Полный текст (2 817 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
٨٧ ينكر الدين، ويأبى أن يحلف اليمين
تقدم إليّ رجلان، بالأهواز، فادعى أحدهما على الآخر حقّا. فأنكره.
فسألته «١» ، وقلت: أتحلف؟
فقال: ليس له عليّ شيء، فكيف أحلف؟ لو كان له عليّ شيء، حلفت له، وأكرمته.
стр. 597
٨٨ بحث في الرباب بين القاضي وأحد العدول
سمعت القاضي أبا القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ، يقول:
كنت بحضرة القاضي أبي عمر، بعد قبوله شهادتي بمدّة، على خلوة وأنس، فجرى حديث الملاهي.
فقلت: فلان [١٢٩ ب] يضرب بالرباب «١» .
قال: فصاح عليّ القاضي أبو عمر، وقال: هاه، هوذا تهزأ بنا، هوذا تنمّس علينا؟ ما هذا الكلام؟
فقلت: ما هو أيّد الله القاضي؟ فو الله، ما أدري أنّي قلت شيئا يتعلّق بما قاله القاضي.
فقال: قولك يضرب، كأنّك لا تعلم أنّ الرباب يجرّ حتى يسمع «٢» صوته، ولا يضرب به.
فحلفت له بأيمان مغلظة أنّي ما علمت هذا، ولا رأيت الرباب قط.
فقال: إنّ هذا أقبح، سبيل الصالح أن يعلم طرق الفساد ليجتنبها على بصيرة، لا على جهل.
فعدت إلى داري، فقلت لسائس كان معي: ويلك اطلب لي ربابيّا «٣» .
فطلبه، وجاء به، فجرّه بين يدي، فرأيته، فكان ما قاله أبو عمر صحيحا.
стр. 598
٨٩ القاضي أبو عمر يتردد في قبول شهادة شاهد تظاهر بالانزعاج من رائحة الخمر
قال:
واجتاز أبو عمر «١» بطريق قد كسر فيه دنّ خمر، ومعه بعض الشهود، فقال الشاهد: شه، شه، أفّيه، أفّيه «٢» ، فأمسك عنه.
فلما جاء في المجلس ليقيم شهادة لزمته، توقّف عن استماعها، فقامت قيامة الشاهد، وطرح عليه من يسأله.
فقال: هذا كذّاب أو جاهل، فلا يسعني قبوله، وذكر حديث الخمر.
وقال: ليس تحريمها يقلب رائحتها من الطيب إلى النتن، حتى يقول هذا ما قاله، وما قاله إلّا وهو يعلم أنّ رائحتها طيبة، فنمّس وكذب، أو هو جاهل بهذا القدر، فلا أقبله.
стр. 599
٩٠ قوّاد ابن قوّاد
حدّثني «١» أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد «٢» [١٥٨ ط] ، قال: حدّثني بعض الكتّاب، قال:
سافرت وجماعة من أصدقائي، نريد مصر للتصرّف.
فلما حصلنا بدمشق، كان معنا عدّة بغال، عليها ثقل وغلمان لنا، ونحن على دوابّنا، أقبلنا نخترق الطرق «٣» [لا ندري أين ننزل] «٤» .
فاجتزنا برجل شاب، حسن الوجه والثياب، جالس على باب دار شاهقة، وفناء فسيح، وغلمان بين يديه وقوف.
فقام إلينا، وقال: أظنّكم على سفر، ووردتم الآن؟
فقلنا: نحن كذلك.
فقال: فتنزلون عليّ.
وألحّ علينا، وسألنا، فاستحيينا من محله، وحسن ظاهره، وهيبته «٥» ، وحططنا على بابه، ودخلنا.
وأقبل «٦» أولئك الغلمان، يحملون ثقلنا، ويدخلونه الدار، ولا يدعون أحدا من غلماننا يخدمنا، حتى حملوه بأسره، في أسرع وقت.
стр. 600
وجاءونا بالطساس والأباريق، فغسلنا وجوهنا، وأجلسونا في مجالس حسنة، مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله.
وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر، وفيها دور عدة، وبستان عظيم، وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه.
وعرض علينا الحمّام، فقلنا نحن محتاجون إليه، فأدخلنا إلى حمام في الدار [في نهاية السرو، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان، في نهاية الحسن] «١» فخدمانا بدلا [١٣٠ ب] من القيّم [والمزين] «٢» ، وأخرجنا من الحمام، إلى غير ذلك المجلس، فقدّم إلينا مائدة حسنة جليلة، عليها من الحيوان، وفاخر الطبيخ «٣» ، والألوان، ونادر الخبز، وغريب البوارد، وكلّ شيء.
وإذا بغلمان مرد، في نهاية الحسن والزيّ، قد دخلوا إلينا، فغمزوا أرجلنا، فلحقنا من ذلك، مع الغربة وطول العهد بالجماع، عنت، فأمرناهم بالانصراف، وفينا من لم يستحلّ التعرّض لهم، وتعفّف «٤» عن ذلك، لنزولنا على صاحبهم.
ثم انتبهنا، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين، في أحدهما بستان حسن، فأخرج إلينا من آلات النبيذ كل طريف [ظريف] «٥» ، وأحضر من الأنبذة، كل شيء طيّب حسن.
وشربنا أقداحا يسيرة، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة، فإذا بجوار
стр. 601
خلفها، فقال: غنّوا، فغنّى الجواري اللواتي كنّ خلفها، أحسن غناء وأطيبه.
فلما توسّطنا الشرب، قال: ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزّهم الله؟
أخرجن، وهتك الستارة.
قال: فخرج علينا جوار لم نر قط أحسن، ولا أملح، ولا أظرف منهنّ، من بين عوّادة، وطنبوريّة «١» ، وكرّاعة «٢» ، وربابيّة، وصنّاجة «٣» ، ورقّاصة، وزفّانة «٤» ، بثياب فاخرة وحلي، فغنّيننا، واختلطن بنا في المجلس والجلوس، وكان تجنّبنا أشدّ، وانقباضنا أكثر، وضبطنا أنفسنا أعظم.
فلما كدنا أن نسكر، ومضت قطعة من الليل، أقبل صاحب الدار علينا، وقال: يا سادة، إنّ تمام الضيافة، وحقّها، الوفاء بشرطها، وأن يقيم المضيف بحق الضيف في جميع ما يحتاج إليه، من طعام، وشراب [١٥٩ ط] ، وجماع، وقد أنفذت إليكم نصف النهار «٥» بالغلمان، فأخبروني بهافكم عنهم، فقلت: لعلّهم أصحاب نساء، فأخرجت هؤلاء «٦» ، فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهنّ، ما لو خلوتم بهنّ، كانت الصورة واحدة، فما هذا؟
стр. 602
قلنا: يا سيّدنا، أجللناك عن ابتذال «١» من في دارك لهذا، وفينا من لا يستحلّ الدخول في الحرام.
فقال: هؤلاء مماليكي، وهنّ أحرار لوجه الله إن كان لا بدّ «٢» من أن يأخذ كلّ واحد منكم بيد واحدة منهنّ، ويتمتّع ليلته بها، فمن شاء زوّجته بها، ومن شاء غير ذلك، فهو أبصر، لأكون قد قضيت حقّ الضيافة.
فلمّا سمعنا هذا، وقد انتشينا، طربنا، وفرحنا، وصحنا، وأخذ كلّ واحد منّا واحدة، فأجلسها إلى جانبه، وأقبل يقبّلها، ويقرصها، ويمازحها.
فتزوّجت أنا بواحدة منهنّ، وغيري ممّن رغب في ذلك، وبعضنا لم يفعل.
وجلس معنا بعد هذا ساعة، ثم نهض.
فإذا بخدم قد جاءوا، فأدخلوا كلّ واحد وصاحبته، إلى بيت في نهاية الحسن [١٣١ ب] والطيب، مفروش بفاخر الفرش، وفيه برذعة وطيّة سريّة «٣» ، فبخّرونا عليها، ونوّمونا، والجواري إلى جنوبنا، وتركوا معنا شمعة في البيت، وما نحتاج إليه من آلة المبيت، وأغلقوا، وانصرفوا، فبتنا في أرغد «٤» عيش ليلتنا.
стр. 603
فلما كان السحر، باكرنا الخدم، فقالوا: ما رأيكم في الحمّام؟
فقد أصلح، فقمنا ودخلناه، ودخل المرد معنا، فمنّا من أطلق نفسه معهم فيما كان امتنع عنه بالأمس.
وخرجنا، فبخّرونا بالند العتيق «١» ، وعطّرونا «٢» بماء الورد والمسك والكافور، وقدمت إلينا المرايا المحلّاة «٣» .
وأخبرنا غلماننا، إنّ صورتهم في ليلتهم، كانت كصورتنا، وإنّهم أتوا بجواري الخدمة الروميّات، فوطئوهن.
فأقبل بعضنا على بعض، نعجب من قصّتنا، وبعضنا يخاف أن تكون حيلة، وبعضنا يقول: هذا في النوم نراه؟
ونحن في الحديث، إذ أقبل صاحب الدار، فقمنا إليه، وأعظمناه، فأخذ يسألنا عن ليلتنا، فوصفناها له، وساءلنا عن خدمة الجواري لنا، فحمدناهنّ عنده.
فقال: أيّما أحب إليكم، الركوب إلى بعض البساتين للتفرّج إلى أن يدرك الطعام، أو اللعب بالشطرنج، والنرد، والنظر في الكتب «٤» ؟
فقلنا: أما الركوب فلا نؤثره، ولكن اللعب بالشطرنج والنرد والدفاتر، فأحضرنا ذلك، وتشاغل كلّ منّا بما اختاره.
ولم تكن إلّا ساعتين أو ثلاثة من النهار، حتى أحضرنا مائدة كالمائدة الأمسيّة «٥» ، فأكلنا، وقمنا إلى الفرش، وجاء الغلمان المرد، فغمزونا، وغمزهم منّا من كان يدخل في ذلك، وزالت المراقبة.
стр. 604
وانتبهنا فحملنا إلى الحمّام، وخرجنا فتبخّرنا، وأجلسنا في مجلسنا بالأمس.
وجاء أولئك الجواري، ومعهنّ غيرهنّ، ممّن هنّ [١٦٠ ط] أحسن منهنّ، فقصدت كلّ واحدة، صاحبها بالأمس، بغير احتشام، وشربنا إلى نصف الليل، فحملن معنا إلى الفرش.
فكانت حالنا هذه أسبوعا.
فقلت لأصحابي: ويحكم، أرى الأمر يتّصل، ومن المحال أن يقول لنا الرجل ارتحلوا عنّي، وقد استطبتم أنتم مواضعكم، وانقطعتم عن سفركم، فما آخر هذا؟
فقالوا: ما ترى؟
قلت: أرى أن نفاتش الرجل، فننظر إيش هو؟ فإن كان ممّن يقبل هديّة أو برّا، عملنا على تكرمته وارتحلنا، وإن كان بخلاف ذلك، كنّا معتقدين له المكافأة في وقت ثان، وسألناه أن يحضرنا من نكتري منه، ويبذرقنا «١» ، ورحلنا.
فتقرّر رأينا على هذا.
فلمّا جلسنا تلك العشيّة على [١٣٢ ب] الشرب قلت له: قد طال مقامنا عندك، وما أضاف أحد أحدا أحسن ممّا أضفتنا، ونريد الرحيل إلى مصر لما قصدناه، من «٢» طلب التصرّف، وأنا فلان بن فلان، وهذا فلان، فعرّفت نفسي والجماعة، وقد حمّلتنا من أياديك ومننك، ما لا يسعنا معه أن نجهلك «٣» ، ويجب أن تعرّفنا نفسك، فنبث شكرك، ونقضي حقّك، ونعمل على الرحيل.
стр. 605
فقال: أنا فلان بن فلان، أحد أهل دمشق، فلم نعرفه، فقلنا: إن رأيت أن تزيدنا في الشرح.
فقال: جعلت فداكم أنا رجل قوّاد.
فحين قال هذا، خجلنا، ونكّسنا رؤوسنا.
فقال: [جعلت فداكم] «١» ما لكم؟ إنّ لقيادتي خبرا، أظرف ممّا رأيتموه «٢» .
فقلنا: إن رأيت أن تخبرنا.
فقال: نعم، أنا رجل كان آبائي تنّاء تجارا، عظيمي النعمة والأموال، وانتهت النعمة إلى أبي، وكان ممسكا، مكثرا.
ونشأت له، وكنت متخرّقا، مبذّرا، محبّا للفساد، والنساء، والمغنّيات، والشرب، فأتلفت مالا عظيما من مال أبي، إلّا أنّه لم يؤثّر في حاله، لعظمه.
ثم اعتلّ، وأيس من نفسه، وأوصى، فدعاني، وقال:
يا بنيّ، إنّي قد خلّفت «٣» لك نعمة قيمتها مائة ألف دينار وأكثر، بعد أن أتلفت عليّ خمسين ألف دينار، وإنّ الإنفاق، لا آخر له إذا لم يكن بإزائه دخل، ولو أردت تمحيق هذا المال عليك في حياتي، أو الآن، حتى لا تصل إلى شيء منه، لفعلت، ولكنّي «٤» أتركه عليك، فاقض حقّي بحاجة تقضيها لي، لا ضرر عليك فيها.
فقلت: أفعل.
فقال: أنا أعلم أنّك ستتلف جميع هذا المال في مدة يسيرة، فعرّفني
стр. 606
إذا افتقرت، ولم يبق معك شيء، تقتل نفسك، ولا تعيش في الدنيا؟
فقلت: لا.
قال: فتحمل على رأسك؟
فقلت: لا.
[قال: فتحسن تتصرّف، وتكسب المال؟.
قلت: لا] «١» .
قال: فعرّفني من أين تعيش؟
قال: ففكّرت ساعة، فلم يقع لي إلا أن قلت: أصير قوّادا.
قال: فبكى ساعة، ثم مسح عينيه، وقال: لست أعيب عندك هذه الصناعة، فإنّها ما جرت على لسانك، إلّا وقد دارت في فكرك، ولا دارت في فكرك، وأنت تنصرف عنها [١٦١ ط] أبدا بعدي، ولكن أخبرني كيف يتمّ لك المعاش فيها؟
فقلت: قد تدرّبت بكثرة دعواتي القحاب والمغنّيات، ومعاشرتي لشرّاب النبيذ، فأجمعهم على الرسم، فينفقون «٢» في بيتي، ويعملون ما يريدون، وآخذ منهم الدراهم، وأعيش.
فقال: إذا يبلغ السلطان خبرك في جمعة «٣» ، فيحلقون رأسك، وذقنك «٤» ، وينادي عليك، ويتفرّق جمعك، ويبطل معاشك، ويقول
стр. 607
أهل [١٣٣ ب] بلدك «١» أنظروا إلى فلان، كيف ينادى عليه، وقد صار بعد موت أبيه قوّادا.
ولكن إن أردت هذه الصناعة، فأنا أعلّمك إيّاها، وإن كنت لا أحسنها، فلعلّك تستغني فيها، ولا تفتقر، ولا يتطرّق عليك السلطان بشيء.
فقلت: إفعل.
قال: تحلف لي أنّك تقبل مني.
فحلفت.
فقال: إذا متّ، فاعمل على أنّك أنفقت جميع مالك، وافتقرت، وابتدئ فكن قوّادا ولك ضياع وعقار، ودور وأثات، وآلة وجواري وقماش، وخدم وجاه وتجارات، واعمد «٢» لكلّ ما في نفسك أن تعمله إذا افتقرت، فاعمله وأنت مستظهر على زمانك، بما معك، وجيها عند إخوانك، بمالك، واعمل على أنّك قد أنفقته، واجعل معيشتك ممّا «٣» تريد أن تحصّله «٤» إذا افتقرت، فإنّك تستفيد بذلك أمورا: منها: أنّك تبتدئ [أمرك] «٥» بهذا، فلا ينكر عليك في آخره، ومنها: أنّك تفعل ذلك بجاه وعقار وضياع وأحوال قويّة، فلا يطمع فيك سلطان، وإن طمع فيك رشوت، وبذلت من قدرة وجدة، فتخلّصت.
فقلت: كيف أعمل؟
قال: تجلس، إذا متّ، ثلاثة أيّام للعزاء، إلى أن تنقضي المصيبة،
стр. 608
فإذا انقضت «١» ، نفّذت وصيّتي، وتجمّلت بذلك عند الناس، وقضيت حقّي.
ثم تظهر أنّك قد تركت اللعب، وأنّك تريد حفظ مالك، مع ضرب من اللذة.
ثم تبتدئ فتشتري من الجواري المغنيات والسواذج، كلّ لون، ومن الغلمان المرد، والخدم البيض والسود، ما تحتاج إليه وتشتهيه، ودارك، وضياعك، وآلتك، [كما تحب في السرو والنبل] «٢» ، كما خلّفته.
فإن احتجت إلى استزادة شيء، فاستزد، وتنوّق.
وعاشر من تريد أن تعاشره، من غير أن تدخل إليك مغنّية قيان، ولا من تأخذ جذرا.
وداخل الأمير، والعامل، وادعهما مرّة في كلّ شهر أو شهرين، وهادهما أيّام الأعياد، بالألطاف الحسنة، والقهما [في] «٣» كلّ أسبوع دفعة، واجتهد أن تعاشرهما على النبيذ في دورهما، والقهما بالسلام، وقضاء الحق.
واتّخذ في كل يوم مائدة حسنة، وادع القوم، ومن يتّفق «٤» معهم، وليكن ذلك بعقل وترتيب.
فإنّ ذلك أوّلا، لا يظهر مدة طويلة، فإذا ظهر، صدّق به أعداؤك، وكذّب به إخوانك، وقالوا: لعلّ هذا على سبيل المجون «٥» والشهوة، وعلى طريق التخالع، أو مسامحة الإخوان، وإلّا فأيّ لذّة له في ذلك وهو ليس
стр. 609
مخنّثا، ولا مجنونا، ولا [١٦٢ ط] فقيرا فيحتاج إلى هذا، فيبقى «١» الخلاف فيك مدّة أخرى، وأنت مع هذا، قد وصلت [١٣٤ ب] سلطانك «٢» ، ولعلّ العشرة بينكما قد وقعت، فيستدعي مغنياتك، وتسمعهن في منزله «٣» ، فيصير لك بمنادمته رسم، وجاهك مع إخوانك باق ببرّك وملاقاتك لهم، فهم يحامون عليك «٤» العاقل منهم، ويحافظ لك الآخر، فتصير في مراتب ندماء الأمير «٥» ، وفي جملته، وتصير قيادتك كالتشنيع عليك، والعيب لك «٦» ، وتخرج عن حدّ القوّاد المحض، الذين يؤذون دائما «٧» ، وتكبس منازلهم.
قال: فاعتقدت في الحال، أنّ الصواب ما قاله.
ومات في علّته، فجلست ثلاثة أيّام، ثم نفّذت وصيّته، وفرّقتها كما أمرني، ثم بيّضت الدور، وهي هذه، وزدت فيها ما اشتهيت، واستزدت من الآلات، والفرش «٨» ، وإلآنية «٩» ، كما أردت، وابتعت هؤلاء الجواري والغلمان والخدم، من بغداد، ودبّرت أمري على ما قاله أبي، من غير مخالفة لشيء منه.
فأنا أفعل هذا منذ سنين كثيرة، ما لحقني فيه ضرر، ولا خسران «١٠» ،
стр. 610
وما فيه أكثر من إسقاط المروءة، وقلّة الحفل «١» بالعيب.
وأنا أعيش أطيب عيش وأهنأه، والتذّ أتمّ لذّة [وأحلاها] «٢» مع هؤلاء الجواري، والغلمان، والخدم، ومن يعاشرني عليهم.
ودخلي بهم، أكثر من خرجي، ونعمتي الموروثة باقية بأسرها، ما بعت منها شيئا بحبّة فضّة «٣» فما فوقها.
وقد اشتريت من هذه الصناعة عقارا جليلا، وأضفته إلى ما خلّف أبي عليّ، وأمري يمشي كما ترون.
فقلنا: يا هذا، فرّجت والله عنّا، وأوجدتنا طريقا إلى قضاء حقّك.
وأخذنا نمازحه، ونقول: فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع «٤» ، لأنّك قوّاد ابن قوّاد، وما كان الشيخ ليدبّر لك هذا، إلّا وهو بالقيادة أحذق منك.
فضحك، وضحكنا، وكان الفتى أديبا، خفيف الروح.
وبتنا ليلتنا على تلك الحال.
فلما كان من الغد، جمعنا له بيننا، ثلاثمائة دينار من نفقاتنا، وحملناها إليه.
فأخذها، ورحلنا عنه.
стр. 611
٩١ أراد جوامرك فطلب جوانبيرة
أخبرني غير واحد:
أنّ أسد بن جهور «١» العامل، كان بخيلا، وله سؤدد، يتقلّد كبار الأعمال، وهو عظيم الحال والمال.
قال: وكتب يوما إلى عامل له، في رستاق: إحمل إليّ مائتي جوانبيرة «٢» .
فقال العامل: وما يصنع بهذه العجائز كلّهنّ، وهذه العدّة كيف تجتمع لي من قرية؟
فجمع ما قدر عليه من النساء بين الشباب «٣» والعجائز، وأنفذهنّ طوعا وكرها.
وكتب إليه: إنّ كتابك وصل بجمع مائتي جوانبيرة، وهذا لا يوجد إلّا في بلد كبير، أو عدّة رساتيق، وقد جمعت لك كذا وكذا، وحملته مع موصل هذا [١٣٥ ب] الكتاب.
فلما قرأ كتابه، قال: ادفعوهم إلى الطبّاخ، وقولوا له يذبح منهم اليوم [١٦٣ ط] كذا وكذا، ويصلح منهم كذا وكذا.
فقيل له: يذبح لك النساء؟
قال: ما طلبت نساء.
قالوا: أنت طلبت نساء.
стр. 612
قال: ردّوا الكتاب، فردّوه.
قال: إنّا لله، إنّما أردت جوامرك «١» وكتبت جوانبيرة، إدفعوا إلى النساء شيئا واصرفوهنّ، واكتبوا له بجمع الجوامركات.
ففعل ذلك «٢» .
стр. 613
٩٢ أسد بن جهور وبخله على الطعام
قالوا:
وكان «١» معروفا بالبخل على الطعام جدا، وكان ندماؤه يلقون من ذلك جهدا.
وكان يحضرهم، ويطالبهم بالجلوس، ويحضر كل شيء لذيذ شهيّ من الطعام، فإن ذاقه منهم أحد، ولو دانقا، استحلّ دمه، وعجّل عقوبته.
وكانت [علامته معهم] «٢» إذا شيلت المائدة، أن يمسحوا أيديهم في لحاهم ليعلم أنّهم ما شعّثوا «٣» شيئا يزهمها «٤» .
وكان له ابن أخت، يجترئ عليه، ولا يفكّر فيه، ويهتك ستره إذا واكله.
فقدّمت يوما دجاجة هندية، فائقة سريّة، فحين أهوى ابن أخته إليها، قبض على يده أشدّ قبض، وقال: يا غث، يا بارد، يا قبيح العشرة، يا قليل الأدب، في الدنيا أحد يستحسن إفساد مثل هذه؟.
فقال ابن اخته: يا لئيم، يا بخيل، يا سيّء الاختيار «٥» ، فلأيّ شيء تصلح؟ تجعل عقدة على وجه التركة للأعقاب؟ واسطة للمخانق، في صدور
стр. 614
المجالس؟ سريّة يتمتع بالنظر إليها؟ ما أقدر، شهد الله، أن أدعها من يدي.
فتصابرا عليها «١» ، إلى أن قال له الفتى: فافتدها من يدي.
قال: بما تحبّ.
قال: ببغلتك الفلانية. قال: قد فعلت.
[قال: بسرجها ولجامها المحلّى الفلاني. قال: قد فعلت] «٢» .
قال: ما أرفع يدي عنها، أو يحضر ذلك.
قال: يا غلام أحضرها.
فأحضرت البغلة والمركب، فسلّمها الفتى إلى غلامه، وأخرجها، ورفع يده عن الدجاجة.
وانقضى الطعام، وشيلت المائدة، وقام لينام.
فخرج ابن أخته، فقال للطبّاخ: عليّ بالفائقة الساعة، وبجميع ما شلتموه من المائدة، فأحضر إليه، وردّ الندمان، وقعدوا، فأكلوا ذلك وانصرفوا، وقد أكل الدجاجة والطعام أجمع، وحصلت له البغلة والمركب.
قال: وإنّما كان لا يطيق أن يرى ذلك يؤكل، فأمّا إذا نحّي من بين يديه، لم يسأل عنه، ولم يطالب به.
أخبرني أبو الحسن «٣» بن الأزرق، قال: حدّثني أبي، عن الحسن بن مخلد «٤» بهذا الحديث أنّه حصل مع ابن خالة [الحسن بن مخلد] «٥» ، قال:
رأيت الفتى، قد غدا إلينا، إلى ديوان الخراج على بغلة الحسن بن مخلد، فسألناه عن السبب، فأخبرنا بذلك.
стр. 615
٩٣ ناصر الدولة يحاسب على بقية دجاجة
سمعت أبا عبد الله بن أبي موسى الهاشمي [١٣٦ ب] يقول:
كنت بحضرة ناصر الدولة «١» ببغداد، فاستدعى بشيء يأكله متعجّلا، ليتعلّل به.
فجاءوه بدجاجة مشويّة، ورغيف واحد، وسكرجتي ملح وخلّ، وقليل بقل.
فجعل يأكل، وأنا أحادثه، إذ دخل الحاجب فأخبره بحضور قوم [١٦٤ ط] لا بدّ من وصولهم، يحتشمهم.
فأمر برفع الدجاجة، فرفعت، ومسح يده، ودخل القوم، فخاطبهم بما أراد، وانصرفوا.
فقال: ردّوا الطبق، فأحضر، فتأمّل الدجاجة ساعة، ثم حرد.
وقال: أين تلك الدجاجة؟
فقالوا: هي هذه.
فقال: لا، وحقّ أبي، عليّ بالطبّاخ، فحضر.
فقال: هذه هي تلك الدجاجة؟
فسكت.
فقال: أصدقني ويلك.
قال: لا.
стр. 616
قال: فما عملت بتلك؟
قال: لمّا شيلت، لم نعلم أنّها تردّ إليك، فأخذها بعض الغلمان الصغار وأكلها، فلما طلبتها، أخذنا هذه فكسرنا منها، وشعّثنا، مثلما كنت كسرت من تلك وشعّثت، طمعا في أنّك لا تعلم بذلك، وقدّمناها.
فقال له: يا حمار، تلك كنت قد كسرت منها الفخذ الأيمن، وأكلت جانب الصدر الأيسر، وهذه مأكولة جانب الصدر الأيمن، مكسورة الفخذ الأيسر، لا تعاود بعدها لمثل هذا.
[قال: السمع والطاعة.
وانصرف الطباخ.
فجعلت أعجب من تفقّده- وهو ملك- لمثل هذا] «١» .
стр. 617
٩٤ الحسن بن مخلد وبخله على الطعام
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني جحظة «١» ، قال:
ربحت بأكلة افتديتها «٢» خمسمائة دينار، وخمسمائة درهم، وخمسة أثواب فاخرة، وعتيدة طيب سريّة.
قلت: كيف كان ذلك؟
قال: كان الحسن «٣» بخيلا على الطعام، سمحا بالمال، وكان يأخذ ندماءه، [بغتة] «٤» فيسقيهم النبيذ، ويواكلهم، فمن أكل، قتله قتلا، ومن شرب عنده على الخسف «٥» ، حظي عنده.
قال: فكنت عنده يوما، فقال لي: يا أبا الحسن، قد عملت غدا على الصبوح الجاشريّ «٦» ، فبت عندي.
فقلت: لا يمكنني، ولكنّي أبا كرك قبل الوقت، فعلى أيّ شيء عملت أن تصطبح؟
стр. 618
فقال: أعدّ لنا كذا وكذا، ووصف ما تقدّم به إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره.
وقمت، وجئت إلى بيتي، فدعوت طبّاخي، وتقدمت إليه بأن يصلح لي مثل ذلك بعينه، ويفرغ منه وقت العتمة «١» ، ففعل، ونمت.
[وقمت] «٢» وقد مضى نصف الليل، فأكلت ما أصلح، وغسلت يدي وأسرج لي، وأنا عامل على المضيّ إليه، إذ طرقتني رسله، فجئته.
فقال: بحياتي، أكلت شيئا؟
قلت: أعيذك بالله، انصرفت من عندك قبيل المغرب، وهذا نصف الليل، فأيّ وقت أصلح لي شيء؟ أو أي وقت أكلت شيئا؟ سل غلمانك، على أيّ حال وجدوني؟
فقالوا: والله، وجدناه يا سيّدنا وقد لبس ثيابه، وهو ذا ينتظر [١٣٧ ب] أن يفرغ له من إسراج بغلته، ليركبها.
فسرّ بذلك سرورا شديدا، وقدّم الطعام، فما كان فيّ فضل أشمّه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة، وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحلّ دمي.
قال: وكذا كانت عادته، فأقول له: هوذا آكل يا سيّدي، وفي الدنيا أحد يأكل [١٦٥ ط] أكثر من هذا؟
وانقضى الأكل، وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بأرطال، وهو يفرح، وعنده أنّي أشرب على الريق، أو على ذلك الأكل الذي خلست معه.
ثم أمرني بالغناء، فغنّيت، فاستطاب ذلك، وطرب، وشرب أرطالا.
فلما رأيت النبيذ، قد عمل فيه، قلت: يا سيّدي، أنت تطرب على
стр. 619
غنائي، فأنا على أيّ شيء أطرب؟
قال: يا غلام، هات الدواة، فأحضرت، فكتب لي رقعة، ورمى بها إليّ، وإذا هي إلى صيرفيّ يعامله بخمسمائة دينار، فأخذتها، وشكرته.
ثم غنّيت، فطرب، وزاد سكره، فطلبت منه ثيابا، فخلع عليّ خمسة أثواب.
ثم أمر أن يبخّر من كان بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سريّة، فيها طيب كثير، فأخذ الغلمان يبخّرون الناس منها، فلما انتهوا، قلت:
يا سيّدي وأنا أرضى أن أتبخّر حسب؟
فقال: ما تريد؟
قلت: أريد نصيبي من العتيدة.
فقال: قد وهبتها لك.
وشرب بعد ذلك رطلا آخر، واتّكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر.
فقام الناس من مجلسه، وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت تبكير الناس في حوائجهم.
فخرجت كأنّي لصّ قد خرج من بيت قوم، على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة.
فصرت إلى منزلي، ونمت نومة، ثم ركبت إلى درب عون «١» ، أريد الصيرفي، حتى لقيته في دكانه، وأوصلت الرقعة إليه.
فقال: يا سيدي، أنت الرجل المسمى في التوقيع؟
قلت: نعم.
стр. 620
قال: أنت تعلم، أنّ أمثالنا يعاملون للفائدة.
قلت: نعم.
قال: ورسمنا أن نعطي في مثل هذا، ما يكسر في كلّ دينار، درهم.
قلت له: لست أضايقك في هذا [القدر] «١» .
فقال: ما قلت هذا لأربح عليك الكثير، أيّما أحبّ إليك، تأخذ كما يأخذ الناس، وهو ما عرّفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي، ثم تركب معي إلى داري، فتقيم عندي اليوم والليلة، ونشرب، فقد- والله- سمعت بك، وكنت أتمنّى أن أسمعك، ووقعت الآن لي رخيصا، فإذا فعلت هذا، دفعت إليك الدنانير بما تساوي، من غير خسران.
فقلت: أقيم عندك.
فجعل الرقعة في [١٣٨ ب] كمّه، وأقبل على شغله.
فلما دنت الظهر «٢» ، جاء غلامه ببغل فاره، فركب، وركبت معه، وصرنا إلى دار سريّة حسنة، بفاخر الفرش والآلات، ليس فيها إلّا جوار روم للخدمة، من غير فحل.
فتركني في مجلسه، ودخل، ثم خرج إليّ بثياب أولاد الخلفاء، من حمّام داره، وتبخّر، وبخّرني بيده، بندّ عتيق جيّد، وأكلنا أسرى طعام، وأنظفه، وقمنا إلى مجلس للشرب سريّ، فيه فواكه وآلات بمال.
وشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده [١٦٦ ط] أطيب من أختها عند الحسن بن مخلد.
стр. 621
فلما أصبحنا أخرج كيسين، في أحدهما دنانير، وفي الآخر دراهم، فوزن لي خمسمائة [دينار من أحدهما، ثم فتح الآخر فإذا هو دراهم طريّة «١» ، فوزن لي منها خمسمائة درهم] «٢» .
وقال: يا سيّدي تلك ما أمرت به، وهذه الدراهم هديّة مني.
فأخذتها، وانصرفت.
وصار الصيرفيّ صديقي، وداره لي.
стр. 622
٩٥ إنّ بالحيرة قسا قد مجن
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش «١» ، قال:
كان جحظة «٢» لما أسنّ، يفسو في مجالسه، فيلقى من يعاشره، من ذلك جهدا.
وكنت أحبّ غناءه، والكتابة عنه، لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، وكنت إذا جلست، أخذت عليه الريح، وجلست فوقها.
فجئته يوما في مجلس الأدب، والناس عنده، وهو يملي، فلما خفّوا، قال لي، ولآخر كان معي، أسماه لي، وحدّثني ذلك الرجل بمثل هذا الحديث:
اجلسا عندي، حتى أجلسكما على لبود، وأطعمكما طباهجة «٣» بكبود، وأسقيكما معتّقة اليهود، وأبخّر كما بعود، وأغنيكما غناء المسدود «٤» ، أطيب من الندود.
فقلنا: هذا موضع سجدة.
وجلسنا، وصديقي لا يعرف خلّته «٥» في الفساء، وأنا قد أخذت الريح، فوفى لنا بجميع ما شرطه.
وقال لنا، وقد غنّى، وشربنا: نحن بالغداة في صورة العلماء،
стр. 623
وبالعشيّ في صورة المخنكرين «١» .
فلما أخذ النبيذ منه، أقبل يفسو، وصديقي يغمزني، ويتعجّب، فأغمزه، وأقول: إنّ ذلك عادته، وخلّته، وإنّ سبيله أن يحتمل.
إلى أن غنّى جحظة، صوتا مليحا، الشعر والصنعة له فيه، وكان يجيده جدا، وهو:
إنّ بالحيرة «٢» قسّا قد مجن ... فتن الرهبان فيها وافتتن
ترك الإنجيل حبّا للصبا ... ورأى الدنيا مجونا فركن «٣»
وطرب صديقي ذاك، عليه طربا شديدا، استحسانا له، وأراد أن يقول أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال: افس عليّ كيف شئت.
فخجل جحظة «٤» .
стр. 624
٩٦ بين جحظة وأبي الحسين بن عياش
قال: وأخبرني أنّه كان معه في حديديّ «١» لابن الحواريّ «٢» ، وقد حملهم إلي بلا شكر «٣» ليتفرجوا [١٣٩ ب] ، والحديديّ يمدّه الملّاحون بالقلوس، وجحظة بين يدي الرجل، قد صار في أعلى الريح لأنها كانت شمالّا، على سطح الحديديّ.
فأقبل جحظة يفسو، فأنكر الرجل ذلك، وقال: ما هذا الفساء؟
من أين هذا؟
فقال جحظة: هؤلاء المدّادون سفل، فإذا مدّوا فسوا، وهم أعلى منّا في الريح، فهي تحمل فساءهم إلينا.
قال: فاشتبه ذلك على الرجل.
فقلت له: يا أبا الحسن، لو أن فساء هؤلاء يريد الطرادة «٤» ويجيء على حبلها مستويا إلى نفس الطرادة ما وصل إلينا بهذه السرعة، والريح من جهتك لا من جهة الملاحين، وأنا أنبّه عليك.
قال: فأقبل يصانعني، ويفتدي من يدي، أن لا أغمز به.
فقلت: على شريطة أن تقطع.
قال: نعم.
стр. 625
٩٧ أبو عيشونة الشاطر
حدّثني أبو القاسم الصروي الكاتب، قال:
كان بمدينة السلام، شاطر، يعرف بأبي عيشونة «١» ، فاجتاز به بعض العلماء من أهل الأدب، في هيج «٢» قد وقع، وقد خرج ليأخذ ثياب المجتازين [١٦٧ ط] فقبض عليه، وقال: اطرح ثيابك.
فقال: أنا فلان.
فاستحيا منه، فقال: خذ عليّ ما أنشدك.
قال: هات.
فقال:
خمسون ألف فتى ما منهم أحد ... إلا كألف فتى ضرغامة بطل
شدّوا ثيابهم يوما على أمل ... فأفرغوها وأدلوها على الأجل
فقال الرجل: أحسنت، فبالله، زدني من شعرك، فقال:
ولقد هيّج البلا ... حين عضّ السفر جلا
ولقد قام حبكم ... في فؤادي بأعلى العلا
فقال: خلطت.
قال: أنا أبو عيشونة، وحياة أصحابي، أنج بنفسك.
فمضى الرجل وتركه.
стр. 626
٩٨ الحذّاء الماجن بباب الطاق
رأيت حذّاء ما جنا بباب الطاق «١» ، يعرف بالمدلق «٢» ، ويلقّب بالقاضي، يسمّي النعال، بأسماء من جنس الصفعة، على سبيل الهزل.
فيقول لمن يخاطبه: هذه صلعكية، وهذه رأسكية، وهذه قفوية.
فقال له واحد: كم أعطيت بها؟
فقال: إذا نزلت في حلقك، عرّفتك ثمنها، وأخذته منك، ومتى وقعت في عنقك وكرهتها، فأنا آخذها منك بالثمن.
стр. 627
٩٩ طبيب يتماجن على مريض
ورأيت طبيبا يتماجن على مريض، وقد شكا إليه شيئا.
فقال: هذا يدلّ على أنّك، ثارت بك الصفراء «١» ، وكان الذي شكاه المريض رطوبة.
فقال: يا هذا أنا مرطوب، فكيف تثور بي الصفراء؟
قال: فالسوداء «٢» .
قال: لا أعلم.
[قال: الذي عندي، انّه ثارت بك الملمّعة] «٣» .
ففطن الرجل لموضع قوله: الصفراء والسوداء، ثم وصف له ما يصلح له، مما شكاه إليه، [من علته] » .
стр. 628
١٠٠ يريد نعلا وجهه مليح وأسفله وثيق
قال لي أبو طلحة الحذّاء البصري، وكان مألفا للأحداث والمتأدبين، قال لي صديق لي:
أريد نعلا يكون لها وجه [١٤٠ ب] مليح، وأسفل وثيق.
فقلت: يا حبيبي، عليك بفلان العلق «١» ، إن وزنت خمسين درهما في اليوم، ولست أجد لك بهذه الصفة إلّا هو.
١٠١ كما تدين تدان
حدثنا أبو عبد الله بن ورام «٢» الكوفيّ المتكلّم، قال:
كان عندنا بالكوفة، رجل، له ابن عاقّ به، فلاحاه يوما في شيء، فجرّ برجله حتى أخرجه من بيته، وسحبه في الطريق شيئا كثيرا.
فلما بلغ إلى موضع منه، قال له: يا بنيّ حسبك، فإلى هاهنا جررت برجل أبي من الدار، حتى جررتني منها «٣» .
стр. 629
١٠٢ طيب الطعام يستخرج لبّ الشكر
حدّثني أبو الحسن «١» بن سهيل الحذّاء، عن بعض الصوفيّة، أنّه قال:
طيّب الطعام يستخرج لبّ الشكر.
١٠٣ سعد السعود
أنشدني إسحاق بن إبراهيم بن علي النصيبيّ «٢» المتكلّم لنفسه، في غلامه سعد:
وفّق الله من دعاك بسعد ... فلقد كان فيه عين السعيد «٣»
أبصر السعد غرّة بين عينيك ... فسماك باسمه المحمود
فإذا ما دعاك داع لأمر ... كنت فيه يا سعد سعد السعود
стр. 630
١٠٤ من رسائل أبي محمد المهلبي
وجدت في كتب أبي «١» ، كتابا من أبي محمد المهلّبي «٢» إليه، قبل تقلّده الوزارة «٣» ، بسنين، أوّله:
كتابي أطال الله بقاء سيدنا القاضي، عن سلامة [١٦٨ ط] لا زالت له إلفا، وعليه وقفا
وحمدا لمولى أستمدّ بحمده ... له الرتبة العلياء والعزّ دائما
وأن يسخط الأيام بالجمع بيننا ... ويرضي المنى حتى يرينيه سالما
وصل كتابه، أدام الله عزّه، فقمت معظّما له، وقعدت مشتملا على السرور به
وفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور
مثل السوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور
بنظام لفظ كالثغور ... أو اللآلي في النحور
أنزلته في القلب منزلة ... القلوب من الصدور
стр. 631
١٠٥ أبو طلحة يروي حديثا غير شريف
سمعت أبا طلحة [الحذّاء] «١» ، يقول:
روى فلان، عن فلان، بإسناد طويل، من أصبح في يوم سبت، وعنده طباهجة «٢» عنبرية، وبالقرب منه باقلّاني «٣» ، ولم يصطبح، فلا صبّحه الله بخير ولا عافية «٤» .
стр. 632
١٠٦ واصل بن عطاء والخوارج
أخبرني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ «١» :
أنّ أبا حذيفة، واصل بن عطاء «٢» ، خرج يريد سفرا في رهط من أصحابه، فاعترضهم جيش من الخوارج.
فقال واصل لأصحابه: لا ينطق منكم أحد، ودعوني معهم.
فقالوا: نعم.
قال: فقصدهم واصل، واتّبعه أصحابه.
فلما قربوا بدأ الخوارج ليوقعوا بهم، فقال: كيف تستحلّون هذا، وما تدرون ما نحن، ولأيّ شيء جئنا؟
قالوا: نعم، فما أنتم؟
قال: قوم من المشركين، جئناكم مستجيرين لنسمع كلام الله.
قال: فكفّوا عنهم، وبدأ رجل يقرأ عليهم القرآن.
فلما أمسك، قال له واصل: قد سمعنا كلام الله، فأبلغنا مأمننا [١٤١ ب] حتى ننظر في الدين.
стр. 633
فقالوا: هذا واجب، سيروا.
قال: فسرنا، والخوارج «١» - والله- معنا برماحهم، يسيّروننا ويحموننا، عدّة فراسخ، حتى قربنا من بلد لا سلطان لهم عليه.
فقالوا: ذاك مأمنكم؟
فقال واصل: نعم، فارجعوا عنّا.
فانصرفوا.
وذهب أبو حذيفة في «٢» ذلك، إلى قول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ
«٣» .
стр. 634
١٠٧ بين معتزلي وأشعري
حدّثني أبو الحسن «١» ، قال:
كان إسماعيل الصفار البصريّ، أحد شيوخ أصحابنا المعتزلة، وكان الناس إذ ذاك يتشدّدون على أهل الحق «٢» ، ويباينونهم في الخلاف.
قال: فوقعت ليلة في الدرب الذي كان ينزله إسماعيل بالبصرة، صاعقة.
فلما أصبح، قال لغلمانه: أكنسوا لي الباب، وافرشوا لي عليه، وإلّا أرجف بي المخالفون.
ففعلوا، وجلس على بابه.
فاجتاز بعض جلّة شيوخ البصرة من المخالفين، فلما رآه، قال: ألم نخبر أنّ الله رماك بصاعقة من عنده «٣» ؟
قال: ولم؟ أنا أقول إنّي أرى الله جهرة «٤» ؟
стр. 635
١٠٨ خلاف بين المعتزلة وبين غوغاء من العوام
وقال رجل من أصحاب إسماعيل «١» بالبصرة: أنّ القرآن مخلوق، بحضرة غوغاء من العوام، فوثبوا عليه، وحملوه إلى نزار الضبيّ «٢» ، وكان أميرا على البصرة، فحبسه.
فطاف إسماعيل على المعتزلة، فجمع [١٦٩ ط] منهم أكثر من ألف رجل، وبكّر بهم إلى باب الأمير، فاستأذن عليه، فأذن له.
فقال: أعزّ الله الأمير، بلغنا أنّك حبست رجلا لأنّه قال: أنّ القرآن مخلوق، وقد جئناك، ونحن ألف، وكلّنا يقول: أن القرآن مخلوق، وخلفنا من أهل البلد أضعاف عددنا، يقولون بمقالتنا، فإمّا حبست جميعنا مع أخينا، أو أطلقته معنا.
قال: فعلم أنّه متى ردّهم ثارت فتنة لا يأمن عواقبها، وانّ الرأي يوجب الرفق بهم.
فقال: بل نطلقه لكم.
فأطلقه، وانصرفوا به عدوا.
следующие страницы →