← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

١١ بين علي بن عيسى وعليّ بن الفرات سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدّثون، قالوا: كان أبو الحسن عليّ بن عيسى «١» ، شديد الإعظام لصناعة الكتابة، شحيحا على محلّه منها، غير مسامح لشيء يعاب به، مهما صغر فيها. وكانت المسابقة فيما بينه وبين أبي الحسن عليّ بن الفرات «٢» فيها، وكان كلّ واحد منهما، يتقلّد ديوانا، في وزارة العباس بن الحسن. وكان يتصرّف في الديوان الذي يتقلّده علي بن عيسى، عامل يعنى به ابن الفرات، فقصده عليّ بن عيسى، وعمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله، وعزم على أخذها منه، وأحضره، وسلّم إليه المؤامرة. وقال له: إن كان عندك جواب لها، فأجب، وإلّا فالتزم المال. فقال: آخذها إلى بيتي، وأجيب. فقال له: خذها. وأخذها العامل، وجاء إلى ابن الفرات، فشرح له الصّورة، وسأله أن ينظر في المؤامرة [ويلقّنه الجواب على كل باب منها. فقرأها ابن الفرات، وقال للعامل] «٣» لولا الاتفاق، لما انحلّ عنك منها درهم، ولكنّ الله سهّل لك غلطا غلط به عليّ بن عيسى على نفسه فيها،

стр. 457

وهو رجل شديد الضنّ بصناعة الكتابة، غير مسامح لنفسه في العيب بها، وقد غلط غلطا قبيحا، لو غلط مثله صغير من الكتّاب لافتضح، وبطلت صناعته، وسقط محلّه، وذاك إنّه قد صدّر في أول المؤامرة بابا، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك، وأنّك لم تورده، وألزمك مالا جليلا عنه، ثم ذكر بعد ذلك، أنّك اقتطعت من غلّات المقاسمة، أشياء أوردها، وذكر الحجج عليك فيها، وألزمك مالا جسيما، هو شطر مال المؤامرة. وقد كان من قانون الحساب، ورسم الصناعة في مثل هذا، أن يبتدئ بما ثنّى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلّات، ثم يثنّي بذكر فضل الكبا. فإمّا إذا صدّر فضل الكيل، فقد صحّح لك الأصول، فإيراده ما اقتطعته من الأصول، ناقض للفعل الأول، وهو خطأ قبيح في الكتبة، مسقط لمحلّ من يعمله. وسبيلك أن تمضي إليه وتخلو به، وتقول: يا سيدي محلّك في هذه الصناعة، لا يقتضي ما قد عملته في هذه [١١٤ ط] المؤامرة، وقد أخطأت خطأ قبيحا، وهو كذا وكذا، وواقفه عليه. وقل له: لا يخلو أمري معك من حالين: إمّا كشفت خطأك للناس، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من المال، وألزمت بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة، وهو يسير. وإمّا تفضلت بإبطال هذه المؤامرة، وأبطلت عنّي مالها، وسترت على نفسك خطأك، وارتفقت مني، مع هذا، بما شئت، وابذل له مرفقا جليلا «١» ، فإنّ حذره على صناعته، وحبّه للمرفق، سيحمله على

стр. 458

إبطال المؤامرة، وتخريقها. فإن امتنع من ذلك، واقفته على الخطإ بين الملإ، فإنّه يوجب عليه أن يسقط عنك ما خرّجه في أصول غلّات الناحية، وهو شطر المال. قال الرجل: فمضيت إلى عليّ بن عيسى سحرا، إلى منزله، فحين رآني، قال: ما عملت في جواب المؤامرة؟ قلت: بيننا شيء أقوله سرا. قال: أدن. فدنوت منه، فقلت له ما قاله لي ابن الفرات بعينه، وفتحت المؤامرة، ووقفته على الموضع. فحين رآه اغتمّ، وقال: يا هذا، قد وفّر الله عليك المرفق، فإنّ مرفقي في هذا الأمر التيقّظ على الخطإ الواقع منّي، وستره على نفسي، والحذر من مثله مستأنفا، وقد أسقط الله عنك جميع المؤامرة، ولن تسمع بعدها لفظة في معناها، والله بيني وبين ابن الفرات، فإن هذا من تعليمه لك، وليس أنت ممن يعرف مثله. قال: فمضيت من عنده، وقد زالت المطالبة، وربحت المرفق، وعدت إلى ابن الفرات، فحدثته، فضحك «١» .

стр. 459

١٢ الوزير ابن الفرات يفحم مناظريه ويكاد يأكلهم واخبرني بعض الكتّاب، قال: كان ابن الفرات «١» قد صودر على ألف ألف وستمائة ألف دينار، فأدّى جميعها في مدّة ستة عشر شهرا، من وقت القبض عليه، وكان في الحبس، يتوقّع أن يطلق. فخاف عليّ بن عيسى «٢» ، وحامد بن العبّاس «٣» ، من إطلاقه، فتشاورا في شيء يستعملانه مع المقتدر، يمتنع معه من إطلاقه. قال: وكان أبو زنبور «٤» ، قد استقدم ليحاسب، وكان من صنائع عليّ بن عيسى في وزارته الأولى. فلما ولي ابن الفرات، أقرّه، وأحسن إليه، فكان أبو زنبور يحمل إليه في كلّ شهر عشرة آلاف دينار، مرفقا عن أعماله، ويخفيها، فتصل في أعدال البزّ، وما يشاكل ذلك. فقال عليّ بن عيسى، لحامد: ما أشكّ أنّ ابن الفرات، قد كان يرتفق من عامل مصر، بمرفق جليل، فنحضر أبا زنبور، ونسأله عن ذلك. فأحضراه، وسألاه عن مرفقه، فكشف لهما عن الصورة، وصدّقهما

стр. 460

عنها، ولم يكن فيه من الفضل ما يخفي ذلك، على الرجل ونفسه «١» . فقال عليّ بن عيسى: هذا مال عظيم، فخذ خطّ أبي زنبور، بأنّه كان يحمل إليه ذلك، واعرضه على الخليفة. ففعلا ذلك، وعرضاه عليه، وقالا له: يجب أن يطالب بذلك. فقال الخليفة: أخرجوه [١١٥ ط] ، وطالبوه، بعد أن تناظروه. قال: فجلس حامد بن العبّاس، وعليّ بن عيسى، ونصر القشوري «٢» وابن الحواري «٣» ، وأحضروا أبا زنبور معهم، واستدعوا ابن الفرات من محبسه ليناظروه. وكان شفيع المقتدريّ «٤» ، يتعصّب لابن الفرات، ويعتني بأمره، ويقوم فيما بينه وبين الخليفة، فقال للمقتدر «٥» : يا مولاي، إنّ ابن الفرات منكوب، وهؤلاء أعداؤه، ولعلّه أن يجيبهم بجواب لك فيه فائدة، فلا يبلغونك إيّاه، فأنفذ من يحضر المجلس، ويرقي إليك ما يجري. فقال له: إمض أنت، وافعل هذا. قال: فخرج شفيع، فوجد ابن الفرات، في الصحن، وقد أخرج من محبسه، وهو يمشي، ليدخل مجلس الوزير. فقال له: اثبت، فإنّي معك. ٣ ن ٢

стр. 461

فقويت نفسه، ودخل المجلس، وحامد في صدر دست عظيم، برسم الوزارة، في دار الخلافة، وعلي بن عيسى عن يمينه، وبجنبه ابن الحواريّ، ونصر القشوري عن يساره، وبجنبه أبو زنبور. فسلّم ابن الفرات، وتخطّى حتى جلس بين يدي حامد، فرفعه قليلا. وخاطبه ابن الفرات بالوزارة، وسلّم على عليّ بن عيسى، وأدار عينه في المجلس، فعرف كلّ من فيه، إلّا أبا زنبور، فإنّه كان لغيبته بمصر، لم يشاهده قط. فقال لمن كان إلى جانبه: من هذا؟ فقال له: هذا أبو زنبور عامل مصر. فأحسّ ابن الفرات، بأنّه في بليّة سببها أبو زنبور. فقال: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه «١» . قال: وكان أبو زنبور قصيرا دميما مقبّحا. فقال أبو زنبور في الحال: لوددت أنّ الأرض ابتلعتني قبل ذلك. قال: فقال له حامد، وعليّ بن عيسى: هذا فلان بن فلان، عامل مصر، قد ذكر أنّه كان يرفقك في كل شهر، من مال عمله، بعشرة آلاف دينار، تكون لمدة ولايتك، كذا وكذا، وما حملت لبيت المال شيئا منها، ويجب الآن عليك أداءها، فما تقول؟ فقال لهما: إنّ هذا- وأومأ إلى أبي زنبور- إن كان قد أمر بالسعاية، بوزير عامله، فكشف ستره في أيّام نكبته، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته، وأبان بذلك عن قدر عقله، وأمانته، وعقل من يركن إليه مستأنفا، فإنّه قد صدق فيما أخبر به. ولم أكن لأرتفق هذا منه، لأدع له شيئا من مال السلطان، ولا لأمكّنه

стр. 462

من اقتطاعه، ولكن لأمهله من وقت إلى آخر، وأزيد في إكرامه، ومخاطبته، وأرفّهه عن إنفاذ المستحثّين، ومن تلزمه عليهم المؤونة التي لا يجب الاحتساب بمثلها، وكلّما يرتفق الوزراء من العمال، قديما، وحديثا [فهذا سبيله] . وإنّما صودرت على ألف ألف وستمائة ألف دينار، أدّيتها صلحا، عن هذا ومثله وشبهه، وإلّا فأي شيء كان موجب مصادرتي إلّا عن هذا وما يشبهه؟ فالمصادرة قد غسلت عنّي هذا كله. ولكن، قد وجب على أبي زنبور من هذا المرفق، باعترافه [١١٦ ط] لمدّة عطلتي وحبسي، وهي ستة عشر شهرا، مائة ألف وستون ألف دينار. فإن كان أرفق الوزير أعزّه الله بها، فقد سقطت عنه، والكلام فيها بين الخليفة والوزير، وإن كان لم يحملها إليه، فيجب الآن أن يحملها إلى أمير المؤمنين. قال: فقام شفيع في الحال. فقال له عليّ بن عيسى: إلى أين يا أبا اليسر؟ قال: إلى مولانا، أحكي له ما جرى، فإنّه أنفذني لهذا السبب، وأمرني به، ومضى. وحمل ابن الفرات إلى حبسه. فعاد شفيع، وقال: يقول لكم مولانا، لا يبرح أحد منكم، أو تحمل إليّ هذه المائة ألف وستون ألف دينار، كيف شئتم. فقال عليّ بن عيسى: جئنا به لنصادره، فصادرنا. فألزموا أبا زنبور معظم المال، وعاونوه بشيء تحمّل قسطه حامد، وعليّ بن عيسى. وضمنوا المال، ثم انصرفوا «١» .

стр. 463

١٣ أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا حدّثني أبو القاسم الجهنيّ «١» ، قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات «٢» ، وابن الجصّاص «٣» حاضر، فتذاكروا ما يعتقده الناس لأولادهم. فقال ابن الفرات: ما أجلّ ما يعتقده الناس لأعقابهم؟ فقال بعض من حضر: الضياع. وقال بعضهم: العقار «٤» . وقال آخرون: المال الصامت «٥» . وقال آخرون: الجواهر الخفيفة الثمن، فإنّ بني أمية سئلوا: أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف الثمن، كنّا نبيعه، فلا نطالب بمعرفة، ولا يتنبّه علينا به، والواحدة منه أخفّ محملا من ثمنها، وابن الجصّاص ساكت. فقال له ابن الفرات، كالمستهزئ به: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ فقال: أجلّ ما يعتقده الناس لأولادهم، الصنائع والإخوان، فإنّهم إن اعتقدوا لهم ضياعا، أو عقارا، أو صامتا، من غير إخوان، ضاع

стр. 464

ذلك وتمحق، وأحدّث الوزير أعزّه الله بحديث جرى منذ مدّة، يعلم معه صدق قولي. فقال له ابن الفرات: ما هو؟ فقال: الناس يعلمون أنّي صنيعة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون «١» ، وكان رجلا مستهترا بالجوهر «٢» ، يعتقده لنفسه، وأولاده، وجواريه. فكنت جالسا يوما في داري، فجاءني بوّابي، فقال: بالباب امرأة تستأذن، في زيّ رثّ، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته. فقالت لي: أنا فلانة، جارية أبي الجيش. فحين قالت ذلك، ورأيت صورتها، عرفتها، وبكيت لما شاهدتها عليه، ودعوت غلماني ليحضروني ما أغيّر به حالها. فقالت: لا تدع أحدا، فإنّي أظنّك دعوتهم لتغيير حالي، وأنا في غنية وكفاية، ولم أقصدك لذلك، ولكن لحاجة هي أهمّ من هذا. فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم إنّ أبا الجيش، لم يكن يعتقد لنا إلّا الجوهر. فلما جرى علينا بعده من طلب السلطان، ما جرى، وتشتّتنا، وزال عنّا ما كنّا فيه، كان عندي جوهر قد سلّمه إليّ، ووهبه لي، ولابنته [١١٧ ط] منّي فلانة، وهي معي هاهنا. فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهّزت للخروج، وخرجت

стр. 465

على هيأة زريّة، مستخفية، وابنتي معي، فسلّم الله تعالى، ووصلنا هذا البلد، وجميع مالنا سالم. فأخرجت من الجوهر شيئا، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار، وصرت به إلى سوق الحرّازين «١» فبلغ ألفي دينار. فقلت: هاتم. فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي. قالوا: ليس محلّك أن يكون هذا لك، وأنت لصّة، فتعلّقوا بي وجذبوني، ليحملوني إلى صاحب الشرطة. فخشيت أن أقع في يده فأعرف، فيؤخذ الجوهر، وأطالب أنا بمال، فأخرج الباقي. فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي، وتركت الجوهر عليهم، وأفلتّ. فما نمت ليلتي غمّا على ما ذهب، وخشية الفقر، لأنّ ما لي هذا سبيله، فأنا غنيّة فقيرة، فلم أدر ما أفعل. فذكرت كونك ببغداد، وما بيننا وبينك، فجئتك، والذي أريده منك جاهك، تبذله لي، حتى تتخلّص لي ما أخذ مني، وتبيع الباقي، وتحصّل لي ثمنه مالا، وتشتري به لي ولابنتي عقارا، نقتات من غلّته. قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ فقالت: فلان. فأحضرته، فجاءني، فاستخففت به «٢» ، وقلت: هذه امرأة من داري،

стр. 466

وأنا أنفذتها بالمتاع لأعرف قيمته، ولئلا يراني الناس أبيع شيئا بدون قيمته، فلم تعرّضتم لها؟ فقال: ما علمنا ذلك، ورسمنا- كما تعلم- لا نبيع شيئا، إلّا بمعرفة، ولما طالبناها بذلك اضطربت، فخشينا أن تكون لصّة. فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاءني به، فلما رأيته عرفته، وكنت أنا اشتريته لأبي الجيش بخمسة آلاف دينار. فأخذته منهم، وصرفتهم. وأقامت المرأة في داري، ونقلت ابنتها إليّ، وأخرجت الجوهر، فألّفته عقودا، وعرضته، وتلطفت لها في بيعه بأوفر الأثمان، فحصل لها منه أكثر من خمسين ألف دينار. فابتعت لها بذلك ضياعا وعقارا ومسكنا، فهي تعيش به وولدها، إلى الآن. فنظرت، فإذا الجوهر لمّا كان معها بلا صديق، كان حجرا، بل كان سببا لمكروه يجري عليها، وقد رشت على الخلاص منه دنانير، ولما وجدت صديقا يعينها، حصّل لها منه هذا المال الجليل. فالصديق أفضل العقد «١» . فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد الله. ثم قال لنا: الناس ينسبون هذا الرجل إلى الغفلة، وقد سمعتم ما يقول، فكيف يكون مثل هذا مغفّلا «٢» ؟

стр. 467

١٤ المأمون ومحبته للجوهر وقد حكي: أنّ المأمون كان محبّا للجوهر، وكان الناس يغالون فيه، في أيّامه، فأراد أن يحتال بحيلة تضع من قدره، ليرخص قيمته [١١٨ ط] ، فيشتريه. فجمع أصحابه يوما، وخاطبهم. فقال: ما أجلّ الذخائر؟ فتقرر رأيهم على الجوهر. فقال: هاتم جوهرة، فجاءوا بواحدة شراؤها عليه مائة دينار. فقال للجوهريين: كم تساوي هذه؟ قالوا: مائة دينار. فقال: يا غلام، اكسرها قطعا، فكسرت. فقال: كم تساوي الآن؟ فقالوا: دانق فضّة. فأخرج دينارا، فقال: كم يساوي هذا؟ قالوا: عشرين درهما. فقال: كسّروه قطعا، فكسّر. فقال: كم يساوي الآن؟ قالوا: تسعة عشر درهما صحاحا. فقال: أجلّ الذخائر هذا الذي إذا كسر، لم يذهب من قيمته شيء. قال: فانتشرت الحكاية بين من حضر من الجوهريّين، ونقص نصف ثمنه على الحقيقة، وقلّت رغبة أهل الدولة في شرائه. فبلغ ذلك المأمون، فتتبّعه، واشتراه رخيصا «١» .

стр. 468

١٥ أموي يتحدث عما أعانهم في نكبتهم وحكي عن بعض بني أميّة: أنّ المنصور «١» سأله لما نكبهم، أيّ شيء كان أنفع لكم في هربكم؟ فقال: ما وجدنا شيئا أنفع من الجوهر القليل الثمن، الذي تبلغ قيمة الحبة منه خمسة دنانير، لأنّا استصحبنا الفاخر منه، والقريب الثمن، فما كنّا نقدر على بيع الفاخر لشدّة الطلب لنا، والخوف من أن يعرّف به، فينبّه علينا، ونؤخذ، وكان هذا اليسير الثمن، يشترى منّا، من غير أن يعرّف، فننتفع به، ويخفى أمرنا، فكان أنفع. قال: فأيّ النساء وجدتم أفضل؟ قال: بنات العم، كنّ أصبر علينا، وأشفق. قال: فأيّ الرجال، وجدتم أفضل؟ قال: الموالي «٢» . قال: فأمر المنصور المهدي، أن يتزوج ابنة عمه «٣» ، واتخذ المنصور مواليه عمّالا في أعماله، وقدّمهم، ورفع منهم «٤» .

стр. 469

١٦ لقمة بلقمة حدّثني أبو بكر البسطامي، غلام ابن دريد «١» ، قال: كان لامرأة، ابن، غاب عنها، غيبة منقطعة. فجلست تأكل يوما، فحين قطعت لقمة، وأهوت بها إليّ فيها. تصدّق منها سائل وقف بالباب، فامتنعت من أكل اللقمة، وحملتها مع تمام الرغيف، فتصدّقت بها، وبقيت جائعة. وكانت شديدة الحذر على ابنها، والدعاء بردّه، فما مضت إلّا ليال يسيرة على هذا الحديث، حتى قدم ابنها، فأخبر بشدائد مرّت به عظيمة. وقال: أعظم شيء مرّ على رأسي، أنّي كنت في وقت كذا، أسلك أجمة في البلد الفلاني، إذ خرج أسد، فقبض عليّ من حمار كنت فوقه، فغار الحمار «٢» فتشبّكت مخالب السبع، في مرقّعة كانت عليّ، فما وصلت إليّ، وذهب عقلي، وجرّني فأدخلني الأجمة. فما هو إلّا أن برك عليّ ليفرسني، حتى رأيت رجلا عظيم الخلق، أبيض الوجه والثياب، وقد جاء حتى قبض على قفا الأسد، وشاله «٣» حتى

стр. 470

خبط به الأرض، وقال: قم يا كلب، لقمة بلقمة. فقام السبع مهرولا، وثاب إليّ عقلي [١١٩ ط] ، وطلبت الرجل، فلم أجده. وجلست ساعات، إلى أن عادت إليّ قوّتي، ثم نظرت إلى نفسي، فلم أجد بها بأسا، فمشيت، فلحقت القافلة، وأخبرتهم فعجبوا من خلاصي، ولم أدر ما معنى لقمة بلقمة. فنظرت المرأة إلى الوقت فإذا هو الوقت الذي أخرجت اللقمة من فيها، فتصدّقت بها. فأخبرته الخبر «١» .

стр. 471

١٧ كفى بالأجل حارسا حدّثني إبراهيم بن الخضر، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال: حدّثني صديق لي أثق به، قال: خرجت إلى الحائر «١» ، فرأيت رجلا، فرافقته في الطريق، ولم أكن أعرفه، وكان ذلك في أيّام الحنابلة، ونحن نزور متخفّين. فلما صرنا في أجمة بانقيا «٢» ، قال لي رفيقي: يا فلان، إنّ نفسي تحدّثني أنّ السبع يخرج الساعة فيفرسني دونك، إن كان ذلك، فخذ حماري، وقماشي، فأدّه إلى منزلي، في موضع كذا وكذا، وعرّفهم خبري. قال: فقلت: ما يكون إلّا خيرا وسلامة. فما استتم الكلام، حتى خرج سبع، فحين رآه الرجل، سقط، وأخذ يتشهّد، وقصده السبع، فما كذب أن أخذه، وجرّه عن الحمار. فسقت أنا الحمار، مع ما عليه، وأسرعت حتى خرجت، ولحقت بالقرية، وعجبت من حدسه على نفسه، وصدق ظنّه، ولحقني غمّ لفراقه، وما جرى عليه. ورجعت إلى بغداد، فحين دخلت، لم تكن لي همّة، حتى استوصفت الموضع، وقصدته، فدققت الباب، أسأل عنه، فقلت لمن فيه: خذوا قماش صاحبكم، ﵀. قالوا: قد خرج الساعة في حاجة له، وهو حيّ والحمد لله، فلم أشكّ في أنّي غلطت، فقلت: من هو؟ قالوا: فلان، اسمه.

стр. 472

فزاد تعجّبي، فجلست، فما أطلت، حتى طلع عليّ، فحين رأيته طار عقلي جزعا، وفرحا، وتشكّكا، فقلت: حديثك. قال: إنّ السبع ساعة جرّني، وأدخلني الأجمة، هزّني، وسحبني، فأنا لا أعقل. ثم سمعت صوت شيء، فإذا بخنزير عظيم قد خرج، فحين رآه السبع، تركني، وقصد الخنزير، فدقّه، وأقبل يأكله، وأنا أراه، ومعي بقيّة من عقلي. فلما أن فرغ منه، خرج من الأجمة، وتركني، وقد جرح فخذي جراحة خفيفة. فقمت، فوجدتني أطيق المشي، فأقبلت أمشي في الأجمة، أطلب الطريق، فإذا بجيف ناس، وبقر، وغنم، وغير ذلك، منها ما قد صار عظاما بالية، ومنها ما هو طريّ. فانتهيت إلى خرق متمعطة «١» ، ومخالي للفيوج مطروحة، فسوّلت لي نفسي تفتيش ذلك. ثم وقفت على شيء مكوّر، فإذا هو هميان «٢» ، ففتحته، فإذا فيه ألف دينار صفر، فأخذتها، ولم أفتّش الباقي، وخرجت، فما عرّجت، وعدت إلى منزلي، فسبقتك. قال: وأخرج الدنانير، فأراني إياها، وكشف عن الجراحة، [١٢٠ ط] فسلّمت إليه متاعه، وافترقنا «٣» .

стр. 473

١٨ كتاب من يحيى بن فهد الأزدي للأمير أبي تغلب بن حمدان كتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، إلى الأمير أبي تغلب «١» فضل الله بن ناصر الدولة، عند اعتقاله أخاه أبا الفوارس محمد، لخوفه منه، وحمله إيّاه إلى القلعة مقيّدا، وحبسه فيها، وذلك في شعبان سنة ستين وثلاثمائة، في الليلة الثامنة منه «٢» . وكتب أبو محمّد ذلك، لمّا بلغه الخبر، بمحضر منّا، كالارتجال، بغير فكر طويل، ولا تعمّل شديد، نسخته: من اختاره الله تعالى لجليل الأمور، واصطفاه لحراسة الأمّة وحماية الثغور، وخصّه بنفاذ الرأي فيما يحلّه ويعقده، ونصره على كلّ عدوّ يرصده، وكفاه كيد من يبغي عليه ويحسده، وقرن عزماته بالصواب في جميع ما يمضيه، وبلّغه في الدنيا ما يرتجيه، وجعل ما يبرمه مطّردا على التوفيق، وذاهبا مع السداد في أجمل طريق. معونة له على ما أسنده- جل ذكره- إليه، وحفظا للملّة وذبّا عنها على يديه، لا سيّما إذا كان مقدّما لتقوى الله سبحانه، في سائر أفعاله، مؤثرا لرضاه تعالى، في جميع أحواله، غير خارج عن حدوده في تدبير، ولا ناكث عن صراطه في صغير ولا كبير.

стр. 474

والحمد لله الذي خصّ مولانا الأمير السيّد، أطال الله بقاءه، من هذه الأوصاف الشريفة، والأخلاق المنيفة، بما فضّله به على ملوك الزمان، وأنطق بذكره وشكره كل لسان، وجعل القلوب كلها، شاهدة به، والآراء على اختلافها، متفقة عليه. والحمد لله الذي جعل تدبيراته جارية على الصواب، ماضية على سنن الكتاب، محروسة من عيب كل عائب، ثاقبة كالنجم الثاقب، الذي لا يدفع علوّه دافع، ولا ينازع في سموّه منازع. وإيّاه نسأل، كافّة أوليائه، وخدم دولته، وإليه أرغب، الرغبة التامة من بينهم، في إيزاعه الشكر على ما أولاه، وإلهامه حمده، تقدست أسماؤه، على ما خوّله وأعطاه، وأن يديم له شأنه وتسديده، ويصل بالحق وعده ووعيده، ويحسن من كل نعمة وموهبة، حظّه ومزيده، ويجعل قوله مبرورا، وعدوّه مقهورا، وفعله مشكورا، وقلبه مسرورا، ولا يخليه من جدّ سعيد، إنّه ولي حميد، فعّال لما يريد. وورد الخبر، بما جرى من الاستظهار على من شكّ في مناصحته ووفائه، وظهر في الدولة سوء رأيه، بعقب تتابع الأنباء، بما كان أضمره من الغدر، وأضبّ عليه من قبح الأمرة، وبما بان منه من إعمال الحيلة على ثلم المملكة، والسعي في تفريق الكلمة، وإفساد البلاد، وإخافة العباد، ولم يصادف وروده، إلّا مستبشرا [١٢٠ ط مكرر] به، مستنصبا له، عالما بجميل صنع الله- في وقوعه، شاكرا له على ما أبلاه، وأولاه من المعونة عليه، عارفا بأن مولانا الأمير- أدام الله تأييده- لم يأمر به، وما وجد سبيلا إلى الصلاح، إلّا سلكها، ولا ترك سبيلا إلى الاستصلاح إلّا ركبها، فلم يزده ذلك إلّا تماديا في العصيان وغيّا، ومرورا في ميدان البغي وبغيا يحسن به العدول عن صلة الرحم، بحكم الله ، إذ جعل البغي في كتابه،

стр. 475

محلّا للإخلال بحق النسب، حيث يقول، وهو أحسن القائلين إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «١» فبيّن سبحانه: إنّ الفحشاء ضدّ للعدل، والمنكر مسقط للإحسان، والبغي موجب لقطع القرابة، وأوجب تبارك اسمه، لمولانا الأمير- أدام الله عزّه- النّصر على الباغي، بقوله عزّ من قائل، ومن بغي عليه لينصرنّه الله. على أنّ الذي أتاه مولانا، أطال الله بقاءه، في بابه، لمواصلة الرحم أقرب، ولأسبابها ألزم وأوجب، إذ حال بينه وبين ما يؤثمه ويرديه، وصدفه عمّا كان يفسد دينه ودنياه بالإيغال فيه، ولم ينقله بذلك، إلّا إلى عيش رغد، وأمر تامّ، ونعمة دارّة، وحال سارّة. والله يكافىء مولانا الأمير السيّد أطال الله بقاءه على قدر نيّته، ويجازيه بجميل طويته، ويبلّغه من الدنيا بحسب حفظه فيها للدين، ويكبت أعداءه بذبّه عن المسلمين، ويهنّيه بنعمه عليه، ويمتّعه بمواهبه لديه، ويرغم أعداه، ويحمده بدء كلّ أمر وعقباه، إنّه جواد كريم، سميع مجيب «٢» .

стр. 476

١٩ من شعر يحيى بن فهد الأزدي أنشدني أبو محمد يحيى بن محمد لنفسه: يا من علاقة حبّه فرض ... ضاقت عليّ ببعدك الأرض فالقلب يخفق وحشة لكم ... حتى كأنّ سواده نبض وأنشدني لنفسه: وصفراء من ماء الكروم عتيقة ... مكرّمة لم تمتهن بعصير صبغت بها كأسي وأطلقت شمسها ... على نوره إلّا بقيّة نور كسالفة شقراء «١» قد رفّ تحتها ... جربّان وشي أبيض وحرير كأنّ شعاع الكأس نار توقّدت ... على كفّ ساق زيّنت بخصور فما حضرت حتى تبدّل ما جنى ... عليّ زماني من أسى بسرور وأنشدني لنفسه: [١٢١ ط] لقد نفرت عيني عن النوم بعدكم ... فليس إلى طيب الرقاد تتوق وقد ألفت طول البكاء كأنّها ... لدمع عيون العالمين طريق وأنشدني لنفسه: يا موقد النار في فؤادي ... وآمر العين بالسهاد حللت من ناظري وقلبي ... - على تعدّيك- في السواد فليس ترقا دموع عيني ... أو يظفر القلب بالمراد وليس يطفى لهيب قلبي ... أو تملك العين للرقاد

стр. 477

وأنشدني لنفسه: أصبحت من شوقي ومن ضرّي ... تنمّ أنفاسي على سرّي وكلّما جئتك أشكو الهوى ... ازددت يا مولاي في هجري فكم تراني صابرا للبلا؟ ... ستغلب البلوى على صبري وأنشدني لنفسه: يغدو عليّ بوجه مشرق غنج ... يا طيب مبتكري فيه وإصباحي في صورة البدر في قدّ القضيب على ... دعص من الرمل يخطو فوق رحراح وأنشدني لنفسه من أبيات: الليل يعجب منّي كيف أسهره ... والشوق ينهى الكرى عنّي وأزجره والصبح قد ضلّ عن ليلي بوادره ... فما يلمّ بهذا الليل آخره وأدهم الليل وقف ما يغالبه ... من الصباح على الظلماء أشقره وأنشدني لنفسه: إذا أتاك امرؤ يبغيك حاجته ... فقد علاك بفضل ماله ثمن فاسمع له طائعا وانجح مطالبه ... واعرف له حقه لا خانك الزمن وأنشدني لنفسه: يا هاجرا لغلامه ... ومقاطعا لكلامه ومواصلا لصدوده ... وعتابه وملامه لم قد هويت جفاءه ... وتركته بغرامه أمنن عليه بوصلة ... لخضوعه وسقامه وأنشدني لنفسه: يا هلالا بدا فوافق سعدا ... وغزالا كأنّه الغصن قدّا

стр. 478

ومثالا تكامل الحسن فيه ... فحكت وجنتاه خمرا ووردا كلما ازددت في القطيعة بعدا ... زدتني جفوة وهجرا وصدّا تتعدّى وحقّ أن تتعدّى ... كلّ من يملك الجمال تعدّى إنّني ما اتخذت غيرك مولى ... فاتخذني لحسن وجهك عبدا وأنشدني لنفسه: سقى الشوق عيني ماء وجد ولوعة ... فإنسانها في ذلك الماء يسبح إذا حرّكته من جوى الحب زفرة ... ترقرق فوق الخد منه الملوّح وأنشدني لنفسه قصيدة يفتخر فيها، أوّلها: [١٢٢ ط] سوى حلمي يخفّ مع الشباب ... وغير أعنّتي يثني التصابي يقول فيها: كأنّ عواقب الأيّام مدّت ... فقرّت من فؤادي في كتاب فلست أدافع الجلّى بشكّ ... ولا أشكو الحوادث بارتياب وأنشدني أيضا قصيدة أخرى أوّلها: أبى شرف المناصب والأصول ... وفضل في القلوب وفي العقول وقلب لا يخوّف بالمنايا ... ونفس لا تقرّ على خمول لمثلي أن يميل إلى اكتساب ... بغير السمهريّة والنصول وأنشدني من قصيدة يفتخر فيها: تعوّد كفّي قائم السيف صاحبا ... يساعده في كل أمر يحاول سريع مضاء الشفرتين كأنّه ... إذا سلّ من ماء المنية سائل كأنّ مدبّ النمل فوق غراره ... إذا صحّ منه للعقول التأمل «١»

стр. 479

٢٠ بين يحيى بن فهد الأزدي وأبي الفرج الببغاء وكتب «١» إلى أبي الفرج الببغاء «٢» ، إلى الموصل، يتشوّقه، بعد خروجه من بغداد: ظعنت فما لأنسي من ثواء ... وبنت فبان عن قلبي السرور ولو أنّي قضيت حقوق نفسي ... تبعتك كيفما جرت الأمور وودّي ليس ينقصه مغيب ... كما لا يستزيد له حضور فإن تبعد فإنّك ملء صدري ... وودّك جلّ ما تحوى الصدور فأجابه أبو الفرج: بقربك من بعادك أستجير ... وهل في الدهر غيرك من يجير نأيت فما لسلواني دنوّ ... وغبت فما للذّاتي حضور وقد صاحبت إخوانا ولكن ... متى تغني عن الشمس البدور فيا من رعت منه الدهر قدما ... بمن تسمو بخدمته الأمور ومن قدّرت أنّ له نظيرا ... فحين طلبت أعوزني النظير إذا كنت السرور وغبت عنّي ... فكيف يتمّ بعدك لي سرور ولأبي محمد، إلى أبي الفرج، في فصل من كتاب، وقد اعتلّ بعده: فقدت السلامة لما نأيت ... وحالفت لما بعدت الضنينا

стр. 480

وكان اقترابك لي صحّتي ... فحين ارتحلت عدمت القرينا وما هوّن السقم يا سيّدي اشتياقي ... وحاشى له أن يهونا فكتب إليه أبو الفرج، في صدر كتاب: كتابي عن سلامة، وعن كمد فلّ غرب السلوّ ... وشوق أعاد حراكي سكونا وقلب يرى كلّ شيء يعين ... قلوب العباد عليه معينا [١٢٣ ط] ولم أر بعدك شيئا يسرّ ... فأفتح أنسا إليه الجفونا وجملة أمري أنّي اشتكيت ... وقد كان دهري لي مستلينا وجرّبت مذغبت عنّي الكرام ... فكانوا الشكوك وكنت اليقينا وأنشدني لنفسه: يدعي [حبيبي] «١» إلى هجري فيعدل بي ... عن هجره مرض في القلب مكتوم لو كان ينصفني ما كان يهجرني ... لكنّني الدهر في حبّيه مظلوم «٢»

стр. 481

٢١ فقرات من رسائل لبعض الكتاب، في وصف قاض «١» : الحمد لله الذي ليس من دونه احتراز، ولا لذاهب عنه مجاز «٢» ، هو من لا يبهره الإطراء، ولا يحيله الإغراء. آخر: الحمد لله على حلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، الذي لا يودى مسيله، ولا يخيب سؤوله. آخر: إنّ لله علينا من النعم ما لا نحصيه، مع كثرة سخطه على ما نعصيه، فما ندري أيّها نذكر، ولا على أيّها نشكر، أجميل ما نشر وأبدى، أم قبيح ما ستر وأخفى «٣» .

стр. 482

٢٢ بين أبي عمر القاضي وأبي عصمة الخطيب حدّثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عيّاش «١» ، وأبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش «٢» الطائي الجوهري البغدادي، وجمعت خبريهما، قالا: كان أبو عصمة العكبريّ الخطيب، غالبا على أبي القاسم بن الحواري «٣» ، وكانت منزلته في الطيبة مشهورة، قال، فحدّثنا: أنّ أبا عمر «٤» خطب لابن رائق «٥» الكبير، على ابنة قيصر الكبرى، فأطال وأبلغ، وكان يوما حارّا.

стр. 483

فلما انقضت الخطبة، قيل له: اخطب على البنت الأخرى، للابن الآخر. فكره الإطالة، لئلا يضجر الخليفة، وأراد التقرّب إليه، فحمد الله سبحانه بكلمتين، ثم قرأ آية من القرآن، وعقد النكاح. فنهض المقتدر مبادرا لشدّة الحرّ، ووقع ذلك عنده ألطف موقع لأبي عمر. قال: فعاد ابن الحواري إلى داره، وجئت، فجلست عنده أحادثه، وأتطايب له، وأغمز رجله. فقال: جرى اليوم لأبي عمر القاضي كلّ جميل، ووصفه الخليفة، وقرّظه، واستحسن إطالته في الخطبة الأولى، وإيجازه في الثانية، وقال: مثل هذا الرجل، وفيه هذا الفضل، لم لا نزيد في الإحسان إليه؟ فقرّرت مع الخليفة، بأن يزيده في أرزاقه وأعماله، كذا وكذا، فأمرني بتنجيز ذلك له من الوزير. قال: وكان ابن الحواري، صديقا لأبي عمر. فلما سمعت ذلك، دعتني نفسي إلى أن أستبق بالخبر، إلى أبي عمر، لأستحقّ البشارة، وأتقرّب إليه. وطال عليّ الوقت، حتى نام أبو القاسم، فركبت دابّتي، وجئت إلى أبي عمر، فأنكر مجيئي ذلك الوقت [١٢٤ ط] ، وعلم أنّه لمهمّ، فأوصلني، فجلست، وهنّأته، وحدّثته بالحديث على شرحه. فقال أبو عمر: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأحسن الله جزاء أبي القاسم، ولا عدمتك. فاستقللت شكره، وولّد لي فكرا، مع ما بان لي في وجهه من التعجّب منّي. فلمّا خرجت ندمت ندما شديدا، وقلت: سرّ السلطان، أفشاه إلى رجل عنده فوق الوزير، فباح ذلك الرجل به بحضرتي وحدي، لا يسرّه

стр. 484

عنّي، ولعلّه هو، أراد أن يعتدّ به على أبي عمر، بادرت أنا بإخراجه، إن راح أبو عمر فشكره على ذلك، أو ذاكره به، فعلم أنّ ذلك من فعلي، بأيّ صورة يتصورني؟ أليس يراني بصورة من خرج بسرّ؟ وإخراج السرّ، في الخير والشرّ، والفرح والغم، والجيّد والرديء، واحد؟ وإن أدّاه ذلك إلى استثقالي واحتشامي، أليس في هذا انتقاص معيشتي وخيري؟ ثم إن حجبني عنه، من يوصلني إليه؟ ومن يرغب في استخدامي بعده أو يدخلني داره؟ أو ليس ينتشر في البلد، إنّه طردني، لأنّني أفشيت له سرّا، لا يدرى ما هو. ليس إلّا أن أرجع إلى أبي عمر، فأسأله كتمان ذلك. قال: فرجعت من حيث قدّمت لي دابتي، ولم أركب. فحين وقع ناظر أبي عمر عليّ، قال لي: يا أبا عصمة «١» ، ولا حرف، ولا حرف. قال: فكأنّه حسب ما حسبته لنفسي، وعلم ما علمته، ممّا طرأ عليّ، فلمّا رآني قد استدركت ذلك، علم أنّي ما رجعت إلّا لأسأله كتمان هذا، فبدأني بما قاله. فشكرته وانصرفت، ولم أجلس. وقد أخبرني أبو الحسين بن عيّاش ﵀، بهذا الخبر، عن أبي عصمة، ولم يذكر فيه حديث الخطبة، ولا أي شيء كان السرّ، وهذا الحديث أشرح، فأوردته هكذا «٢» .

стр. 485

٢٣ القاضي يخطب بين يدي الخليفة في الإملاك حدّثني أبو الحسن بن الأزرق «١» ، قال: حدّثني القاضي أبو طالب بن البهلول «٢» ، قال: لما تأخّر أبي «٣» عن حضور المواكب، وكان لا يخطب في الإملاكات غيره، عرض للمقتدر «٤» رأي، في إملاك بحضرته. فقال لي عليّ بن عيسى «٥» هذا شيء كان إلى أبيك، وأنت أحقّ به. فقلت: لا أقوم به. فقال لأبي عمر «٦» : فاخطب أنت. فاستعفاه، وسأله أن يجعل ذلك إلى ابنه «٧» ، فجعل إليه. وكان يخطب بحضرة المقتدر في الإملاكات «٨» .

стр. 486

٢٤ وصف طبق قطائف وصف القاضي المعروف بالنقّاش، طبق قطائف، قدّم إليه، فقال: اقشعرّ جلده «١» من كثرة حمله «٢» . ٢٥ النداء على الرطب الآزاد حدّثني خالي، قال: سمعت مناديا ببغداد، ينادي على الرطب الآزاد «٣» : هوذا أولاد الخلافة، في الغلائل نيام «٤» .

стр. 487

٢٦ الوزير ابن مقلة وأبو أحمد الفضل الشيرازي الكاتب حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد الأزدي، قال: حدّثني أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشيرازيّ الكاتب «١» ، قال: كنت أكتب بين يدي أبي علي بن مقلة «٢» ، وهو وزير، وكانت حالي صغيرة، وكنت أستحلي قينة كنت أنفق جميع ما أكسبه عليها. وكان أبو عليّ يعرف ذلك من خبري، فيخصّني بالأعمال التي تكسب المنافع، وإذا أراد كتب عهد [١٢٥ ط] لعامل، أو إجابة صاحب طرف، لم يعدل بذلك عنّي، فأنتفع بالمائتي دينار، والثلاثمائة، والأكثر، والأقلّ، ولا أبقي شيئا. قال: فكان من ذلك، أنّ كتاب ملك جرزان «٣» ، ورد عليه، فرمى به إليّ، وأمرني بالإجابة عنه. فجاءني موصله، يتنجّز الجواب، وحمل إليّ مائتي دينار، وثياب ديباج، وغير ذلك. فأجبته جوابا جميلا، وأخذت ذلك فأنفقته كلّه على المغنّية.

стр. 488

واصبحت بعد أيّام، وهي عندي، وليس معي ما أجذرها «١» به في يومي ذلك، وأنا قلق من انصرافها، ولا حيلة لي في إسلامها، حتى جاءني غلامي، فقال لي: إنّ صاحب جرزان على الباب. فتثاقلت به، وقلت: لم يبق شيء أتوقّعه منه، وقد كتبت كتبه، وأنا متشاغل بحيلة ما أجذر هذه اليوم، فاحجبه عني. قال: فخرج وعاد وقال: قد أعطاني عشرة دراهم، وسألني إيصاله إليك. قال: فطمعت فيه، وقلت: إذا أعطى غلامي عشرة دراهم، فالأمر يحتمل أن يصل إليّ، هاته. قال: فدخل، وأخرج الكتاب، وقال: يا سيّدي، كانت العادة، إذا عنون الكتاب إلى صاحبي، وقيل: لأبي فلان بن فلان، أن يقال بعد ذلك: ملك جرزان، ولم يقل هذا، وفيه عليه غضّ في عمله، فحلق «٢» ذلك. قال: فقلت هذا لا يجوز إلّا بأمر من الوزير، وهذا أمر عظيم، وإذا قيل ذلك فكأنّما قد أزلنا ملك السلطان عن ذلك الصقع، وأخذت أهوّل الأمر، وأفخّمه، بقدر طاقتي. فقال: يا سيّدي، لا زمان «٣» عليّ في مساءلة الوزير، لأنّي أريد الخروج اليوم مع القافلة، فخذ مني ما شئت، واكتب لي. قال: فزاد طمعي فيه، وقلت: هذا أمر لا يمكن للوزير فعله، إلّا بأمر الخليفة. قال: فما زلت معه في ألوان، إلى أن دفع لي في الحال، ثلاثمائة دينار عينا.

стр. 489

فقلت: على شريطة أن لا يرى الكتاب أحد معك، ولا تقم اليوم ببغداد. قال: فشار طني على ذلك. فكتبت إلى جانب العنوان «ملك جرزان» فقط، وأخذت الدنانير وانصرف الرجل، ولم أدع الجارية تبرح ومعي شيء من الدنانير. قال: ثم دخلت إلى أبي عليّ. بعد ذلك بأيّام، فرمى إليّ كتبا، وقال: اكتب لصاحبها عهدا على أعماله بتستر «١» . قال: فجاءني الرجل، وحمل إليّ مائتي دينار، وثلاثة أثواب تسترية، وعمامة منها، فكتبت عهده، وقطعت الثياب، وكنت أنفق من تلك الدنانير. قال: وكان بين أبي عليّ، وبين أبي العبّاس الخصيبيّ «٢» ، من العداء والمشاحة على الوزارة، ما عرفه الناس «٣» ، وكانت لأبي العبّاس عليّ، حقوق، ورياسة قديمة، فكنت أحبّ لقاءه، وأخاف من أجل الوزير، فكنت ربّما مضيت إليه في الأيّام سرّا، واعتذرت من تقصيري باتّصالي بالوزير، فيعذرني. فاتّفق أنّي مضيت إليه يوما سحرا، في تلك الثياب الجدد، وعدت إلى دار الوزير، فلما صرت في الحجرة [١٢٦ ط] التي كان فيها، وجدته «٤»

стр. 490

وأبا الحسين ابنه «١» ، مختليين، وفي ناحية من الدار جماعة من الكتاب جلوس، منهم أبو جعفر بن شيرزاد «٢» ، وأبو محمد المادرائي «٣» ، وأبو علي الحسن بن هارون «٤» ، وغيرهم. فعدلت لأجلس مع الجماعة، فلمّا رآني الوزير، صاح: تعال، بحرد. قال: فقمت فزعا، أن يكون الخبر بلقائي الخصيبيّ، قد رقي إليه، فجئته، فأسرّ إلى أبي الحسين، بشيء في أمري، لا أدري ما هو، ثم ضحك وقال: اجلس، فلما ضحك، سكنت نفسي، وجلست. فقال: اليوم يوم سبت، والهوا «٥» طيّب، فما ترى في ترك العمل والصّبوح؟ فقلت: هذا والله عين الرأي، وحقيقة الصواب، ونفس الواجب، وما لا يجوز العدول عنه، ولا الخروج منه، ولا التأخّر عن فعله، وأخذت أصف طيب الصبوح، وأروي ما حضرني فيه، في الحال. قال: فقال لحاجبه: قل لأصحابنا، يمضون إلى الديوان، وينظر كلّ

стр. 491

واحد في أمره، وما إليه، وأخل دار العامة، ولا تستأذن عليّ لأحد، حتى أتشاغل بالصبوح. ثم دعا الفراشين، فأمرهم بفرش حجرة كان يستطيبها، وقال: أريد أن تكون في نهاية الضياء، من غير أن يسقط فيها خرم إبرة شمس. فقام فلم تكن إلّا ساعة، حتى جلس فيها، فأكلنا معه، ونفسي متطلّعة إلى ما جرى. فلما نهضنا لغسل أيدينا، سألت أبا الحسين عن ذلك، فقال: إنّ الوزير لما رآك، قال: هذا الرجل يخدمنا، ويختصّ بنا، وواجب الحقّ علينا، وهو يعشق مغنّية لعلّ ثمنها شيء يسير، ويتلف كلّ ما يكسبه عليها، ولا نشتريها له؟ أيّ شيء أقبح من هذا؟ قال: فقلت له- وكنت أعرف في أبي الحسين شدّة- فأيّ شيء قلت له يا سيّدي؟ قال: قد قوّيت رأيه. قلت: لا يقنعني هذا والله، أريد أن تتجرّد، وتصمّم، وتذكّره، ولا تدعه أو يتنجّز لي ثمنها اليوم. فقال: أفعل. وقام أبو الحسين لينام، فلم يحملني أنا النوم، وقعدت، فعملت أبياتا في الوزير، أشكره على هذا الرأي، وأتنجّز الوعد، وحرّرتها بأحسن ما قدرت عليه من خطّي. فلما جلسنا للشرب، وشرب الوزير أقداحا، رميت إلى أبي الحسن ابن هارون بن المنجم، بالرقعة، وكانت له عادة عندي في التعصّب لشعري، والمدح لي عند الوزير، لنفاقه عليه، واختصاصه به، من بين ندمائه.

стр. 492

فأخذ أبو الحسن الرقعة، فأنشد منها الشعر، وأتبع ذلك بوصفها وتقريظها، وتبعه الجماعة، واستحسن الوزير ذلك، فأخذ الرقعة، فقطع بالسكّين سحاة عريضة منها «١» ، فكتب في رأسها شيئا، ودفعه إلى أبي الحسين، فكتب فيها شيئا، ثم أخذها الوزير، فلفّها شديدا حتى صارت كالزرّ، ورمى بها، فإذا هي في حجري، ففتحتها، فإذا فيها: ندى الخادم، عشرة آلاف درهم، وبخط أبي الحسين: فلان الجهبذ خمسة آلاف درهم. قال: فجئت لأنهض، فأشكره، وأقبّل يده، فأومأ إليّ [١٢٧ ط] بإصبعه، أن اسكت، ووضعها على فيه، فسكتّ، وشربنا إلى أن حضرت المغرب، وقام الوزير ليصلّي، وقمنا. قال: فاستدعاني، فقال: أخذت المال؟ فقلت: لا. فقال: إنّا لله، ظننتك أفره من هذا، إذا قال لك السلطان، هات لأعرف لك، فابسط حجرك «٢» ، ولا تنتظر غضارة «٣» ، إن صرفني الخليفة الليلة عن الوزارة، كيف تصل أنت إلى المال؟ إن متّ؟ إن كان كذا؟ فقلت: حاشاك يا سيّدي، لعن الله هذه الدراهم، مع هذا القول، يبقيك الله ألف سنة. فقال: دع ذا عنك، ثم نادى الخادم، فجاء، فقال: خذ هذه الرقعة، وأحضر المال الساعة، قبل أن أتمّم الصلاة. قال: فأخذها الخادم ودخل هو في الصلاة، ودخلنا نحن، فو الله،

стр. 493

ما تمّمنا صلاتنا، حتى حضر المال، ولم يكن معي غلام يحمله، إلّا صبيّ بحمل دواتي، ولا يطيق ذلك. قال: فالتفتّ إلى بدعة الصغيرة، وكانت في المجلس، وكان بيني وبينها ودّ، وهي تتعصّب لي، فقلت: يا ستّي، أعيريني بعض خدمك، يحمل هذا المال معي، إلى داري، فإنّ غلامي لا يطيقه. قال: وكانت بدعة الحمدونية «١» ، إذا حضرت المواضع، معها عدّة جوار وخدم وفرّاشين. قال: فدفعت إليّ غلامها، وكان مقدّما عندها، فسلّمت إليه المال، فحفظه، حتى أدّاه إلى منزلي. فاستدعيت مولاة الجارية، وبذلته لها في ثمنها، فقالت: لا أبيعها إلّا بثلاثين ألفا، فاستقبحت إعلام الوزير بالصورة، وتاقت نفسي إلى نفقة «٢» المال، فأسلفتها منه للجذور، خمسة آلاف درهم، وأنفقت الباقي عليها في مدّة يسيرة «٣» .

стр. 494

٢٧ الوزير ابن مقلة يهدي لكاتبه عطرا وشرابا ومالا حدّثني أبو محمد أيضا «١» ، قال: حدّثني أبو أحمد أيضا «٢» ، قال: غدوت في بعض الأيّام إلى حضرة الوزير أبي عليّ بن مقلة، وأنا في بقية خمار «٣» ، وقد خلّفت في داري هذه الجارية. فلما مضى من النهار ساعتان، عنّ للوزير قطع العمل، والتشاغل بالشرب. فقطعت من رأس الدرج «٤» ، قطعة، وكتبت فيها إلى أخي، آمره باحتباس الجارية، وبإعداد أشياء رسمتها له، وأعلمته أنّني على أثر الرقعة، مع تشاغل الوزير بالأكل، وعملت على الاحتجاج للوزير بالخمار، والوزير يلحظ ما أكتبه، ويقرؤه، وأنا لا أعلم. وسلّمت الرقعة إلى غلامي، ومضى بها إلى منزلي. فلم يكن بأسرع من أن نهض الوزير، واستدعى المائدة، وأمرني بالأكل معه، فامتنعت، واحتججت بعظم الخمار، وأنّني لا أقدر على شمّ الطعام، فضلا عن أكله. فألحّ علي، فألححت في الامتناع.

стр. 495

فاستدعى عملا كان بين يديه، وأخرج منه عدّة كتب، وآمرني بالانفراد، والإجابة عنها. فورد عليّ من ذلك ما أقلقني، ولم أعلم غرضه، ولا أنّه يستدعيني إلى الطعام، ويشير عليّ بالدخول معه في ذلك الأمر، وتأخير الكتابة إلى غد، وأنا مقيم على شكوى الخمار، وتعذّر الأكل عليّ. إلى أن فرغت من الكتب، وقد توسّط [١٢٨ ط] أكله، وجئت بها مقدّرا أنّه يأذن لي في الانصراف. فقال: قد تبقّى من مدّة أكلنا، ما تبلغ به وطرك من الطعام، فاستخر الله، وساعدنا. فأقمت على الامتناع. فاستدعى عملا ثانيا، وأخرج منه عدّة كتب أخر، وقال لي: إذا كنت غير داخل معنا في أمرنا، فأجب عن هذه أيضا. فورد عليّ أعظم من الأوّل، وانفردت للإجابة، إلى أن فرغت منها، مع فراغه من الأكل. وجئت بالكتب فعرضتها عليه، وأنا لا أشكّ في الانصراف. فقال لي: لست أشكّ في تصرّم خمارك، فاستدع ما تأكله، والحق بنا. فأقمت على الامتناع. فاستدعى عملا ثالثا، ليشغلني بشيء، وتبسّم. فقلت له: ما هذه الحاجة الداعية إلى اتّصال العمل علي في هذا اليوم. فقال: قد قرأت رقعتك إلى أخيك، من ظهرها. فعرفت من حيث أتيت، فضحك، وضحكت. وأمر بإحضار مائتي دينار، وعشرين دنّا من الشراب العتيق، وسلّم
следующие страницы →