقتله أسفار، وتوطّأ له الأمر، وسار إلى الريّ «١» ، فقاتله ما كان.
وثار مرداويج الجيليّ «٢» ، وكان أحد أصحاب أسفار، به، فقتله، واحتوى على عسكره، وتملّك أعماله، وأخذ الريّ، والجبل «٣» ، والأعمال.
وتفرّقت أعمال ابن أبي الساج على جماعة أهملوا سياستها.
واستفحل أمر الديلم، وتزايد على الأوقات، وضعف السلطان، وانفتقت الفتوق عليه، وكثرت الفتن، وقتل المقتدر.
وجاء مرداويج إلى أصبهان «٤» ليسير إلى بغداد. وقدم شيرج «٥» بن ليلى إلى الأهواز، فتملّكها.
وكان الأمير عماد الدولة عليّ بن بويه «٦» يخلفه على الكرج حينئذ، فاستغوى
стр. 353
من معه، وسار بهم فملك أرّجان «١» لنفسه.
وهدّده مرداويج بالمسير إليه، فداراه، ووعده أن يكون من قبله، وأنفذ الأمير ركن الدولة «٢» ، أخاه، رهينة إليه.
وسار فأوقع بياقوت «٣» ، وهو في سبعمائة نفر من الديلم، وياقوت في الطمّ والرمّ «٤» ، وملك فارس، وظفر بأموالها، وكنوزها، فقوي، وعمل مرداويج على إنفاذ عسكر إليه، ليأخذه، ثم يسير إلى بغداد، فوثب غلمانه الأتراك به، فقتلوه، وجاء رجاله إلى الأمير عماد الدولة، وقد كان ملك فارس، وطرد ياقوت عنها، فقوي أمره، وعظم شأنه.
ومرّت على ذلك سنيّات، فأنفذ أخاه الأمير معزّ الدولة إلى الأهواز، ولم يزل أمره يقوى، حتى ملك بغداد.
وحصل الأمر على ما قاله المعتضد، وابن أبي الساج، وصاروا ملوك الأرض.
وحصلت للديلم ممالك، غير ممالك الأمراء من بني بويه، كثيرة، بعد أن كان الناس يتمثّلون إذا ظلموا، فيقولون: [١٠٥ ب] أي شيء خبرنا؛ في يد الديلم نحن أم في يد الأتراك؟ فصاروا في ممالكهما وأيديهما.
ونسأل الله السلامة.
стр. 354
١٧٥ مثل آخر على تيقظ المعتضد وعلو همته
حدّثني القاضي أبو الحسن محمّد بن عبد الواحد الهاشمي، قال: حدّثني أبو عليّ الحسن بن إسماعيل بن إسحاق القاضي «١» ، وكان ينادم المعتضد، ويتجاسر عليه، قال:
كنّا نشرب يوما مع المعتضد، حتى دخل عليه بدر «٢» ، فقال: يا مولاي، قد أحضر القطّان الذي من بركة زلزل «٣» .
قال: فترك مجلس النبيذ، وقام إلى مجلس في آخر ذلك المجلس، دونه، ونحن نراه ونسمع كلامه، ومدّت بيننا وبينه ستارة، ولبس قباء، وأخذ بيده حربة، وجلس كالمغضب المهول، حتى فزعنا نحن [٩٤ ط] منه، مع أنسنا به «٤» .
وأدخل إليه شيخ ضعيف، فقال له بصياح شديد: أنت القطّان الذي قلت أمس ما قلت؟
فغشي على القطّان، فأمر به فعزل ناحية.
فلمّا سكن جاءوه به، فقال: ويلك، مثلك يقول ليس للمسلمين
стр. 355
ناظر في أمورهم، فأين أنا؟ وأيّ شغل شغلي؟
قال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقيّ، لا أعرف غير الغزل والقطن ومخاطبة النساء والعامّة، وإنّما اجتاز بنا رجل بايعنا شيئا كان معه، فوجدنا ميزانه ناقصا، فقلت هذا الكلام، وعنيت به المحتسب لا غيره.
[فقال له المعتضد: الله، إنّك أردت به المحتسب؟] «١» .
فقال: والله ما عنيت غيره، وأنا تائب أن أتكلّم بما يشبه هذا.
فقال: يحضر المحتسب «٢» ، ويبالغ في الإنكار عليه لم غفل عن إنكار مثل هذا، ويؤمر بتعييره «٣» ، وتتبّع «٤» الطوّافين، وأهل الأسواق، والتعيير عليهم.
وقال للشيخ: انصرف، لا بأس عليك، ودخل، فضحك، وانبسط، وعاد يشرب.
فلما حمل عليّ النبيذ، قلت له: يا مولاي، تعرف فضولي، فتأذن لي في أن أقول؟
فقال: قل.
قلت: كان مولانا في أطيب شرب، وأتم سرور، فتركه، وتشاغل عنه بخطاب كلب من السوقة «٥» ، كان يكفيه أن يصيح عليه راجل من رجّالة صاحب الربع «٦» صيحة، ولم يقنع مولانا في أمره بالوصول إلى حضرته،
следующие страницы →