Полный текст (2 817 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
٦٩ الحنابلة يبنون مسجدا ضرارا
أخبرني جماعة من البغداديين:
إنّ الحنابلة «١» بنوا مسجدا ضرارا، وجعلوه سببا للفتن والبلاء «٢» .
فتظلّم منه إلى عليّ بن عيسى، فوقّع في ظهر القصّة.
أحقّ بناء بهدم، وتعفية رسم، بناء أسّس على غير تقوى من الله، فليلحق بقواعده، إن شاء الله تعالى.
стр. 562
٧٠ أبو عبد الله الكرخي آية في سرعة الحفظ
حدّثني أبي [﵁] «١» ؛ قال: حدّثني أبو عبد الله المفجّع «٢» ، قال:
أنشدت أبا محمد القاسم بن محمد الكرخي «٣» ، قصيدة طويلة مدحته بها، فلمّا استتممتها، خرج ابنه أبو عبد الله جعفر بن القاسم «٤» من خيش «٥» كان في صدر المجلس الذي كنّا فيه، فقال: يا شيخ، ألا تستحي، تمدحنا بقصيدة ليست لك، تدّعيها؟
قال: ولم أكن أعرف خبره في سرعة الحفظ، فقلت: أعيذك بالله يا سيّدي، والله ما قالها غيري.
فقال: سبحان الله، هذه علّمنيها المعلّم في المكتب من كذا وكذا
стр. 563
سنة، وابتدأ ينشدها حتى مضى [١٤٧ ط] في جميعها، ما أخلّ ببيت واحد، [وكانت فوق الخمسين بيتا.
فأسقط في يدي، فخجلت] «١» ، واندفعت أحلف، بالطلاق والعتاق، أنّها لي، وأنا لا أدري من أين أتيت.
فلمّا رحمني القاسم قال: يا هذا لا تقلق، فأنا أعلم أنّك صادق، ولكنّ أبا عبد الله لا يسمع شيئا ينشد، طويلا ولا غيره، إلّا حفظه في دفعة واحدة حين يسمعه، وانّه حفظها لمّا أنشدتنا إيّاها.
وأجازني، وانصرفت.
стр. 564
٧١ أبو عبد الله الكرخي يحفظ جماعة تحتوي على ارتفاع فارس
حدّثني أبي [﵁] «١» :
أنّ جماعة «٢» كان عملها جعفر بن القاسم «٣» ، تحتوي على ارتفاع «٤» فارس، أو ناحية من فارس، الشكّ مني، ومشايخ الناحية «٥» ، ومعاملاتها «٦» ، وخراجها «٧» ، وما أدّي، وما بقي، ودخل ذلك، وخرجه، وكان يرفع حسابها إلى الوزير.
فطلبت الجماعة منه، ففقدت.
فقال جعفر «٨» : لا عليكم، وأملاها من حفظه في الحال بحضرة الوزير، ورفع الحساب عليها.
ثم وجدت الجماعة، فوجدت موافقة لها حرفا بحرف، إلّا في باب واحد، فإنّه جاء به مقدّما ومؤخّرا.
стр. 565
٧٢ نادرة عن شخص آخر آية في سرعة الحفظ
حدّثني أبو القاسم عبد الله «١» بن محمد بن عثمويه الكاتب، قال: حدّثني الكرماني كاتب كان لأبي بكر بن الصيرفي، صاحب الجيش، قال:
أنفذني صاحبي لأنفق في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء «٢» ، فأنفقت فيهم، واستفضلت أنا وكاتب أبي محمد، والجهبذ، والنقيب، نحو عشرة آلاف درهم.
فقالوا: ندخل في [١١٨ ب] موضع، ونتحاسب، ونقسم.
فدخلنا مسجدا حيال دار أبي محمد، ولم نر فيه إلّا رجلا عليلا نائما، كأنّه سائل، فحقرناه.
وأخذنا نتحاسب، ونقول: وصل إلينا من رزق فلان الساقط كذا، وفلان البديل كذا، ومن الصرف كذا، ومن فضل الوزن كذا، ومن كذا كذا، إلى أن حصّلنا مبلغ الفضل، وما يخصّ كلّ واحد منا.
فأقبلنا نزن، فشال العليل رأسه، وقال: يا أصحابنا، أخرجوا لي قسطا.
فقلنا: ومن أنت؟
قال: أنا رجل من المسلمين، قد سمعت ما كنتم فيه.
فقلنا: هو ضعيف، أعطوه خمسة دراهم.
стр. 566
فقال: لا أريد إلّا قسطا صحيحا بالسويّة، مثل ما يأخذه أحدكم.
فاستخففنا به.
فقال: لا عليكم، إمّا أعطيتموني ما التمست، وإلّا جلست الساعة في سميريّة، ومضيت إلى أبي بكر الصيرفي، وقلت: إنّكم أخذتم باسم [فلان الساقط كذا، وباسم] «١» فلان البديل كذا وكذا.
قال: فأعاد جميع ما قلنا وتحاسبنا عليه، حتى ما أخلّ بحرف واحد منه، فأقلّ ما يعمل بكم، إذا لم يصرفكم ويؤذيكم، أن يرتجع منكم ما سرقتم.
فنظرنا إلى ما قاله فوجدناه صحيحا، فرمنا منه أن يقتصر على بعض ما طلبه.
فقال: لا والله إلا بقسط كما يأخذ أحدكم.
فلم نجد من دفع ذلك إليه بدّا، فدفعنا إليه قسطا، مثل ما أخذه واحد منا.
فأخذه وافترقنا «٢» [١٤٨ ط] .
стр. 567
٧٣ والد المؤلف يحفظ قصيدة تشتمل على ستمائة بيت في يوم وليلة
حدّثني أبي [﵁] «١» ، قال:
سمعت أبي [﵀] «٢» ينشد يوما، وسنّي إذ ذاك خمس عشرة سنة، بعض قصيدة دعبل «٣» الطويلة التي يفتخر فيها باليمن، ويعدّد مناقبهم، ويردّ على الكميت فخره «٤» بنزار، أوّلها:
أفيقي من ملامك يا ظعينا ... كفاني اللوم مرّ الأربعينا
وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها، لما فيها من مفاخر اليمن [لأنّهم] «٥» أهلي.
فقلت: يا سيّدي، تخرجها إليّ حتى أحفظها، فدافعني، فألححت عليه.
فقال: كأنّي بك، تأخذها، فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت، ثم ترمي بالكتاب، وتخلقه عليّ.
قلت: ادفعها إليّ.
стр. 568
فأخرجها، وسلّمها إلي، وقد كان كلامه أثّر فيّ، فدخلت حجرة كانت برسمي في داره، فخلوت فيها، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها.
فلما كان في السحر، كنت قد فرغت من جميعها، وأتقنتها، فخرجت إليه غدوة على رسمي، فجلست بين يديه.
فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟
فقلت: قد حفظتها بأسرها.
فغضب، وقدّر أنّي قد كذبته، وقال لي: هاتها.
فأخرجت الدفتر من كمّي، فأخذه، وفتحه، ونظر فيه، وأنا أنشد، إلى أن مضيت في أكثر [١١٩ ب] من مائة بيت.
فصفح منها عدّة أوراق، وقال: أنشد من هاهنا.
فأنشدت مقدار مائة بيت [أخر، فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت، فقال أنشدني من هاهنا، فأنشدته مائة بيت منها] «١» إلى آخرها.
فهاله ما رآه من حسن حفظي، فضمّني إليه، وقبّل رأسي وعيني، وقال: بالله، يا بنيّ، لا تخبر بها أحدا، فإنّي أخاف عليك من العين «٢» .
стр. 569
٧٤ مقدار ما حفظه والد المؤلف من الشعر
حدّثني أبي «١» [﵁] «٢» ، قال:
حفّظني أبي، وحفظت بعده، من شعر أبي تمام [الطائي] «٣» والبحتري، سوى ما كنت أحفظه لغيرهما من المحدثين من الشعراء، مائتي قصيدة.
قال: وكان أبي وشيوخنا بالشام، يقولون: من حفظ للطائيين «٤» أربعين قصيدة، ولم يقل الشعر، فهو حمار في مسلاخ «٥» إنسان.
فقلت الشعر وسنّي دون العشرين، ثم بدأت بعمل مقصورتي التي أولها:
لولا التناهي لم أطع نهي النهى ... أيّ مدى يطلب من جاز المدى «٦»
стр. 570
٧٥ حفظ القرآن في ستة أشهر
حدّثني أبو عبد الله بن هارون التستريّ المقرئ [﵀] «١» ، وكان أقام بمسجدنا بالبصرة، قال:
أقمت أحفظ القرآن سنين كثيرة، كلّما بلغت إلى موضع، أنسيت الذي قبله، حتى كأنّي ما سمعته قط، فشق ذلك عليّ.
فحججت، وتعلّقت بأستار الكعبة، ودعوت الله تعالى، وسألته أن يعينني على حفظه.
ورجعت إلى البصرة، فلزمت التلقين، فحفظت القرآن في ستة أشهر على حرف أبي عمرو، ثم تعاطيت السبعة «٢» .
فما حال الحول عليّ، إلا وقد أحكمت أكثرها.
стр. 571
٧٦ من أقوال الصوفية
بلغني عن بعض الصوفيّة «١» ، إنّه قال:
الاستغفار صابون المعاصي، والشكر [١٤٩ ط] لله سفتجة «٢» الرزق، والصلاة جوارشن «٣» المعدة، والصوم ريباس البدن «٤» ، واليقين الرأس الأكبر.
وعن بعضهم، من أهل زماننا:
المعرفة بالله، دليل لا ضيعة معه، والعمل الصالح، زاد لا يخاف معه طول السفر.
стр. 572
٧٧ ناصر الدولة الحمداني يتّبع وصية أبيه أبي الهيجاء
حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد «١» ، قال: حدّثني أبو إسحاق محمد ابن أحمد القراريطي «٢» قال: حدّثني ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان «٣» ، قال:
كان أبي أبو الهيجاء «٤» شديد الانحراف عنّي أوّل نشوّي، لما يراه من الفضل فيّ، وخوفه منّي على أعماله.
فكان يغضّ مني، ويتجافاني، ويمسك يده عنّي، فأتحمّل ذلك، وأصبر عليه.
فولي طريق خراسان «٥» ، فجلس يعرض دوابّه، فبقّى منها خمسين
стр. 573
دابّة، ما بين زمن وأعجف، إلى غير ذلك.
ثم قال: يا حسن، أريد أن أخرج بعد شهرين إلى العمل، وهذه الدواب مسلّمة إليك، [فإن صلحت، فقد صلحت] «١» وقد رددت أمرها إليك، لأجرّبك بها في الأمور الكبار، فإن قمت بها حتى تصحّ وتبرأ وتسمن، وكان فيك فضل [١٢٠ ب] لذلك، علمت «٢» أنّك تصلح لما هو فوقه، وإن لم تصلح على يدك، فهو أوّل عمل رددته إليك من أمري وآخره، فعجبت من أنّ أوّل عمل أهّلني له، أن أكون سائس دوابّ، ولم أجد بدّا من الصبر.
فقلت: السمع والطاعة.
وأخذت الدواب، وأفردت لها إسطبلا، وجعلت لنفسي فيه دكّة، واستأجرت لها سوّاسا، وأدررت أرزاقهم، وطالبتهم بأشدّ الخدمة، وكنت أحضر أمر الدواب دفعات في اليوم، حتى توقّح وتعالج وتسمن، وأفردت بياطرة فرها «٣» لذلك.
فما مضى عليها إلّا شهر وأيّام، حتى صحّت وسمنت، وصارت على غاية الحسن.
وأزف خروجه، فقال لي: يا حسن ما فعلت بتلك الدوابّ؟
فقلت: قم إلى الإسطبل حتى تراها.
فقام، فرآها في غاية الحسن، فسرّ بذلك، وأعجبه، وأثنى عليّ، وقال: يا حسن، هوذا أعلّمك بدل قيامك بهذا الأمر شيئا تنتفع به، وفيه قضاء لحقّك، بقدر ما أتعبتك فيه.
فقلت: قل، يا سيدي.
стр. 574
قال: إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلا، أو الزمان قد نوّه به ورأسه، فإيّاك أن تحسده، وتشغل نفسك بعداوته، فإنّك تتعب، ولا تصل إلى فائدة، وتسقط أنت، ولا يضرّه هو، وتغتمّ أنت، ولا يتأذّى هو، وتغضّ من نفسك، بغضّك من رجل صار كبيرا من أهلك، فإنّه ما ارتفع إلّا بآلة فيه، يدفعك بها، أو إقبال بدفعك عنه، واجهد أن تخدمه، وتصافيه الودّ، ليكون ذلك الفضل الذي فيه، فضلا لك، وذلك الفخر راجعا إليك، وتتجمّل بثنائه عليك، وإطرائه لك، وتصير أحد أعوانه، فإنّه أحسن بك من أن تكون من أعوان غيره ممّن ليس من أهلك، ويراك الناس عنده وجيها، فيكرمونك له، فإن كان له منزلة من السلطان، جاز أن تصل إليها باستخلافه إيّاك [١٥٠ ط] عليها، وانتقاله إلى ما هو أكبر منها، وكذلك إن كانت منزلته من غير سلطان، فلا تقل أنا أقعد منه في النسب، وأنّي خير قرابته، وهذا أمس كان وضيعا، وكان دوننا، فإنّ الناس بأوقاتهم.
فقلت: نعم يا سيدي.
قال: ثم أقبل عليّ، وونّسني، وولّد لي في نفسه، القيام على تلك الدواب، منزلة.
فقال: اخرج معي إلى العمل.
وخرج، فخرجت معه، وكنت أسايره إلى جسر النهروان وأحادثه، فولّد ذلك الانبساط في نفسي طمعا فيه، وأن أسأله شيئا.
فذكرت بجسر النهروان، أنّ له ضيعة جليلة عظيمة، بنواحي الموصل، يقال لها: النهروان، كنت أشتهيها.
فقلت له: يا سيّدي، قد [١٢١ ب] كثرت مؤونتي، وتضاعفت نفقتي،
стр. 575
فلو وهبت لي النهروان ضيعتك، لأستعين بغلّتها على خدمتك، ما كان ذلك منكرا.
قال: فحين سمع هذا، تغيّظ غيظا شديدا، واندفع يشتمني أقبح شتيمة، وقال: يا كلب، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان؟
وقنّعني بالسوط «١» الذي كان في يده، وهو مفتول كالمقرعة، فوقع السوط على وجهي، فشجّه من أوّله إلى آخره، وأحسست بالنار في وجهي، وورد ذلك على غفلة، فتداخلني له ألم عظيم، وغيظ مما عاملني به أشدّ من الألم.
وقلت في نفسي، ما كان هذا جوابي، وقد كان يقنعه أن يردّني، ولكن نيّته لي فاسدة بعد.
وقصرّت عن مسايرته، ولحقني غلماني، فوقفوا معي ساعة، حتى صلحت قليلا، وسار هو، ففتلت رأس دابتي، وأنفذت من ردّ بغلين كانا لي في السواد، عليهما قماشي وثيابي وغلماني، ورجعت أريد بغداد، وأنا وقيذ «٢» من الألم والغيظ حتى وردت بغداد.
وكان الوزير إذ ذاك عليّ بن عيسى، وهو في غاية العناية بأبي، وهو قلّده العمل، وكان يحبّني، ويكرمني، ويختصّني، ففكرت أن أدخل إليه، أشكو أبي، وأريه الأثر الذي بي.
فقصدت دارنا، فأدخلت البغلين والقماش إلى الدار، ولم أنزل، وتوجهت إلى دار الوزير.
فحين نزلت عن دابتي، وصرت في الصحن، ذكرت وصيّة أبي لي في أمر الأهل، وندمت على دخول دار الوزير، وقلت: لأن أقبل
стр. 576
الوصية في أبي، أولى من قبولها في الأهل، فعملت على أن أغالط الوزير، ولا أعرّفه.
وجئت، فسلّمت على الوزير، ووقفت بين يديه، ولم تكن عادتي تجري بالجلوس «١» بحضرته.
فحين رآني أعظم الأثر الذي بوجهي، وقال: ما لحقك؟ وأنكره، لأنّه كان قبيحا جدا.
فقلت: لعبت بالصولجان والكرة، فأفلتت، فضربت وجهي.
فقال: أليس كنت قد خرجت مع أبيك، فلم رجعت؟
فقلت: خرجت مشيّعا، فلما بعد، عدت لألزم خدمة الوزير.
قال: فأخذ يسألني عن مسير أبي، فإذا بأبي قد دخل، وإذا هو لمّا رجعت من الطريق، وبلغه خبر رجوعي [١٥١ ط] قد اغتاظ، فرجع، إمّا ليردّني، أو ليقبض عليّ، وجاء إلى داره، فعرف أنّي لم أنزل، وأنّي توجهت إلى دار الوزير، فلم يشكّ في أنّي قد مضيت أشكوه.
فجاء، فوجدني أخاطبه، فتحقّق ذلك عنده، فجلس.
فقال له الوزير: ما ردّك يا أبا الهيجاء؟
فقال: أيها الوزير، ما هذا حقّ خدمتي لك، ومناصحتي إيّاك، وانقطاعي إليك، وأخذ يعتب على الوزير أعظم عتب، وأنا قائم، ساكت، أسمع [١٢٢ ب] .
فقال له الوزير: ما «٢» هذا العتب عليّ؟ أيّ شيء عملت؟
فقال: تمكّن هذا الكلب من ذكري بحضرتك، والتبسّط فيّ.
فقال: من تعني؟
стр. 577
فقال: الحسن، هذا القائم، فعل الله به وصنع.
فقال له الوزير: يا هذا، قد وسوست، أيّ شيء كان أوّل هذا؟ والله، ما نطق هذا الفتى في أمرك بحرف، ولا سمعته قط ذكرك بما يوجب عتبا عليه، وكيف عليّ في تمكيني منه، ولو فعل ذلك، لغضّ به عندي من نفسه.
فاستحيا أبي، وعلم أنّي لم أخاطب الوزير بشيء، وأمسك.
فقال له الوزير: لا بدّ أن تحدّثني بما بينكما، فإنّك ما حملت نفسك على الرجوع، إلّا لأمر عظيم، وهو ذا أرى الحسن أيضا به أثر قبيح، وقد سألته، فقال: إنّ كرة أفلتت من يد غلمان ضرب معهم بالصولجان فأصابت وجهه، فوقع لي أنّه صادق، فلمّا جئت الآن، وقدّرت أنّه قد شكاك، وقع لي إنّ هذا شيء من فعلك، ولا بدّ أن تصدقني.
قال: فقصّ عليه أبو الهيجاء القصّة، كما جرت.
فأقبل عليه عليّ بن عيسى، وقال: أما تستحي يا أبا الهيجاء، أن يكون هذا قدر حلمك عن ابنك، وأكبر ولدك؟ فإذا كنت بهذا الطيش معه، فكيف تكون مع الغريب؟ وأيّ شيء كان في مسألته لك أن تهب له ضيعة؟
ولو فعلت ذلك، ما كان ذلك بدعا من برّ «١» الآباء بأولادهم. ولمّا لم تسمح له بذلك، قد كان يجب أن تردّه ردّا جميلا، أو قبيحا إذا اغتظت، وأمّا أن تبلغ به ضرب السياط، آه، آه.
قال: وزاد عليه في العتب والتوبيخ، وهو مطرق مستحيي.
حتى قال له: وليس العجب من هذا، حتى رجعت من عملك، غيظا عليه، وقدّرت أنّه قد شكاك إليّ، وأنّي أطلق له أن يتنقّصك، فجئت عاتبا عليّ، لوهم توهمته فيه.
قال: فأخذ أبي يعتذر إليه من ذلك.
стр. 578
فقال: والله، ما أقبل عذرك، ولا تنغسل عن نفسي هذه الآثار، إلّا بأن تشهد لحسن بالضيعة، وتهبها له، جزاء عن ظلمك إيّاه.
فقال: السمع والطاعة لأمر الوزير.
فقال لي عليّ بن عيسى: انكبّ على رأس أبيك ويده فقبّلهما.
قال: ففعلت ذلك.
وجذب عليّ بن عيسى دواته ودرجا، فأعطاهما أبا الهيجاء، وقال:
اكتب له بالضيعة، إلى أن تشهد، فكتب أبي بالضيعة لي.
وقال الوزير: خذ، خذ، فإذا عاد إلى البيت، فاكتب عليه العهد [بالوثيقة] «١» ، وأشهد عليه جماعة من العدول، فإن امتنع عرّفني حتى أطالبه [١٥٢ ط] لك بذلك.
قال: وخرجنا ونحن مصطلحون.
فلما صرنا في الدهليز، قال أبي: يا [١٢٣ ب] حسن أنا علّمتك على نفسي، بالوصيّة التي وصّيتك بها، كأنّي بك وقد جئت لتشكوني، فلما صرت في الدهليز ذكرت وصيّتي لك، فقلت: لأن أستعملها مع أبي، أولى بي، فلما صرت في مجلس الوزير، قلت له ما قلت، ولم تشكني إليه.
قلت: [كذا] «٢» والله يا سيدي كان.
فقال: إذا كان فيك من الفضل ما قد حفظت معه وصيّتي، في مثل هذه الحال، فما ترى بعدها مني ما تكرهه.
فقبّلت يده، وعدت معه إلى دارنا.
فسلّم إليّ الضيعة، وأشهد بها لي، وصلحت نيته بعد ذلك، واستقامت الحال بيننا.
وكان قبول تلك الوصيّة أبرك شيء عليّ.
стр. 579
٧٨ بين ابن أبي البغل عامل أصبهان وأحد طلّاب التصرّف
حدّثني أبو القاسم سعد بن عبد الرحمن الأصبهاني، كاتب الأمير أبي حرب، سند الدولة، الحبشي بن معز الدولة «١» ، ومحلّه من النبل والجلالة والثقة، والأدب، والعلم، مشهور، قال:
كان أبو الحسين بن أبي البغل «٢» ، يتقلّد بلدنا، فأخبرني من حضر مجلسه، وقد دخل إليه شيخ قدم من بغداد، بكتب من وزير الوقت، ومن جماعة من رؤساء الحضرة، وإخوان أبي الحسين بها، يخاطبونه بتصريفه «٣» ونفعه.
стр. 580
فسلّم وجلس، وأوصل الكتب، وصادف منه ضجرا وضيق صدر، وكانت إضبارة عظيمة، فاستكثرها ابن أبي البغل، ولم يقرأها جميعها.
فقال له الرجل: إن رأيت أن تقرأها، وتقف على جميعها.
فصخب «١» ، وتغيّظ، وقال: أليس كلها في معنى واحد؟ قد والله بلينا بكم يا بطّالين «٢» ، كل يوم يصير إلينا منكم واحد يريد تصرّفا، لو كانت خزائن الأرض إليّ، لكانت قد نفدت.
ثم قال للرجل: يا هذا، ما لك عندي تصرّف، ولا إليّ عمل شاغر «٣» أردّه إليك، ولا فضل في مالي أبرّك منه [فدبّر أمرك] «٤» بحسب هذا.
قال: والرجل ساكت جالس، إلى أن أمسك ابن أبي البغل.
فلما سكت، ومضت على ذلك [ساعة] «٥» قام الرجل قائما، وقال:
أحسن الله جزاءك، وتولّى مكافأتك عنّي بالحسنى، وفعل بك وصنع.
قال: وأسرف الرجل في شكره، والدعاء له، والثناء عليه، بأحسن لفظ، وأجود كلام، وولى منصرفا.
فقال ابن أبي البغل: ردّوا من خرج.
وقال له: يا هذا، هوذا تسخر مني؟، على أيّ شيء تشكرني؟ على أياسي لك من التصرّف، أو على قطع رجائك من الصلة، أو على قبيح ردّي لك عن الأمرين، أو تريد خداعي بهذا الفعل؟
قال: لا، ما أردت خداعك، وما كان منك من قبيح الردّ، غير منكر، فإنّك سلطان، ولحقك ضجر.
стр. 581
ولعلّ الأمر على ما ذكرته من كثرة الواردين عليك [١٢٤ ب] وقد بعلت «١» بمن حضر، ونحوسى أن صار هذا الردّ القبيح، والأياس الفظيع، في بابي.
ولم أشكرك إلّا في موضع الشكر، لأنك صدقتني عمّا لي عندك في أوّل مجلس، فعتقت عنقي من ذلّ الطمع، وأرحتني من التعب بالغدوّ [١٥٣ ط] والرواح إليك، وخدمة من أستشفع بهم عليك، وكشفت لي ما أدبّر به أمري، وبقيّة نفقتي معي، ولعلّها تقوم بتجمّلي، الذي أتجمّل به إلى بلد آخر، فإنّما شكرتك على هذا، وعذرتك فيما عاملتني به، لما ذكرته أوّلا.
قال: فأطرق ابن أبي البغل خجلا، ومضى الرجل.
فرفع رأسه بعد ساعة، وقال: ردّوا الرّجل، فردّوه.
فاعتذر إليه، وأمر له بصلة، وقال: تأخذها إلى أن أقلّدك ما يصلح لك، فإنّي أرى فيك مصطنعا «٢» .
فلما كان بعد أيّام قلّده عملا جليلا، وصلحت حال الرجل.
стр. 582
٧٩ ابن أبي البغل يأمر بإشخاص أحد عماله لكي يقطع سحاة كتاب
حدّثني أبو القاسم «١» ، قال:
كانت في أبي الحسين ابن أبي البغل «٢» ، منافرة ومناكدة «٣» .
فورد عليه يوما، كتاب من عامل له، من بلد بينه وبينه فراسخ كثيرة، وقد سحاه بسحاة «٤» غليظة.
واجتهد أبو الحسين في قطع السحاة بيده، وجهد جهدا شديدا، فما كان له إلى ذلك طريق، فترك الكتاب، ووقّع بإشخاص العامل، ومضى اليوم.
فلما كان بعد أيّام، قدم العامل، فلما جلس بين يديه، قال لصاحب الدواة:
أين ذلك الكتاب الذي ورد منه بالأسحاة الغليظة؟ فأحضره.
فقال له: اقطع هذه الأسحاة.
فرامها العامل، فلم يكن فيها حيلة، فأخذ سكّينا من [دواة] «٥» بعض الكتّاب بحضرته، فقطعها.
стр. 583
فقال له: ارجع الآن إلى عملك، فإنّما دعوتك «١» لتقطع هذه الأسحاة.
وأعلمك أنّك في أيّ وقت سحيت كتابا لك بمثلها، أنّي أستحضرك لتقطعه.
فردّه في الحال إلى عمله، وما تركه [أن] «٢» يقيم [ولا] «٣» ساعة، ولا سأله عن شيء من أمره.
стр. 584
٨٠ لابن بشر الآمدي يهجو قاضي البصرة
كان قد ولي القضاء بالبصرة، في سنة ست «١» وخمسين وثلاثمائة «٢» ، رجل لم يكن عندهم بمنزلة من صرف به، لأنه ولي صارفا لأبي الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشميّ «٣» ، فقال فيه أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي «٤» ، كاتب القاضيين أبي القاسم جعفر «٥» ، وأبي الحسن محمد بن عبد الواحد:
رأيت قلنسية «٦» تستغيث ... من فوق رأس تنادي خذوني
وقد قلقت فهي طورا تميل ... من عن يسار ومن عن يمين
فقلت لها أيّ شيء دهاك ... فردّت بقول كئيب حزين
دهاني أن لست في قالبي ... وأخشى من الناس أن يبصروني
وأن يعبثوا بمزاح معي ... وإن فعلوا ذاك بي قطّعوني
فقلت لها مرّ من تعرفين ... من المنكرين لهذي الشؤون [١٢٥ ب]
ومن كان يشهق أمّا رآك ... ويخرج من جوفه كالرنين
ومن كان يصفع في الله لا ... يملّ ويشتدّ في غير لين
ويسلح ملأك كيل التمام ... إمّا على صحة أو جنون
ففارقها ذلك الانزعاج ... وعادت إلى حالها في السكون
стр. 585
٨١ أبو رياش الشاعر يعاتب الوزير المهلبي
أنشدني أبو رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي «١» - ومحلّه من علم اللغة [١٥٤ ط] والشعر، المحلّ المعروف- لنفسه في أبي محمد المهلّبي «٢» ، وكان امتدحه، فتأخرّت عنه صلته، وطال «٣» إليه تردده، على ما أخبرني به أبو رياش.
قال: فقلت:
وقائلة قد مدحت الوزير ... وهو المؤمّل والمستماح
فماذا أفادك ذاك المديح ... وهذا الغدوّ معا والرواح
فقلت لها ليس يدري امرؤ ... بأيّ الأمور يكون الصلاح
عليّ التقلّب والاضطراب ... جهدي وليس عليّ النجاح
стр. 586
٨٢ بين أبي العباس بن دينار وأبي يحيى الرامهرمزي
سمعت أبا يحيى زكريا بن محمد بن زكريّا الرامهرمزيّ، يحدّث أبي «١» ، قال:
كان أبو العباس عبيد الله بن دينار، صديقي، [كما علم القاضي] «٢» وكان مقيما عندنا برامهرمز «٣» .
فلحقته إضافة، فضيّق على عياله، فأنفذوا إليّ أساورة ودمالج وخلاخل ذهب، واقترضوا عليها ثلاثمائة دينار، فأقرضتهم.
ومضت شهور، وجاء الديلم يريدون البلد، وخرج بجكم إليهم، فتهارب الناس منهم، وعملنا على الهرب متى انهزم بجكم، فما كان بأسرع من أن جاءنا منهزما «٤» ، فطار الناس على وجوههم.
وقال أبو العباس لحرمه: أخرجوا، فتباطؤوا بسبب حليهنّ.
فلما زاد عليه الأمر، دخل، فقال: ما لكم؟ إن كنتم قد صادقتم صديقا، فأقيموا، وعرّفوني لأهرب وحدي، وإن كنتم اتخذتم حبّة «٥» ،
стр. 587
فاحملوها معنا، وإلّا فالسيف قد لحق بنا، فما هذا التباطؤ «١» عن الهرب، لندرك.
فحدّثوه بحديث الحلي ورهنه، فكتب إليّ:
بسم الله الرحمن الرحيم [يا أبا يحيى، جعلت فداك] «٢» ،
سلبت الجواري حليهنّ فلم تدع ... سوارا ولا طوقا على النحر مذهبا
فاستحييت منه، وبعثت بالحلي، فأخذه، ورحل بجواريه، ورحلنا.
ودخل الديلم البلد «٣» .
стр. 588
٨٣ حجر خاصّيته طرد الذباب
حدّثني أبو أحمد «١» عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدّثني رجل خراساني «٢» من بعض أصحاب الصنعة، ممن كان يعرف الأحجار الخواصيّة، قال:
اجتزت برهداريّ «٣» بمصر، فرأيت عنده حجرا أعرفه، يكون وزنه خمسة دراهم، مليح المنظر، وقد جعله بين يديه [في جملة] «٤» قماشه.
وكنت أعرف أن خاصيته في طرد الذباب، وكنت في طلبه منذ سنين كثيرة.
فحين رأيته ساومته فيه، فاستام عليّ به خمسة دراهم [١٢٦ ب] فلم أماكسه ودفعتها إليه صحاحا.
فلما حصلت في يده، وحصل الحجر في يدي، أقبل يطنز بي «٥» ، ويسخر منّي.
ويقول: يجون «٦» هؤلاء الحمير، لا يدرون أيش يعطون، ولا أيش يأخذون، والله، إنّ هذه الحصاة رأيتها منذ أيام مع صبيّ، فوهبت له دانق فضّة، وأخذتها، وقد اشتراها هذا الأحمق مني بخمسة دراهم.
فرجعت إليه، وقلت له: يجب أن أعرّفك أنّك أنت الأحمق، لا أنا.
قال: كيف؟
стр. 589
قلت: قم معي، حتى أعرّفك ذلك.
فأقمته ومضينا «١» ، حتى اجتزنا بكسّار «٢» يبيع التمر في قصعة، والذباب محيط بها.
فنحّيت الرجل بعيدا من [١٥٥ ط] القصعة، وجعلت الحجر عليها، فحين استقر عليها طار جميع الذباب.
وتركته ساعة، وهي خالية من ذبابة واحدة فما فوقها، ثم أخذت الحجر فرجع الذباب، ثم رددته، فطار الذباب.
ففعلت ذلك ثلاث مرات، ثم خبأت الحجر.
وقلت: يا أحمق، هذا حجر الذباب، وأنا قدمت في طلبه من خراسان، يجعله الملوك عندنا على موائدهم، فلا يقربها الذباب ولا يحتاجون إلى مذبّة، ولا إلى مروحة، والله، لو لم تبعني إيّاه إلّا بخمسمائة دينار، لاشتريته منك.
قال: فشهق شهقة، قدّرت أنّه تلف، ثم أفاق منها بعد ساعة، وافترقنا.
وخرجت بعد أيّام إلى خراسان والحجر معي، فبعته على نصر بن أحمد أميرها «٣» بعشرة آلاف درهم.
стр. 590
٨٤ يوسف بن وجيه صاحب عمان يذعن لحكم مستشاريه
حدّثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد العسكري، قال:
كان عندنا بعسكر مكرم «١» شيخ أصبهاني مشهور يعرف بالكافوري، يتّجر في الجوهر، وكان حسن البصيرة بها.
فأخبرني إنّه اشترى فصّين، وباعهما مالكهما على أنّهما بجاذيان «٢» ، ولم يعرفهما، قال: فعرفتهما أنا، وعلمت أنّهما بلخش، وهو جنس يشبه الياقوت الأحمر، فاشتريتهما منه بثلاثمائة درهم «٣» ، وجلوتهما بالبصرة، فخرج لهما من الماء أمر عظيم.
واتفق أن خرجت إلى عمان «٤» ، وهما معي، فعرضتهما على يوسف ابن وجيه، الأمير «٥» ، وادعيت أنّهما ياقوت أحمر، فعرضهما «٦» لكل جوهريّ، فكانوا يصدّقونني.
فابتاعهما مني، بعد خطوب طويلة ومراوضات، بخمسين ألف درهم، وقبضت الثمن.
стр. 591
ثم شكّ فيهما، فأحضرني، وطالبني بالمال.
فقلت: إن كنت تريد أخذ المال باليد والقدرة، فأنت السلطان مالي بك قوّة، وإن كنت تريد أخذه بحجّة، فبيني وبينك أهل الصنعة.
فقال: ليس بعمان من أثق بعلمه «١» .
فقلت له: فسرنديب قريبة منك، وهي المعدن [١٢٧ ب] فأنفذهما إلى هناك، فإن قيل إنّهما ليسا بياقوت، رددت المال.
ووضعت في نفسي أن أتّجر في المال، إلى أن ينكشف الأمر، فأربح فيه مالا، ثم أردّ عليه أصل ماله.
قال: فضمّنني المال على الشرط والمقام «٢» ، وأنفذ الفصّين.
فلما كان بعد سنة، أو قريبا منها، أحضرني، وأخرج كتبا إليه من [وكيله] «٣» هناك، يذكر فيها أنّه جمع أهل الصنعة بسرنديب كلّهم، وعرض عليهم الفصّين، فقالوا: هما ياقوت أحمر، إلّا أنّه فيه رخاوة، ولو كان أصلب من هذا، ما كان له قيمة، وانّ هذا ياقوت ليس [هو من] «٤» هذا المعدن.
فقرأت الكتب.
فقال: ردّ المال.
فقلت: ما يلزمني، ما بعتك على أنّهما من معدن سرنديب، أو غيره من المعادن، ولا على أنّهما صلبان أو رخوان، وقد شهد أهل المعدن أنّهما ياقوت، وقد نعتوهما بالرخاوة، وقالوا إنّه لولا هذا العيب، ما كان لهما قيمة.
стр. 592
ولولا هذا العيب، ما بعتك بخمسين ألف دينار، وأنا [١٥٦ ط] تاجر، قد قصدت بلدك، فلا تظلمني.
فقال لمن بحضرته؛ ما تقولون؟
فقالوا: نحن معه.
فأفرج عنّي.
٨٥ سلب دنانيره ثم استعادها بدرهمين
وحدّثني أيضا الحارثيّ، عمّن حدّثه، قال:
سافرت في بعض الجبال، وكان معي دنانير خفت عليها، فأخذت قناة مجوّفة، وجعلت في أنبوبة منها الدنانير، حتى امتلأت بها، فلم تجلجل «١» ، ولا جاء لها صوت، ثم صببت في رأسها الرصاص [الحار] «٢» ، حتى خفي أمرها، والتزقت، وجعلت فيها حلقة وسيرا «٣» ، وكنت أمشي وأتوكّأ عليها.
فخرج علينا اللصوص والأكراد، في عدّة مواضع، وأخذوا كلّ ما كان في القافلة، ولم يعرض لي أحد.
إلى أن خرج علينا آخر دفعة، لصوص رجّالة، فشلحونا، فرأى أحدهم عكّازي، فاستملحها، وأخذها.
فلحقني من الجزع عليها، بسبب الدنانير، أمر عظيم.
стр. 593
فأخذ أهل القافلة، يتلهّون بي «١» ، ويقولون: معنا من ذهبت منه الأموال والأمتعة، ما قلق «٢» قلقك على خشبة، وأنا ممسك، لا أصرّح بما كان فيها.
قال: وتمادى السفر بنا، إلى أن وصلت إلى مقصدي، فبقيت منقطعا [بي] «٣» ، واحتجت إلى أن تصرّفت ببدني «٤» في بعض المهن نحو سنة.
فلما كان بعد سنة، اجتزت برهداري «٥» على الطريق، وإذا بين يديه قناة تشبه قناتي، وتأمّلتها فإذا هي [هي] «٦» ، ورطلتها فإذا ثقلها بحاله.
فقويت نفسي، وقلت للرجل: تبيعني إيّاها؟
فقال: نعم.
فقلت: بكم.
فقال: بدرهمين.
ولم أكن أملك غيرهما، فقلت: أعطيه إيّاهما على الله تعالى «٧» ، فإن كان مالي فيها فقد فزت، وإلّا أبلي عذرا بيني وبين نفسي.
فأعطيته الدرهمين، وأخذت العكّاز، وصعدت [١٢٨ ب] إلى مسجد، وطلبت أشفى «٨» من بعض الأساكفة، وأصعدت به معي إلى المسجد، وشققت العصا، فإذا بدنانيري قد خرجت عليّ بعينها.
فأخذتها، ورميت القناة، وحمدت الله تعالى على حفظ ذلك عليّ.
وانصرفت فتجهزّت، وخرجت إلى بلدي بتجارة ومير «٩» .
стр. 594
٨٦ امرأة تدعي أن زوجها كان يعشق السراويلات
حدّثني أبو علي الحسن بن محمد الأنباري الكاتب «١» ، قال:
مات عندنا بالأنبار، فلان، وأسماه، وكان عظيم النعمة، وافر المروءة، كثير الثياب، وكان لكثرتها، يحصّل كلّ فنّ منها في عدّة صناديق.
وكانت دراريعه الدبيقيّة «٢» مفردة، والدراريع الديباج مفردة، وكذلك القمص، والسراويلات، والجباب، والطيالس، والعمائم.
قال: وكان له بنو عمّ ورثوه، وأمّ ولد قد تزوّجها.
فلما مات، أخرجت جميع آلاته، وقماشه، وثيابه، إلّا اليسير، من الدار، فخبأته.
وذهب عليها صناديق السراويلات، فلم تخرجها، وجاء بنو العمّ، فختموا على الخزائن.
فلمّا انقضت المصيبة «٣» ، فتحوها، فوجدوها أخلى من فؤاد أمّ موسى «٤» ،
стр. 595
فخاصموها إلى قاضي البلد، فلم تنقطع الخصومة.
فدخلوا الحضرة «١» ، وتظلّموا منها فأشخصت، وحملت [١٥٧ ط] إلى القاضي أبي جعفر بن البهلول، ووقّع إليه بالنظر فيما بينهم على طريق المظالم.
فحضروا عنده وأخذ يسائلهم عن دعواهم «٢» ، وهي منكرة جميعها.
فقالوا له: أيّها القاضي، فلان أنت أعرف الناس [بعظم] «٣» مروءته وثيابه، وما كنت تشاهده له، وكلّه كان في يدها له.
وساعة مات ختمنا خزائنه، وهي كانت في الدار، ولمّا فتحناها لم نجد له فيها إلّا عدّة صناديق فيها سراويلات، وقطعا يسيرة من ثيابه.
فأين مضى هذا؟ ومن أخذه؟ وما السبب في عظم السراويلات وقلّة الثياب؟
قال: فأقبلت الجارية محتدّة، كأنّها قد اعدّت الجواب، فقالت:
أعزّ الله القاضي، أما سمعت ما حكاه الجاحظ من أنّ رجلا كان يعشق الهواوين «٤» ، فجمع منها مائتي هاون، هذا كان يعشق السراويلات.
قال: فضحك القاضي أبو جعفر، وانفضّ «٥» المجلس عن غير شيء.
فما انتصفوا منها بعد ذلك.
стр. 596
٨٧ ينكر الدين، ويأبى أن يحلف اليمين
تقدم إليّ رجلان، بالأهواز، فادعى أحدهما على الآخر حقّا. فأنكره.
فسألته «١» ، وقلت: أتحلف؟
فقال: ليس له عليّ شيء، فكيف أحلف؟ لو كان له عليّ شيء، حلفت له، وأكرمته.
стр. 597
٨٨ بحث في الرباب بين القاضي وأحد العدول
سمعت القاضي أبا القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ، يقول:
كنت بحضرة القاضي أبي عمر، بعد قبوله شهادتي بمدّة، على خلوة وأنس، فجرى حديث الملاهي.
فقلت: فلان [١٢٩ ب] يضرب بالرباب «١» .
قال: فصاح عليّ القاضي أبو عمر، وقال: هاه، هوذا تهزأ بنا، هوذا تنمّس علينا؟ ما هذا الكلام؟
فقلت: ما هو أيّد الله القاضي؟ فو الله، ما أدري أنّي قلت شيئا يتعلّق بما قاله القاضي.
فقال: قولك يضرب، كأنّك لا تعلم أنّ الرباب يجرّ حتى يسمع «٢» صوته، ولا يضرب به.
فحلفت له بأيمان مغلظة أنّي ما علمت هذا، ولا رأيت الرباب قط.
فقال: إنّ هذا أقبح، سبيل الصالح أن يعلم طرق الفساد ليجتنبها على بصيرة، لا على جهل.
فعدت إلى داري، فقلت لسائس كان معي: ويلك اطلب لي ربابيّا «٣» .
فطلبه، وجاء به، فجرّه بين يدي، فرأيته، فكان ما قاله أبو عمر صحيحا.
стр. 598
٨٩ القاضي أبو عمر يتردد في قبول شهادة شاهد تظاهر بالانزعاج من رائحة الخمر
قال:
واجتاز أبو عمر «١» بطريق قد كسر فيه دنّ خمر، ومعه بعض الشهود، فقال الشاهد: شه، شه، أفّيه، أفّيه «٢» ، فأمسك عنه.
فلما جاء في المجلس ليقيم شهادة لزمته، توقّف عن استماعها، فقامت قيامة الشاهد، وطرح عليه من يسأله.
فقال: هذا كذّاب أو جاهل، فلا يسعني قبوله، وذكر حديث الخمر.
وقال: ليس تحريمها يقلب رائحتها من الطيب إلى النتن، حتى يقول هذا ما قاله، وما قاله إلّا وهو يعلم أنّ رائحتها طيبة، فنمّس وكذب، أو هو جاهل بهذا القدر، فلا أقبله.
стр. 599
٩٠ قوّاد ابن قوّاد
حدّثني «١» أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد «٢» [١٥٨ ط] ، قال: حدّثني بعض الكتّاب، قال:
سافرت وجماعة من أصدقائي، نريد مصر للتصرّف.
فلما حصلنا بدمشق، كان معنا عدّة بغال، عليها ثقل وغلمان لنا، ونحن على دوابّنا، أقبلنا نخترق الطرق «٣» [لا ندري أين ننزل] «٤» .
فاجتزنا برجل شاب، حسن الوجه والثياب، جالس على باب دار شاهقة، وفناء فسيح، وغلمان بين يديه وقوف.
فقام إلينا، وقال: أظنّكم على سفر، ووردتم الآن؟
فقلنا: نحن كذلك.
فقال: فتنزلون عليّ.
وألحّ علينا، وسألنا، فاستحيينا من محله، وحسن ظاهره، وهيبته «٥» ، وحططنا على بابه، ودخلنا.
وأقبل «٦» أولئك الغلمان، يحملون ثقلنا، ويدخلونه الدار، ولا يدعون أحدا من غلماننا يخدمنا، حتى حملوه بأسره، في أسرع وقت.
стр. 600
وجاءونا بالطساس والأباريق، فغسلنا وجوهنا، وأجلسونا في مجالس حسنة، مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله.
وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر، وفيها دور عدة، وبستان عظيم، وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه.
وعرض علينا الحمّام، فقلنا نحن محتاجون إليه، فأدخلنا إلى حمام في الدار [في نهاية السرو، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان، في نهاية الحسن] «١» فخدمانا بدلا [١٣٠ ب] من القيّم [والمزين] «٢» ، وأخرجنا من الحمام، إلى غير ذلك المجلس، فقدّم إلينا مائدة حسنة جليلة، عليها من الحيوان، وفاخر الطبيخ «٣» ، والألوان، ونادر الخبز، وغريب البوارد، وكلّ شيء.
وإذا بغلمان مرد، في نهاية الحسن والزيّ، قد دخلوا إلينا، فغمزوا أرجلنا، فلحقنا من ذلك، مع الغربة وطول العهد بالجماع، عنت، فأمرناهم بالانصراف، وفينا من لم يستحلّ التعرّض لهم، وتعفّف «٤» عن ذلك، لنزولنا على صاحبهم.
ثم انتبهنا، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين، في أحدهما بستان حسن، فأخرج إلينا من آلات النبيذ كل طريف [ظريف] «٥» ، وأحضر من الأنبذة، كل شيء طيّب حسن.
وشربنا أقداحا يسيرة، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة، فإذا بجوار
следующие страницы →