← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فقال لي: رأيت في المنام ذكري قد تفرّك «١» فلم يبق منه شيء. فذكرت في الحال، تفسير أبي عليّ الرؤيا في أمر ذكره، فقلت في نفسي: إن صحّ القياس فهذا رجل ينقرض ذكره من الدنيا. فما مضت إلّا أيّام، حتى مات أحد أولاده، ثم تتابعت في سنين يسيرة عليه المصائب، فلم يبق له ولد، ثم مات هو بعد ذلك بمدّة فانمحى ذكره على الحقيقة.

стр. 702

١٤٠ ضيق أحوال الناس أبعدهم عن ممارسة البرّ والإحسان تجارينا ذكر شدّة زماننا، وفقر الناس [١٦٣ ب] فيه، وضيق أحوالهم، واستحبابهم البخل، حتى إنّ بعضهم يسميّه احتياطا، وبعضهم إصلاحا، وتوصية الناس بعضهم بعضا به، وتحذّر التجّار من معاملات الناس، ومسك الناس أيديهم عن الإحسان إلى أحد، أو برّه، أو إغاثة ملهوف، أو التنفيس عن مكروب، وإنّ ذلك في الأكثر لضيق أحوالهم. فقال لي أبو الحسن أحمد بن يوسف «١» : لقد كان يجيء الرجل من أهل العلم، فيجبى «٢» له من أصحابنا «٣» الألف الدرهم، والأقلّ، والأكثر، في يوم، لا يحتاج إلى أحد يخاطبه في ذلك، مع قلّة عدد أصحابنا إذ ذاك. ولقد قدم رجل أردنا أن نرتبطه ليتعلّم، لجودة قريحته، وكان يحتاج إلى مائة درهم في كل شهر، فكلّمت إبراهيم بن [١٩٠ ط] خفيف الكاتب، صاحب ديوان النفقات، وكان من أصحابنا، ورجلا آخر من أصحابنا، فأجريا عليه مائة درهم في كل شهر، كلّ واحد منهما خمسين درهما، وكان الرجل يأخذها، إلى أن خرج من بغداد، سنين. ولقد قال لي يوما بعض من حضر إلى مجلس أبي الحسن الكرخي «٤» [رضي

стр. 703

الله عنه] «١» من الفقهاء: يحتاج أهل المجلس إلى أكسية، فقد قرص «٢» الهواء. فقمت أفكر فيمن أخاطبه في ذلك، فاجتزت في طريقي بدار، فقال لي بعض من كان معي: هذه دار تاجر موسر من أهل الخير، فلو خاطبته، ولم أكن أعرفه، فدخلت إليه، فعرفني ولم أعرفه، فقام، وأكرم. وقال لي: حاجتك؟ فذكرت له حال الأكسية. فقال: كم تريدون؟ فقلت: خمسين كساء، فحملها معي في الحال، ففرّقها فيهم. ولقد جاءني منذ أيّام رجل من أهل البيوتات فشكا من خلّته ما أبكاني، وذكر أنّ صلاح أمره في نيف وثلاثين درهما، فما طمعت له فيها من أحد، ولا عرفت من أعلم أنّني إن خاطبته فيها أجاب. وورد لنا في هذه السنة صاحب لأبي هاشم «٣» ، فخاطبنا له جماعة، واجتهدنا في تحصيل شيء له، نغيّر به حاله، فما حصل له من ذلك قليل ولا كثير. ولقد كان في الدرب الذي أنزله هذا، وهو درب مهرويه، خلق من أمراء، وكتّاب، [وتنّاء] «٤» ، وتجّار، حسبت ما كانوا يملكون، فكان أربعة آلاف ألف دينار، وما في هذا الدرب اليوم من يحتوي ملكه على أربعة آلاف درهم، غير أبي العريان، أخي عمران بن شاهين «٥» .

стр. 704

١٤١ قردة على جانب عظيم من الذكاء حدّثني أبو الحسن بن سهيل الحذّاء، قال: حدّثني أبو العباس الفرغاني الصوفيّ، وكان من أصحاب الحديث، ومن الصوفيّة، وممّن يعرف بصدق اللهجة والنسك، قال: رأيت بمكّة قردة عند رجل يريد بيعها، خفيفة الروح، فساومت فيها، فتباعد عليّ في الثمن. فألححت عليه، وقلت له: يا هذا، أخبرني شراءها، واربح ما شئت عليّ. قال: لا أخبرك. فما زلت أداريه، إلى أن قال لي: شراؤها خمسة دراهم. قال: فأومأت القردة إليّ بيدها ثلاثة، أي إنّه اشتراني بثلاثة دراهم. فقلت له: كذبت، شراؤها عليك ثلاثة دراهم. قال: فقام ليضرب القردة، وقال: هذا من عملها. فمنعته، وأعطيته خمسة دراهم، وأخذتها «١» .

стр. 705

١٤٢ مخنث حاضر الجواب حدّثني أبو الحسن «١» بن سهيل [الحذّاء] ، قال: حدّثني أبو العباس الفرغاني الصوفي «٢» وكان ممّن يختم القرآن في ركعة، وكثير الصلاة، وأخفّ الناس روحا، وأشدّهم مجونا، وأطيبهم قولا «٣» ورقصا، قال: اجتزت في الطريق بمخنّث يتغوّط، وهو جالس [١٦٣ ب] ويده على جيهته «٤» ، كأنّه إنسان مغموم [١٩١ ط] . فوقع لي أن أولع به، فقلت: يا أختي، لم أنت مغمومة؟ تخافين ألّا يجيئك بدله؟ خلفه سريع، الله يخلف عليك. فقال لي بالعجلة: ليس غمّي لهذا، ولكن غمّي أنّكم جماعة، وهو قليل، ولا يكفي غداءكم اليوم.

стр. 706

١٤٣ الشاعر أبو نصر البنص وجارية بغدادية حدّث أبو حامد القاضي الخراساني «١» ، قال: قال لي أبو نصر البنص «٢» : جزت في أيّام زيادة الماء على دار في دجلة، فإذا روشن «٣» حسن، وعليه جوار يلعبن، فأخذن يولعن بي «٤» . فأنعظت، وكشفت أيري، ونمت، فقام منتصبا، فصحت: الهليون الرطب «٥» .

стр. 707

فكشفت إحداهن عن حرها، وصاحت: الفرانيّ السميذ «١» . فعطعط «٢» الملّاحون بنا. ١٤٤ فص حجر خاصيته طرد الذباب حدّثني أبو الخطّاب محمد بن عليّ بن إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ «٣» ، قال: كان لأبي فصّ حجر خمريّ اللون، عليه صورة ذبابة، وقد شاهدته غير دفعة، يأخذه «٤» ، فيجعله في دكان اللبّان، وهو مملوء ذبابا، فيتطاير الذباب كلّه عنه، فلا تبقى واحدة، فإذا نحّاه رجع الذباب، فإذا عاد تنحّوا. وقد شاهدت ذلك غير دفعة «٥» .

стр. 708

١٤٥ أسد بن جهور وكثرة نسيانه حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول التنوخيّ «١» قال: حدّثني أبي «٢» [﵁] «٣» ، قال: كان أسد بن جهور «٤» ، كثير النسيان، فحضرته يوما في مجلس عبيد الله ابن سليمان «٥» ، وهو يخاطبه في أمر من الأمور، فيقول له أسد: سمعا «٦» لأمر القاضي أعزّه الله، وقد نسي أنّه الوزير. قال: وكان إلى جانبه أبو العباس بن الفرات «٧» ، فغمزه أبو العباس، وقال: قل الوزير. فقال: نعم، أعزّ الله القاضي. فضحك ابن الفرات وقال: لست القاضي، فارجع إلى صاحبك فقضّه «٨» .

стр. 709

١٤٦ أسد بن جهور يطلب الماء للدواة مرارا ثم يشربه قال «١» : وكنت يوما عند أسد، فجفّت دواته وهو يكتب منها. فقال: يا غلام كوز ماء للدواة. فجاء الغلام بالكوز ليصبّه فيها، فأخذه وشربه، ومضى الغلام. فقال: ويلك، هات الماء للدواة. فجاءه به ثانية، فشربه أيضا، ومضى الغلام، واستمدّ من الدواة فكانت أجفّ. فقال: ويلكم، كم أطلب ماء للدواة ولا يجيئني «٢» . فجاؤوه بكوز ثالث، فأخذه ليشربه «٣» . فقال الغلام: يا سيّدي، تصبّ في الدواة أولا. فقال: نعم، نعم، فصبّه في الدواة «٤» .

стр. 710

١٤٧ بين أبي بكر الأزرق التنوخي وأسد بن جهور قال «١» : وأخرجني ابن الفرات في سنة تسع وتسعين «٢» ، أنظر في أمر إصلاح الطريق ونفقات الموسم «٣» ، وسبّب لذلك مالا على الكوفة، وأسد بن جهور عاملها «٤» . فلما جئتها، وكان لي صديقا، تأخّر عن قصدي، فتأخّرت عنه أيضا، فولّد بيننا ذلك وحشة، فاستقصيت عليه في المطالبة بالمال، وتقاعد بي، فصارت مكاشفة. فكتبت إلى الوزير أحرّضه عليه، وكتب يتشكّاني [١٦٥ ب] ، فوردت [١٩٢ ط] الكتب إلى شاكر الإسحاقي، وهو أمير الكوفة «٥» ، أن يجمع بيننا في المسجد، ولا يبرح، ولا ينفصل، أو يرضيني بالمال. فركبت، وجئت إلى باب الإسحاقي، ولم أدخل، وعرّفته ما ورد، وانّني متوجه إلى الجامع. فركب ولحقني، وقال: ورد عليّ مثل هذا. فقلت: تحضر أسد، فركب إليه، فأحضره.

стр. 711

فحين اجتمعنا تخارجنا في الكلام، إلى أن قلت له: أتظنّ أنّي لا أعرف أباك، وأنّه كان راجلا «١» على باب ديوان الضياع، برزق دينارين في الشهر. قال: وكان اجتماعنا في أوّل يوم من شهر رمضان، فلم ينته الكلام إلى فصل، وجاءت المغرب «٢» ، فقام شاكر ليركب، وأسد معه، فجلست أنا. فقالا: لم تجلس؟ فقلت: أنا لا أخالف أمر الوزير، ولا أبرح إلّا بفصل، أو بالمال. فقال شاكر لأسد: اجلس معه ولا تبرح. وقال لي: لولا أنّ قعودي معكما لا فائدة فيه، ويضرّني، لقعدت، واعتذر إليّ، فعذرته، وانصرف. وقمت أنا إلى موضع من الجامع، يقال له قبّة خالد، فجلست عنده أصلّي، وجلس أسد مكانه، وأنفذ إلى داره يستدعي الإفطار، وأنفذت إلى داري، فجاء طعامه وطعامي معا. فقام إليّ، وسألني أن أجعل إفطاري معه، [وفرغ الجامع إلا من أصحابنا] «٣» ، وبسطت سفرته، وأصلحت مائدته. وأقبل أسد يسألني المجيء إليه، وأنا أمتنع، إلى أن حلف، وكنت أعرف بخله. فقلت لغلماني: أخرجوا طعامنا فصدّقوا «٤» به، على من حوالي الجامع، ففعلوا.

стр. 712

وجئت، فأكلت معه منبسطا، أكل صائم، ولونه يتغيّر، ولا يقدر على النطق، فتقطّعت نفسه. ولم نزل متلازمين في الجامع، خمسة عشر يوما «١» من رمضان إلى أن راج المال، وأنا أواكله هكذا. فلما افترقنا، انعلّ بعد العيد بأيّام، علّة مات منها. فقلت: إنّا لله، ليت لا يكون ما عملته معه سببا لموته غمّا «٢» .

стр. 713

١٤٨ بين طاهر بن يحيى العلوي وأحد أصحابه حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، قال: حدّثني أبو القاسم عليّ بن الأخزر «١» المشهور بعلم النحو، وكان نبيلا، جليلا [ثقة] «٢» مرتفعا عن الكذب، قال: حججت، فدخلت إلى طاهر بن يحيى العلويّ، أسلّم عليه، فجاءه رجل، فقبّل رأسه ويديه، وأخذ يعتذر إليه. فقال: لا تعتذر، فقد زال ما في نفسي، وقبلت عذرك، وإن شئت أخبرتك عن قصدك إيّاي، وسبب عذري لك من قبل أن تخبرني. فتعجّب الرجل، وقال: افعل يا سيّدي. قال: إنّك رأيت رسول الله صلى الله عليه في منامك، فعاتبك على قطع عادتك عني [١٩٣ ط] إذا دخلت المدينة حاجّا، وإنّك طويتني عدّة حجج دخلت فيها إلى المدينة ولم تجئني. فقلت له: إنّ الحياء [١٦٦ ب] منعك من قصدي، وإنّك لا تأمن أن لا أبسط عذرك. فقال لك: إنّي آمر طاهر ببسط عذرك، فلا تجف «٣» ولدي، وصله، فجئت إليّ، فقال الرجل: كذا والله كان، فمن أين لك يا سيّدي هذا؟ قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه، في المنام، وأخبرني بما جرى بينكما على هذا الشرح.

стр. 714

١٤٩ يا قديم الإحسان حدّثني أبو الحسن أيضا «١» ، قال: كان في باب الشام «٢» رجل يقال له: لبيب العابد «٣» ، زاهد، ناسك، صالح، فأخبرني، قال: كنت مملوكا روميّا، فمات مولاي، فعتقني «٤» ، فحصّلت لنفسي رزقا برسم الرجّالة «٥» ، وتزوّجت بستّي، زوجة مولاي، وقد علم الله، أنّي لم أتزوجها إلّا لصيانتها، لا لغير ذلك، فأقمت معها مدّة. ثم إنّي رأيت يوما حيّة وهي داخلة إلى جحرها، [فأخذتها، فمسكتها بيدي] «٦» ، فانثنت عليّ، فنهشت يدي، فشلّت، ثم شلّت الأخرى بعد مدّة، ثم زمنت رجلاي، واحدة بعد أخرى، ثم عميت، ثم خرست. فمكثت على هذه الحال سنة، لم تبق فيّ جارحة صحيحة، إلّا سمعي، أسمع به ما أكره. وكنت طريحا على ظهري، لا أقدر على إشارة، ولا إيماء، فأسقى

стр. 715

وأنا ريّان، وأترك وأنا عطشان، وأطعم وأنا ممتلىء، وأفقد الطعام وأنا جائع، لا أدفع عن نفسي، ولا أقدر على إيماء بما يفهم مرادي منه. فدخلت امرأة بعد سنة إلى زوجتي، فسألتها عنّي، فقالت: كيف لبيب؟ فقالت لها، وأنا أسمع: لا حيّ فيرجى، ولا ميت فينسى. فغمّني ذلك، وبكيت، وضججت إلى الله تعالى في سرّي «١» . وكنت في جميع ذلك الحال، لا أجد ألما في شيء من جسمي، فلمّا كان في ذلك اليوم، ضرب بدني كلّه ضربا شديدا لا أحسن أن أصفه، وألمت ألما مفرطا. فلمّا كان في الليل، سكن الألم، فنمت، وانتبهت، ويدي على صدري، فعجبت من ذلك وكيف صارت يدي على صدري، ولم أزل مفكّرا في ذلك، ثم قلت لعل الله قد وهب عافيتي، فحركتها، فإذا هي قد تحركت، ففرحت، وطمعت في العافية. وقلت: لعلّ الله أذن بخلاصي، فقبضت إحدى رجليّ إليّ، فانقبضت، وبسطتها، فانبسطت، وفعلت بالأخرى كذلك، فتحركت، فقمت قائما، لا قلبة بي، ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه، فخرجت إلى الدار، ورفعت طرفي، فرأيت الكواكب، وإذا أنا قد أبصرت، ثم انطلق لساني، فقلت: يا قديم الإحسان، بإحسانك القديم. ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو عليّ. فقلت: الساعة صرت أبو عليّ. فأسرجت، وطلبت مقراضا، وكان لي سبال كما يكون للجند،

стр. 716

فقصصته، فضجّت من ذلك، وقالت: ما [١٩٤ ط] هذا؟ فقلت: بعد هذا لا أخدم غير ربّي، فصار هذا سبب عبادتي. قال: وخبره [١٦٧ ب] مستفيض، ومنزلته في العبادة مشهورة، وصارت هذه الكلمة عادته، لا يقول في حشو كلامه، وأكثر أوقاته غيرها: يا قديم الإحسان. قال: وكان يقال: إنّه مجاب الدعوة، وكان الناس يقولون إنّه رأى النبي ﷺ ، فمسح يده عليه، فسألته عن ذلك، فحدّثني بهذا الحديث، وقال: ما كان سبب عافيتي غيره. قال: وقال لي: كان لي قراح على شاطىء دجلة، بالمدائن، وكان فيه تلال وأشياء ينبغي أن تستخرج، ويطمّ بها مواضع فيه، فتحتاج إلى رجال كثيرة. فكنت ليلة فيه، وكانت قمراء، [فاجتاز بي خلق كثير من الفعلة، قد انصرفوا من عمل بثق، فرأوني] «١» فعرفوني. فقلت لهم: هل لكم أن تكسحوا هذا القراح الليلة، وتسوّوا تلوله بالأرض، وتأخذوا مني كذا وكذا. فقالوا: نعم، أتحفنا «٢» بالأجرة، فعملوا ذلك، فأصبحنا وقد صار أرضا مستوية. فقالت العامة: الملائكة أصلحوه، وكذبوا، ما كان غير هذا.

стр. 717

١٥٠ الحلاج في جامع البصرة حدّثني أبو الحسين محمد بن عبيد الله القاضي المعروف بابن نصرويه «١» قال: حملني [خالي] «٢» معه إلى الحسين بن منصور الحلّاج «٣» ، وهو إذ ذاك في جامع البصرة، يتعبّد، ويتصوّف، ويقرئ، قبل أن يدّعي تلك الجهالات «٤» ، ويدخل في ذلك. وكان أمره إذ ذاك مستورا، إلّا أن الصوفية تدّعي له المعجزات من طرائق التصوف، وما يسمّونه معونات، لا من طرائق المذهب «٥» . قال: فأخذ خالي يحادثه، وأنا صبيّ جالس معهم، أسمع ما يجري. فقال لخالي: قد عملت على الخروج من البصرة. فقال له خالي: لم؟

стр. 718

قال: قد صيّر لي أهل هذا البلد حديثا، وقد ضاق صدري، وأريد أن أبعد عنهم. فقال له: مثل ماذا؟ قال: يرونني أفعل أشياء، فلا يسألونني عنها، ولا يستكشفونها فيعلمون أنّها ليست كما وقع لهم، ويخرجون ويقولون: الحلّاج مجاب الدعوة، وله معونات قد تمّت على يده، وألطاف، ومن أنا حتى يكون لي هذا؟ بحسبك، إنّ رجلا حمل إليّ منذ أيّام دراهم، وقال لي: اصرفها إلى الفقراء، فلم يكن يحضرني في الحال أحد، فجعلتها تحت بارية «١» من بواري الجامع، إلى جنب أسطوانة عرفتها، وجلست طويلا فلم يجئني أحد، فانصرفت إلى منزلي، وبتّ ليلتي، فلما كان من غد، جئت إلى الأسطوانة، وجلست أصلّي، فاحتفّ بي قوم من الصوفيّة، فقطعت الصلاة، وشلت البارية، وأعطيتهم تلك الدراهم. فشنعوا عليّ بأن قالوا: إنّي إذا ضربت يدي إلى التراب صار في يدي دراهم. قال: وأخذ يعدّد مثل هذا أشياء، فقام خالي عنه، وودّعه، ولم [١٦٨ ب] يعد إليه. وقال: هذا منمّس، وسيكون له بعد هذا شأن. فما مضى إلّا قليل، حتى [١٩٥ ط] خرج من البصرة، وظهر أمره وتلك الأخبار عنه «٢» .

стр. 719

١٥١ جحظة البرمكي يغضب من خسارته في النرد حدّثني أبو الحسن أحمد بن يوسف التنوخي، قال: حدّثني أبو علي ابن الأعرابي الشاعر قال: كنت في دعوة جحظة، فأكلنا، وجلسنا نشرب، وهو يغنّي، إذ دخل رجل، فقدّم إليه جحظة زلّة كان زلّها له من طعامه ونحن نأكل، وكان بخيلا على الطعام. قال: وكأنّ الرجل، كان طاوي سبع «١» ، فأتى على الزلّة، وشال الطيفورية فارغة، وجحظة يرمقه بغيظ، ونحن نلمح جحظة، ونضحك. فلما فرغ، قال له جحظة: تلعب معي بالنرد؟ فقال: نعم. فوضعاها بينهما، ولعبا، فتوالى الغلب على جحظة من الرجل، بأن تجيء الفصوص «٢» على ما يريد الرجل من الأعداد. فأخرج جحظة رأسه من قبّة الخيش، إلى السماء، وقال، كأنّه يخاطب الله تعالى: لعمري، إنّي أستحق هذا، لأنّي أشبعت «٣» من أجعته.

стр. 720

١٥٢ بين مؤذن ومحتسب وحدّثني «١» ، قال: سمعت بعض شيوخنا يحكون: إنّ رجلا مؤذّنا عادى محتسبا، فأحضره. فقال له: أيّ شيء بيننا، مما يوجب استدعاءك لي. قال: أريد أن تعرّفني وقت الصلاة، فإن كنت عالما بها، وإلّا لم أدعك تؤذّن مع الناس بالصلاة في غير وقتها. ووجده غير قيّم بذلك، فمنعه من الأذان.

стр. 721

١٥٣ أبو بكر بن دريد كان آية في الحفظ وحدّثني «١» ، قال: حدّثني جماعة، عن أبي بكر بن دريد «٢» ، أنّه قال: كان أبو عثمان الأشنانداني معلّمي، وكان عمّي الحسين بن دريد يتولّى تربيتي، فإذا أراد الأكل، استدعى أبا عثمان، فأكل معه. فدخل عمّي يوما، وأبو عثمان المعلّم يروّيني قصيدة الحارث بن حلّزة «٣» التي أوّلها: آذنتنا ببينها أسماء فقال لي عمّي: إذا حفظت هذه القصيدة، وهبت لك كذا وكذا. ثم دعا بالمعلّم ليأكل معه، فدخل إليه، فأكلا، وقعدا بعد الأكل ساعة، فإلى أن خرج المعلّم، حفظت ديوان الحارث بن حلّزة بأسره. فخرج المعلّم، فعرّفته ذلك، فاستعظمه، وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمّي، فأخبره، فأعطاني ما كان وعدني. قال: وكان أبو بكر واسع الحفظ جدا، ما رأيت أحفظ منه، كان يقرأ عليه دواوين العرب كلها، أو أكثرها، فيسابق إلى حفظها فيحفظها. وما رأيته قط قرئ عليه ديوان شاعر، إلّا وهو يسابق إلى قراءته [لحفظه له] «٤» .

стр. 722

١٥٤ البربهاري رئيس الحنابلة ببغداد حدّثني أبو الحسن، قال: سمعت أبا محمد السليماني الهاشمي، المعروف بعباد [رحله] «١» ، وقد جرى ذكر [١٦٩ ب] البربهاري «٢» بحضرته، فقال: وقف يوما للقاهر «٣» ، فقال: يا أمير المومنين أهلك الهاشميين. فقال القاهر: أفعل، وإنّما أراد أن يذكّره بهم، ويقول: أهلك. ورأى عينا هائجة، فقال: لو استعمل لها الخضرط، عوفيت. فقيل له: ليس هو الخضرط. فقال: نعم، غلطت، هو الخضخض. فسكتوا عنه، وإنّما أراد الحضض «٤» .

стр. 723

١٥٥ أبو الفرج الببغاء ينشىء نسخة كتاب على لسان الأمير سيف الدولة بشأن الفداء حدّثني أبو الفرج الببغاء «١» ، قال: لمّا [١٩٦ ط] أقام سيف الدولة الفداء «٢» ، بشاطىء الفرات في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة «٣» ، لزمه عليه خمسمائة ألف دينار، في شراء الأسارى، والأموال التي وصلهم بها، ورمّ بها أحوالهم. وأخرج جميع ذلك من ماله، صبرا واحتسابا، وطلبا للثواب والذكر، من غير أن يعاونه أحد من الملوك عليه، ولا غيرهم. وكان ذلك خاتم أعماله الحسنة، وأفعاله الشريفة، التي تجاوز الوصف، وتفوت العدّ. فلما فرغ من ذلك، تقدّم إلى كل من بحضرته، في الوقت، من أهل الكتابة، أن ينشىء كل واحد منهم، نسخة كتاب ليكتب عنه إلى من في البلدان من الجيش والرعية، بخبر تمام الفداء، ووصف الحال فيه. فكتبت عنه في ذلك: كتابنا، تولّاكم الله بكفايته، وحرسنا فيكم بناظر رعايته، من معسكرنا بالبقعة المعروفة بالمعقلة من شاطىء الفرات، بعد إمضائنا أمر الفداء الذي اختصّنا الله فيه بشرف ذكره، وانتخبنا للنهوض بمعظم أمره، وولينا

стр. 724

بالمعونة في تحمّل ثقله، ووفّقنا للفوز بإحراز فضله، بعد أن استراحت فيه النيات إلى الغفلة، ومطاوعة الشحّ، ومساكنة الراحة، وتظنّون بالله الظنون. فالحمد لله حمدا نستديم بالإخلاص فيه مدد عوارفه وأياديه، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله. ولما كانت منح الله تعالى لدينا، ونعمه المتظاهرة علينا، أعظم من أن تطاول بثناء، وأجلّ من أن تقابل بجزاء، رأينا الاعتراف بما أحرزناه من سالفها، والإشادة بما قابلناه من مستأنفها، أقدر على استزادتها، وأولى بحراستها. ولم نزل، ولله المنة، منذ عرفنا ما ندبنا إليه، وتأملنا ما حضّنا عليه، من الخفوف لجهاد الكافرين والتعبّد بقتال المخالفين، بين رأي يتضمّن التوفيق عواقبه، وعزم يصرع الإقبال مغالبه، و [فتح يجمع الإسلام أثره، وبلاء تتداول الأيّام خبره] «١» . ولا ننصرف عن غزو إلّا إلى نفير «٢» ، ولا نتشاغل بنظر إلّا إلى تدبير، ولا نعتدّ بالمال إلّا ما أنفقناه، ولا نسرّ بذخر إلّا ما أنفدناه «٣» ، فيما حرس الأمّة، وحصّن الملّة، وبثّ العدل، وجمع الشمل [١٧٠ ب] . إلى أن استعبدنا ملوكهم بالأسر، وجسنا ديارهم «٤» بكتائب النصر، وأوحشنا المراتب من أربابها، واستنزلنا عن الحصون «٥» أصحابها، وفجعنا ملكهم بصهره وابن أخته قهرا، وأثكلنا أخاه مراغمة وصغرا.

стр. 725

فلما أدلنا الحق من الضلال، وأعاده الله تعالى بنا من العزّ إلى أشرف حال «١» ، عدلت السيوف عن دمائهم إلى أغمادها، واستبدلت إصدارها بإيرادها، ونصلت الرماح أسنّتها، وطاوعت الخيل أعنّتها، واستماحتنا الأعداء إلى الموادعة، ورغبت إلينا بالتضرع في المسألة. واستفتحوا ذلك بطلب الفداء الذي لا يسعنا الامتناع منه، ولا نجد تأوّلا في الإضراب عنه. فرأينا بعد الإثخان في الأرض، فكّ من في أيديهم من الموحّدين، ومن في رقّهم من المسلمين [١٩٧ ط] ، أفضل كاسب لعاجل الشكر، وأوفى ضامن لآجل الأجر. فأنفذنا إلى سائر الأقطار، وبثثنا الأصحاب في جميع الأمصار، لإحصاء السبي وانتزاعه، والتوفّر على جمعه وابتياعه، من خالص ملكنا، وخاصّ مالنا، من غير مسامحة لأحد من أهل زماننا في معاونتنا، بغير الثياب التي شركناهم بها في نيل الحمد وكسب المثوبة. وأضفناهم إلى من ملكناه بحكم الرماح، وأحرزناه بقهر الخيل والصفاح، من أكابر البطارقة، وأنجاب الزراورة، ووجوه الأعلاج، وأنجاد الأنجاس «٢» . ولم يزل من سلف قبلنا من الملوك، وتقدّمنا من السلاطين، في عقد الهدن، وإقامة الأفدية، يرغب إلى سائر نظرائه، وذوي السعة من أتباعه، والمكنة من رعيته، في معاونته بالأحوال، ومعاضدته ببذل الأموال. وأبى الله لنا إلّا التفرّد بأجر ذلك وشكره، وحميد أثره، وجميل ذكره.

стр. 726

وندبنا أكابر الغلمان، وثقاة الخدم، لتسييرهم بأعمّ رأفة وأتمّ رفق، حسب ما أمرنا به من ترفيه السبي، ومراعاة الأسرى، إلى أن عبرنا بجميعهم من الفرات، بحيث سألنا صاحبهم الانجذاب إليه، ورغب إلينا في النزول عليه، تأنّسا بمجاورة الدروب المستصعبة، وحذرا من مفارقة الجبال المستعصمة. فلما اقتضى قربنا سرعة المسير، وتنجّزه دنوّنا لإمضاء الأمر بعد التقرير. أقدم مرتابا بإقدامه، وسار متّهما عواقب رأيه واعتزامه، بجموع يفرّق الجزع آراءها، وقلوب يشتت الخوف أهواءها، وأفكار مكدودة بالوجل، ومنن «١» مستعبدة لأوامر الفشل، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدوّ فاحذرهم، إلى أن حلّ بفنائنا ملقيا مقاليد أمره [١٧١ ب] إلى الاستسلام، وآخذا من وفائنا بأوكد ذمام. وافتتحنا الفداء يوم السبت غرّة رجب الذي هو غرّة الأشهر الحرم، وقد عرّف الله تعالى المسلمين ما استودعناه من صالح الأعمال، وزكيّ الأفعال، وتعجّل البركات، وتناصر الخيرات، فاستمرّ بأكمل هدي، وأنجح سعي، وأبسط قدرة، وأعمّ نصرة، وأعزّ سلطان، وأوضح برهان، وكلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والله عزيز حكيم. ولم تزل الحال في ذلك جارية على أحكم نظام، وأحسن التئام، إلى أن استنقذ الله بنا من كاد تطاول الأسر يستغويه، والإياس من الخلاص أن يرديه، وهم على أفضل ما عهدناهم عليه من حسن اليقين، والتمسّك بعصم الدين. وسار عنّا من فاديناه من البطارقة المذكورين، والزراورة المشهورين، بأجسام ضاعنة، وقلوب قاطنة، تتلفّت إلى ما خلّفته من غامر تفضّلنا، وألفته من ألطاف تطوّلنا.

стр. 727

فهم بعد الفداء موثقون في أسر الإحسان، ومع الخلاص مقرونون برقّ التطوّل والامتنان. ولما أحضرونا من أسروه من الأعمال [النازحة، والبلدان الشاسعة، ولم نستخر ادّخار الأموال] «١» عن خلاصهم [١٩٨ ط] ولا الشحّ بها عن تعجيل فكاكهم، فابتعناهم من الأثمان بأعظمها، ومن الأموال بأجسمها، ولم نطع في ادّخار الذهب والفضة، المقرون بمخاوف الوعيد، وفظيع التهديد، أمر الشكّ في ربح الصفقة بمتاجرة الله تعالى، جلّ اسمه واثقين بعاجل الخلف، وآجل الجزاء، وذلك الفوز العظيم. وتداركنا من عمارة أحوالهم، ما كان مختلا بمعاناة الفقر، ومتهافتا بتطاول الأسر، وانقلبنا قافلين بأسعد منقلب، وأربح مكتسب، وأتم إقبال، وأجمل حال، بعد أن أجفل العدوّ خذله الله، مستطيلا مدّة إقامته، وشاكّا في إحراز سلامته، متوهّما أن الخيول تطلبه، والرماح تتعقّبه، لا يعرّج على ضعفاء ساقته، ولا يلوي على أخصّ من في جملته. وتقدّمنا بمكاتبة أوليائنا، وكافّة رعيّتنا، بذكر ما هيأه الله لنا من تظاهر النعم، وتواتر القسم، وليشهروا ذلك على منابر الصلوات، ويعلنوه بالرسائل والمكاتبات، إذ كان ما يتوجّه بالله سبحانه من تتابع [النعم و] «٢» المنح، وتواصل العوارف، عائدا على الملّة، ومساويا بالنفع به الأمّة. فالحمد لله الذي اختصّنا من اختياره، وأفردنا بإيثاره، بما رآنا له أهلا لخلافة نبيّه ﷺ في حراسة أمّته، وإعزاز كلمته. وإليه نرغب في توفيقنا للاعتراف بعوارفه، لما تكون به النعم محروسة [١٧٣ ب] والموهبة محفوظة، لا ينتقصها كفران، ولا يرتجعها عدوان، إن شاء الله تعالى.

стр. 728

١٥٦ الشاعر المعوجّ يمدح بدر الحمامي حدّثني أبي، قال: حدّثني المعوجّ، قال: كبا الفرس ببدر الحمامي «١» ، وافتصد، فدخلت إليه، فأنشدته أبياتا عملتها في الحال، وهي: لا ذنب للطّرف إن زلّت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس حمّلت بأسا وجودا فوقه وندى ... وليس يقوى بهذا كلّه الفرس قالوا افتصدت فما نفس العلى معها ... خوفا عليك، ولا نفس لها نفس كفّ الطبيب دعا كفا يقبلها ... ويطلب الرزق منها حين يحتبس فأمر لي بخمسة آلاف درهم، فأخذتها وانصرفت.

стр. 729

١٥٧ الشاعر الصروي يمدح صاحب النشوار وكنت سقطت من بغلة، فعمل أبو القاسم عبيد الله، قصيدة أنشدنيها، منها: أسمت فتاة العير حمل العلى وقد ... نهيت من الإشفاق عن حملك القبّا «١» ومشيّتها تحت الشريعة والقضا ... ولو سمت رضوى حمل ذين قضى نحبا فيا عجبا أن لم يسخ رسغها القضا ... وما هدّ ثقل الدين من متنها الصلبا ومن ذا يطيق الطود حملا «٢» إذا رسا ... ومن يحمل البحر الخضّم إذا عبّا [١٩٩ ط] فزلّت ببدر منك لم يخف نوره ... وغيث حيا أحيا بسقطته التربا وقمت سليم الجسم يدعو لك الثرى ... ويلثم منك الرجل والنعل والركبا نهنّي بك المحراب والآي والتقى ... ودستك والأقلام والحكم والكتبا

стр. 730

١٥٨ أبيات من نظم أبي القاسم عبيد الله بن محمد الصروي أنشدني أبو القاسم عبيد الله بن محمد الصروي، لنفسه، يصف زرّاقة النفط: وصفراء في فيها لعاب كلونها ... إذا قذفته لاعب الريح واستنّا يجلّله «١» من بطنها في خروجه ... رداء دجى حتى يصير لها حصنا لها ذنب في رأسه ذنب له ... إذا جرّ منها ردّ في جوفها طعنا يمجّ بروقا بين ليلين من حشا ... إلى فم أفعى ما ترى بينه سنّا تخوض الوغى عريانة لتخيفه ... ولو سئلت لم تعرف الخوف والأمنا وأنشدني لنفسه: وناولني في أسفل الكأس فضلة ... مزعفرة صفراء والكأس أبيض كنرجسة في الروض ترنو بمقلة ... مذهبّة والجفن منها مفضّض وأنشدني لنفسه في صفة إبريق وساق: ولاح لنا الإبريق من كفّ شادن ... له وجنة من لحظنا أبدا تدمى كملحوظة مدّت يدا دون وجهها ... وأخرى بها ردّت على رأسها «٢» الكمّا على شعر في عارضيه كأنّما ... زرعن المها أجفانها فيه والسقما كأنّ الليالي قد عددن سنينه ... فصيرن في خديّه داراته رقما

стр. 731

وأنشدني لنفسه يصف مجدورا: بدر وغصن «١» من فوق دعص نقا ... لم أصغ في حبّه إلي لاحي له لحاظ مرضى بلا سقم ... سكرى من الغنج تسكر الصاحي جدّر فاعتاض من تورّده ... بصفرة في ملثّم ضاح كأنّه فوق خدّه حبب ... يلعب بعد المزاج في الراح [١٧٣ ب] وأنشدني لنفسه في كانون: كأنّ تأجج كانوننا ... تكاثف نور من العصفر وأحدث إخماده زرقة ... تأجّج في مدمج أحمر كبركة خمر بحافاتها ... بقايا تفتّح نيلوفر «٢» وأنشدني لنفسه أيضا في كانون: أنظر إلى كانوننا ... يضحك من غير فرح كحمرة في شفق ... دبّجها قوس قزح [٢٠٠ ط]

стр. 732

١٥٩ لأبي الفرج الببغاء في وصف كانون وحدّثني أبو الفرج الببغاء «١» ، قال: كنت بحضرة أبي العشائر بن حمدان «٢» ، وبين يديه كانون، قد عمل النار في باطن فحمه، فعملت في الحال، وأنشدته: ومجلس حلّ من يحلّ به ... من المعالي في أرفع الدرج أمسى ندام الكانون فيه لنا ... أكثر أنس النفوس والمهج يبدي لنا ألسنا كالسنة الحيّات ... من ثابت ومختلج لما بدا الفحم فيه أسود كالليل ... وبثّ الشرار كالسرج ودبّ صبغ اللهيب فيه بتضريج ... خدود «٣» الشقائق الضرج ظننت شمس الضحى به انكشفت ... للخلق في قبّة من السبج

стр. 733

١٦٠ لأبي الفرج الببغاء في صفة شمعة أنشدني لنفسه «١» في صفة شمعة: وصفر كأطراف العوالي قدودها ... قيام على أعلى كراس من الصّفر «٢» تلبّسن من شمس الأصيل غلائلا ... فأشرقن في الظلماء بالخلع الصّفر عرائس يجلوها الدجى لمماتها ... وتحيا إذا أذرت دموعا من التبر إذا ضربت أعناقها في رضا الدجى ... أعارته من أنوارها خلع الفجر تبكّى على أحشائها بجسومها ... فأدمعها أجسامها أبدا تجري علاها ضياء عامل في حياتها ... كما تعمل الأيّام في قصر العمر

стр. 734

١٦١ للسري الرفاء في الغزل أنشدني غير واحد، قالوا: أنشدنا سري بن أحمد [الكندي] «١» الرفاء «٢» ، لنفسه: وذي غنج يرنو بمقلة جؤذر ... متى يعد فيه «٣» خالع العذر يعذر له فوق ورد الخدّ خال كأنّه ... إذا احمرّ ورد الخدّ نقطة عنبر

стр. 735

١٦٢ بين قاضي القضاة أبي السائب والشاعر ابن سكّرة الهاشمي أخبرني جماعة من أهل عصرنا من المتأدبين ببغداد: أنّ أبا الحسن محمد بن عبد الله بن سكّرة «١» الهاشمي، دخل إلى قاضي القضاة أبي السائب عتبة بن عبيد الله «٢» ، وهو جالس للحكم، فكتب رقعة كالقصص، ودفعها إليه، وقد كان مدحه فتأخّرت صلته عنه. فلما قرأها أبو السائب، لم يبن في وجهه غضب، ولا نكير، ووقّع فيها شيئا بخطّه. وقال: أين رافع هذه القصّة؟ فقام ابن سكرة، فدفعها إليه، فأخذها مقدّرا أنّ فيها ما يستكفّ لسانه عنه من صلة أو برّ، فلما قرأها استحيا وانصرف. فقرئت الرقعة، فإذا الابتداء بخطّ ابن سكرة شعر، والجواب بخط أبي السائب نثر، كما نسخناها هاهنا: يا عتبة بن عبيد ... حوشيت من كل عيب «٣» لبيك يا مختصر «٤» [١٧٤ ب]

стр. 736

وأبعد الله قوما ... رموك عندي بريب قالوا بأنّك تهوى ... زبيبة «١» بن شعيب فقلت هذا محال ... أصبوة بعد شيب؟ لقد هتفتم بشيخ ... نقيّ ذيل وجيب رأيتم الأير فيه؟ ... فلم شهدتم بغيب؟ وأنت فحوشيت من كل سوء كذبوا أحسن الله جزاءك، وقلت ما يشبهك، وربما كانت [٢٠١ ط] بئس ما فعلوا، والحمد لله على ذلك جهلا منهم بطرق الشهادة «٢»

стр. 737

١٦٣ طبيعة الأمير سيف الدولة في إسداء المكارم حدّثني أبو الفرج الببغاء، قال: تأخّر عني رسمي من الكسوة، على الأمير سيف الدولة، وكان آثر الأشياء عنده، وأنفقها عليه، وأحبّها إليه، أن يسأل فيعطي، وأن يستزاد فيزيد، وأن يطالب، ويناظر، حتى كان دائما يعزل للإنسان شيئا، يريد هبته له، خلف ظهره، ويقول: أريد أن أعطي فلانا هذا. فيخرج من يحضر، فيحدّث الرجل، فيحضر، ولا يعطيه. فيقول له الرجل: إيش وراء مسورة مولانا؟ فيقول: وأي شيء عليك؟ «١» وأيش فضولك؟ فيقول: هذا والله لي عزله مولانا. فيقول: لا. فيقول: بلى، ويأخذه، ويجاذبه عليه، فإذا فعل ذلك، أعطاه، وزاده شيئا آخر، يلتذّ بهذا. قال: فكتبت إليه، أستحثّه على رسمي من الكسوة: الرضا بالمأمول، أطال الله بقاء سيّدنا الأمير سيف الدولة، دليل «٢» على همّة الآمل، ومحلّ المسؤول في نفسه، مترجم عن نفاسة نفس السائل، إذ كان الناس من التخلّق بالكرم، والتفاضل بالهمم، في منازل غير متقاربة،

стр. 738

ومراتب غير متناسبة، وشرف أدبه، في شرف طلبه. ورجاء سيف الدولة الشرف الذي ... يتقاصر التفصيل عن تفصيله ضمنت تأميلي نداه فردّه ... جذلان من سفر الظنون بسوله وغنيت «١» حين بلغت ورد نواله ... عن ورد ممتنع النوال بخيله فالغيث يغبطني على إنعامه ... والدهر يحسدني على تأميله وعلمي بأنّ أقرب مؤمليه- أيّده الله- إليه، وأوجبهم حرمة عليه، أشدّهم استزادة لنعمه، وأكثرهم تسحّبا على كرمه، بعثني على التقرّب إلى قلبه بالسؤال، ومناجاة كرمه بلسان الآمال. [فسألته متقربا «٢» ، وطلبته متسحّبا، فإن رأى العادل إلّا في ماله، والمقتصد إلّا في أفضاله، سيّدنا الأمير سيف الدولة أطال الله بقاءه] «٣» . أن تعلم الأيام موضع عبده ... من عزّه ومكانه من رائه بشواهد الخلع التي يغدو بها ... متطاولا شرفا على نظرائه فمن العجائب حبس توقيع له ... وموقّع التوقيع من شفعائه فعل إن شاء الله تعالى «٤» .

стр. 739

١٦٤ كيف تأثلت حال أبي عبد الله ابن الجصّاص حدّثني أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعلان، قال: حدّثني أبو علي أحمد بن الحسين بن عبد الله الجوهريّ، ابن الجصّاص، قال: قال لي أبي: كان بدء إكثاري، أنّي كنت في دهليز حرم أبي الجيش خمارويه «١» بن أحمد بن طولون، وكنت أتوكّل له ولهم في ابتياع الجوهر وغيره [٢٠٢ ط] ممّا يحتاجون إليه، وما كنت أكاد أفارق [١٧٥ ب] الدهليز لاختصاصي بهم. فخرجت إليّ قهرمانة لهم في بعض الأيّام، ومعها عقد جوهر، فيه مائتا حبّة، لم أر قبله أحسن منه، ولا أفخر، تساوي كل حبّة منه ألف دينار عندي. فقالت: نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر، فتجعل لأربع عشرات اللعب. فكدت أن أطير، وأخذتها، وقلت السمع والطاعة. [وخرجت في الحال مسرورا] «٢» ، وأنا على وجهي، فجمعت التجّار، ولم أزل أشتري ما قدرت عليه، حتى حصلت مائة حبّة أشكال من النوع الذي أرادته. وجئت بها عشيّا، فقلت: إن خرط هذا يحتاج إلى زمان وإنظار «٣» ،

стр. 740

وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه، وهو هذا، ودفعت إليهم المجتمع، والباقي يخرط في أيام. فقنعت بذلك، وارتضت الحب، وخرجت. فما زلت أيّاما في طلب الباقي، حتى اجتمع، فحملت إليهم مائتي حبّة قامت عليّ بأثمان قريبة، تكون دون مائة ألف درهم، أو حواليها، وحصلت جوهرا بمائتي ألف دينار. ثم لزمت دهليزهم، وأخذت لنفسي غرفة كانت فيه، فجعلتها مسكني «١» . قال: فلحقني من هذا، أكثر ممّا يحصى، حتى كثرت النعمة، وانتهت إلى ما استفاض خبره.
следующие страницы →