← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقلت: خذ هذا، فهو بقيّة مالك، فقد صرفته، وأومأت إلى المال الذي كان معي، وقلت خذ تمام مالك. فقال: ما قصتك؟ فأخبرته الخبر، فبكى، وحلف لا يأخذ شيئا. وحلفت عليه، فقال: والله، لا أخذته، ولا أدخلت في مالي شيئا من مال هؤلاء. وبدأت بالنظر في أمر بناتي، وتزويجهنّ، وتجهيزهنّ، وتقدمت بابتياع سواد، ودابّة، وغلام. وصرت إلى المأمون، يوم الموكب، [١٥١ ب] فأدخلت، فسلّمت، فأوقفت مع القضاة، وأخرج إليّ عهدا من تحت مصلاه، وسلّمه إليّ. وقال: قد قلّدتك القضاء [بالمدينة الشرقية من] «١» الجانب الغربي، وهذا عهدي إليك عليها، فاتّق الله، وقد أجريت لك كذا وكذا، في كلّ شهر، رزقا. فما زال أبو حسّان يتقلّدها في أيام المأمون.

стр. 667

١٢٦ العلويون وآل طاهر حدّثني أبي «١» ، قال: حدّثني الصولي «٢» ، أنّ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر «٣» حدّثه، قال: لما عاد محمد بن عبد الله، أخي، من مقتل يحيى بن عمر العلويّ «٤» ، ﵁، بعد مديدة، دخلت إليه بعد ذلك يوما سحرا، وهو كئيب مطاطىء الراس، في أمر عظيم، كأنّه قد عرض على السيف «٥» ، وبعض جواريه قيام لا يتجاسرن على مسألته، وأخته واقفة. فلم أقدم على خطابه، فأومأت إليها، ما له؟ قالت: رأى رؤيا هالته. فتقدمت إليه، وقلت: أيّها الأمير، روي عن النبي صلى الله عليه، إنّه قال [١٧٨ ط] : إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره، فليتحوّل من جانبه إلى الآخر، وليقل ثلاثا، أستغفر الله، ويلعن إبليس، ويستعيذ بالله، ثم ينام.

стр. 668

فرفع رأسه، وقال: يا أخي، فكيف إذا كانت الطامّة من جهة رسول الله صلى الله عليه. [فقلت: أعوذ بالله] «١» . فقال لي: ألست ذاكرا رؤيا طاهر بن الحسين؟ فقلت: بلى. قال عبيد الله: وكان طاهر، وهو صغير الحال رأى النبي صلى الله عليه في منامه، فقال له: يا طاهر، إنّك ستبلغ من الدنيا أمرا عظيما، فاتّق الله، واحفظني في ولدي، فإنّك لا تزال محفوظا ما حفظتني في ولدي. فقال: ما تعرّض طاهر لقتال علويّ قط، وندب إلى ذلك غير دفعة فامتنع منه. ثم قال لي أخي محمد بن عبد الله «٢» : إنّي رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه في منامي، كأنّه يقول لي: يا محمد، نكثتم؟ فانتبهت فزعا، وتحوّلت، واستغفرت الله تعالى، وتعوّذت من إبليس، ولعنته، واستغفرت الله تعالى، ونمت. فرأيته صلّى الله عليه ثانية، وهو يقول: يا محمد، نكثتم؟ [ففعلت كما فعلت في الأوّلة.

стр. 669

فرأيته صلى الله عليه وهو يقول: نكثتم] «١» وقتلتم أولادي؟ والله، لا تفلحون بعدها أبدا. فانتبهت، وأنا على هذه الحال، وهذه الصورة، منذ نصف الليل ما نمت. قال: واندفع يبكي، وبكيت معه. فما مضت على ذلك إلّا مديدة، حتى مات محمد «٢» ، ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة، وصرفنا عن ولاياتنا، ولم يزل أمرنا يخمل، حتى لم يبق لنا اسم على منبر، ولا علم في جيش، ولا إمارة. وحصلنا إلى الآن تحت المحن.

стр. 670

١٢٧ بين الوزير علي بن عيسى والعطّار الكرخي حدّثني جماعة من أهل الحضرة: أنّ رجلا عطارا [١٥٢ ب] من أهل الكرخ «١» ، كان مشهورا بالستر «٢» ، ارتكبه دين، فقام «٣» من دكانه [ولزم منزله وأقبل على الدعاء والصلاة ليالي كثيرة. فلما كان] «٤» ليلة جمعة، وصلّى صلاته، ودعا ونام. قال: فرأيت النبي صلى الله عليه في منامي، وهو يقول لي: اقصد عليّ ابن عيسى الوزير «٥» ، فقد أمرته لك بأربعمائة دينار، فخذها، وأصلح بها أمرك. قال: وكان عليّ قيمة ستمائة دينار. فلمّا كان من غد، قلت: قد قال رسول الله صلى الله عليه، من رآني

стр. 671

في المنام، فقد رآني، لأنّ الشيطان لا يتمثّل بي، فلم لا أقصد الوزير؟ قال: فقصدته، فلما جئت إلى الباب، منعت من الوصول إليه، فجلست إلى أن ضاق صدري، وهممت بالانصراف، فخرج الشافعيّ «١» صاحبه، وكان يعرفني معرفة ضعيفة، فأخبرته الخبر. فقال: يا هذا، إنّ الوزير، والله، في طلبك منذ السّحر، وإلى الآن، وقد سئلت عنك، فما عرفتك، وما عرّفنيك أحد، والرسل مبثوثة في طلبك، فكن مكانك. قال: ومضى، فدخل، فما كان بأسرع من أن دعوني، فدخلت إلى أبي الحسن عليّ بن عيسى. فقال: ما اسمك؟ قلت: فلان ابن فلان العطّار. قال: من أهل الكرخ؟ قلت: نعم. قال: يا هذا أحسن الله جزاءك في قصدك إيّاي [١٧٩ ط] ، فو الله ما تهنّيت بعيش منذ البارحة، جاءني رسول الله صلى الله عليه، في منامي، فقال: أعط فلان بن فلان العطّار في الكرخ أربعمائة دينار، يصلح بها شأنه، وكنت اليوم، طول نهاري، في طلبك، وما عرّفنيك أحد. ثم قال: هاتم ألف دينار، فجاءوا بها عينا. فقال: خذ منها أربعمائة دينار، امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه، وستمائة دينار، هبة مني لك. فقلت: أيّها الوزير ما أحبّ أن أزاد «٢» على عطية رسول الله صلى الله

стр. 672

عليه شيئا، فإنّي أرجو البركة فيها، لا فيما عداها. فبكى عليّ بن عيسى، وقال: هذا هو اليقين، خذ ما بدا لك. فأخذت أربعمائة دينار، وانصرفت. فقصصت قصّتي على صديق لي، وأريته الدنانير، وسألته أن يحضر غرمائي، ويتوسّط بيني وبينهم، ففعل. وقالوا: نحن نؤخّره ثلاث سنين بالمال، فليفتح دكّانه. فقلت: لا، بل يأخذون مني الثلث من أموالهم، وكانت ستمائة. فأعطيت كل من له شيء، ثلث ماله، وكان الذي فرّقته مائتي دينار. وفتحت دكاني «١» ، وأدرت المائتين الباقية في الدكان، فما حال الحول عليّ، إلّا ومعي ألف دينار. فقضيت ديني كلّه، وما زال مالي يزيد، وحالي تصلح.

стр. 673

١٢٨ يحفظ شعرا في منامه حدّثني أبو أحمد الحارثيّ عبد الله بن عمر، قال: رأيت في منامي كأنّي مجتاز بالبصرة في بني نمير على مجلس الشرطة، والناس مجتمعون [١٥٣ ب] . فقلت: ما هذا؟ قالوا: فتى يضرب عنقه. فاطّلعت في الحلقة، فإذا بفتى حسن الوجه، قد أجلس وشدّ ليضرب عنقه. فقال لهم: دعوني أتكلّم بكلمتين، ثم اعملوا ما شئتم. فقالوا له: تكلّم. فقال: هل هاهنا رجل من أهل الأدب، يحفظ عنّي ما أقوله قلت: نعم، فقال: أيا شاهدي قتل المشوق تحمّلا ... زكيّ سلام طيّبته مقاصده إلى الظبية اللعساء في سند الحمى ... بحيث تحدّى باب عثمان قاصده فقولا لها «١» إنّ المشوق الذي اعتدت ... عليه لريب الدهر أيد تراصده مضى وبأحناء الضلوع هواكم ... إلى أن يرى إنشاءه بعد حاصده ثم قال لي: احفظها يا أخي «٢» عليّ، فإنّه لا خامس لقافيتها، بشرط أن لا تغيّر الصاد والدال، ثم ضربت عنقه.

стр. 674

وانتبهت، وأنا أنشد الأبيات في الحال، فعلقتها. وطلبت- فيما أعرفه وأذكره- قافية خامسة للأبيات، فلم أجد. قلت أنا: وطلبت لها قافية، فوجدت ما يصلح أن يضاف إليها، فاصده من الفصد، وعاصده، ولا أدري كيف ذهب ذلك عن أبي أحمد. ولعلّ غيري إن فتّش، وجد قوافي أخر، إلّا أنّها قافية عزيزة على هذا الشرط، كيف تصرّفت الحال.

стр. 675

١٢٩ المعتضد يهدم سور أنطاكية حدّثني أبي، قال: لما خرج المعتضد إلى قتال [١٨٠ ط] وصيف الخادم «١» ، إلى طرسوس «٢» ، وأخذه، عاد إلى أنطاكية «٣» ، فنزل خارجها، وطاف بالبلد بجيشه، وكنت صبيّا إذ ذاك في المكتب. قال: فخرجت في جملة الناس، فرأيته وعليه قباء أصفر بلا سواد، وسمعت رجلا يقول: الخليفة بقباء أصفر بلا سواد؟ قال: فقال له أحد الجيش: هذا كان عليه وهو جالس في داره ببغداد، فجاءه الخبر بعصيان وصيف، فخرج في الحال من داره إلى باب الشماسية، فعسكر، وحلف أن لا يغيّر هذا القباء، أو يفرغ من أمر وصيف، فأقام بباب الشماسيّة، أياما، حتى لحقه الجيش، ثم خرج، فهو عليه إلى الآن ما غيّره. قال: فحدّث أبي بعد ذلك: وأنفذ المعتضد إلى سور أنطاكية بفعلة يهدمونه، فماج الناس، ولجّت «٤» العامّة، وتشاور شيوخ المدينة في هذا،

стр. 676

فأجمع رأيهم أن كفّوا العامّة، ومضوا إلى مضرب الخليفة، وسألوا الوصول. فأنفذ إليهم أن اختاروا عشرة منكم، يدخلون إليّ، ويخاطبونني. فاختاروا عشرة كنت منهم. فحدّثني قال: دخلنا عليه، فسلّمنا، ووقفنا، فأمر بإجلاسنا، فجلسنا. فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن في وجه عدو كلب، وجهاد متصل [ونفير دائم] «١» ، والعدوّ يطرقنا ونطرقه، فإن هدمت هذا السور، كان ذلك أقوى عدّة للعدوّ [١٥٤ ب] علينا، وكان البلد له عند أيسر ضعف يلحقنا، وحادثة تطرقنا، فإن رأيت أن ترحم ضعفنا، وتستر ذرارينا، بهذا السور. فقال: قد كثرت الحوادث علينا في هذه الثغور، واعتصام كل مخالف، بحصن منها، وقد علمتم ما لحقنا بالأمس من ابن الشيخ «٢» ، واليوم من هذا الخادم «٣» ، وقد سبق منّي القول، أن لا أدع حصنا إلّا هدمته، وأنا أهدم هذا السور، وأحصّنكم من العدو، بإضعاف عدد الشحنة، وإدرار الأرزاق، وإطلاق مال للمطوّعة، يقوون به على جهاد العدو، فتكون قوّتهم مانعة للعدو، وكأنّ السور لم يزل، ولا يطمع أحد في التحصّن به على العصيان. قال: فلم يكن عند أصحابي حجّة، وضعف كلامهم، ورأيت المجلس كالمنفضّ «٤» على هذا. فقمت، واستأذنت في الكلام، فأذن لي.

стр. 677

فقلت: [يا أمير المؤمنين، على أن أقول ما عندي، وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت] «١» : يا أمير المؤمنين، إنّ الله لو خلّد أحدا «٢» في الأرض، لخلّد محمدا صلى الله عليه، وإنّ هذه الحصون والأسوار لم توضع لسنة بعينها، ولا لأيّام خليفة بعينه، وإنّما جعلت لتبقى على الدهور، وتدفع عن أهلها في أيّام كل ملك، سائسا كان أو متوانيا. ولو كنّا نثق بحياة أمير المؤمنين أبدا، ما سألناه خلاف ما يراه، ولو كنّا نثق أنّ من يلي أمور المسلمين بعده يكون لهم، باهتمامه بمصالحهم، [١٨١ ط] وسياسته لخاصّتهم وعامتّهم، مثله، لسهّل ذلك علينا المصيبة بفقدان السور الذي لا عوض عنه، ولو كان من يتقلّد بعده، مثله، لما كان لنا في ذلك عزاء عن السور، فإنّا لا نأمن من إهمال من يجيء بعد ذلك الخليفة أيضا، أن تشغله حادثة عنّا، تمنعه من مصالحنا، فنكون نحن دريّة «٣» لسيوف الروم، ورماحهم. وإنّك يا أمير المؤمنين إن هدمت هذا السور، بقي بلدنا ما دمت حيا، ثم خرج عن أيدي المسلمين بعدك، وقتلتنا الروم، وسبت ذرارينا، وصليت بإثمنا في القيامة، وعارنا في الدنيا، فالله، الله، فينا، فقد صدقتك يا أمير المؤمنين، والأمر إليك بعد ذلك. قال: فنكّس المعتضد رأسه ساعة، ثم رفعه، وقد بكى. وقال: فكيف أعمل، وقد سبق قولي بأنّي أهدمه؟ فقلت له: تعمل الفعلة في هذا اليوم فقط، فيكون في ذلك إبرار

стр. 678

لقول أمير المؤمنين، ثم إذا رحل هو عنّا، أذن لنا في إعادة ما هدم اليوم فقط. فقال: أنفذوا غدا من يردّ الفعلة، ويمنعهم من هدم السور بعد اليوم، وقد أذنت لكم في إعادة ما انهدم [١٥٥ ب] . فشكرناه، ودعونا له، وارتفعت الصيحة «١» بالدعاء له. وعدنا، فوجدنا الفعلة، قد هدموا ذلك اليوم قطعة منه، فأعدناها بعد خروج المعتضد، من أموالنا. فهي معروفة إلى الآن في السور، لتغيّر بنائها عن البناء الأول.

стр. 679

١٣٠ بحث في شكوى الزمان وفساد الإخوان جرى بيني وبين أبي الحسن [أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسين] «١» ، الكاتب الأهوازي، وهذا الرجل من معقلي الناس وفضلائهم، عقلا، ونبلا، وبراعة في صناعته، وتقدّما، وقد ولي كبار الأعمال للسلطان، وخلف أبا عبد الله البريديّ على الأهواز «٢» ، وتولّاها لمعزّ الدولة «٣» مكان أبي عبد الله البريديّ، عقيب هربه من معزّ الدولة «٤» ، ثم استخلفه بعد ذلك، أبو القاسم البريديّ على البصرة «٥» ، ثم خلف أبا عليّ الطبريّ «٦» ، وأبا محمد المهلّبيّ «٧»

стр. 680

[وكان إذ ذاك على كور الأهواز، ثم تقلّد عمالة البصرة لسباشي الحاجب الخوارزميّ التركيّ «١» ، ثم لمعزّ الدولة، رئاسة في أيام وزارة أبي محمد المهلّبيّ] «٢» ، وحلب الدهر أشطره، وجرّب الأمور، وسبر الزمان، ذكر الزمان وتصرّفه، وفساد الإخوان فيه، وقلّة المودّات، وما بلغني عن أبي الحسن ابن الفرات «٣» ، أنّه قال: جزى الله عنّا من لا نعرفه ولا يعرفنا خيرا، وأنّه قال: أحصيت ما أنا فيه من المكاره، فما وجدت منه شيئا لحقني، إلا ممّن أحسنت إليه. فقال لي أبو الحسن: هذا صحيح، ولكن حدث عند فساد الزمان، وإلّا فالأكثر من عدد الناس، كان قديما، على تصرّف زمانهم، ما يعتقدونه من مودّات إخوانهم، فلمّا فسدت الطباع، وتسمّح الناس في شروط مودّاتهم «٤» ، صار الإنسان ساكنا «٥» ممّن لا يعرفه، لا يلحق به شره، ولا يناله ضرّه، وإنّما يلحق الآن الضرر من المعارف، ومن يقع عليه اسم الإخوان، وذلك إنّهم يطالبون في المودّة بما لا يفعلون مثله، فإن أسدى إليهم إحسانا [عرف طبعه فهي العداوة القليلة] «٦» ، وإن حفظ الإنسان ما يضيّعونه أبدا حصل تحت الرقّ، وإن قارضهم الإفعال ثارت العداوة، وتواترت عليه المكاره، هذا إذا سلم من أن يبدأك من تظنّه صديقا بالشرّ والتجنّي، والمعاملة [١٨٢ ط] القبيحة بالتوهّم والتظنّي، من غير تثبّت ولا استصلاح،

стр. 681

فأمّا إذا كان ليس بينكما أكثر من المعرفة فالضرر معها بالثقة، لأن كل مكروه يلحقك، إذا حصّلته، كان ممن يعرفك ويقصدك به على علم بك، فأمّا الضرر ممن لا تعرفه، فبعيد جدا، مثل لصوص يقطعون عليك الطريق، غرضهم [١٥٦ ب] أخذ المال منك، أو من غيرك، وما يجري هذا المجرى، وعلى أنّ أشد الضرر من اللصوص، ما وقع عن تعيين، وعلى معرفة بالإنسان. فمهما أمكن للعاقل أن يقلّ من المعارف، واجتلاب من يسمى أخا في هذا الزمان، فليفعل، وليعلم أنّه قد أقلّ من الأعداء، وكلما استكثر منهم، فقد استكثر من الأعداء. وكأنّ ابن الرومي «١» جمع هذا [المعنى] «٢» ، فقال: عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصحاب فإنّ الداء أقتل ما تراه ... يكون «٣» من الطعام أو الشراب

стр. 682

١٣١ من شعر أبي فراس الحمداني هذا شعر أبي فراس بن أبي العلاء بن حمدان بن حمدون العدويّ التغلبيّ «١» أشدّ عدوّيك الذي لا تحارب ... وخير خليليك الذي لا تناسب لقد زدت بالأيّام والناس خبرة ... وجرّبت حتى هذّبتني التجارب فأقصاهم أقصاهم عن إساءتي ... وأقربهم مما كرهت الأقارب وأعظم أعداء الرجال ثقاتها ... وأهون من عاديته من تحارب وما أنس دار ليس فيها مؤانس ... وما قرب أهل ليس منهم مقارب نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه ... وجارك من صافيته لا المصاقب «٢» وله: إذا كان فضلي لا أسوّغ نفعه ... فأفضل عندي أن أرى غير فاضل ومن أضيع الأشياء مهجة عاقل ... يجور «٣» على حوبائها حكم جاهل «٤» وله: لمن أعاتب؟ مالي؟ أين يذهب بي؟ ... قد صرّح الدهر لي بالمنع والياس أبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنّني جاهل بالدهر والناس «٥»

стр. 683

وله: وأخ أطعت فما رأى لي طاعتي ... حتى خرجت بأمره عن أمره وتركت حلو العيش لم أحفل به ... لما رأيت أعزّه في مرّه والمرء ليس ببالغ في أهله ... كالصقر ليس بصائد في وكره «١» وله: في الناس إن فتّشتهم ... من لا يعزّك أو تذلّه فاترك مجالسة «٢» اللئيم ... فإنّ فيها العجز كلّه «٣» وله: [١٨٣ ط] غنى النفس لمن يعقل ... خير من غنى المال وفضل الناس في الأنفس ... ليس الفضل في الحال «٤» وله: ندلّ على موالينا ونجفو ... ونعتبهم وإنّ لنا الذنوبا بأقوال يجانبن المعاني ... وألسنة يخالفن القلوبا «٥» وله: ولقد علمت كما علمت ... وإن أقمت على صدوده إنّ الغزالة والغزالة ... في ترائبه وجيده «٦»

стр. 684

وله: قد كان لي فيك حسن صبر ... خلوت يوم الفراق منه لم يبق لي في الجفون إلّا ... ما استنزلتني الخدود عنه «١» وله: لي صديق على الزمان صديقي ... ورفيق مع الخطوب رفيقي لو رآني إذا استهلّت دموعي ... في صبوح ذكرته أو غبوق أسرق الدمع من نديمي بكأسي «٢» ... فأحلّي عقيانها بالعقيق وله: هل تحسّان لي صديقا صدوقا ... يحفظ العهد أو رفيقا رفيقا [١٥٧ ب] لا رعى الله يا حبيبيّ دهرا ... فرّقتنا صروفه تفريقا «٣» وله «٤» : من السلوان في عينيك ... آيات وآثار أراها منك في القلب ... وفي القلوب أبصار

стр. 685

إذا ما برد الحبّ ... فما تسخنه النار وله: الحزن مجتمع والصبر مفترق ... والحبّ مختلف عندي ومتّفق «١» ولي إذا كلّ عين نام صاحبها ... عين تحالف فيها الدمع والأرق لولاك يا ظبية الأنس التي نظرت ... لما وصلن إلى مكروهي الحدق لكن نظرت وقد سار الخليط ضحى ... بناظر كل حسن منه مسترق وله: يا من يلوم على هواه جهالة ... انظر إلى تلك السوالف تعذر حسنت وطاب نسيمها فكأنها ... مسك تساقط فوق ورد أحمر «٢» وله: ومرتد بطرّة ... مسدلة «٣» الرفارف كأنّها مسبلة «٤» ... من زرد مضاعف «٥» وله: [١٨٤ ط] يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا ... قد كان كلّ سرور حاضرا فيها باتت وبتّ وبات الزق ثالثنا ... حتى الصباح فتسقيني وأسقيها

стр. 686

كأنّ سود عناقيد بلمّتها ... أهدت سلافتها صرفا إلى فيها «١» وله: بتنا نعلّل من ساق أعدّ «٢» لنا ... بخمرتين من الصهباء والخدّ كأنّه حين أذكى نار وجنته ... سكرا وأسبل فضل الفاحم الجعد يعلّ ماء عناقيد بطرّته ... بماء ما حملت خدّاه من ورد «٣» وله: وظبي غرير في فؤادي كناسه ... إذا اكتنفت «٤» غور الفلاة وقورها فمن خلقه لبّاتها ونحورها ... ومن خلقه عصيانها ونفورها وله: وجناته تجني على عشّاقه ... ببديع ما فيها من اللألاء ض بيض علتها «٥» حمرة فتورّدت ... فعل المدام مزجتها بالماء فكأنما برزت لنا بغلالة ... بيضاء تحت غلالة حمراء «٦»

стр. 687

وله: كأنّما تساقط الثلج ... لعيني من يرى «١» أوراق ورد «٢» أبيض ... والناس في شاذكلى «٣» وله: كأنّما الماء عليه الجسر ... درج بياض خط فيه سطر كأنّنا حين استتب العبر ... أسرة موسى حين شقّ البحر «٤»

стр. 688

١٣٢ نسخة كتاب من أبي محمد يحيى الأزدي إلى الأمير أبي تغلب بن ناصر الدولة كان الحسين وإبراهيم ابنا ناصر الدولة، خالفا على أخيهما أبي تغلب فضل الله بن ناصر الدولة، عقيب قبضه على أخيهم محمد بن ناصر الدولة، وإصعاده به إلى القلعة مقيّدا، وقبضه نعمته، وخرجا إلى أعماله محاربين له، ومواطئين حمدان بن ناصر الدولة، على محاربة أبي تغلب، واجتمعا معه، فخرج أبو تغلب بالجيوش إليهم، فلقيهم، وانهزم حمدان، ودخل الحسين إلى أبي تغلب، وانحدر إبراهيم إلى باب السلطان ببغداد، ليدخل في الأمان، وكان ابتداء ذلك في شعبان سنة ستين، والصلح في شوال «١» . فكتب أبو محمد يحيى بن محمد بن سليمان بن فهد، إلى أبي تغلب بالتهنئة [١٥٨ ب] على ذلك كتابا نسخته: لم تزل عادة الله عند مولانا الأمير السيّد، أطال الله بقاءه، وأدام تأييده [١٨٥ ط] ، وكبت أعداءه، جارية بالمواهب النبيلة، والنّعم المتصلة الجليلة، [متّسقة] «٢» على التوفيق والسداد، مطّردة بمنّة «٣» الله أجمل اطّراد، لما خصّه الله تعالى به من حسن النية وجميل الاعتقاد، وأفرده من تغمّد الحق في الإصدار والإيراد، وألهمه إيّاه من التوفّر على شكره وحمده، واجتلاب

стр. 689

المزيد لذلك من عنده، فابتداءاته- أدام الله تأييده- دالّة على حسن عواقبها، ومبشّرة بنيل البغية في أوائل الأمور وأواخرها، وأفعاله مقترنة أبدا بالرشاد، وآراؤه بحمد الله مصاحبة للصواب والسداد، وراياته موصولة بالعزّ والنصر، ونعم الله عنده محفوظة بالحمد والشكر، وبحسب ذلك تكون دواعي المزيد، على قدر تضاعف التمكين والتأييد، ولهذه الشيم السنية، والفضائل الجليلة العلية، والطوية الحميدة المرضية، ما يجدّد الله منحه لديه، ويديم دفاعه عنه وإحسانه إليه، ويسبغ آلاءه ونعمه عليه، ويجعل كلمته العليا، وكلمة أعدائه بسهم الله السفلى، وينوّه باسمه- ثبّته الله- في سائر البلاد، ويجعل زناده- أناره الله- أضوأ زناد، ويشرّف الدعاء- على التنائي- بذكره، ويصل ألسنة من قرب وبعد بشكره، والحمد لله على ما خوّله وأولاه، وإليه الرغبة في زيادته فيما نوّله وأعطاه، وحراسته في بدء كلّ أمر وعقباه، وإعلائه على كل من حسده وناواه، وقصّر عن شأوه فعاداه، والحمد لله الذي جعل سفرته ظاهرة البركة، سعيدة السكون والحركة، ميمونة الأحوال، محمودة الحلّ والترحال، مؤذنة بحسن الانقلاب، على أحسن الوجوه وأجمل الأسباب، عائدة بشكر الرعية ودعائهم، جامعة لنيّاتهم على اختلاف آرائهم، وهو المرجوّ الإعانة على ما قرّب إليه، والمسؤول حسن التوفيق لما يزلف لديه، إنّه وليّ حميد، فعّال لما يريد، ولقد صدق الله، وله الحمد، في مولانا- أدام الله عزّه- ظنون أوليائه وأهل طاعته، وحقّق بما تفضّل به من ظهوره على أعدائه، تقديرات خدمه وعبيد نعمه، فشكرهم لله تعالى على ما منحه من التوفيق والنعمة في ذلك بحسب موقعها، ومقدارها وموضعها، وما يخصّهم ويعمّ غيرهم منها، ويصل إلى القاضي والداني الحظّ بها، ولن يرتفع لغادر علم إلا وضعه الله سبحانه [١٥٩ ب] وتعالى بمثله- أيّده الله- من كرام المخلصين لديه، ولا يبسط لمبطل أمل

стр. 690

إلّا قطعه الله تعالى بأقرب الطائعين إليه، فعال الله جلّ ذكره في عباده، ليجعل جنده المنصورين، وأعداءه المقهورين، وليظهر حقّه على يد مستحقّه، ويهلك من هلك عن بيّنة، ويحيي من حيّ عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم، وردّ الله الذين كفروا نعمة مولانا بغيظهم إليه أيده الله، لم ينالوا خيرا، إلّا منه [١٨٦ ط] حرسه الله، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويّا عزيزا، وهنّأ الله مولانا الأمير نعمه عليه، وضاعف قسمه ومنحه إليه، وأصلح به وعلى يديه، وجعل الخير والسعادة واصلين إليه، وكبت عداته وحسدته، وبلّغه في الدين والدنيا أمنيته، ولا ابتزّه ثوب نعمته، وحرس الأمّة بحراسة مهجته، وصرف عين السوء عن دولته، وشدّ قواها بقدرته، فالسعيد من وفّق لخدمته، وحظي بجميل رأيه، والشقيّ من نفر عن حوزته، وخرج عن ظلّه وجملته، والله وليّه والدافع عنه، والذابّ عن الإسلام وأهله ببقائه، والمحسن إليهم بالمدافعة عن حوبائه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 691

١٣٣ رسالة إلى رجل تزوجت أمه حدّثني أبو الفرج الببغاء «١» ، قال: جرى بحضرة الأمير سيف الدولة» ، ذكر رجل تزوجت أمّه من أصحابه، وحديث الترسّل والكتابة، فقال لي: اكتب الساعة على البريد، رقعة عن نفسك إلى هذا الرجل، تعزّيه بتزويج أمّه. فكتبت رقعة بين يديه ارتجالا وحفظتها: من سلك سبيل الانبساط، لم يستوعر مسلكا في المخاطبة فيما يحسن الانقباض في ذكر مثله، واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحق عليك، المنسوبة بعد نسبتك إليها، إليك، ومن الله صيانتها في اختيارها ما لولا أن الأنفس تتناكره، وشرع المروءة يحظره، لكنت في مثله بالرضا أولى، وبالاعتداد بما جدّده الله من صيانتها أحرى. فلا يسخطنك من ذلك، ما رضيه موجب الشرع، وحسّنه أدب الديانة «٣» فمباح الله أحقّ أن يتّبع. وإيّاك أن تكون ممّن إذا عدم اختياره سخط اختيار القدر له، والسلام.

стр. 692

١٣٤ حديث العلوية الزمنة حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال: كانت في شارع دار الرقيق «١» ، صبيّة علويّة، زمنت «٢» نحو خمس عشرة سنة، وكان أبي يتفقّدها. وكانت مسجّاة «٣» لا يمكنها أن تنقلب من جنب إلى جنب، أو يقلبها غيرها، ولا تقعد، أو تقعد، وكان لها من يخدمها في ذلك، وفي الإنجاء والأكل. وكانت فقيرة، وإنما قوتها مما يبرّها الناس، فلما مات أبي اختلّ أمرها، فبلغ تجنّي، جارية أبي محمد المهلّبيّ أمرها، فكانت تقيم بأكثر أمرها [١٦٠ ب] . وإنّها أصبحت في يوم من الأيام، وقد باتت في ليلته زمنة على تلك الصورة، فأصبحت من غد، وقد مشت، وبرئت، وقامت، وقعدت. وكنا مجاورين لها، وكنت أرى الناس ينتابون بابها، كالموسم، فأنفذت امرأة من داري، صدوقة، ممّن شاهدتها زمنة على طول السنين، فسألتها عن الخبر. فقالت: إنّي ضجرت من نفسي، فدعوت الله تعالى طويلا بالفرج أو الموت، وبت وأنا على غاية الألم والصياح والقلق، وضجرت المرأة التي

стр. 693

كانت تخدمني [١٨٧ ط] ، فلما استثقلت في النوم، رأيت كأنّ رجلا قد دخل عليّ، فارتعت منه. فقال: لا تراعي، فأنا أبوك، فظننته عليّ بن أبي طالب، ﵇. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما ترى ما أنا فيه؟ لو دعوت الله تعالى أن يهب لي العافية. فقال لي الرجل: أنا أبوك محمد رسول الله. فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي. قالت: فحرّك شفتيه، ثم قال لي: [هاتي يديك، فأعطيته يديّ، فأخذهما، وأجلسني. ثم قال لي] «١» : قومي على اسم الله. فقلت: يا رسول الله، كيف أقوم؟ فقال: هاتي يديك، فأخذهما، فأقامني. ثم قال: امشي على اسم الله. فقلت: كيف أمشي؟ فقال: هاتي يديك، فمشّاني، ثم جلست، ففعل بي ذلك، ثلاث مرات. ثم قال لي: قد وهب الله لك العافية، فاحمديه، وتركني، ومضى. فانتبهت، وأنا لا أشكّ أنّي أراه، لسرعة انتباهي. فصحت، فظنّت خادمتي أنّي أريد البول، أو شيئا مما يثقل عليها، فتثاقلت.

стр. 694

فقلت لها: ويحك ائتيني، فقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه، في النوم، فانتبهت، وأنا مسجّاة. فاستشرحتني. فقلت لها: إنّي رأيت رسول الله، صلى الله عليه، فدعا لي في النوم، وقال: قد وهب الله لك العافية. فقالت لي العجوز: ويحك، فإنّي أرجو أن تكوني قد برئت من العلّة، هاتي يديك، فأقامتني، والله، كما أقامني «١» النبيّ صلى الله عليه، في النوم، ولم أكن عرّفتها ذلك. فأعطيتها يدي، فأجلستني، وقالت لي: قومي، فقمت، فتعبت، ثم جلست، ففعلت بي ذلك ثلاث مرّات. ثم قمت، فمشيت [وحدي. فصاحت الخادمة سرورا بالحال، وإعظاما لها، فقدّر الجيران أنّي قد متّ، فجاءوا] «٢» ، فقمت فمشيت بحضرتهم متوكئة، فكثروا عليّ في الليل، وفي غد، حتى كدت أتلف، وما زالت قوّتي ترجع إليّ، إلى أن مشيت كما أمشي الآن، ولا قلبة بي. قال: وقد رأيتها بعد ذلك، أنا، تمشي وتجيء إلى عيالنا ماشية، وهي الآن باقية صحيحة، وهي أصلح وأورع وأزهد امرأة سمعت بخبرها في هذا الزمان، لا تعرف غير الصلاة والصيام، وطلب الرزق على أجمل الوجوه، عاتق «٣» إلى الآن، ديّنة جدا.

стр. 695

ولا تحرف إلى الآن في المشاهد، وعند [١٦١ ب] أهلها، إلا بالعلويّة الزمنة «١» .

стр. 696

١٣٥ إذا لم تكن في الشاهد ثلاث خلال من خلال أهل النار صار هو من أهل النار سمعت قاضي القضاة أبا السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى «١» ، يقول: الشاهد، إذا لم تكن فيه ثلاث خلال، من خلال أهل النار، صار هو من أهل النار. فقلت له: ما هي؟ قال: قلّة الحياء، لأنّ الشاهد، إذا كان مستحيا، أجاب إلى كل محال يسأله، فيذهب دينه، ويصير من أهل النار، والحياء في الأصل من الإيمان، وأهل الإيمان في الجنّة، كما روى في الخبر، فقلّة الحياء من خصال أهل النار، [فهذه [١٨٨ ط] واحدة] «٢» . والثانية: إنّه يحتاج أن يكون فيه سوء الظنّ، لأنّه متى أحسن ظنّه تمّت عليه الحيلة والتزويرات، فيشهد بالمحال، فيدخل النار، وإذا كان سيء الظنّ سلم، وسوء الظن في الأصل إثم، كما قال الله تعالى، والإثم من خصال أهل النار. وذكر الأخرى: وقد أنسيتها أنا. ثم قال: ما ظنّكم ببلد فيه عشرات ألوف ناس، ليس فيهم شهود إلّا عشرة أنفس أو أقل أو أكثر، وأهل ذلك المصر كلهم يريدون الحيلة على هؤلاء العشرة، كيف يسلمون إن لم يكونوا شياطين الإنس في التيقّظ والذكاء والتحرّز والفهم.

стр. 697

١٣٦ شطرنجي يتحدث عن فضائل الشطرنج حدّثني أبي، قال: كان لي صاحب يخدم أبي، ويخدمني بعده، من أهل أنطاكية، يقال له: أبو إبراهيم، وكان مستهترا بلعب الشطرنج «١» ، وكان له فيها عجائب، منها: إنّ غلماني كانوا يلاعبونه بها، وكان إذا لعب بها برك على الأرض، واتّكأ على ذراعيه كالنائم، فيجيء أحدهم من ورائه، فيعبّي على ظهره عدّة مخاد، فلا يشعر بها، فإذا انقضى الدست، أحسّ بذلك، فنحّاها عن ظهره، وشتمهم «٢» . قال: فحدّثني هو، قال: دخلت ليلة إلى صديق لي مستهتر بالشطرنج أيضا، وكانت المغرب قد وجبت. فقال لي: بت عندي الليلة حتى نلعب بالشطرنج ونتحدّث، فما بتّ. فقال: نصلّي، ونلعب دستا أو دستين إلى وقت العتمة، وتنصرف. فصلّينا، وجعل السراج عندنا، ولعبنا، وطاب لي اللعب، فواصلناه،

стр. 698

والليل يمضي ونحن لا نشعر به، إلى أن أحسسنا في أنفسنا بتعب شديد وضجر، ووافق ذلك سماعنا الاذان. فقلت له: قد أذّنت العتمة، وتعبت، ولا بدّ من قيامي. فصاح بغلمانه، فلم يجيبوه، فقام معي، فأنبههم «١» ، وقال: أمضوا بين يديه. فلما خرجنا نظرنا، فإذا الأذان، هو أذان الغداة «٢» ، وإذا الليلة كلّها قد مضت، ونحن لا نعقل. قال [أبي] «٣» : وكذا كان على الاستهتار بها، فإذا لمته، قال: ليس أنا مستهتر بها، المستهتر بها هو مثل من قيل له [١٦٢ ب] وقد احتضر: قل لا إله إلّا الله، فقال: شاهك، ودع الرخ. قال: فقلت له: لا أعرف مثلك، كأنّك لست ترضى من نفسك، إلّا بهذا القدر؟ قال: وكان يصف من فضائل الشطرنج أشياء، فيقول: هي تعلّم الحرب وتشحذ اللّبّ، وتدرّب الإنسان على الفكر، وتعلّمه شدّة البصيرة. فلو لم يكن فيها شيء من المعوز في غيرها إلّا أن أهل الأرض يلعبون بها منذ ألوف سنين، ما وقع فيها دست معاد قط من أوله إلى آخره [لكفى] «٤» .

стр. 699

١٣٧ يخاف على غلبته في النرد من العين وبلغني عن بعض لعّاب النرد «١» : إنّ لعبا توجه عليه لرسيله «٢» ، فقال له المتوجه عليه اللعب: غلبتك، صلّ على النبي. فقال: لم أفعل ذا؟ فقال: حتى لا [١٨٩ ط] تصيب غلبتي العين. ١٣٨ مقامر بالنرد يكفر إذا خسر وإنّ آخر منهم «٣» ، كان إذا غلب، يكفر، ويعرّض بأنّ غلبه من فعل الله . فامتنع رسيله عن ملاعبته، وقال: هوذا تكفر، ولا ألعب معك. فشارطه أن يلاعبه على أن لا يكفر، فلعب معه، فغلبه دفعات. فقال لرسيله: يا هذا، لست أنقض الشرط «٤» بأن أكفر، ولكن قل أنت: أليس هذا قصد قبيح؟

стр. 700

١٣٩ بحث في عبارة الرؤيا حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي، قال: حدّثني أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب «١» ، قال: وكان أبو هاشم إذا ذكر أبا عليّ «٢» ، قال: قال أبو عليّ، وفعل أبو عليّ، وكان من أمر أبي عليّ، وما سمعناه قط قال: الشيخ، ولا شيخنا، إلّا مرة واحدة، فإنّه حكى شيئا من الكلام، فقال فيه: شيخنا أبو عليّ، قال: وكذا كانت عادته. قال [قال أبو عليّ] : رأى رجل مناما، فجاء يفسره عليّ، فمجمج «٣» . فقلت له: اصدق، فإن المنام لا يكذب فيه. قال: فقال لي: رأيت ذكرك قد طال حتى بلغ إلى عنقك، ثم تطوّق عليه دفعات. فقال له أبو عليّ: أنا رجل يطول ذكري على ذكر الناس مقدار ما رأيت من طول ذكري. قال لي أبو الحسن: ومضى على هذا سنون، فحدّثني أبو عبد الله بن نافع البزّاز جارنا، وكان هذا موسرا، يملك نحو سبعين ألف دينار، وله أولاد ذكور وإناث.

стр. 701

فقال لي: رأيت في المنام ذكري قد تفرّك «١» فلم يبق منه شيء. فذكرت في الحال، تفسير أبي عليّ الرؤيا في أمر ذكره، فقلت في نفسي: إن صحّ القياس فهذا رجل ينقرض ذكره من الدنيا. فما مضت إلّا أيّام، حتى مات أحد أولاده، ثم تتابعت في سنين يسيرة عليه المصائب، فلم يبق له ولد، ثم مات هو بعد ذلك بمدّة فانمحى ذكره على الحقيقة.

стр. 702

١٤٠ ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البرّ والإحسان تجارينا ذكر شدّة زماننا، وفقر الناس [١٦٣ ب] فيه، وضيق أحوالهم، واستحبابهم البخل، حتى إنّ بعضهم يسميّه احتياطا، وبعضهم إصلاحا، وتوصية الناس بعضهم بعضا به، وتحذّر التجّار من معاملات الناس، ومسك الناس أيديهم عن الإحسان إلى أحد، أو برّه، أو إغاثة ملهوف، أو التنفيس عن مكروب، وإنّ ذلك في الأكثر لضيق أحوالهم. فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف «١» : لقد كان يجيء الرجل من أهل العلم، فيجبى «٢» له من أصحابنا «٣» الألف الدرهم، والأقلّ، والأكثر، في يوم، لا يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك، مع قلّة عدد أصحابنا إذ ذاك. ولقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلّم، لجودة قريحته، وكان يحتاج إلى مائة درهم في كل شهر، فكلّمت إبراهيم بن [١٩٠ ط] خفيف الكاتب، صاحب ديوان النفقات، وكان من أصحابنا، ورجلا آخر من أصحابنا، فأجريا عليه مائة درهم في كل شهر، كلّ واحد منهما خمسين درهما، وكان الرجل يأخذها، إلى أن خرج من بغداد، سنين. ولقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي الحسن الكرخي «٤» [رضي

стр. 703

الله عنه] «١» من الفقهاء: يحتاج أهل المجلس إلى أكسية، فقد قرص «٢» الهواء. فقمت أفكر فيمن أخاطبه في ذلك، فاجتزت في طريقي بدار، فقال لي بعض من كان معي: هذه دار تاجر موسر من أهل الخير، فلو خاطبته، ولم أكن أعرفه، فدخلت إليه، فعرفني ولم أعرفه، فقام، وأكرم. وقال لي: حاجتك؟ فذكرت له حال الأكسية. فقال: كم تريدون؟ فقلت: خمسين كساء، فحملها معي في الحال، ففرّقها فيهم. ولقد جاءني منذ أيّام رجل من أهل البيوتات فشكا من خلّته ما أبكاني، وذكر أنّ صلاح أمره في نيف وثلاثين درهما، فما طمعت له فيها من أحد، ولا عرفت من أعلم أنّني إن خاطبته فيها أجاب. وورد لنا في هذه السنة صاحب لأبي هاشم «٣» ، فخاطبنا له جماعة، واجتهدنا في تحصيل شيء له، نغيّر به حاله، فما حصل له من ذلك قليل ولا كثير. ولقد كان في الدرب الذي أنزله هذا، وهو درب مهرويه، خلق من أمراء، وكتّاب، [وتنّاء] «٤» ، وتجّار، حسبت ما كانوا يملكون، فكان أربعة آلاف ألف دينار، وما في هذا الدرب اليوم من يحتوي ملكه على أربعة آلاف درهم، غير أبي العريان، أخي عمران بن شاهين «٥» .

стр. 704

١٤١ قردة على جانب عظيم من الذكاء حدّثني أبو الحسن بن سهيل الحذّاء، قال: حدّثني أبو العباس الفرغاني الصوفيّ، وكان من أصحاب الحديث، ومن الصوفيّة، وممّن يعرف بصدق اللهجة والنسك، قال: رأيت بمكّة قردة عند رجل يريد بيعها، خفيفة الروح، فساومت فيها، فتباعد عليّ في الثمن. فألححت عليه، وقلت له: يا هذا، أخبرني شراءها، واربح ما شئت عليّ. قال: لا أخبرك. فما زلت أداريه، إلى أن قال لي: شراؤها خمسة دراهم. قال: فأومأت القردة إليّ بيدها ثلاثة، أي إنّه اشتراني بثلاثة دراهم. فقلت له: كذبت، شراؤها عليك ثلاثة دراهم. قال: فقام ليضرب القردة، وقال: هذا من عملها. فمنعته، وأعطيته خمسة دراهم، وأخذتها «١» .

стр. 705

١٤٢ مخنث حاضر الجواب حدّثني أبو الحسن «١» بن سهيل [الحذّاء] ، قال: حدّثني أبو العباس الفرغاني الصوفي «٢» وكان ممّن يختم القرآن في ركعة، وكثير الصلاة، وأخفّ الناس روحا، وأشدّهم مجونا، وأطيبهم قولا «٣» ورقصا، قال: اجتزت في الطريق بمخنّث يتغوّط، وهو جالس [١٦٣ ب] ويده على جيهته «٤» ، كأنّه إنسان مغموم [١٩١ ط] . فوقع لي أن أولع به، فقلت: يا أختي، لم أنت مغمومة؟ تخافين ألّا يجيئك بدله؟ خلفه سريع، الله يخلف عليك. فقال لي بالعجلة: ليس غمّي لهذا، ولكن غمّي أنّكم جماعة، وهو قليل، ولا يكفي غداءكم اليوم.
следующие страницы →