Полный текст (2 817 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
٤٧ أبو علي حمولي القمي يرتفع من حارس في خان إلى أعلى المراتب
وسمعت أبا علي أحمد بن موسى حمولي القميّ «١» ، يحدّث، في حديث له طويل، وهو إذ ذاك في السماء، رفعة، وجلالا، ويسارا، وإليه طراز الحرم «٢» الديباج، وابتياع الثياب، ومرتبته عند معزّ الدولة، أجلّ مرتبة:
انّه كان أمينا على زورق «٣» ، زمانا، من سورا إلى القصر «٤» ، لشدّة الحاجة والفقر.
وحدّثني أبو الفرج الأصبهاني «٥» ، قال:
أعرف أبا علي حمولي، حارسا لمتاع التجّار، في خان يطرح إليه متاع الموصل، في موضع داره على دجلة [١٣٧ ط] «٦» .
стр. 527
٤٨ إن الفتى من يقول ها أنذا
جرى في مجلس أبي ﵁ «١» ، بحضرته، يوما، ذكر رجل كان صغيرا فارتفع.
فقال بعض الحاضرين: من ذاك الوضيع؟ أمس كنّا [نراه] بمرقّعة يشحذ.
فقال أبي: وما يضعه أنّ الزمان عضّه، ثم ساعده، كلّ كبير إنّما كان صغيرا أوّلا، والفقر ليس بعار، إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه، وأهل العلم خاصّة لا يعيبهم ذلك.
وأنا أعتقد أنّ من كان صغيرا فارتفع، أو فقيرا فاستغنى، أفضل ممّن ولد في الغنى، أو في الجلالة، لأنّ من ولد في ذلك، إنّما عمل له غيره، فلا حمد له هو خاصّة فيه، ومن لم يكن له فكان، فإنّما بجدّه أو كدّه، وصل إلى ذلك، فهو أفضل من أن يصل إليه ميراثا، أو بجدّ غيره، وكدّ سواه «٢» .
стр. 528
٤٩ حريق الجمل ببغداد
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش ﵀، قال: حدّثني عمّي، قال:
حدّثني أبي، قال:
لما وقع ببغداد، حريق الجمل، اختلّ دكاني فيما اختلّ، وذهب مني مال عظيم.
فقلت له: كيف كان حريق الجمل؟
قال: اجتاز في سوق الخرّازين «١» ، جمل عليه قصب، وكان رجل يثقب لؤلؤا، وبين يديه نار، فوقع طرف القصب على النار، فاشتعلت وبلغت إلى الجمل في لحظة.
فكان الجمل، كلّما أحسّ بوقع النار عدا، وتنافض الشرار منه، في جانبي الطريق، فحرّق كل ما يجتاز به.
فلم يزل على ذلك، إلى أن تلف الجمل، وتشاغل الناس بطفي الحريق الواقع في الدور والعقار.
فكان حدّ ما احترق، من أوّل سوق الخرّازين إلى طاق الحرّاني «٢» ، ووسط قطيعة الربيع «٣» . وتلف ناس كثير، وزالت نعم عظيمة، بذهاب
стр. 529
الأموال، ورؤوس أموال التجار، وانهدام العقارات.
قال: وكان هذا عقيب انتقال المعتصم «١» إلى سر من رأى «٢» ، فهمّ الناس بالانتقال عن بغداد، وإن تخرب، فبلغ ذلك المعتصم.
قال: فخاطبه أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد «٣» ، في إطلاق مال للناس.
فقال المعتصم: خذ خمسة آلاف ألف درهم، وأخلف بها جميع ما ذهب من الناس.
فأخذ ابن أبي دؤاد المال، وجاء فجلس في مجلس الشرقية «٤» ، واجتمع إليه الناس، فعرّفهم علم الخليفة بأمرهم، وما كان منه في خطابه، وما أنفذ معه من المال، فقال: ولم يذكر مبلغه، إلّا أنّه قال: قد حملت من المال ما أخلف به، جميع ما ذهب من جميعهم.
قال: وكنت حاضرا المجلس، أسمع الكلام.
стр. 530
فقام إليه شيخ كان حاضرا، فقال: أيّها القاضي، إنّ هذا مال عظيم، فكم أنفذ إلينا أمير المؤمنين معك؟ فقال: خمسة آلاف ألف درهم.
فالتفت الشيخ إلى نفسين في المجلس، فقال: قوما، فقاما.
فقال: أيّها القاضي هذان، قد ذهب منهما، في أثمان عقاريهما، ورؤوس أموالهما، خمسة آلاف ألف درهم، أليس هكذا يا معشر المسلمين؟، واستشهد الحاضرين، فقالوا: نعم.
فقال: [١٣٨ ط] أيّها القاضي، إذا كان هذان، وهما نفسان، من جميع من قد حضر، قد ذهب منهما قدر ما حمله أمير المؤمنين، فالباقون من أين يأخذون؟
قال: فتحيّر ابن أبي دؤاد، وقال: ما ترون في هذا؟
فقالوا: الرأي لك.
قال: فقال أولئك النفسان: أمّا نحن، فما نريد شيئا، ولا نسأل الخلف، إلّا من الله ، ولا نطلبه إلّا من فضله، ولكنّا نشير عليك أيّها القاضي، فقال: افعلا.
قالا: تجعل هذا المال، مقسوما بين أهل البضائع [اليسيرة] ، وصغار الناس، فإن رغب أحد من الأكابر، في أن يشارك الأصاغر فيه، فإن ذاك إليه وإليك.
قال: فقام خلق كثير، فقالوا: أمّا نحن، فما نريد شيئا، اجعله للأصاغر، وانصرفوا.
ففضّ المال، على أرباب البضائع اليسيرة، ثم لم يكف، واحتيج لهذا إلى أضعاف ما حمل من المال.
فلما نفد المال، خرج ابن أبي دؤاد ليلا، لكثرة الازدحام عليه، والطلب منه، ونفاد ما عنده «١» .
стр. 531
٥٠ إبراهيم بن الحسن البزاز
يخسر في حريق واحد ما يزيد على أربعمائة ألف درهم سمعت إبراهيم بن الحسن البزّاز، يقول:
[خلف الحريق سريع] «١» ، كان حريق بالكرخ «٢» في سنة نيف وأربعين وثلاثمائة «٣» فتلف لي متاع في دكّاني وداري بمائتي ألف درهم، سوى أثمان العقار.
فقلت: كم كانت أثمان العقار؟
فقال: أكثر من هذا.
قال: فنمّى «٤» الله، ، ما بقي، وأعدت منه عقاري، ورأس مالي في دكّاني، فما أفرّق اليوم بين أمري، وبين ما كان قبل الحريق.
قلت له: ففي دكانك اليوم متاع بمائتي ألف درهم؟
فضحك، وقال: هذا لا يسأل عنه التجّار، ولا يصدقون أيضا إذا سئلوا، ولكن ما أفرّق بين حالي الساعة، وذلك الوقت، وأنا من الله في خير.
فقال بعض أصدقائه، ممّن يعرف أمره: في دكّانه متاع بأكثر من هذا.
стр. 532
٥١ أبو القاسم الجهني
يفخر بأنّه قد أجهد نفسه فيما لا يليق بالرجل الحرّ حدّثني أبو القاسم الجهنيّ «١» ، قال:
جرى بيني وبين محمد [١٠٨ ب] بن خلف، القاضي وكيع «٢» ، ملاحاة في شيء، بحضرة أبي الحسن بن الفرات، فولّدت بيننا عداوة، فبحثت عن عيوبه.
فبلغني أنّ له أبا ساقطا في أصحاب الصناديق بباب الطاق، فركبت حتى جئت إليه، فرأيته يعمل الصناديق بيده، وفاتشته، فإذا هو أسقط رجل، وأجهله.
وانصرفت فكاتبت جماعة من وجوه الشهود بالجانبين «٣» ، وأشرافهم من البطنين «٤» ، وأكابر التجّار والكتّاب والتنّاء، وواعدتهم بحضور مسجد هناك كبير، فحضر خلق كثير.
وركبت، فحين حصلت هناك، قلت: عليّ بخلف الصناديقي، فجاءوا بالشيخ كما أقيم من العمل، وآلته معه، ويده ملوّثة، كما كنت وصيّتهم.
стр. 533
فقلت لهم: أعزّكم الله، إنّي كنت سألتكم الحضور لأخاطب هذا الشيخ بحضرتكم بشيء آخذ خطوطكم به، فاحفظوا ما يجري.
ثم قلت: يا شيخ، من أنت؟
قال: أنا خلف بن فلان.
قلت: وكيع القاضي، من هو منك [١٣٩ ط] ؟
قال: ابني.
فقلت لمن حضر من شيوخ المحلّة: هو كما قال؟
فقالوا: نعم.
قلت: أنت بهذه الصورة مع اتّساع حال ابنك؟
قال: لأنّه عاقّ بي، فعل الله به وصنع، ودعا عليه.
فقلت له: يا شيخ، تحفظ القرآن؟
قال: أحفظ منه ما أصلّي به.
فقلت: تحسن شيئا من القراءات؟
قال: لا.
قلت: وكتب الحديث قط؟
قال: لا.
قلت: رويت من الأخبار، والآثار، والآداب، والأشعار شيئا؟
قال: لا.
فلم أزل أعدّد عليه العلوم وأصنافها، وهو يقول لا، لا.
قلت: فتحسن شيئا من النحو أو العروض أو المنطق؟
قال: لا.
فقلت: أعزّكم الله، إنّ وكيعا رجل كذّاب، متعاط للعلم والأدب، ولم آمنه في الكذب على رسول الله ﷺ ، والكذب في العلوم،
стр. 534
وأن يجعل ذلك طريقا متى مات هذا الشيخ، فيقول: حدّثني أبي، وأخبرني أبي، ويضع على لسانه كلّ كذب.
فأردت أن تحفظوا على هذا الشيخ ما ذكره من انّه ليس من هذا [الأمر] «١» ، ولا إليه، حتى لا يمكنه ادّعاء ذلك عليه بعد موته، وأن تعرفوا أيضا فسقه بعقوقه والده، وسقوط مروءته، بتركه أباه على هذه الحال.
قال: فما فارقتهم حتى أخذت خطوطهم بما جرى، على أشنع شرح قدرت عليه، وأجابوا هم إليه.
وصرت بالمحضر معي إلى مجلس الوزير، وتركته في خفيّ، وأجريت الحديث مع وكيع، إلى [١٠٩ ب] أن شاغبته في الكلام، وقلت: لا تسكت يا ابن الصناديقي الجاهل، فامتعض.
وأخرجت المحضر، وعرضته على الوزير، وسألته أن ينفذ ويستدعي أباه ويشاهده.
فضحك الوزير، وسقط وكيع من عينه.
وقامت قيامته من يدي.
стр. 535
٥٢ أبو القاسم الجهني يتولى الحسبة بالبصرة
وولي أبو القاسم الجهنيّ، عندنا بالبصرة، الحسبة «١» ، من قبل أبي جعفر الصيمريّ «٢» ، فسمعت إذ ذاك، شيوخنا، يقولون:
إنّهم ما شاهدوا ولا سمعوا، من بلغ مبلغه، في ضبط العامّة، ورفع الغشوش، ومن عرف من أسرار الصنائع، والأمتعة، ما عرفه، حتى كأنّه لا يحسن شيئا غيرهما، مثله.
وطالب الناس بمطالبات صعبة، فانتشر له حديث عظيم جميل، في البلد بذلك، وهيبة في نفوس الأكابر، فضلا عن الأصاغر.
فاجتاز يوما وبين يديه رجّالته، بمؤذّن يؤذّن لبعض الصلوات، فقالوا: الجهنيّ، والجهنيّ.
فتطلّع المؤذّن، فرآه، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل لك عليّ طريقا، فقال للرجّالة: خذوه إلى الدار.
فضجّ من ذلك، وقام معه الجيران، وجاءوا، ونزل الجهنيّ في داره:
فأدخلهم.
فقالوا له: أمرت بإحضار هذا الرجل المؤذّن، فأيّ طريق لك عليه؟
فقال: تحتاج أن تحلف لي أن لا تدخل المسجد بالنعل الذي تدخل به
стр. 536
الكنيف، فإنّ هذا يفسد صلاة الناس، ولا يحلّ، ولا تؤذّن وأنت جنب.
فسألوه أن يعفيه، [فأبى] ، وقال: إمّا أن يحلف أو لا يدخل المسجد، فما زال به حتى أحلفه على ذلك.
فلما أراد الانصراف، قال له: يا شيخ، الآن علمت أنّ لي عليك طريقا، وإنّ بيننا معاملة، أم لا؟
فقال: أيّدك الله، أخطأت، ولم أعلم.
فقال: لا تعاود الكلام فيما لا تحتاج إليه، فإنّ الفضول ضارّ «١» .
стр. 537
٥٣ الكوكبي محتسب الأهواز والقاضي ابن السراج
حدّثني أبو العباس نصر بن محمد الشاهد [﵀] «١» خليفة أبي [﵁] «٢» على فرض الأهواز، قال:
كان الكوكبيّ محتسبا عندنا من قبل أخي أم موسى القهرمانة، وكان خشنا، منبسط اليد، جلدا.
فوقعت بينه وبين أبي الحسن «٣» بن عليّ السراج القاضي نفرة، فأمسك عنه أياما، ثم صار إلى بابه على غفلة، وقد كان أخلّ بالجلوس في الجامع مجلسين.
فوقف في رجّالته على الباب، وقال: قولوا للقاضي، ليس لك أن تواصل الجلوس في منزلك، أبرز إلى الجامع ينلك «٤» القوي والضعيف، كما أمرت في عهدك.
فدخل إليه الغلمان، فأخبروه، فقامت قيامته، فأخرج من بحضرته من الشهود يدارونه.
فقال: لا أدخل، ولا أنصرف، أو يركب إلى الجامع.
فما زالوا به حتى أصلحوا بينهما.
стр. 538
٥٤ أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
حدّثني القاضي أبو عمر عبيد الله [١١٠ ب] بن الحسين المعروف بابن السمسار، قال: حدّثني أبو علي بن إدريس الجمّال الشاهد، قال: حدّثني أبو عبد الله بن أبي عوف «١» ، قال:
كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان»
، أنّي جزت يوما في الجامع بالمدينة «٣» ، فوجدته وهو ملازم في يد غريم له، في عقب النكبة «٤» ، بثلاثمائة دينار، وكنت أعرف محلّه من غير مودّة بيننا.
فقلت له: لأيّ شيء أنت هاهنا أعزّك الله جالس وما مضيت إلى الصلاة؟
فقال: ملازم في يد هذا بثلاثمائة دينار عليّ.
فسألت الغريم إنظاره، فقال: لا أفعل.
قلت: فالمال لك عليّ، تصير إليّ «٥» بعد أسبوع حتى أعطيك إياه.
فقال: تعطيني خطّك بذلك.
فاستدعيت دواة ورقعة، وكتبت له ضمانا بالمال إلى شهر، فرضي وانصرف.
وقام عبيد الله فأخذ يشكرني.
стр. 539
فقلت: تمّم أيّدك الله سروري، بأن تصير معي إلى منزلي.
فحملته وأركبته حماري، ومشيت خلفه، إلى أن دخل داري، فأكلنا ما كان أصلح لي في يوم الجمعة، كما يفعل التجّار «١» ، ونام.
فلمّا انتبه، أحضرته كيسا، وقلت: لعلّك على إضاقة، فأسألك بالله، إلّا أخذت منه ما شئت.
قال: فأخذ منه دنانير، وقام فخرج.
فأقبلت امرأتي تلومني وتوبّخني، وقالت: ضمنت عنه ما لا يفي به حالك، ولم تقنع إلّا بأن أعطيته شيئا آخر.
فقلت: جميلا أسديته، [ويدا جليلة] «٢» ، وهو رجل حرّ كريم، كبير جليل، من بيت وأصل، فإن نفعني الله به فذاك، وإن تكن الأخرى فلن يضيع عند الله.
[ومضى على الحديث مدة، وحلّ الدين، وجاء الغريم يطالبني، فأشرفت على بيع عقاري، ودفع ثمنه إليه، ولم أستحسن مطالبة عبيد الله] «٣» ودفعت الرجل بوعد وعدته إلى أيّام.
فلما كان بعد يومين من هذا الحديث، جاءتني رقعة عبيد الله يستدعيني، فجئته.
فقال: قد وردت عليّ غليلة من ضيعة لي، أفلتت من البيع في النكبة، ومقدار ثمنها [مقدار] «٤» ما ضمنت عني، فتأخذها، وتبيعها [١٤١ ط]
стр. 540
وتصحّح ذلك للغريم. فقلت: أفعل ذلك «١» .
فحمل الغلّة إليّ، فبعتها، وحملت الثمن بأسره إليه، وقلت له: أنت مضيق، وأنا أدفع الغريم، وأعطيه البعض من عندي [فاتّسع أنت بهذا.
فجهد أن آخذ منه شيئا، فحلفت أن لا أفعل، ووفّرت «٢» الثمن عليه.
وجاء الغريم، فألحّ عليّ، فأعطيته من عندي البعض] «٣» . ودفعت به مديدة.
فلم يمض على ذلك إلّا شيء يسير، حتى ولي عبيد الله الوزارة «٤» ، فأحضرني من يومه، وجعلني في السماء، وقام لي في مجلسه، وكسبت به الأموال «٥» ، وقدر هذه النعمة التي أنا فيها.
стр. 541
٥٥ حكاية تدل على مقدار عناية الوزير عبيد الله ابن سليمان بابن أبي عوف
حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول «١» ، قال:
حدّثني أبي، قال: [١١١ ب] .
خرجت من حضرة عبيد الله بن سليمان «٢» في وزارته، أريد الدهليز، فخرج ابن أبي عوف «٣» فصاح البوابون، والحجّاب، والخلق، هاتم دابّة أبي عبد الله.
فحين قدّمت دابته ليركب، خرج الوزير ليركب، فرآه، فتنحّى أبو عبد الله بن أبي عوف، وأمر بإبعاد دابّته لتقدّم دابّة الوزير، فحلف الوزير إنّه لا يركب، ولا تقدّم دابّته، حتى يركب ابن أبي عوف.
قال: فرأيته قائما، والناس قيام بقيامه، حتى قدمت دابّة ابن أبي عوف فركبها، ثم قدّمت دابّة الوزير، فركبها، وسارا جميعا.
стр. 542
٥٦ ابن أبي عوف يحتال في إيصال كتبه إلى الوزير
وحدّثني أبو الحسن «١» ، قال: حدّثني أبي «٢» ، قال:
لما خرج عبيد الله «٣» إلى الجبل «٤» ، واستخلف القاسم، لم يكن يعامل ابن أبي عوف «٥» ، مثلما كان أبوه يعامله.
فشقّ ذلك عليه، وخاف أن ينفذ كتبه بشكايته إلى أبيه، فتقع في يد القاسم.
فجاءني دفعات، يسلّم عليّ، ولا يسألني حاجة، حتى جعلني صديقا، ثم سألني أن أجعل كتبه إلى الوزير في طيّ كتب حرم صاحبي «٦» إليه، وكان في جملة القوّاد المجرّدين مع عبيد الله، فكنت أفعل ذلك دائما، فيوصل صاحبي الكتب إلى الوزير سرّا، وتنفذ الأجوبة، فترد كتب عبيد الله على القاسم، في الخاص، بالصواعق في أمر ابن أبي عوف.
ويوكّل القاسم بالطرق، وتؤخذ له كتب أكثر الناس، فيقف عليها، ولا يجد لابن أبي عوف كتابا، فيتميّز غيظا، ولا يدري من أين يؤتى، إلى أن قدم عبيد الله.
стр. 543
٥٧ تصرّف من ابن أبي عوف يدل على نفس صغيرة
قال «١» :
وسألني في تلك الأيام، رجل من أهل الثغر «٢» ، أن أشفع له إلى ابن أبي عوف، في معاونته على أسرى له في بلاد الروم «٣» ، فامتنعت من ذلك، لعلمي أنّه تاجر على كلّ حال.
فألحّ عليّ، فكتبت له رقعة إليه، فجاءني الرجل فشكرني، وذكر أنّه أعطاه أربعين دينارا.
ومضت السنون، فسألني ابن أبي عوف أن أؤجره رقّة «٤» من ضياعي بالأنبار «٥» ، يعمل فيها البطّيخ الذي نسب فيما بعد إلى العبدلاوي «٦» ، وإنّما هو مضاف «٧» إلى أبي عبد الله بن أبي عوف، فآجرته إيّاها بمال جليل.
وعمل البطّيخ فأنجب، فلما طالبته بالأجرة، احتسب عليّ الأربعين دينارا التي برّ بها الثغري، بشفاعتي.
стр. 544
٥٨ سبب سقوط محل ابن أبي عوف
وكان سبب سقوط محلّه، على ما أخبرني به أبو الحسين بن عيّاش القاضي ﵀، قصّة ابنته، فإنّه ذكر أنّ الخبر استفاض ببغداد:
أنّه دخل داره، فوجد مع ابنته [١٤٢ ط] رجلا ليس لها بمحرم، فقبض عليه، وعمل على ضربه بالسياط، فأشير عليه أن لا يفعل، وقيل له إن في ذلك هتكا لابنتك ولك، فأطلق الرجل وقيّد المرأة واحفظها، فلم يقبل، واستدعى صاحب الشرطة [١١٢ ب] فضرب الرجل بالسياط على باب داره، وكان الرجل ظريفا أديبا، فأنشأ يقول متمثلا وهو يضرب:
لها مثل ذنبي اليوم إن كنت مذنبا ... ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب
يا قوم، أيحدّ أحد الزانيين، دون الآخر، أخرجوا صاحبتي، وإلّا فأفرجوا عنّي.
قال: فافتضح بذلك، وانهتك، وتناوله الشعراء والخطباء والناس [بألسنتهم] حتى سقط محلّه.
وكان من ذلك، ما قاله ابن بسام «١» ، في قصيدة أوّلها:
يا قومنا إنّ القيامة دانيه ... زان يحدّ ولا تحدّ الزانيه
[ويكمل «٢» البيت الأوّل، بيت تمام له، وهو:
فيا بعل ليلى، ليس يجمع سلمها ... وحربي وفيما بيننا شبّت «٣» الحرب] «٤»
стр. 545
٥٩ الموفق طلحة يراسل أخاه المعتمد في خلع المفوّض وتقليد العهد لغيره
حدّثني أبو أحمد عبد الله بن عمر السرّاج الواسطي، المعروف بالحارثي، قال: حدّثنا أبو بكر [قال: حدّثني] «١» يوسف بن يعقوب المقرئ الواسطي «٢» ، قال:
لمّا دخل الناصر لدين الله الموفّق «٣» ، مدينة واسط بعد صاحب الزنج «٤» ، وأقام بها، [و] المعتمد «٥» بفم الصلح «٦» ، ووقعت المراسلة بينهما في خلع
стр. 546
المفوّض «١» وتقليد العهد من يختاره الموفق، استدعاني الموفق، وجماعة من شهود واسط، وخاطبنا في النفوذ إلى المعتمد، لنشهد عليه بذلك.
فقالت الجماعة: السمع والطاعة، ونهضت، غيرى، فإنّي سكتّ، وجلست.
فقال الموفق: شيء تقوله؟
فقلت: إن أذن الأمير الناصر أعزّه الله، قلت.
قال: قل.
قلت: أيّها الأمير إنّك تنفذنا إلى إمام، ولسنا نأمن أن يشهدنا على غير ما تريد أن يشهدنا عليه، وإذا وقفنا بحضرته، فأشهدنا لم يجز أن نشهد على غير ما يشهدنا عليه، فما تأمر؟
قال: فكأنّي أيقظته من رقدة، وأعلمته أنّه إن أشهدنا على تثبيت أمر المفوّض، وخلعه هو، وتفسيقه، وقع الأمر موقعه.
فقال: أحسن الله جزاءك، وأضرب عن إنفاذنا.
قال: ثمّ كان يختصّني بعد ذلك، ويستدعيني في أوقات، وكان ذلك أوّل ما بان من محلّي عند أهل بلدي، وتقدمت به عليهم.
стр. 547
٦٠ متى حدّثت ابن مقلة نفسه بالوزارة
حدثني أبو الحسن بن الأزرق التنوخي «١» ، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: حدّثني أبو علي بن مقلة «٢» ، قال:
كنت خصيصا بأبي الحسن بن الفرات «٣» قبل وزارته الأولى، وكاتبا له.
فلما تقلّد الوزارة، استدعاني بعد جلوسه، وقال: أحضر ابن الأخرس «٤» التاجر، وجماعة من التجّار غيره، وبايعهم ثلاثين ألف كر من غلّات السواد، واستقص السعر معهم، واستثن في كل كرّ بدينارين، وطالبهم بحصول الاستثناء [١١٣ ب] اليوم، وحصّله، وعرّفني.
قال: فاحضرتهم، وقررّت السعر معهم، وطالبتهم بالاستثناء عاجلا، فقالوا: نصحّحه في مدة ثلاثة أيام، فعرّفته، فأجاب.
فقال: إذا حصل الاستثناء فاكتب [١٤٣ ط] لهم إلى العمّال، بتسليم الغلّات، وقبض الأثمان.
[فلما كان في اليوم الثالث، حملوا مال الاستثناء، وكتبت لهم بالتسليم، وقطعني شغل عرض عن مطالعة الوزير بذلك] «٥» .
فلما كان بعد يومين، قلت له: ذلك المال الذي استثني به من غلّات
стр. 548
السواد، حاصل منذ أيّام عندي، فما الذي يأمر الوزير فيه؟
فقال: يا سبحان الله، كأنّك قدّرت أنّي استثنيت به لنفسي؟
لقد قبّحت فيّ الظن، وإنّما أردت بذلك الإصلاح لحالك، وأن أعتقد لك نعمة يبين بها أثر صحبتي عليك، فأصلح به أمرك.
قال: فقبّلت يده، وشكرته، وعدت إلى منزلي، وما أتمالك فرحا.
فحين علمت حصول المال لي، حدّثتني نفسي بالوزارة، ودعتني نفسي إلى تأهيل «١» نفسي لها، والسعي في طلبها.
فما زلت من ذلك الوقت أشرع فيها، حتى تمّت لي «٢» .
стр. 549
٦١ شيخ من الديناريين يثني ابن مقلة عن طلب الوزارة
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
كنت بحضرة أبي عليّ بن مقلة، وقد أرجف له بالوزارة الأولى.
فدخل عليه شيخ من الديناريّين «١» ، كان يكرمه أبو علي «٢» ، فأعظمه، وجلسا يتشاوران طويلا.
ثم زاد الكلام بينهما حتى سمعت بعض كلام الشيخ، وهو يعاتبه على طلب الوزارة، ويثنيه عنها، ويشير عليه أن لا يدخل فيها، وأبو علي ساكت.
فلمّا انقضى كلامه، قال له أبو علي: بلغني عن معاوية، وهو ممّن لا يدفع عن علم بالدنيا، أنّه قال: من طلب عظيما خاطر بعظيم «٣» .
قال: فقال له الشيخ: أستودع الله الوزير، وقام.
فما كان إلّا بعد أسبوع أو أقل، حتى خلع على أبي عليّ، وقلّد الوزارة.
стр. 550
٦٢ من طلب عظيما خاطر بعظيم
حدّثني أبو الفضل «١» محمد بن عبد الله [بن المرزبان] «٢» ، قال: كنت بسيراف «٣» ، وقت [أن] اجتاز بها أبو عبد الله البريدي «٤» ، يقصد علي بن بويه «٥» ، فأعظمه الليث «٦» ، وحمله، ولقيه وجوه سيراف في الجيش والناس كلهم، وكنت فيهم.
فسمعته، وهو على دابته، وهو يقول: من طلب عظيما خاطر بعظيم.
وما أحسن ما أنشدنا المتنبي «٧» لنفسه، من قصيدة مشهورة له:
غريب من الخّلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
стр. 551
٦٣ وجزاء سيئة سيئة مثلها
حدّثني أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن عياش، قال:
لما ولي أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد «١» الوزارة، صارفا لأبي عليّ بن مقلة «٢» ، وتضمّنه هو وأبو العبّاس الخصيبيّ «٣» بالمال الذي [١١٤ ب] ضمناه به، وتسلّماه، كنت أختلف إلى أبي القاسم، على رسمي في ملازمته، فأرى أبا العبّاس بحضرته يخاطبه في معنى أبي عليّ، والتشديد في مطالبته، وربما أحضراه ليوقعا به، فأقوم لئلا يراني قد رأيت ذلك منه.
فكنت أجلس بحيث أرى واسمع ولا يراني، فيطالب، ويضرب.
فإذا أوجعه المكروه، قال: لي في موضع كذا، كذا وكذا.
فيرفع المكروه عنه، ويمضون إلى الموضع، فلا يجدون لما ذكره حقيقة.
فإذا سألوه [١١٤ ط] قال: ما لي حال، ولا مال، وإنّما برّدت عن نفسي في الحال، ودفعت الموت، ولا يمكّن أبو القاسم سليمان، من ردّ المكروه عليه أياما.
فطالت قصّته، ولم يستخرج منه شيء، فجرت بينه وبين أبي العباس مخاصمة بهذا السبب، وقال: لا بدّ من بسط العذاب عليه، حتى يروج [بعض] «٤» المال من جهته، وكان سليمان يستحي.
стр. 552
فتقرّر الرأي على أن نقل إلى دار ابن الحرث «١» ، وكان الخصيبيّ يجيء إليها، فيعاقبه، ويستخرج المال منه.
قال: فاتّفق أنّني دخلت يوما مسلّما على ابن الحرث، وعزمنا على الجلوس للأنس، فدخل الخصيبيّ، فدخلت بيتا من الدار لئلّا يراني.
وخليا، وأخرجا ابن مقلة، فأخذ الخصيبيّ يوبّخه، ويستخفّ به، على ما ارتكبه منه، ومن سليمان، ويشتفي منه بالخطاب بكل لون قبيح، وقد أقامه بين غلامين، وأقام خلفه آخر.
إلى أن قال له في جملة كلامه: أقرأني يعقوب البريديّ «٢» [بالبصرة] «٣» جوابك إليه، لما عدت من البحر، في ظهر كتابه إليك، يقول إنّه قد امتثل أمرك في نفيي وحملي إلى البحر «٤» ، فوقّعت بخطّ يدك قطعها الله: يا عاجز، ألا سملته «٥» ، ثم حملته، يا عاضّ كذا وكذا «٦» ، أردت أن ينطبق لفظك بانطباق ناظري؟ يا غلام اصفع.
قال: فصفع، وأخذ خطّه بالمال «٧» .
стр. 553
٦٤ مشعوذ يدّعي الولاية
ومن الأخبار المفردات، ما أخبرني به أبو الحسن أحمد بن يوسف بن الأزرق، قال:
قدم علينا بالأنبار رجل من أهل القصر «١» ، يقال له عمر، يعظ العامّة، ويري «٢» نسكا، ويقول: من أطاع الله، أطاعه كلّ شيء، وإنّه يغمس يده في الزيت الحار المغليّ الشديد الحرارة، فلا يضرّه.
فافتتن أهل البلد به، واجتمعوا إلى الجامع، ليشاهدوا ذلك، وسألوني الحضور، فحضرت، وإخوتي، وسلطان البلد، وقد نصب ديكدان «٣» في صحن الجامع على دكّة، ووضع فوقه طنجير «٤» ، والرجل قائم يصلّي.
فلما جئنا طلبوا زيتا، فأنفذت على يد غلامي، فجاءوا بخماسيّة «٥» ، فصبّت في الطنجير، وأوقد عليها وقود جيّد شديد [١١٥ ب] .
فلما أغلي الزيت ونشّ «٦» ، أقبل على أخي، وقال: يا أبا أحمد، الله الله، لا يكون ما أحضرته غير الزيت، فأهلك.
فحين قال هذا، انكشف لي أنّها حيلة، فقلت له: ما هو إلّا الزيت.
стр. 554
فنزع ثيابه، وعمد إلى «١» بقيّة كانت في الخماسيّة من الزيت [لم تغل] «٢» ، مقدارها نصف رطل، فصبّها في الطنجير، ودعا شاربا «٣» ، فغسل يده غسلا شديدا، وذراعيه، وصدره، ثم أخذ كفّا من الماء البارد، فرشّه على الزيت، فزاد نشيشه.
ثم صعد على الدكّة، وفي يده صنجات، فرمى بها في الطنجير، ثم أدخل يده بسرعة شديدة، وصاح بأعلى صوته: لا إله إلّا الله، وغرف بكفه الصنجات، فأخرجها، ورمى بها بحدّة، وهو يصيح: يا الله [١٤٥ ط] ، يا الله، بأعلى صوته.
ثم تقدّم إلى الزيت، فاغترف بكفّه منه، فغسل به صدره، وذراعيه، وهو يصيح صياحا شديدا، يوهم به من حضر أنّه يريد الدعاء، وكان عندي، أنّه تألّم وتوجّع وتأوّه.
ثم نزل، فأقبل يدعو، ويقول للعامّة: أنا أرجو أن أجيئكم بعد أيّام، بسباع الأجمة، أقودها بآذانها.
فحملناه معنا إلى منزلنا، واغتسل «٤» بماء حار، وتدلّك، وبخّرناه، وأقام عندنا يومه.
فسألناه عن سبب ذلك.
فقال: من أطاع الله، أطاعه كلّ شيء، فأمسكنا عنه.
فلما كان بعد أيّام، جاء جماعة من أهل الأنبار، فقالوا: نحن نغلي الزيت، ونعمل كما عمل، ونغلي القار، ونأخذه من القدر بأيدينا حارا.
стр. 555
قال فجمعناهم بحضرته، فعملوا ذلك، فأبلس، وقال: هذا، إنّما لحقتكم بركتي.
وهرب من البلد من غد.
فسألنا الذين عملوا ذلك، فقالوا جرّبنا على أنفسنا، وتصبّرنا كما يصبر الواحد منّا على الماء الحار الشديد الحرارة في الحمّام، ولا يصبر عليه آخرون.
ويشبه هذا، ما أخبرني به أبو أحمد بن أبي سلمة العسكري، أحد الشهود بها «١» ، انّه شاهد رجلا، يدخل يده في قدر السكّر الحار، ويخرج منه ما يطرحه في الظروف.
وأخبرني أبو الطيّب، انّه رأى الشبلي الصوفي، يدخل يده في طنجير حار، فيه فالوذج «٢» حار مغليّ، فيأخذ منه اللقم، فيأكلها.
قال: وهذا أشدّ ما شاهدته، وفعل ذلك مرارا.
فقال له في بعضها، صوفيّ كان حاضرا: ويحك اعمل أنّ في يدك كشتبان «٣» ، حلقك مصهرج «٤» ؟
стр. 556
٦٥ الشبلي يتواجد
قال: وكان الشبلي «١» ينتف شعر رأسه، وكانت لهذا الشبلي، عجائب وحكايات، منها، ما سمعته من الوزير أبي محمد المهلبي، قال:
اجتزت ببغداد، في بعض طرقها، فرأيت الناس مجتمعين على رجل طريح.
فقلت: ما هذا؟
فقالوا: الشبليّ [١١٦ ب] جاز الساعة على هذا الهرّاس «٢» ، ومناديه يقول:
إلى كم تغلط؟ فتواجد «٣» ، وصاح حتى أغمي عليه.
قال: فمضيت، وعجبت من جهله «٤» .
فرأيت بعض الصوفية «٥» ، فأخبرته الخبر، وقلت له: ويحك، أيش في هذا، حتى يصيح الشبليّ منه، ويتواجد؟
فقال: يعتقد أنّ الله تعالى كلّمه على لسان المنادي.
فقلت: هذا أظرف، لو كان بحذاء المنادي مناد لهرّاس آخر، يصيح مثل صياحه، إلى كم تغلط، أيّهما كان كلام الله؟
فقال: الجواب عليه في هذا.
стр. 557
٦٦ إذا عتق الشمع عشرات السنين ثم استعمل أبطأت النار فيه
ومن الأخبار المفردات أيضا، ما أخبرني به أبو الحسين بن عيّاش، قال:
دعانا أبو الطيّب بن أبي جعفر الطائي مع أبي القاسم سليمان بن الحسن «١» ، وابنه أبي محمد، دعوة أنفق فيها مائتي دينار، وأظهر من الآلات، والنعم والمروءة، كل شيء حسن طريف غريب فاخر.
وكان [١٤٦ ط] أحسن ما شاهدنا له شمعتين موكبيّتين «٢» فيهما ثلاثون أو أربعون منّا، في تورين «٣» كبيرين، نصبهما في وسط المجلس، وفرّق الشموع الصغار حواليهما.
فكان الفرّاشون إذا أرادوا قطّ الشمعتين، تطاولوا شديدا، حتى يقطّوهما «٤» .
وكان لون الشمعتين غير مليح «٥» يضرب إلى البياض، ممّا قد عشب عليهما من التراب.
стр. 558
وجلسنا إلى قريب من الغداة «١» ، وهما تتّقدان في ليلة شتويّة، ونمنا، وانتبهنا، وهما تتّقدان، [فنظرت] «٢» فإذا الذي اتّقد «٣» من كلّ واحدة منهما، أصابع يسيرة، وهما بحالهما.
قال: فما تمالكت، أن سألته، فيما بيني وبينه، عن سبب ذلك.
فقال: هما عندي، وعند أبي [من قبلي] «٤» ، منذ خمسين سنة، ما استعملناهما.
وعندنا شمع كثير هذا سبيله، تعمّدنا تعتيقه، لأنّه بلغ أبي أنّ الشمع إذا عتّق عشرات سنين، ثم استعمل، كان ما يحترق منه هذا القدر، ونحوه.
فعتّق شمعا كثيرا، ونسيه، ومات، وتشاغلت بعده عن استعماله [سنين] «٥» ، فلما احتفلت لهذه الدعوة الآن، ذكرت الشمع العتيق الذي في خزائننا، فأخرجت هاتين منه، وكان من أمرهما ما رأيت، وصحّت التجربة لنا فيهما.
стр. 559
٦٧ حجام يحجم بالنسيئة إلى الرجعة
أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني «١» ، قال: أخبرنا أبو بكر يموت بن المزرع «٢» ، قال: سمعت أبا عثمان الجاحظ «٣» ، يحدّث:
إنّه رأى حجّاما «٤» بالكوفة، يحجم بنسيئة إلى الرجعة «٥» ، لشدّة إيمانه بها.
стр. 560
٦٨ اذان رجل من القطيعة
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني «١» . قال:
سمعت رجلا من القطيعة «٢» ، يؤذّن: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن عليّا وليّ الله، محمد وعليّ خير البشر، فمن أبى فقد كفر، ومن رضي فقد شكر، [ضرطت هند [١١٧ ب] على ابن عمر] «٣» ، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله.
وهذا عظيم مفرط، ونستغفر الله منه، ونستعيذ به من الجهل.
стр. 561
٦٩ الحنابلة يبنون مسجدا ضرارا
أخبرني جماعة من البغداديين:
إنّ الحنابلة «١» بنوا مسجدا ضرارا، وجعلوه سببا للفتن والبلاء «٢» .
فتظلّم منه إلى عليّ بن عيسى، فوقّع في ظهر القصّة.
أحقّ بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أسّس على غير تقوى من الله، فليلحق بقواعده، إن شاء الله تعالى.
стр. 562
٧٠ أبو عبد الله الكرخي آية في سرعة الحفظ
حدّثني أبي [﵁] «١» ؛ قال: حدّثني أبو عبد الله المفجّع «٢» ، قال:
أنشدت أبا محمد القاسم بن محمد الكرخي «٣» ، قصيدة طويلة مدحته بها، فلمّا استتممتها، خرج ابنه أبو عبد الله جعفر بن القاسم «٤» من خيش «٥» كان في صدر المجلس الذي كنّا فيه، فقال: يا شيخ، ألا تستحي، تمدحنا بقصيدة ليست لك، تدّعيها؟
قال: ولم أكن أعرف خبره في سرعة الحفظ، فقلت: أعيذك بالله يا سيّدي، والله ما قالها غيري.
فقال: سبحان الله، هذه علّمنيها المعلّم في المكتب من كذا وكذا
стр. 563
سنة، وابتدأ ينشدها حتى مضى [١٤٧ ط] في جميعها، ما أخلّ ببيت واحد، [وكانت فوق الخمسين بيتا.
فأسقط في يدي، فخجلت] «١» ، واندفعت أحلف، بالطلاق والعتاق، أنّها لي، وأنا لا أدري من أين أتيت.
فلمّا رحمني القاسم قال: يا هذا لا تقلق، فأنا أعلم أنّك صادق، ولكنّ أبا عبد الله لا يسمع شيئا ينشد، طويلا ولا غيره، إلّا حفظه في دفعة واحدة حين يسمعه، وانّه حفظها لمّا أنشدتنا إيّاها.
وأجازني، وانصرفت.
стр. 564
٧١ أبو عبد الله الكرخي يحفظ جماعة تحتوي على ارتفاع فارس
حدّثني أبي [﵁] «١» :
أنّ جماعة «٢» كان عملها جعفر بن القاسم «٣» ، تحتوي على ارتفاع «٤» فارس، أو ناحية من فارس، الشكّ مني، ومشايخ الناحية «٥» ، ومعاملاتها «٦» ، وخراجها «٧» ، وما أدّي، وما بقي، ودخل ذلك، وخرجه، وكان يرفع حسابها إلى الوزير.
فطلبت الجماعة منه، ففقدت.
فقال جعفر «٨» : لا عليكم، وأملاها من حفظه في الحال بحضرة الوزير، ورفع الحساب عليها.
ثم وجدت الجماعة، فوجدت موافقة لها حرفا بحرف، إلّا في باب واحد، فإنّه جاء به مقدّما ومؤخّرا.
стр. 565
٧٢ نادرة عن شخص آخر آية في سرعة الحفظ
حدّثني أبو القاسم عبد الله «١» بن محمد بن عثمويه الكاتب، قال: حدّثني الكرماني كاتب كان لأبي بكر بن الصيرفي، صاحب الجيش، قال:
أنفذني صاحبي لأنفق في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء «٢» ، فأنفقت فيهم، واستفضلت أنا وكاتب أبي محمد، والجهبذ، والنقيب، نحو عشرة آلاف درهم.
فقالوا: ندخل في [١١٨ ب] موضع، ونتحاسب، ونقسم.
فدخلنا مسجدا حيال دار أبي محمد، ولم نر فيه إلّا رجلا عليلا نائما، كأنّه سائل، فحقرناه.
وأخذنا نتحاسب، ونقول: وصل إلينا من رزق فلان الساقط كذا، وفلان البديل كذا، ومن الصرف كذا، ومن فضل الوزن كذا، ومن كذا كذا، إلى أن حصّلنا مبلغ الفضل، وما يخصّ كلّ واحد منا.
فأقبلنا نزن، فشال العليل رأسه، وقال: يا أصحابنا، أخرجوا لي قسطا.
فقلنا: ومن أنت؟
قال: أنا رجل من المسلمين، قد سمعت ما كنتم فيه.
فقلنا: هو ضعيف، أعطوه خمسة دراهم.
следующие страницы →