Полный текст (2 817 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
واحد في أمره، وما إليه، وأخل دار العامة، ولا تستأذن عليّ لأحد، حتى أتشاغل بالصبوح.
ثم دعا الفراشين، فأمرهم بفرش حجرة كان يستطيبها، وقال:
أريد أن تكون في نهاية الضياء، من غير أن يسقط فيها خرم إبرة شمس.
فقام فلم تكن إلّا ساعة، حتى جلس فيها، فأكلنا معه، ونفسي متطلّعة إلى ما جرى.
فلما نهضنا لغسل أيدينا، سألت أبا الحسين عن ذلك، فقال: إنّ الوزير لما رآك، قال: هذا الرجل يخدمنا، ويختصّ بنا، وواجب الحقّ علينا، وهو يعشق مغنّية لعلّ ثمنها شيء يسير، ويتلف كلّ ما يكسبه عليها، ولا نشتريها له؟ أيّ شيء أقبح من هذا؟
قال: فقلت له- وكنت أعرف في أبي الحسين شدّة- فأيّ شيء قلت له يا سيّدي؟
قال: قد قوّيت رأيه.
قلت: لا يقنعني هذا والله، أريد أن تتجرّد، وتصمّم، وتذكّره، ولا تدعه أو يتنجّز لي ثمنها اليوم.
فقال: أفعل.
وقام أبو الحسين لينام، فلم يحملني أنا النوم، وقعدت، فعملت أبياتا في الوزير، أشكره على هذا الرأي، وأتنجّز الوعد، وحرّرتها بأحسن ما قدرت عليه من خطّي.
فلما جلسنا للشرب، وشرب الوزير أقداحا، رميت إلى أبي الحسن ابن هارون بن المنجم، بالرقعة، وكانت له عادة عندي في التعصّب لشعري، والمدح لي عند الوزير، لنفاقه عليه، واختصاصه به، من بين ندمائه.
стр. 492
فأخذ أبو الحسن الرقعة، فأنشد منها الشعر، وأتبع ذلك بوصفها وتقريظها، وتبعه الجماعة، واستحسن الوزير ذلك، فأخذ الرقعة، فقطع بالسكّين سحاة عريضة منها «١» ، فكتب في رأسها شيئا، ودفعه إلى أبي الحسين، فكتب فيها شيئا، ثم أخذها الوزير، فلفّها شديدا حتى صارت كالزرّ، ورمى بها، فإذا هي في حجري، ففتحتها، فإذا فيها: ندى الخادم، عشرة آلاف درهم، وبخط أبي الحسين: فلان الجهبذ خمسة آلاف درهم.
قال: فجئت لأنهض، فأشكره، وأقبّل يده، فأومأ إليّ [١٢٧ ط] بإصبعه، أن اسكت، ووضعها على فيه، فسكتّ، وشربنا إلى أن حضرت المغرب، وقام الوزير ليصلّي، وقمنا.
قال: فاستدعاني، فقال: أخذت المال؟
فقلت: لا.
فقال: إنّا لله، ظننتك أفره من هذا، إذا قال لك السلطان، هات لأعرف لك، فابسط حجرك «٢» ، ولا تنتظر غضارة «٣» ، إن صرفني الخليفة الليلة عن الوزارة، كيف تصل أنت إلى المال؟ إن متّ؟ إن كان كذا؟
فقلت: حاشاك يا سيّدي، لعن الله هذه الدراهم، مع هذا القول، يبقيك الله ألف سنة.
فقال: دع ذا عنك، ثم نادى الخادم، فجاء، فقال: خذ هذه الرقعة، وأحضر المال الساعة، قبل أن أتمّم الصلاة.
قال: فأخذها الخادم ودخل هو في الصلاة، ودخلنا نحن، فو الله،
стр. 493
ما تمّمنا صلاتنا، حتى حضر المال، ولم يكن معي غلام يحمله، إلّا صبيّ بحمل دواتي، ولا يطيق ذلك.
قال: فالتفتّ إلى بدعة الصغيرة، وكانت في المجلس، وكان بيني وبينها ودّ، وهي تتعصّب لي، فقلت: يا ستّي، أعيريني بعض خدمك، يحمل هذا المال معي، إلى داري، فإنّ غلامي لا يطيقه.
قال: وكانت بدعة الحمدونية «١» ، إذا حضرت المواضع، معها عدّة جوار وخدم وفرّاشين.
قال: فدفعت إليّ غلامها، وكان مقدّما عندها، فسلّمت إليه المال، فحفظه، حتى أدّاه إلى منزلي.
فاستدعيت مولاة الجارية، وبذلته لها في ثمنها، فقالت: لا أبيعها إلّا بثلاثين ألفا، فاستقبحت إعلام الوزير بالصورة، وتاقت نفسي إلى نفقة «٢» المال، فأسلفتها منه للجذور، خمسة آلاف درهم، وأنفقت الباقي عليها في مدّة يسيرة «٣» .
стр. 494
٢٧ الوزير ابن مقلة يهدي لكاتبه عطرا وشرابا ومالا
حدّثني أبو محمد أيضا «١» ، قال: حدّثني أبو أحمد أيضا «٢» ، قال:
غدوت في بعض الأيّام إلى حضرة الوزير أبي عليّ بن مقلة، وأنا في بقية خمار «٣» ، وقد خلّفت في داري هذه الجارية.
فلما مضى من النهار ساعتان، عنّ للوزير قطع العمل، والتشاغل بالشرب.
فقطعت من رأس الدرج «٤» ، قطعة، وكتبت فيها إلى أخي، آمره باحتباس الجارية، وبإعداد أشياء رسمتها له، وأعلمته أنّني على أثر الرقعة، مع تشاغل الوزير بالأكل، وعملت على الاحتجاج للوزير بالخمار، والوزير يلحظ ما أكتبه، ويقرؤه، وأنا لا أعلم.
وسلّمت الرقعة إلى غلامي، ومضى بها إلى منزلي.
فلم يكن بأسرع من أن نهض الوزير، واستدعى المائدة، وأمرني بالأكل معه، فامتنعت، واحتججت بعظم الخمار، وأنّني لا أقدر على شمّ الطعام، فضلا عن أكله.
فألحّ علي، فألححت في الامتناع.
стр. 495
فاستدعى عملا كان بين يديه، وأخرج منه عدّة كتب، وآمرني بالانفراد، والإجابة عنها.
فورد عليّ من ذلك ما أقلقني، ولم أعلم غرضه، ولا أنّه يستدعيني إلى الطعام، ويشير عليّ بالدخول معه في ذلك الأمر، وتأخير الكتابة إلى غد، وأنا مقيم على شكوى الخمار، وتعذّر الأكل عليّ.
إلى أن فرغت من الكتب، وقد توسّط [١٢٨ ط] أكله، وجئت بها مقدّرا أنّه يأذن لي في الانصراف.
فقال: قد تبقّى من مدّة أكلنا، ما تبلغ به وطرك من الطعام، فاستخر الله، وساعدنا.
فأقمت على الامتناع.
فاستدعى عملا ثانيا، وأخرج منه عدّة كتب أخر، وقال لي: إذا كنت غير داخل معنا في أمرنا، فأجب عن هذه أيضا.
فورد عليّ أعظم من الأوّل، وانفردت للإجابة، إلى أن فرغت منها، مع فراغه من الأكل.
وجئت بالكتب فعرضتها عليه، وأنا لا أشكّ في الانصراف.
فقال لي: لست أشكّ في تصرّم خمارك، فاستدع ما تأكله، والحق بنا.
فأقمت على الامتناع.
فاستدعى عملا ثالثا، ليشغلني بشيء، وتبسّم.
فقلت له: ما هذه الحاجة الداعية إلى اتّصال العمل علي في هذا اليوم.
فقال: قد قرأت رقعتك إلى أخيك، من ظهرها.
فعرفت من حيث أتيت، فضحك، وضحكت.
وأمر بإحضار مائتي دينار، وعشرين دنّا من الشراب العتيق، وسلّم
стр. 496
ذلك إلى غلامي، ثم أمر بإحضار صندوق صغير له، فيه طبب، فقدّم إلى حضرته، ومنديل دبيقيّ «١» ، وجعل فيه من الصندوق، من الندّ «٢» كفا، ومن العود المقليّ «٣» كفّا، وكذلك من الكافور والمسك، مثل ذلك، واستدعى قدحا، فجعل فيه أواق «٤» غالية، ووضعه في المنديل، وختمه بخاتمه.
وقال: إمض، فأنفق هذه الدنانير، واشرب الشراب، وتبخّر بهذا البخور.
فأخذت جميع ذلك، وانصرفت «٥» .
стр. 497
٢٨ أنت تحركت على الصفراء ليس الصفراء تحرّكت عليك
وحدّثني أبو محمد أيضا «١» ، قال حدّثني أبو أحمد «٢» أيضا قال:
كانت هذه الجارية صفراء، تسمى «بهجة» .
فشربت معها ليلة، وأصبحت مخمورا، فآثرت الجلوس معها، على لقاء الوزير أبي عليّ، وكان يعرف خبري معها.
فأردت الاعتذار إليه من التأخّر عن الخدمة، وأخفي خبري عليه، فكتبت إليه رقعة أعتذر فيها، وأقول: إنّ الصفراء «٣» تحركت عليّ، فتأخّرت.
فوقّع على ظهرها بخطّه: أنت تحرّكت على الصفراء، ليس الصفراء تحرّكت عليك «٤» .
قلت: وهذا التوقيع يشبه ما أنشدنا أبو الحسن عليّ بن هارون بن المنجم، لنفسه، في جارية صفرآء، وقد شكا إلى الطبيب مرة الصفراء، ولا أدري أيّهما أخذ من صاحبه:
стр. 498
قال الطبيب وقد تأمّل سحنتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء «١»
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولا وظاهر ما أراد خطاء «٢»
٢٩ بغل لا يصلح للبيع
رأى رجل في حمّام، رجلا وافر المتاع، فقال له عابثا: تبيع هذا البغل؟
قال: لا، ولكنّي أحملك عليه «٣» .
стр. 499
٣٠ القاضي أبو الحسن الهاشمي يغسل الخليفة الراضي
وحدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي ﵀ «١» ، قال: لمّا مات الراضي ﵁ «٢» ، أنفذ إليّ، فاستدعيت لغسله، فحضرت، ودخلت إلى الموضع الذي هو فيه من دار الخلافة، فإذا به مسجّى، على وجهه إزار مرويّ [١٢٩ ط] غليظ «٣» .
فقلت: لا إله إلا الله، مثل هذا يطرح على وجه خليفة؟
فقال لي بعض الخدم: إنّه لمّا مات، أخذ كل إنسان، ما هو مثبت عليه، فرده إلى الخزانة، حتى طرحت أنا عليه إزاري هذا.
قال: فطلبنا مرجلا أو مسينة «٤» لنغلي فيها ماء حارا، فما وجدنا، حتى جاءوا بها بعد مدة من حجرة بعض الخدم.
فغسلته، وكفّنته بأكفان جميلة من داري «٥» ، وصلّيت أنا والخدم عليه، وحمل إلى داره بالرصافة فدفن فيها «٦» .
стр. 500
٣١ الخليفة الواثق، يهمل بعد موته فيأكل الحرذون عينيه
حدّثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن يحيى الواثقيّ، قرابة أبي، قال: حدّثني أبي، قال حدّثني أبي أحمد «١» ، قال:
كنت أخدم الواثق «٢» ، وأخدم تخته، في علّته التي مات فيها.
فكنت قائما بين يدي الواثق، في علّته، أنا وجماعة من الأولياء، والموالي، والخدم، إذ لحقته غشية، فما شككنا أنّه قد مات.
فقال بعضنا لبعض: تقدّموا فاعرفوا خبره، فما جسر أحد منهم يتقدّم.
فتقدّمت أنا، فلما صرت عند رأسه، وأردت أن أضع يدي على أنفه وأعتبر نفسه، لحقته إفاقة، ففتح عينيه، فكدت أن أموت فزعا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي.
فتراجعت إلى خلف، فتعلّقت قبيعة «٣» سيفي بعتبة «٤» المجلس، وعثرت به، فانكببت عليه، فاندقّ سيفي، وكاد أن يدخل في لحمي، ويجرحني.
стр. 501
فسلمت، وخرجت، واستدعيت سيفا ومنطقة أخرى، ولبستها وجئت حتى وقفت في مرتبتي ساعة. فتلف الواثق تلفا لم تشكّ جماعتنا فيه، فتقدّمت فشددت لحييه، وغمّضته، وسجّيته، ووجهته إلى القبلة، وجاء الفرّاشون، وأخذوا ما تحته في المجلس، ليردّوه إلى الخزانة، لأنّ جميعه مثبت عليهم، وترك وحده في البيت.
فقال لي ابن أبي دؤاد القاضي: إنّا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، ولا بدّ أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن، فأحبّ أن تكون أنت ذلك الرجل.
وقد كنت من أخصّهم به في حياته، وذلك أنّه اصطنعني، واختصّني، حتى لقّبني الواثقيّ، باسمه، فحزنت عليه حزنا شديدا، وقلت: دعوني، وامضوا.
فرددت باب المجلس، وجلست في الصحن، عند الباب أحفظه، وكان المجلس في بستان عظيم، أجربة، وهو بين بستانين.
فحسست بعد ساعة، في البيت، بحركة عظيمة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي، فإذا بحرذون «١» قد أقبل من جانب البستان، وقد جاء حتى استلّ عيني الواثق، فأكلهما.
فقلت: لا إله إلّا الله، هذه العين التي فتحها منذ ساعة، فاندقّ سيفي هيبة لها، صارت طعمة لدابّة ضعيفة.
قال: وجاءوا فغسلوه بعد ساعة، فسألني ابن أبي دؤاد، عن سبب عينيه، فأخبرته.
قال: والحرذون، دابّة أكبر من اليربوع قليلا «٢» .
стр. 502
٣٢ ما أرانا إلا كنا خزانا للوليد
حكي عن هشام بن عبد الملك «١» ، إنّه لما ثقل، وأخذ في النزع، أغمي عليه، ثم أفاق، فطلب شيئا.
فقيل له: إنّ الخزّان قد أقفلوا على جميعه، وتفرّقوا.
قال: فتنفّس [١٣٠ ط] الصّعداء «٢» ، وقال: ما أرانا إلّا كنّا خزّانا للوليد «٣» بن يزيد «٤» .
стр. 503
٣٣ الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر زوجة أبيه، ويصلبها منكّسة
وهذه شغب «١» أم المقتدر بالأمس، تنعّمت ما لم يتنعّمه أحد، ولعبت من أموال الدنيا بما استفاض خبره.
فلما قتل المقتدر «٢» قبض عليها القاهر «٣» ، فعذّبها صنوف العذاب حتى قيل إنّه علّقها بثدييها، يطالبها بالأموال. وحتى علّقها منكّسة «٤» ، فبالت، فكان بولها يجري على وجهها.
فقالت له: يا هذا، لو كانت معنا أموال، ما جرى في أمرنا من الخلل، ما يؤدّي إلى جلوسك، حتى تعاقبني بهذه العقوبة، وأنا أمّك في كتاب الله ، وأنا خلّصتك من ابني في الدفعة الأولى، حتى أجلست هذا المجلس «٥» .
стр. 504
٣٤ الخليفة القاهر يعذب أم المقتدر ويضطرها لبيع أملاكها
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني عمي أبو محمد، قال:
أنفذني أبو الحسين بن أبي عمر القاضي «١» ، وابن حباب الجوهري، إلى القاهر، وكان قد طلب منه شاهدين، ليشهدا على أمّ المقتدر، بتوكيلها، في بيع أملاكها.
قال: فصرنا إلى دار الخلافة، واستؤذن لنا، فدخلنا إلى القاهر، وهو جالس في صحن كبير، عند باب ممدود عليه ستارة ديباج، وسبنيّة «٢» ، على كرسيّ حديد، وفي يده حربة يقلّبها، وخدمه قيام على رأسه.
فسلّمنا عليه، ووقفنا.
ودفع إلينا أحد الخدم، كتابا أوّله: أقرّت شغب، مولاة أمير المؤمنين المعتضد صلوات الله عليه، أم جعفر المقتدر رحمة الله عليه.
فوقفنا عليه، فإذا هو وكالة ببيع أملاكها، في سائر النواحي.
فقلنا للخادم: فأين هي؟
قال: وراء الباب.
فاستأذنّا الخليفة في خطابها، فقال: افعلا.
стр. 505
فقلنا: أنت عافاك الله هاهنا، حتى نقرأ عليك؟
فقالت: نعم.
فقرأنا عليها الكتاب وقرّرناها، ثم توقّفنا عن كتب الشهادة، فأومأ بعضنا إلى بعض، كيف نعمل في رؤيتها؟ وإلّا لم يمكنّا إقامة الشهادة، وهبنا الخليفة.
فقال: ما لكم تتآمرون؟
فقلنا: يا أمير المؤمنين، هذه شهادة، نحتاج أن نقيمها عند قاض من قضاة أمير المؤمنين؟
فقال: نعم.
قلنا: فإنها لا تصحّ لنا دون أن نرى المرأة بأعيننا، ونعرفها بعينها واسمها، وما تنسب إليه.
فقال: افعلوا.
قال: فسمعت من وراء الستارة، بكاء، ونحيبا، ورفعت الستارة.
فقلت لها: أنت شغب، مولاة أمير المؤمنين المعتضد بالله صلوات الله عليه، أمّ جعفر المقتدر رحمة الله عليه.
قال: فبكت ساعة، ثم قالت: نعم.
فقرّرناها على ما في الكتاب، وأسبل السّتر، فتوقّفنا عن الشهادة.
فقال القاهر بضجر: فأي شيء بقي؟
فقلنا: يعرّفنا أمير المؤمنين إنّها هي.
فقال نعم، هذه شغب، مولاة أبي المعتضد بالله، أمير المؤمنين، وأمّ أخي جعفر المقتدر بالله، ونهض.
فأوقعنا «١» خطوطنا في الكتاب، وانصرفنا.
стр. 506
قال: ولمّا رأيتها، وجدتها امرأة عجوزا، دقيقة الوجه والمحاسن [١٣١ ط] ، سمراء اللون إلى البياض والصفرة، عليها أثر ضرّ شديد، وثياب غير فاخرة» .
فما انتفعنا بأنفسنا ذلك اليوم، فكرا في تقلّب الزمان، وتصرّف الحدثان «٢» .
وجئنا، فأقمنا الشهادة، عند أبي الحسين القاضي «٣» .
стр. 507
٣٥ يقتلون شيخا حسن الشيبة ثم يظهر أنّه خنّاق
حدّثني أبو جعفر، أصبغ بن أحمد الكاتب «١» ، شيخ خدم قديما الصيمريّ، وحجب أبا محمد المهلبي «٢» ، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري «٣» على الأمور كلّها، فلما ولي أبو محمد الوزارة، صرفه عن حجبته، وصرّفه فيما يتصرّف فيه المستخرجون والمستحثّون، قال:
حدّثني بعض غلمان بجكم «٤» ، قال: أنفذني إلى الأنبار «٥» ، في جماعة غلمان، لقتل قوم كانوا محبّسين من الأعراب، وأمرنا بحمل رؤوسهم إليه، وكتب لنا في ذلك.
فجئنا إلى العامل، فأوصلنا إليه الكتاب، فسلّم القوم إلينا، فضربنا أعناقهم، وقطعنا رؤوسهم.
стр. 508
وأقمنا ليلتنا هناك، وبكّرنا، والرؤوس في مخالي دوابّنا، مسمّطة «١» عليها، ونحن نريد بغداد.
وكنّا عشرة غلمان، والمقتّلين عشرة.
فلما صرنا في بعض الطريق، وحمي النهار، أوينا إلى قرية خراب، وجلسنا نأكل، والمخالي بين أيدينا، فيها الرؤوس، قد نحّيناها عن الدواب، وتركنا الدواب ترعى.
فلما فرغنا من أكلنا، قمنا إلى المخالي، فافتقدنا من الرؤوس التي فيها واحدا، فقامت قيامتنا، وقلنا نحن مقتولون به، سيقول لنا بجكم:
أخذتم منه مالا، وتركتموه، كيف نعمل؟
فأجمع رأينا على أن نخرج إلى تلك الصحراء، فنعترض رجلا كائنا من كان أوّل ما نلقاه، فنقتله، ونجعل رأسه في المخلاة، بدلا من الذي ضاع، ونسير.
فخرجنا على هذا، فأوّل من استقبلنا، رجل شيخ، حسن الشيبة والثياب، له سجّادة وسمت «٢» ، وهو راكب حمارا، عليه خرج مثقل، وهو يسير.
فأوقعنا به وقتلناه، بعد أن تذمّمنا من قتله، مع ما رأيناه عليه، إلّا أنّا خفنا أن ينتشر الناس في الطريق، فلا يمكنّا قتل أحد، ونكون نحن المقتّلين.
فقتلنا الرجل، وقطعنا رأسه، وجئنا لنجعله في المخلاة، فإذا نحن برأس ملقى بين أرجل الدواب، فشككنا فيه، وعددنا الرؤوس، فإذا هي أحد عشر.
стр. 509
فشككنا، حتى أخذ كل واحد منا رأسا، وبقي في الأرض رأس واحد فاضلا.
فقامت قيامتنا، ولطمنا، وقلنا: قتلنا رجلا مسلما بغير سبب، وشقّ ذلك علينا.
وكان معنا شيخ من الغلمان، جار «١» ، فقال: يا قوم، إنّكم ما سلّطتم على هذا الشيخ، إلّا وله عند الله سريرة سوء، ففتّشوا رحله، لعلّكم تستدلّون على ما يزول به غمّنا في قتله.
فقمنا إلى رحله «٢» ، فحططنا الخرج عنه، وفتحناه، فأوّل شيء خرج علينا، هو بكرة، ثم تلا ذلك، ثياب ملوّثة بالدم وبالغائط.
وتوالت الأدلّة علينا، فإذا هو خنّاق شدّاخ.
فحمدنا الله تعالى على [١٣٢ ط] ما سلّمنا من قتل من لا يستحق القتل.
وتقاسمنا قماشه، ودفنّا رأسه في الطريق.
وجئنا فسلّمنا العشرة الرؤوس إلى بجكم «٣» .
стр. 510
٣٦ القاضي أبو عمر وحسن تصرّفه ووفور عقله
حدّثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشميّ «١» ، قال:
ركبت مع القاضي أبي عمر «٢» ، في يوم موكب، في طيّاره «٣» ، إلى دار المقتدر.
فصعد هو وابنه «٤» ، وجلست أنا والجماعة، في الطيّار، ننتظر رجوعه.
فرأيت جماعة من الخدم، وقد وقفوا له، يشتمونه بأقبح لفظ، ويقولون له:
يا ظالم، يا مرتشي، وهو مطرق إلى الأرض، يمشي إلى أن دخل الدار.
فهالني إقدامهم عليه، وقبح الصورة، وقلت في نفسي: إن لم يكن هذا الفساد برأي الخليفة، وإلا فيجب أن يشتكي إليه منهم الساعة، حتى يؤدّبوا.
فلمّا عاد، خاطبه أولئك الخدم، بأقبح من الخطاب الأول، فعلمت أنّه ما شكاهم، ولم أقدم على مخاطبته في ذلك، لعظم هيبته، وافترقنا.
فلما كان عشيّ ذلك اليوم، عدت إليه، وهو متخلّ، وقد استدعى
стр. 511
بعض أصحابه، ودفع إليه تخوت ثياب فاخرة، وطيبا، وأشياء قيمتها خمسمائة دينار، وأمره بحملها إلى خادم كان رئيس أولئك الخدم الذين سبّوه غدوة.
وقال له: إقره السلام، وقل له كنت راسلتني في أن أحكم لفلان بشيء، لم تجز إجابتك إليه، لأنّه لم يكن مذهبي، ولا ممّا يجوز عندي في الحكم، ولو عرضت على السيف لم أجب إلى محال في حكم، فرددتك.
فكان منك بالأمس ما لم يرض الله به، ولا قدح في شيء من أمرنا، ولكنّي استدللت به على عتبك، ووقع لي أنّ الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته، وقد أنفذت إليك هذا- وضع الهدية بين يديه- وأحبّ أن تقبله، وتعذرني.
قال: فاغتظت منه، وقلت في نفسي: يؤدّي جزية، ويعطي مصانعة عن عرضه، أيّ رأي هذا؟
فمضى الرسول، وافترقنا، ما بدأني بشيء، ولا بدأته به.
فلما كان في الموكب الثاني، صحبته، فصعد من الطيّار، وجلست على رسمي، فإذا بأولئك الخدم، وعدّة أكثر منهم، وقد وقفوا له سماطين، يقولون: يا عفيف، يا نظيف، يا مأمون، يا ثقة، يا جمال الإسلام، يا تأريخ القضاة، ويدعون له، ويشكرونه، حتى صعد من الطيار. وخدموه أحسن خدمة، وهو ساكت على رسمه، إلى أن دخل الدار، ثم عند خروجه إلى أوّل ما نزل طيّاره.
فتحيّرت مما رأيتهم عليه من التضادّ في الدفعتين، مع قرب العهد.
فلما استقررنا في الطيّار، قال لنا أبو عمر: كأنّي بكم أنكرتم ما جرى منهم في ذاك الموكب، قلتم: لو شكاهم إلى الخليفة، فأمر بتأديبهم، أليس كذا وقع لكم؟
стр. 512
قلنا: بلى.
قال: كيف رأيتم ما شاهدتم اليوم؟
قلنا: أحسن منظر.
قال: إنّه لم يذهب [١٣٣ ط] عليّ ما فكّرتم فيه، ولكنّي علمت أنّه لو شكوتهم، كنت بين أمور:
إن لم يقع إنكار، فتنخرق هيبتي، ويبطل جاهي، ويطمع كلّ أحد فيّ، ويجر عليّ ذلك أمورا كبارا.
أو وقع إنكار ضعيف، كان ذلك إغراء لهم.
أو وقع إنكار قويّ، صاروا كلّهم أعدائي، وتنقّصوني، وعاداني بعداوتهم من فوقهم من الخدم، ولهم بالسلطان خلوات ليست لي، فيولّدون عليّ عنده من الحكايات والسعايات، ما يفسد عليّ رأيه في مديدة.
وإنّي علمت أنهم ما قصدوني بهذا لشيء بيني وبينهم، وإنّما هي طاعة منهم، للخادم الذي هو رئيس عليهم، وأنّ ما حمله على ذلك، ما كان طمع في أخذه على قضاء الحاجة التي سألني فيها فرددته.
وعلمت أنّي إذا عوّضته واستصلحته، صلح لي جميع هؤلاء.
فعملت ما رأيت، فانصلح هؤلاء، وجميع الخدم، وأمنت عداوتهم، وعادوا يكذّبون أنفسهم فيما رموني به ذلك اليوم، ويخاطبوني بضدّه، بحضرة أكثر من كانوا خاطبوني ذلك اليوم بالقبيح بحضرته، وصاروا لي خدما، وزاد ذلك في محلي، أن يرى أعدائي، خدم الخليفة، يخدمونني، ويدعون لي، ولم يكن الخليفة، لو بلغ غاية الإنكار عليهم، يأمرهم بهذا من خدمتي.
وما علم الغرباء، لأيّ سبب رضوا عني، وفعلوا بي هذا، ويجوز
стр. 513
ان يظن أعدائي، أو يرجف أوليائي، أنّ الخليفة أمرهم بهذا، وأنكر عليهم ما جرى أولا، فتلافوني بهذا الفعل، وقد بلغت أكثر ما أردت، ولم أبلغ الغاية، ولا عاديت أحدا «١» .
واعلم يا أبا الحسن، إنّ أشياء قليلها كثير، [منها] إيثار العداوة،- وذكر أشياء لم أحفظها- فأيّ الرأيين الآن عندك أصوب؟
فقلت: رأي القاضي، جمّل الله [الدنيا] ببقائه، وفعل به وصنع «٢» .
стр. 514
٣٧ القاضي أبو عمر يستميل أحد خدم الخليفة
وقد سمعت هذا الخبر عن جماعة غير القاضي أبي الحسن «١» ، منهم أبو عمر عبيد الله بن الحسين بن أحمد السمسار البغدادي الشاهد، وكان يخلف القضاة على بعض الأعمال، ويتقلّد سوق الرقيق بمدينة السلام، فذكروا:
أنّ أبا عمر القاضي، لمّا جرى عليه من الخادم ما جرى، أحضر حضريّا «٢» كان يخدمه، وقال له: إمض فتوصّل إلى فلان الخادم وابك بين يديه بكاء شديدا، وقل له: إنّ أخي مات، وخلّف مالا وأطفالا، ولم يوص.
وإنّ القاضي قد ردّ ذلك إلى بعض أسبابه، وفي هذا ذهاب جاهي، وإن كان قد فعل الحق في ذلك، فالله، الله، فيّ، تسأله أن يردّ إليّ المال والطفل، واحرص على ذلك، واحمل له هذه الدنانير- وأعطاه مائة دينار-، وقل له: إذا فعلت ذلك، أعطيتك مائة أخرى، ولا تقنع منه أو يركب إليّ ويسألني.
قال: فمضى الحضريّ، وتوصّل إلى ذلك.
فقال له الخادم: ويحك، هذا قد عاملته بكل قبيح، فكيف أسأله حاجة؟
قال: فلم يزل الحضريّ يرفق به [١٣٤ ط] إلى أن أجاب.
стр. 515
فجاء فأخبر القاضي بأنّه يركب إليه في يوم كذا، فانتظره.
وجاء الخادم إلى أبي عمر، فسأله ما اقترحه الحضري، وهو لا يشكّ في أنّها حاجة، فرفق به أبو عمر، وداراه، ومسحه «١» ، وأزال كلّ ما في نفسه، وقضى له الحاجة، ووقّع له بما أراد، وسلّم إلى الحضريّ التوقيع، فشكر ودعا.
وشكر الخادم وانصرف.
واستدعى أبو عمر الحضريّ، فأخذ التوقيع، وخرّقه، ودفع إليه المائة الدينار الأخرى، وقال: تمضي بها إلى الخادم، فمضى بها إليه.
وصار الخادم صديقا له، وقد أخذ مرفق أبي عمر، وهو لا يدري بذلك، واستقامت الحال «٢» .
стр. 516
٣٨ جواب مفحم
وأخبرني غير واحد من أهل الحضرة:
إنّ هاشميا وقف لأبي عمر، في طريقه إلى الجامع، وكان سأله شيئا فلم يجبه إليه، فقال له: يا بارقيّ «١» ، يعرّض به، وما كان عليه من مبايعة ابن المعتز «٢» ، ليكتب أصحاب الأخبار «٣» بذلك، فيجدّد له سوءا عند الخليفة.
فوقف أبو عمر، وقال للرجل: يا هذا إنّ أمير المؤمنين أعزّه الله قد عفا عن هذا الذنب، فإن رأيت أن تعفو، فعلت.
قال: فخجل الهاشميّ، وعجب الناس من ثبات أبي عمر، وحسن جوابه، وسرعة فطنته، وتلطّفه «٤» .
стр. 517
٣٩ رقية تحبس السم
حضرت أبا الحسن أحمد بن يوسف الأزرق «١» ، وقد رقى ملسوعا من عقرب، فقال الملسوع: قد زال الوجع، وقام وهو كالمعافى، بعد أن دخل ضاجّا من الألم.
فسألته عن ذلك، فقال: هذه رقية لها خبر طريف، حدّثني به، أبو أحمد الوزّان «٢» ، فجرّبتها على خلق، فأنجعت «٣» .
فسألته إخباري الخبر، قال: حدّثني أبو أحمد هذا، قال: حدّثني أحمد بن الطيّب السرخسي «٤» ، قال:
كنت قائما بين يدي المعتضد «٥» ، فدخل إليه بعض الخدم، فقال:
بالباب رجل يصيح: نصيحة، وقد قلنا له: ما هي؟ فقال: لا أقولها إلّا للخليفة.
فقال: لعلّ له ظلامة «٦» ، أو حاجة، فراجعوه.
فكرّر الكلام، إلى أن أمر بإدخاله، فقال له: ما نصيحتك؟
فقال: معي رقية تحبس السمّ.
стр. 518
فقال المعتضد: هاتوا عقربا.
قال: فكأنّها كانت معدّة لهم، فجاءوا بعقرب في الوقت، فطرحت على خادم، فلسعته، فصاح، فرقاه الرجل، فسكن ما كان يجده الخادم.
فقال لأحمد بن الطيّب: اكتب هذه الرقية، وأمر له بثلاثمائة دينار.
فأملاها أحمد بن الطيّب علينا، وهي: أن تأخذ حديدة، وتمرّها من أعلى اللسعة في البدن إلى موضع اللسعة، كأنّك تردّ شيئا، وتقول:
بسم الله لومر سر لومر بهل بتي تنبه تنبه كرورابا كرورابا ابهتح ابهتح بهشترم بهوداله مهراشترم لوته قرقر سفاهه فلا تزال تكرّرها، وتمسح الحديدة، إلى أن يذكر [١٣٥ ط] الملسوع، أنّ السمّ الذي في بدنه قد انحدر إلى الموضع الملسوع «١» ، ويسكن عنه الضربان، إلّا من حيث موضع اللسعة، فيفتح الموضع حينئذ بإبرة، ويعصر، فإنّ السمّ يخرج، ويزول الألم في الحال.
قال أبو الحسن: وقد جرّبتها على العقرب مرارا كثيرة، فنفعت.
وسبيلها أن تجرّب في غير ذلك من السموم، فإنّ الذي قال الرجل: إنّها تحبس السمّ، ولم يخصّ شيئا من السموم بعينه.
أبو أحمد الوزّان هذا، قد رأيته، وكان شيخا صالحا، يتوكّل للقاضي أبي جعفر بن البهلول، وأبي طالب، في بيع الحطب، وحدّثني عنهما بأشياء «٢» .
стр. 519
٤٠ دواء للسعة الزنبور
حدّثني عليّ بن محمد الأنصاري، قال: قال لي المرعوس «١» المتطبّب، وكان يخدم بجكم:
إنّ الزنبور، إذا لسع إنسانا، فإن اتّفق في الحال أن يكون محاذيا له إنسان محاذاة صحيحة، فيعمد الرجل المحاذي للملسوع، إلى كوز ماء، فيصبّه على جبينه وقحف رأسه، إن كانت اللسعة في بدنه، فإنّه يسكن.
قال: فلسعني مرّة زنبور، فقلت لرجل كان في محاذاتي، صبّ على جبيني ورأسي ذلك الكوز الماء، ففعل، فسكن ما بي في الحال «٢» .
٤١ طبيب يلطخ مريضا بالعذرة
قال: وقد عالج صبيّا في رأسه بثور، بأن نوّره «٣» ، ثم غسله، وطلاه بغائط رطب، وأقامه في الشمس نحو ساعة زمانية، ثم غسله، وطلاه بدواء كان معه، فزالت البثور «٤» .
стр. 520
٤٢ ذرق العصفور يزيل الآكلة
وقال لي هذا الطبيب: إنّ خرا العصافير اليابس، إذا سحق، وجمع «١» بالزيت، وحشي به الموضع الذي قد وقعت فيه الآكلة «٢» من الأبدان، أصلحها، وأزال الآكلة.
قال: وقال لي إنّ الشبّ إذا جعل في الزيت، وأمرّ على الموسى، لم يحلق شيئا «٣» .
٤٣ البول المغليّ يحل القولنج
قال «٤» : وقد رأيت هذا الطبيب، وقد شفى رجلا به قولنج «٥» شديد، ببول أغلاه، وطرح فيه جند بادستر «٦» ، وعقاقير أخر، فانحلّ قولنجه، في الحال «٧» .
стр. 521
٤٤ عجوز تداوي من البثور
قال «١» : وكانت بي بثور في ساقي، قد تطاولت، فخرجت إلى قرية تقارب مابروان، من أعمال الأنبار «٢» ، فنزلت على مزارع فيها، يقال له إبراهيم بن شمعون، فرأى تلك البثور.
فقال لي: عندنا عجوز ترقى من هذا، فأحضرنيها، فقالت: هذه علّة يقال لها الدروك، وأنا أرقيها «٣» .
فرقتها طويلا، ثم ألقت على ساقي الآس، والدهن، وقالت:
لا تحلّه ثلاثة أيام.
فلما كان بعد ثلاثة أيّام حللته، وقد عوفيت «٤» .
стр. 522
٤٥ حظ القاضي أبي جعفر بن البهلول يدفع كارثة
حدّثني أبو أحمد الوزّان هذا، قال:
كنت أتوكّل لأبي جعفر بن البهلول القاضي، في بيع حطبه الذي كان يتّجر فيه من الحرار «١» ، وأزنه على المشترين.
فبلغني يوما خبر طوف «٢» عظيم، قد ورد له، فخرجت إلى دممّا «٣» أستقبله، وكان هائلا مهولا.
وكانت القنطرة إذ ذاك مخوفة، على شفا الوقوع، والزواريق ممنوعة من الاجتياز بها لئلا تنكسر.
فأقمت يومي أنتظر الطوف [١٣٦ ط] ، فإذا الجماعة قد جاءوني، وقالوا: إنّه طوف عظيم، وقد حصل في جرية الماء، وليس يطيقه من فيه، والساعة يجيء، فيقع على القنطرة ويكسرها، فيكون فيه هلاك أبي جعفر مع السلطان.
قال: وهم في الحديث، حتى إذا رأيت الطوف، قد جاء كالجبل،
стр. 523
وهو متصوّب إلى القنطرة، لم آشكّ في المكروه، ورأيت الرجال الذين فيه قد ألقوا نفوسهم إلى الماء، وهم لا يشكّون في تصوّبه إلى القنطرة.
فأقبلت أدعو الله بصرفه عنها، إلى أن قرب، فدهشت، وجرى على لساني أن صحت: يا بخت أحمد بن إسحاق ردّه، ثلاث دفعات.
قال: فرأيت، والله، الطوف، وقد تعوّج، ووقف وقفة شديدة، فتقطّع، فصار حطبا متفرقا، يجيء على رأس الماء، لا يضرّ القنطرة، وجنح معظمه في الموضع الذي تقطّع فيه، ووقعت البشارات والضجيج.
فقلت: ما الخبر؟
قالوا: إنّه لما عدل عن القنطرة، جنح على جزيرة أخرى كانت مغطّاة بالماء، فلما جنح عليها، تقطّع، فكانت هذه صورته.
قال: فجمعنا الحطب من أسفل القنطرة، وما ذهب منه عود، ولا لزمتنا عليه مؤنة، وجعلناه في عدّة أطواف، وجئنا به إلى بغداد.
وجئت إلى القاضي أبي جعفر، وعرّفته ذلك، فحمد الله ، وتصدّق بصدقة جليلة «١» .
стр. 524
٤٦ الأمير معز الدولة يزاد فوق وظيفته رغيفين وباقة بصل
جرى حديث ارتفاع الناس، وتقلّب الزمان بالإنسان، فحدّثني أبو الحسن بن الأزرق «١» ، قال:
حدّثني الوزير أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي «٢» ، قال:
حدّثني الأمير معز الدولة «٣» ، ﵀، قال:
كنت ببلد الديلم أحتطب لأهلي، فقالت لي أختي الكبيرة، ليس يكفينا هذا الحطب، فجئنا بكارة «٤» أخرى حطبا لهم «٥» اليوم.
فقلت لها: لا أقدر، وقد جئتكم بما قدرت عليه.
فقالت: إن جئت بشيء، زدتك رغيفين مما أخبزه.
فجئتها على ظهري بكارة أخرى، وقد تلفت.
فقالت: إن جئتني بكارة ثالثة، أعطيتك مع الخبز الذي أزيدك إيّاه على وظيفتك «٦» باقة بصل.
стр. 525
فجئتها بالكارة الثالثة.
فلما خبزت، أعطتني وظيفتي، وزادتني رغيفين، وباقة بصل، بإزاء ما حملته.
ثم صنع الله لي وتغيّرت حالي إلى ما تراه «١» .
قال: وقال لي أبو الفضل الوزير، لولا أنّ الأمير حدّث بهذا، دفعات كثيرة، في مجالس حافلة، فأخرجه مخرج الافتخار، لا السر، لما تحدّثت به «٢» .
стр. 526
٤٧ أبو علي حمولي القمي يرتفع من حارس في خان إلى أعلى المراتب
وسمعت أبا علي أحمد بن موسى حمولي القميّ «١» ، يحدّث، في حديث له طويل، وهو إذ ذاك في السماء، رفعة، وجلالا، ويسارا، وإليه طراز الحرم «٢» الديباج، وابتياع الثياب، ومرتبته عند معزّ الدولة، أجلّ مرتبة:
انّه كان أمينا على زورق «٣» ، زمانا، من سورا إلى القصر «٤» ، لشدّة الحاجة والفقر.
وحدّثني أبو الفرج الأصبهاني «٥» ، قال:
أعرف أبا علي حمولي، حارسا لمتاع التجّار، في خان يطرح إليه متاع الموصل، في موضع داره على دجلة [١٣٧ ط] «٦» .
стр. 527
٤٨ إن الفتى من يقول ها أنذا
جرى في مجلس أبي ﵁ «١» ، بحضرته، يوما، ذكر رجل كان صغيرا فارتفع.
فقال بعض الحاضرين: من ذاك الوضيع؟ أمس كنّا [نراه] بمرقّعة يشحذ.
فقال أبي: وما يضعه أنّ الزمان عضّه، ثم ساعده، كلّ كبير إنّما كان صغيرا أوّلا، والفقر ليس بعار، إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه، وأهل العلم خاصّة لا يعيبهم ذلك.
وأنا أعتقد أنّ من كان صغيرا فارتفع، أو فقيرا فاستغنى، أفضل ممّن ولد في الغنى، أو في الجلالة، لأنّ من ولد في ذلك، إنّما عمل له غيره، فلا حمد له هو خاصّة فيه، ومن لم يكن له فكان، فإنّما بجدّه أو كدّه، وصل إلى ذلك، فهو أفضل من أن يصل إليه ميراثا، أو بجدّ غيره، وكدّ سواه «٢» .
стр. 528
٤٩ حريق الجمل ببغداد
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش ﵀، قال: حدّثني عمّي، قال:
حدّثني أبي، قال:
لما وقع ببغداد، حريق الجمل، اختلّ دكاني فيما اختلّ، وذهب مني مال عظيم.
فقلت له: كيف كان حريق الجمل؟
قال: اجتاز في سوق الخرّازين «١» ، جمل عليه قصب، وكان رجل يثقب لؤلؤا، وبين يديه نار، فوقع طرف القصب على النار، فاشتعلت وبلغت إلى الجمل في لحظة.
فكان الجمل، كلّما أحسّ بوقع النار عدا، وتنافض الشرار منه، في جانبي الطريق، فحرّق كل ما يجتاز به.
فلم يزل على ذلك، إلى أن تلف الجمل، وتشاغل الناس بطفي الحريق الواقع في الدور والعقار.
فكان حدّ ما احترق، من أوّل سوق الخرّازين إلى طاق الحرّاني «٢» ، ووسط قطيعة الربيع «٣» . وتلف ناس كثير، وزالت نعم عظيمة، بذهاب
стр. 529
الأموال، ورؤوس أموال التجار، وانهدام العقارات.
قال: وكان هذا عقيب انتقال المعتصم «١» إلى سر من رأى «٢» ، فهمّ الناس بالانتقال عن بغداد، وإن تخرب، فبلغ ذلك المعتصم.
قال: فخاطبه أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد «٣» ، في إطلاق مال للناس.
فقال المعتصم: خذ خمسة آلاف ألف درهم، وأخلف بها جميع ما ذهب من الناس.
فأخذ ابن أبي دؤاد المال، وجاء فجلس في مجلس الشرقية «٤» ، واجتمع إليه الناس، فعرّفهم علم الخليفة بأمرهم، وما كان منه في خطابه، وما أنفذ معه من المال، فقال: ولم يذكر مبلغه، إلّا أنّه قال: قد حملت من المال ما أخلف به، جميع ما ذهب من جميعهم.
قال: وكنت حاضرا المجلس، أسمع الكلام.
стр. 530
فقام إليه شيخ كان حاضرا، فقال: أيّها القاضي، إنّ هذا مال عظيم، فكم أنفذ إلينا أمير المؤمنين معك؟ فقال: خمسة آلاف ألف درهم.
فالتفت الشيخ إلى نفسين في المجلس، فقال: قوما، فقاما.
فقال: أيّها القاضي هذان، قد ذهب منهما، في أثمان عقاريهما، ورؤوس أموالهما، خمسة آلاف ألف درهم، أليس هكذا يا معشر المسلمين؟، واستشهد الحاضرين، فقالوا: نعم.
فقال: [١٣٨ ط] أيّها القاضي، إذا كان هذان، وهما نفسان، من جميع من قد حضر، قد ذهب منهما قدر ما حمله أمير المؤمنين، فالباقون من أين يأخذون؟
قال: فتحيّر ابن أبي دؤاد، وقال: ما ترون في هذا؟
فقالوا: الرأي لك.
قال: فقال أولئك النفسان: أمّا نحن، فما نريد شيئا، ولا نسأل الخلف، إلّا من الله ، ولا نطلبه إلّا من فضله، ولكنّا نشير عليك أيّها القاضي، فقال: افعلا.
قالا: تجعل هذا المال، مقسوما بين أهل البضائع [اليسيرة] ، وصغار الناس، فإن رغب أحد من الأكابر، في أن يشارك الأصاغر فيه، فإن ذاك إليه وإليك.
قال: فقام خلق كثير، فقالوا: أمّا نحن، فما نريد شيئا، اجعله للأصاغر، وانصرفوا.
ففضّ المال، على أرباب البضائع اليسيرة، ثم لم يكف، واحتيج لهذا إلى أضعاف ما حمل من المال.
فلما نفد المال، خرج ابن أبي دؤاد ليلا، لكثرة الازدحام عليه، والطلب منه، ونفاد ما عنده «١» .
следующие страницы →