← Адаб

Адаб · id 10275

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

المحسن بن علي التنوخي

Полный текст (2 817 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وأبعد الله قوما ... رموك عندي بريب قالوا بأنّك تهوى ... زبيبة «١» بن شعيب فقلت هذا محال ... أصبوة بعد شيب؟ لقد هتفتم بشيخ ... نقيّ ذيل وجيب رأيتم الأير فيه؟ ... فلم شهدتم بغيب؟ وأنت فحوشيت من كل سوء كذبوا أحسن الله جزاءك، وقلت ما يشبهك، وربما كانت [٢٠١ ط] بئس ما فعلوا، والحمد لله على ذلك جهلا منهم بطرق الشهادة «٢»

стр. 737

١٦٣ طبيعة الأمير سيف الدولة في إسداء المكارم حدّثني أبو الفرج الببغاء، قال: تأخّر عني رسمي من الكسوة، على الأمير سيف الدولة، وكان آثر الأشياء عنده، وأنفقها عليه، وأحبّها إليه، أن يسأل فيعطي، وأن يستزاد فيزيد، وأن يطالب، ويناظر، حتى كان دائما يعزل للإنسان شيئا، يريد هبته له، خلف ظهره، ويقول: أريد أن أعطي فلانا هذا. فيخرج من يحضر، فيحدّث الرجل، فيحضر، ولا يعطيه. فيقول له الرجل: إيش وراء مسورة مولانا؟ فيقول: وأي شيء عليك؟ «١» وأيش فضولك؟ فيقول: هذا والله لي عزله مولانا. فيقول: لا. فيقول: بلى، ويأخذه، ويجاذبه عليه، فإذا فعل ذلك، أعطاه، وزاده شيئا آخر، يلتذّ بهذا. قال: فكتبت إليه، أستحثّه على رسمي من الكسوة: الرضا بالمأمول، أطال الله بقاء سيّدنا الأمير سيف الدولة، دليل «٢» على همّة الآمل، ومحلّ المسؤول في نفسه، مترجم عن نفاسة نفس السائل، إذ كان الناس من التخلّق بالكرم، والتفاضل بالهمم، في منازل غير متقاربة،

стр. 738

ومراتب غير متناسبة، وشرف أدبه، في شرف طلبه. ورجاء سيف الدولة الشرف الذي ... يتقاصر التفصيل عن تفصيله ضمنت تأميلي نداه فردّه ... جذلان من سفر الظنون بسوله وغنيت «١» حين بلغت ورد نواله ... عن ورد ممتنع النوال بخيله فالغيث يغبطني على إنعامه ... والدهر يحسدني على تأميله وعلمي بأنّ أقرب مؤمليه- أيّده الله- إليه، وأوجبهم حرمة عليه، أشدّهم استزادة لنعمه، وأكثرهم تسحّبا على كرمه، بعثني على التقرّب إلى قلبه بالسؤال، ومناجاة كرمه بلسان الآمال. [فسألته متقربا «٢» ، وطلبته متسحّبا، فإن رأى العادل إلّا في ماله، والمقتصد إلّا في أفضاله، سيّدنا الأمير سيف الدولة أطال الله بقاءه] «٣» . أن تعلم الأيام موضع عبده ... من عزّه ومكانه من رائه بشواهد الخلع التي يغدو بها ... متطاولا شرفا على نظرائه فمن العجائب حبس توقيع له ... وموقّع التوقيع من شفعائه فعل إن شاء الله تعالى «٤» .

стр. 739

١٦٤ كيف تأثلت حال أبي عبد الله ابن الجصّاص حدّثني أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعلان، قال: حدّثني أبو علي أحمد بن الحسين بن عبد الله الجوهريّ، ابن الجصّاص، قال: قال لي أبي: كان بدء إكثاري، أنّي كنت في دهليز حرم أبي الجيش خمارويه «١» بن أحمد بن طولون، وكنت أتوكّل له ولهم في ابتياع الجوهر وغيره [٢٠٢ ط] ممّا يحتاجون إليه، وما كنت أكاد أفارق [١٧٥ ب] الدهليز لاختصاصي بهم. فخرجت إليّ قهرمانة لهم في بعض الأيّام، ومعها عقد جوهر، فيه مائتا حبّة، لم أر قبله أحسن منه، ولا أفخر، تساوي كل حبّة منه ألف دينار عندي. فقالت: نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر، فتجعل لأربع عشرات اللعب. فكدت أن أطير، وأخذتها، وقلت السمع والطاعة. [وخرجت في الحال مسرورا] «٢» ، وأنا على وجهي، فجمعت التجّار، ولم أزل أشتري ما قدرت عليه، حتى حصلت مائة حبّة أشكال من النوع الذي أرادته. وجئت بها عشيّا، فقلت: إن خرط هذا يحتاج إلى زمان وإنظار «٣» ،

стр. 740

وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه، وهو هذا، ودفعت إليهم المجتمع، والباقي يخرط في أيام. فقنعت بذلك، وارتضت الحب، وخرجت. فما زلت أيّاما في طلب الباقي، حتى اجتمع، فحملت إليهم مائتي حبّة قامت عليّ بأثمان قريبة، تكون دون مائة ألف درهم، أو حواليها، وحصلت جوهرا بمائتي ألف دينار. ثم لزمت دهليزهم، وأخذت لنفسي غرفة كانت فيه، فجعلتها مسكني «١» . قال: فلحقني من هذا، أكثر ممّا يحصى، حتى كثرت النعمة، وانتهت إلى ما استفاض خبره.

стр. 741

١٦٥ سبب اختصاص أبي عبد الله ابن الجصاص بأبي الجيش خمارويه أمير مصر حدّثني أبو الحسين بن عيّاش. قال: سمعت مشايخنا، يقولون: إنّ أصل اختصاص ابن الجصّاص بأبي الجيش ابن طولون، أنّ أبا الجيش كان يشرب، إذا قعد للشرب، أربعين رطلا من نبيذ مصر المعروف بالشيروي «١» . قال: ومن يشرب منه رطلا، يقدر أن يشرب من غيره أرطالا. وكان لا يصبر معه أحد من ندمائه، ويسكرون قبله، فيصعب ذلك عليه، ويبقى وحده، فكان يتطلّب المجيدين للشرب. فوصف له ابن الجصاص، وهو إذ ذاك يتّجر في الجوهر، فاستدعاه، فأدخل إليه، فحين مثل بين يديه، قبّل الأرض، ولم يكن الناس يعرفون ذلك، فاستظرف خمارويه حسن أدبه. وقال: أبو من؟ قال: عبد الأمير الحسين. فقال: هذه اثنتان. فواكله، وشاربه، قدحا وقدحا، حتى سكر خمارويه، ثم شرب بعده رطلا. فبلغ ذلك خمارويه من غد، فأدخله، وأجازه جائزة عظيمة. وقال: ما صناعتك؟ قال: الجوهر.

стр. 742

فقال: لا يبتاع لنا شيء إلّا على يده، وكان مشغوفا به، فكسب فيه الأموال. وحصل يأكل معه، ويشاربه إذا أراد الشرب، فينام ندماؤه كلهم غيره، فولّد ذلك له أنسا تاما به، فكان يخرج إليه على النبيذ بأسراره، ويحادثه، ويأنس به. وردّ إليه أمر داره، والإشراف على جميع نفقاته. ولم تزل حاله تقوى وتتزايد، حتى عرض له تزويج ابنته بالمعتضد، فأنفذه في الرسالة [١٧٦ ب] حتى عقد الإملاك، ثم أجرى أمر الجهاز على يده، فجرف الأموال بغير حساب. قال: فأخبرني بعض أصحابنا، [٢٠٣ ط] أنه لحق بعض الفرش الذي كان في جهاز قطر الندى ابنة خمارويه «١» ، مطر، فيما بين دمشق والرملة «٢» ، فنزلها ابن الجصاص، وكتب إليه يعرّفه الخبر، ويستأذنه في تطرية ذلك، فأذن له فيه. فأقام شهرين لهذا السبب، وطرّى الفرش، فاحتسب في النفقه، ثلاثين ألف دينار. قال: ولما حصلت قطر الندى ببغداد، أضاق خمارويه إضاقة شديدة، لأنّه افتقر بما حمله معها، وخرج من جميع نعمته، حتى طلب شمعة، فاحتبست عليه ساعة، إلى أن احتيلت. فقال: لعن الله ابن الجصّاص، أفقرني في السر.

стр. 743

١٦٦ بين الخليفة المكتفي والتاجر ابن الجصّاص قال: ومن عجيب أخبار ابن الجصّاص، انّه طلب منه المكتفي «١» عقدا حسنا من فاخر الجوهر، يبتاعه منه. فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟ قال: ثلاثين ألف دينار. قال: لا تصيب كما تريد، ولكن عندي عقد فيه ستّون حبّة، ولا أبيعك إيّاه بأقل من ستين ألف دينار، فإن أذنت «٢» ، حملته. فقال: افعل. فحمله إليه، والعبّاس بن الحسن «٣» قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال المكتفي أمره وحسنه، وقال: ما رأيت مثل هذا قط. فقال: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا مشكاحل «٤» ؟ فتنكّر المكتفي، وتنمّر، وهمّ به. فأومأ إليه العبّاس بالإمساك، فأمسك، وترك العقد ابن الجصّاص، بحضرة الخليفة، وخرج.

стр. 744

فقال المكتفي للعبّاس: بالله، وبحقي «١» عليك، هذه الكنية تلقبّني بها العامة؟ فقال: لا والله يا مولانا، ولكن هذا رجل رقيع «٢» عاميّ، والعامّة إذا افتخرت على إنسان، قالت له مثل هذا، وقد ربحت بهذه الكلمة العقد، بلا ثمن، فدعني وابن الجصّاص، فإن جاءك فأحله عليّ. فلما كان بعد أيّام، جاء ابن الجصاص، فأذكر المكتفي بثمن العقد. فقال له: إلق العبّاس. فجاء إليه، فطالبه بالمال. فقال: ويحك، تطالب بثمن العقد، بعد ما لقّبت الخليفة بسببه، واجترأت عليه بما لا يجوز أن تجترئ بمثله على بعض غلمانه؟ لا تتكلّم بهذا فتولّد لنفسك منه، ما لا تحتاج إليه. فأمسك ابن الجصّاص، وذهب منه العقد والمال بالكلمة «٣»

стр. 745

١٦٧ إسماعيل بن بلبل والأعرابيّ العائف حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: أخبرني من أثق به، إنّ إسماعيل بن بلبل «١» ، لمّا قصده صاعد «٢» ، لزم داره، وكان له حمل قد قرب وضعه، فقال: اطلبوا لي منجّما يأخذ مولده، فأتي به. فقال له بعض [١٧٧ ب] من حضر، ما تصنع أيّدك الله بالنجوم؟ هاهنا أعرابيّ عائف «٣» ، ليس في الدنيا أحذق منه. فقال: يحضر، فأسماه الرجل، فطلب، وجاء. فلما دخل عليه، قال له إسماعيل: تدري لأي شيء طلبناك؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ فأدار عينه في الدار، فقال: لتسألني عن حمل، وقد كان إسماعيل أوصى أن لا يعرّف، فتعجب من ذلك. فقال له: فأي شيء هو؟ أذكر أم أنثى؟ فأدار عينه [٢٠٤ ط] في الدار، فقال: ذكر. فقال: للمنجّم: ما تقول؟ قال: هذا جهل. فبينا نحن كذلك، إذ طار زنبور على رأس إسماعيل، وغلام يذب عنه، فضرب الزنبور، فقتله.

стр. 746

فقام الأعرابي، وقال: قتلت والله المزنّر، ووليت مكانه، ولي حقّ البشارة، وجعل يرقص، وإسماعيل يسكّنه، فنحن كذلك إذ وقعت الصيحة بخبر الولادة. فقال: انظروا ما المولود؟ فقالوا: ذكر. فسرّ إسماعيل بذلك سرورا شديدا، لإصابة العائف في زجره، وترجيّه الوزارة، وهلاك صاعد، ووهب للأعرابيّ شيئا، وصرفه. فما مضى على هذا إلّا دون شهر، حتى استدعى الموفّق إسماعيل، وقلّده الوزارة، وسلّم إليه صاعدا، [فكان يعذّبه، حتى قتله. فلمّا سلّم إليه صاعد] «١» ، ذكر حديث الأعرابي، فطلبه، فجاءوا به. فقال: خبّرني كيف قلت ما قلته ذلك اليوم؟ وليس لك علم بالغيب، ولا هذا ممّا يخرج في نجوم. فقال: نحن إنّما نتفاءل ونزجر الطير، ونعيف ما نراه، فسألتني أوّلا، لأيّ شيء طلبت؟ فتلمّحت الدار، فوقعت عيني على برّادة «٢» عليها كيزان معلقة في أعلاها، فقلت: حمل. فقلت لي: أصبت، ثم قلت لي: أذكر أم أنثى؟ فتلمّحت، فرأيت فوق البرّادة عصفورا ذكرا، فقلت: ذكر. ثم طار الزنبور عليك، وهو مخصّر، والنصارى مخصّرون بالزنانير، والزنبور عدوّ، أراد أن يلسعك، وصاعد نصراني الأصل، وهو عدوّك، فزجرت أنّ الزنبور عدوّك [صاعد] وأنّ الغلام لمّا قتله، إنّك ستقتله. قال: فوهب له شيئا صالحا، ثم صرفه.

стр. 747

١٦٨ أعراب ثلاثة يتنبأون بموت قاضي القضاة ودفنه في داره وحدّثنا أبو الحسين، قال: اجتزت أنا وأبو طاهر بن نصر القاضي، بشارع القاضي، نقصد دار قاضي القضاة أبي الحسين «١» ، في علّته التي مات فيها، لنعوده، فإذا بثلاثة من الأعراب ركبان. فشال «٢» أحدهم رأسه، وقد سمع غرابا ينعب على حائط دار أبي الحسين قاضي القضاة. فقال للنفسين اللذين خلفه: إنّ هذا الغراب ليخبرني بموت صاحب الدار. فقال له الآخر: أجل إنّه ليموت بعد ثلاثة أيّام. فقال الآخر: نعم ويدفن في داره. فقلت: أسمعت ما قالوا؟ فقال: نعم. فقلت: هؤلاء أجهل قوم، وافترقنا. فلما كان في ليلة اليوم [١٧٨ ب] الرابع سحرا، ارتفعت الصيحة بموت قاضي القضاة أبي الحسين، فذكرت قول الأعرابي، وعجبت. وحضرنا جنازته، ودفن في داره. فقلت لأبي طاهر: رأيت أعجب من وقوع مقالة الأعراب بعينها؟ أيش هذا؟

стр. 748

فقال: لا والله، ما أدري، ولكن تعال حتى نسأل عنهم [٢٠٥ ط] ، ونقصدهم، ونستخبر منهم من أين لهم ذلك. قال: فكنّا أيّاما، نسأل عنهم، وعن حلّتهم من البلد، فلا نخبر. إلى أن أخبرونا بنزول حلة «١» من بني أسد بباب حرب «٢» ، فقصدناهم. فقلنا: هل فيكم من يبصر الزجر؟ فقالوا: أجل، ثلاثة إخوة في آخر الحيّ، يعرفون ببني العائف، ودلّونا على أخبيتهم. فجئنا، فصادفنا أصحابنا بأعيانهم، ولم يعرفونا، فأخبرناهم بما سمعناه منهم، وسألناهم عنه. فقالوا: إنّا، وغيرنا من العرب، نعرف نعيبا للغراب بعينه، لا ينعبه في موضع إلّا مات ساكنه، مجربا على قديم السنين في البوادي، لا يخطئونه، ورأينا ذلك الغراب، نعب ذلك النعيب الذي نعرفه. [فقلنا للآخر: كيف قلت إنّه يموت بعد ثلاثة أيّام؟ قال: كان ينعب ثلاثا متتابعات ثم يسكت، ثم ينعب ثلاثا على هذا، فحكمت بذلك] «٣» . فقلت للآخر: وكيف قلت إنّه يدفن في داره؟ قال: رأيت الغراب يحفر الحائط بمنقاره ورجليه، ويحثو على نفسه التراب، فقلت «٤» : إنّه يدفن في داره.

стр. 749

١٦٩ عيافة أعرابي حدّثنا أبو الحسين بن عيّاش، قال: أخبرني صديق لي أنّه خرج إلى الحائر «١» [على ساكنيه السلام] «٢» ليزور. فاجتاز في طريقه بموضع قريب من الأعراب، وهم نزول، فحطّ رحله ونزل، وجلس يأكل هو وغلمانه، فوقف به بعض أولئك الأعراب يستطعم. قال: فقلت له: اجلس حتى نأكل، وندفع إليك نصيبا. فجلس قريبا منا، فإذا بغراب قد طار قريبا منه، وصاح صياحا متتابعا. فقام الأعرابي يرجمه، ويقول: كذبت يا عدوّ الله، كذبت يا عدوّ الله. قال: فقلنا له: ما الخبر يا أعرابي؟ قال: يقول الغراب إنّكم ستقتلونني، وأنتم تريدون أن تطعموني، فكذّبته في خبره. قال: فاستحمقناه، وتمّمنا أكلنا. وكان في السفرة سكّين بزماورد «٣» عظيمة حادة، أنسيناها في السفرة. فجمعنا السفرة بما فيها، وقلنا للأعرابيّ: خذها، وفرّغ ما فيها، واردد السفرة.

стр. 750

فجمعها بما فيها، وشالها، فضرب بها ظهره بحميّة، من فرحه بتمكيننا إيّاه من جميع ما فيها، فخرجت السكين بحدّتها، فدخلت بين كتفيه، فخرّ صريعا يصرخ: صدق الغراب لعنه الله، متّ ورب الكعبة. فخشينا أن [١٧٩ ب] يصير لنا مع الأعراب قصّة، فتركنا السفرة، وقمنا مبادرين، فاختلطنا بالقافلة حتى لا نعرف، وتركناه يتشحّط في دمائه «١» . ولا نعلم هل عاش أو مات.

стр. 751

١٧٠ من أحاديث الزراقين حدّثني أبو الحسين «١» ، قال: حدّثنا سليمان بن الحسن «٢» ، قال: قال لي أبو معشر المنجّم «٣» ، وقد جرى حديث الزرّاقين: رأيت أعجب شيء، وهو أنّ رجلا في جواري بسرّ من رأى اعتقل، فأتاني أبوه، وكان لي صديقا [٢٠٦ ط] ، فقال: تركب معي إلى صاحب الشرطة، نسأله إطلاقه، فركبت. فاجتزنا بزرّاق على الطريق. فقلت: هل لك في أن نتلهّى بهذا الزرّاق؟ فقال: افعل. فقلت له: انظر في نجمنا، وأيّ شيء هو، وفي أيّ شيء هوذا نمضي؟ ففكّر الزرّاق ساعة، ثم قال: تمضون في أمر محبوس. قال: فانتقع «٤» لون أبي معشر، ودهش، وتلجلج لسانه. فقلت أنا له: فهل يطلق أم لا؟ قال: تمضون وقد أطلق. فقال لي أبو معشر: انطلق بنا، فهذا اتّفاق طريف، وهوس.

стр. 752

فسرنا وجئنا إلى صاحب الشرطة، فسألناه في أمر الرجل. فقال: الساعة- والله- وردت عليّ رقعة فلان، يسألني في أمره، فأطلقته. فنهض أبو معشر مبادرا، وقال: إن لم أعرف من أين أصاب الزرّاق في حكمه، ذهب عقلي، وخرّقت كتبي، واعتقدت بطلان النجوم، ارجع بنا إليه. قال: فرجعنا، فوجدناه في مكانه من الطريق. فقال له أبو معشر: قم بنا، فأخذناه، وحمله إلى داره. وقال له: أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا أبو معشر المنجّم. فقبّل الزرّاق يده، وقال: أستاذنا، وقد سمعت باسمك. قال: دعني من ذلك، لك خمسة دنانير عينا، وأصدقني من أين حكمت لنا بما حكمت به. قال: أنا والله أصدقك، ولا أجسر آخذ منك شيئا، وأنت أستاذ هذه الصناعة. اعلم أنّي لا أحسن من النجوم شيئا، وإنّما أنا أزرق وأهذي على النساء، وبين يديّ هذا التخت والإصطرلاب والتقويم للخلق حيلة. ولكنّي قد صحبت أهل البوادي في وقت من الأوقات، وتعلّمت منهم الزجر والفال والعيافة. وهم يعتقدون إذا سئلوا عن شيء أن ينظروا إلى أوّل ما تقع عليه عيونهم، فيستخرجون منه معنى يجعلونه طريقا لما يسألون عنه، وما يحكمون به. فلمّا سألتني في أيّ شيء نمضي؟ تلجلجت، فوقعت عيني على

стр. 753

سقّاء معه ماء محبوس في قربته، فقلت: محبوس. فقلت: هل يطلق أم لا؟ فنظرت أطلب شيئا أزجره، فرأيت السقّاء قد صبّ الماء، وهو يخرج من قربته، فقلت: إنّكم [١٨٠ ب] تمضون وقد أطلق، فهل أصبت؟ فقال له أبو معشر: نعم، وفرّجت عنّي أيضا، أعطوه الدنانير، واصرفوه. فأبى أن يأخذ، فما تركه أبو معشر حتى أخذها وخرج. فطرح نفسه كالمستريح من أمر عظيم، ووضع يده على فؤاده، وقال: فرّج عني «١» .

стр. 754

١٧١ بين الأمير الموفق وأبي معشر المنجم حدّثني أبو أحمد عبد الله بن عمر بن الحارث الحارثيّ «١» ، قال: حدّثني أبي، قال: كنت أحد من يعمل في خزانة السلاح [للمعتمد] «٢» وكنت قائما [٢٠٧ ط] بحضرة الموفّق، في عسكره لقتال صاحب الزنج، وبحضرته أبو معشر، ومنجّم آخر، أسماه أبي وأنسيته أنا. فقال لهما: خذا الطالع في شيء أضمرته منذ البارحة، أسألكما عنه، وأمتحنكما به، وأخرجا ضميري. فأخذا الطالع، وعملا [الزايرجه] «٣» ، وقالا جميعا: تسألنا عن حمل ليس لإنسيّ. فقال: هو كذلك، فما هو؟ قال: ففكّرا طويلا، ثم قالا: عن حمل لبقرة. قال: هو كذلك، فما تلد؟ قالا جميعا: ثور. قال: فما شيته؟

стр. 755

فقال أبو معشر: أسود في جبهته بياض. وقال الآخر: أسود وفي ذنبه بياض. قال الموفّق: ترون ما أجسر هؤلاء، أحضروا البقرة، فأحضرت وهي مقرب. فقال: اذبحوها، فذبحت، وشق بطنها، وأخرج منها ثور صغير أسود، أبيض طرف الذنب، وقد التفّ ذنبه، فصار على جبهته. فتعجّب الموفّق، ومن حضره، من ذلك عجبا شديدا، وأسنى جائزتيهما. قال: وحدثني أبي، قال: كنت أيضا بحضرة الموفّق، فأحضر أبا معشر هذا، وهذا المنجّم، فقال لهما: معي خبيء، فما هو؟ فقال أحدهما، بعد أن أخذ الطالع، وعمل الزايرجه، وفكّر طويلا، وقال: هو شيء من الفاكهة. وقال أبو معشر: هو شيء من الحيوان. فقال الموفق للآخر: أحسنت، وقال لأبي معشر: أخطأت، ورمى من يده تفاحة. وأبو معشر قائم، فتحيّر، وعاود النظر في الزايرجه، ساعة، ثم عدا يسعى نحو التفاحة، حتى أخذها، فكسرها، ثم قال: الله أكبر، وقدّمها إلى الموفّق فإذا هي تنغش بالدود «١» . فهال الموفق ما رآه من إصابته، وأمر له بجائزة عظيمة.

стр. 756

١٧٢ مما شاهده المؤلف من صحّة أحكام النجوم وهذا بعيد دقيق، ولكن فيما قد شاهدته من بعض صحّة أحكام النجوم، كفاية. هذا أبي «١» حوّل مولد نفسه في السنة التي مات فيها «٢» ، فقال لنا: هي سنة قطع على مذهب المنجّمين، وكتب بذلك إلى بغداد، إلى أبي الحسن بن البهلول القاضي «٣» ينعي نفسه إليه، ويوصيه. فلما اعتلّ أدنى علّة، وقبل أن تستحكم «٤» علّته، أخرج التحويل، ونظر فيه طويلا، وأنا حاضر، فبكى، وأطبقه، واستدعى كاتبه، وأملى عليه وصيّته التي مات عنها، وأشهد فيها من يومه. فجاءه أبو القاسم غلام زحل المنجّم «٥» ، فأخذ يطيّب نفسه، ويورد عليه [١٨١ ب] شكوكا. فقال: يا أبا القاسم، لست ممن يخفى هذا عليه، فأنسبك إلى غلط،

стр. 757

ولا أنا ممّن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فواقفه على الموضع الذي خافه، وأنا حاضر. ثم قال له أبي: دعني من هذا، بيننا شكّ في أنّه إذا كان يوم الثلاثاء العصر، لسبع بقين من الشهر، فإنّه ساعة قطع عندهم «١» ؟ [٢٠٨ ط] . فأمسك أبو القاسم، ولم يجبه، واستحيى منه أن يقول نعم، وبكى «٢» أبو القاسم غلام زحل لأنّه كان خادما لأبي. وبكى أبي طويلا، ثم قال: يا غلام الطست، فجاءه به، فغسل التحويل وقطّعه، وودّع أبا القاسم توديع مفارق. فلما كان في ذلك اليوم، العصر بعينه، مات، كما قال.

стр. 758

١٧٣ الأخذ بالحزم أولى أخبرني غير واحد من أصحابنا، أنّ أبا محمد عبد الله بن العباس الرامهرمزي المتكلّم، أخبره، قال: أردت الانصراف من عند أبي عليّ الجبائي «١» إلى بلدي، فجئته مودّعا، فقال لي: يا أبا محمد، لا تخرج اليوم، فإنّ المنجّمين يقولون: إنّه من سافر في مثله غرق «٢» ، فأقم إلى يوم كذا وكذا، فإنّه محمود عندهم. فقلت: أيّها الشيخ مع ما تعتقده في قولهم، كيف تجيء بهذا؟ فقال: يا أبا محمد، لو أخبرنا مخبر ونحن في طريق، أنّ فيه؟؟؟ أليس كان يجب في الحكمة علينا أن لا نسلك ذلك الطريق، إذا قدرنا على سلوك غيره، وإن كان ممّن يجوز عليه الكذب؟ قلت: نعم. قال: فهذا مثله، وقد يجوز أن يكون الله تعالى أجرى العادات، بأن تكون الكواكب إذا نزلت هذه المواضع حدث كذا، والأخذ بالحزم أولى. قال: فأخّرت خروجي إلى اليوم الذي قاله.

стр. 759

١٧٤ أبو علي أحذق الناس بالنجوم حدّثني أبو الحسن بن الأزرق، قال: حدّثني أبو هاشم الجبائي «١» ، قال: كان أبو علي «٢» من أحذق الناس بالنجوم، فولد في جواره مولود. فقال أبوه «٣» : إنّي أحب أن تأخذ طالعه. قال: وكان ليلا، فأخذ الاصطرلاب «٤» وعمل مولده، وحكم له بأشياء، صحّت كلها بعد ذلك.

стр. 760

١٧٥ أبو الحسن الأهوازي وسابور ذو الأكتاف جرى الحديث يوما بحضرة أبي، في البخل والبخلاء، واختصاص الملوك بذلك، وكان أبو الحسن مطهّر بن إسحاق بن يوسف الأهوازيّ الشاهد حاضرا، فقال: دخلت يوما إلى أبي عبد الله البريديّ، وقد نصبت مائدته، فاستدعاني إليها، وكنت جائعا، فأقبلت آكل منبسطا. فقدّم جدي مشويّ حار، فضربت يدي إلى كتفه، فأكلتها. ثم قدّم بعده ألوان أخر، وجدي بارد، فضربت يدي إلى كتفه فأكلتها. ثم قدّم بعده ألوان، وقدم جدي مبزّر «١» ، فأخذت الكتف فأكلتها. ثم جدي بماء وملح، فجئت لآخذ الكتف، فسبقتني يد أبي عبد الله إليه، فكففت يدي. فقال لي: يا أبا الحسن، أنت اليوم سابور ذو الأكتاف. فاستحييت، وخجلت، وعلمت أنّه ما قالها إلّا من غيظ، فقصّرت. وتوقّيت بعد ذلك مواكلته. فقال أبي: ما كان [١٨٢ ب] أبو عبد الله بخيلا على الطعام، وإنّما كان نهما «٢» ، شديد الجوع، وكان في أوّل أكله، وإلى وسطه، يلحقه هذا [٢٠٩ ط] النهم، وربما أطلق ما يشبه هذا، فيظنّ من لا يعرف طبعه أنّه بخيل، ويحتاج من يواكله إلى التقصير، حتى يمضي نصف أكله. فإذا مضى نصف أكله، انبسط، وانطلق وجهه، وساءه وغمّه أن يقصّر من يحضر في مواكلته، وقال: هوذا ينسبوني إلى البخل ثم لا يأكلون.

стр. 761

١٧٦ أبو عبد الله الكرخي يحبّ مؤاكلة الأكول ولكنّ أبا عبد الله جعفر بن القاسم الكرخيّ «١» هو الجواد على الطعام والمال. ولقد دخلت «٢» إليه يوما بالأهواز، وهو عاملها، أقلّب عليه ثيابا «٣» ، ولم تكن بيننا معرفة، فأخذ منها ما أراد، وواقفني على الأثمان، وطال جلوسي عنده، فجاء غلمانه بأطباق فاكهة، فقمت. فقال: ما هذا الخلق النبطيّ يا أبا الحسن «٤» ؟ اجلس، فجلست، وأخذنا في الأكل، وكنت جائعا، فأقبلت آكل كمّثراة، كمّثراة، في لقمة، وخوخة خوخة، في لقمة، وتينة تينة، في لقمة، وهو ينظر إلى ذلك، ويستحسنه، ويضحك منه، ويعجبه ويستطرفه، وكان ضعيف الأكل جدّا. وكلّما جئت لأقطع، حلّف عليّ، ولقّمني بيده. ثم شيلت الفاكهة، وجاءوا بالطعام، وكانت هذه صورتي عنده، وانصرفت. فلمّا كان من غد نصف النهار، وكنت جالسا في دكّاني بالبزّازين، فإذا بفرّاش ومعه غلام تحته بغل. فقال: العامل يطلبك، فلم أدر ما هو، فركبت البغل وصرت إليه،

стр. 762

وإذا المائدة منصوبة، وهو ينتظرني. فقلت: ما يأمر الأستاذ أيّده الله؟ فقال: إنّي استطبت مؤاكلتك بالأمس، وأكلت فضلا ممّا جرت عادتي به، فلمّا قدّمت اليوم المائدة، لم أتهنّأ بالأكل، فعزلتها واستدعيتك، وأريد أن تجيني «١» في كلّ يوم. قال: فكنت أتأخّر في الأيّام، فيعاتبني، وينفذ إليّ بغلا أركبه. وولّد ذلك لي محلّا عظيما في البلد، وجاها، وكسبت به عليه في البزّ وغيره، ممّا رد إليّ شراءه من جميع ما كان يحتاج إليه في داره، مالا جليلا.

стр. 763

١٧٧ بين أبي جعفر بن شيرزاد وأبي عبد الله الموسويّ حدّثنا أبو العباس هبة الله بن المنجّم، قال: سمعت أبا عبد الله الموسوي «١» العلويّ، يقول: قصدني أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد «٢» في أيّام تدبيره الأمر، قصدا قبيحا، وعمل لي كتّابه مؤامرة في خراجاتي، بمائة ألف درهم،

стр. 764

أكثرها واجب عليّ، وباقيها كالواجب. وأحضرني للمناظرة عليها، فاعتقلني في داره. فضقت ذرعا بما نزل بي، وعلمت أنّ المال سيؤخذ منّي إذا نوظرت، وأنّه يؤثّر [١٨٣ ب] في حالي، ويهتك جاهي، فلم أدر ما أعمل. فشاورت بعض من يختصّ به، فقال: طمعه فيك- والله- قويّ، وما ينفعك معه شيء غير المال. فقلت: فكّر في حيلة أو مخادعة. ففكّر، ثم قال: لا أعرف لك دواء إلّا شيئا واحدا، إن سمحت به نفسك [٢١٠ ط] ، وتركت العلويّة «١» عنك، وفعلته، نجوت. فقلت: ما هو؟ قال: هو رجل سمح على الطعام، محبّ لأكله على مائدته، موجب لحرمته، وأرى لك، إذا وضع طعامه، أن تخرج إليه، فإنّك معه في الدار، ولا يمنعك الموكّلون من ذلك، فتجيء بغير إذن، فتجلس على المائدة، وتأكل، وتنبسط، وتخاطبه «٢» في أمرك عقيب الأكل، وتسأله، وترفق به، وتخضع له، فإنّه يسامحك بأكثرها، ويقرّب ما بينك وبينه. فشقّ ذلك عليّ، ثم نظرت، فإذا وزن المال أشقّ منه. وكان أبو جعفر، لا يأكل إلّا بعد المغرب، في كلّ يوم مرّة «٣» ، فلم آكل ذلك اليوم شيئا، وراعيت مائدته، فلما وضعت المائدة، قمت. فقال الموكّل: إلى أين؟

стр. 765

قلت: إلى مائدة الوزير، فما قدر أن يمنعني، وجاء معي. فلما رآني أبو جعفر، أكبر ذلك، وتهلّل وجهه، وقال: إلى عندي يا سيّدي، إلى عندي، وأجلسني إلى جنبه، وأقبلت آكل، وأنبسط في الأكل والحديث، إلى أن رفعت المائدة، وقام أبو جعفر، وقمنا، وشيلت المائدة، واستدعاني إلى موضعه، فغسلت يدي بحضرته. فلما فرغت، أردت أن أبتدأه بالخطاب، فقال لي: قد آذيتك يا سيّدي أبا عبد الله بتأخيرك عن منزلك، فامض إلى بيتك، وما أخاطبك بشيء مما في نفسي، ولا فيما أردت مخاطبتك فيه، [ولا مطالبة عليك من جهتي] «١» بعدما تفضلت به. فشكرته، وقلت: إن رأى سيّدنا أيّده الله، أن يتمّم معروفه عليّ بتسليم المؤامرة «٢» إليّ، فعل. فقال: هاتموها، فما برحت، إلّا وهي معي في خفّي، وانصرفت إلى منزلي، وسقط المال عنّي. ولزمته للسلام، وصرت أتعمّد مؤاكلته، والتخصّص به، فسلمت عليه طول أيّامه، وسلم جاهي ومالي عليه، إلى أن مضى.

стр. 766

١٧٨ اللص والعجوز الجلدة أمّ الصيرفي حدّثني [أبو جعفر] «١» محمد بن الفضل بن حميد الصيمريّ، مؤدبي، قال: كان في بلدنا عجوز صالحة، كثيرة الصيام والقيام، وكان لها ابن صيرفيّ منهمك على الشرب واللعب. وكان يتشاغل بدكّانه أكثر نهاره، ثم يعود عشيّا إلى منزله، فيخبئ كيسه عند والدته، ويمضي، فيبيت في مواضع يشرب فيها. فعيّن بعض اللصوص على كيسه ليأخذه، وتبعه في بعض العشايا، ودخل وراءه إلى الدار، وهو لا يعلم، فاختفى فيها، وسلّم هو كيسه إلى أمّه، وخرج، وبقيت وحدها في الدار [١٨٤ ب] . وكان لها في دارها، بيت مؤزّر بالساج إلى أكثر حيطانه، عليه باب حديد، تجعل قماشها وكلّ ما تملكه فيه، والكيس، فخبأت الكيس فيه تلك الليلة خلف الباب، وجلست فأفطرت بين يديه. فقال اللص: هذه الساعة تفطر، وتكسل، وتنام، وأنزل فأفتح الباب، وآخذ الكيس والقماش. قال: فلما أفطرت، قامت إلى الصلاة، فظن «٢» اللص أنّها تصلّي العتمة وتنام. فانتظرها [٢١١ ط] ، فمدّت الصلاة، وتطاول عليه الأمر، ومضى نصف الليل. وتحيّر اللص ممّا نزل به، وخاف أن يدركه الصبح، ولا يظفر بشيء.

стр. 767

فطاف في الدار، فوجد إزارا جديدا، وطلب جمرا فظفر به، ووقع في يده شيء كان لهم فيه دخنة طيبة، فلبس الإزار، وأشعل ذلك البخور، وأقبل ينزل على الدرجة، ويصيح بصوت غليظ وتعمّد أن يجعله جهوريا، لتفزع العجوز. وكانت معتزلية جلدة، ففطنت لحركته، وأنّه لص، فلم تره أنّها فطنت. وقالت: من هذا؟ بارتعاد وفزع شديد. فقال لها: أنا رسول الله رب العالمين، أرسلني إلى ابنك هذا الفاسق، لأعظه، وأعامله بما يمنعه من ارتكاب المعاصي. فأظهرت أنّها قد ضعفت، وغشي عليها من الجزع، وأقبلت تقول: يا جبريل، سألتك بالله، إلّا رفقت به، فإنّه واحدي. فقال اللصّ: ما أرسلت لقتله. فقالت: فما تريد؟ وبما أرسلت؟ قال: لآخذ كيسه، وأؤلم قلبه بذلك، فإذا تاب رددته إليه. فقالت: شأنك، يا جبريل، وما أمرت. فقال: تنحّي من باب البيت. فتنحّت: وفتح هو الباب، ودخل ليأخذ الكيس والقماش، واشتغل في تكويره. فمشت العجوز قليلا قليلا، وجذبت الباب بحميّة، فردّته، وجعلت الحلقة في الرزّة «١» ، وجاءت بقفل، فقفلته. فنظر اللصّ إلى الموت بعينه، ورام حيلة في داخل البيت، من نقب أو منفذ، فلم يجدها.

стр. 768

فقال لها: افتحي الباب لأخرج، فقد اتّعظ ابنك. فقالت: يا جبريل، أخاف أن أفتح الباب، فتذهب عيني من ملاحظتي لنورك. فقال: إنّي أطفىء نوري حتى لا تذهب عينك. فقالت: يا جبريل، إنّك رسول رب العالمين، لا يعوزك أن تخرج من السقف أو تخرق الحائط بريشة من جناحك، وتخرج، فلا تكلّفني أنا التغرير ببصري «١» . فأحسّ اللص بأنّها جلدة «٢» ، فأخذ يرفق بها، ويداريها، ويبذل التوبة. فقالت له: دع ذا عنك، لا سبيل إلى الخروج إلّا [١٨٥ ب] بالنهار، وقامت تصلّي، وهو يهذي، ويسألها، وهي لا تجيبه، حتى طلعت الشمس، وجاء ابنها، فعرف خبرها، وحدّثته بالحديث، فمضى وأحضر صاحب الشرطة، وفتح الباب، وقبض على اللصّ.

стр. 769

١٧٩ من بركة المعتزلة انّ صبيانهم لا يخافون الجنّ سمعت جماعة من أصحابنا، يقولون: من بركة المعتزلة، انّ صبيانهم لا يخافون الجنّ. وقد حكي لنا: أنّ لصّا حصل في دار معتزليّ، فأحسّ به، فطلبه، فنزل إلى بئر في الدار. فأخذ الرجل حجرا عظيما ليدليه عليه، فخاف اللص التلف. فقال له: الليل لنا والنهار لكم، يوهمه أنّه من الجنّ. فقال له المعتزليّ: [فزن معي نصف الأجرة «١» ، ورمى بالحجر فهشمه. فقال له: متى يأمن أهلك من الجنّ؟ فقال المعتزلي] «٢» : دع ذا عنك واخرج. فخرج وخلّاه.

стр. 770

١٨٠ محدّث قارب المائة يتواجد في مجلس خاطف المغنّية سمعت أبي، قال: جئت إلى أبي القاسم ابن بنت منيع «١» ، لأكتب عنه الحديث، فقال لي من في منزله: قد توجّه في حاجة له، وكانت سنّه إذ ذاك نحو مائة سنة. فجلسنا ننتظره [٢١٢ ط] ، فإذا به قد جاء محمولا، فألقي كالمغشيّ عليه، واستراح. فقلنا له: يا أبا القاسم، ما كان هذا الأمر العظيم حتى خرجت فيه بنفسك، ألا كلّفتنا حاجتك؟ فقال: ليس هذا مما أكلّفكم إيّاه، مضيت إلى مجلس ستي خاطف، فسمعتها، وتواجدت من قولها. قال:: فعجبنا من شيخ محدّث يحضر مجلس امرأة تغنّي بالقضيب «٢» . وأخبرني جماعة أثق بهم، أنّها تدعى «٣» إلى هذا الوقت، وتغني بالقضيب وأنّ لها نحو السبعين سنة. وأخبرني أبو الحسن بن الأزرق أيضا في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، أنّها توفيت في منزلها في جواره «٤» في هذه السنة.

стр. 771

١٨١ الباغندي المحدّث يخطىء في موضعين حدّثني أبو الطيّب بن هرثمة: أنّه سمع الباغندي «١» المحدّث، يقول لجارية كانت تخدمه وقد حرد عليها: ذهب زمانك الذي كنت تخضبين فيه [خديك] «٢» بالكلكين. يريد: تطلين على وجهك الكلكون «٣» . وأنّه سمعه قال، في حديث حدّث به، في قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا «٤» ، فقال: فاكهة وأنّا «٥» .

стр. 772

١٨٢ حكاية تدل على ذكاء القرد حدّثني أبو الطيّب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن، أحد الصوفية الطيّاب من أهل سرّ من رأى «١» ، ثم مرّ ببغداد، وأقام بالأهواز طويلا، وتوكّل على أبواب القضاة، وعاش نحو السبعين سنة، وكان ماجنا، خفيف الروح، قال: بتّ ليلة في خان، ومعنا قرّاد، ومعه قرد، وكنّا كلّنا في بيت واحد ضيّق. ففسا بعض من كان معنا، وزاد في الفسا. فلم يزل القرد يجيء إلى فقحة كلّ واحد منا فيشمّها، ويقف عندها ساعة، إلى أن وقع على فقحة الرجل الذي يفسو. قال: فرأيته، وقد جاء إلى قطن كان مع صاحبه، فاستخرج منه كبّة «٢» ، وأخذها بيده، ثم جاء إلى سراويل الذي يفسو، فخرقه، فلم يزل يدس القطن في جحره.

стр. 773

١٨٣ هذا من تعليم القرد وأخبرني «١» [١٨٦ ب] أنّ بعض الصوفية حدّثه: إنّه اجتمع في بيت واحد من خان «٢» ، مع قرّاد أمرد، فراوده عن نفسه، فحين حصل فوقه، التمس منه تمكينه من إتيانه في ذاته، فامتنع. فأومأ إليّ القرد بيده، وأخرج عليها بصاقا من فيه، ولم يزل يضعه بها هكذا إلى نفسه. قال: فأقحمت على الغلام. فقال: هذا والله من تعليم القرد، فضحكت. فلما نزلت عنه، قام إلى القرد، يضربه ويقول: يا فاعل، يا صانع علّمته عليّ. قال: فلم أزل به حتى خلّصته من يده «٣» [٢١٣ ط] .

стр. 774

١٨٤ القرود والقلانس وأخبرني بعض من سافر في الآفاق، وهو أبو غانم عبد الملك بن عليّ السقطيّ البصريّ: أنّه كان في بعض طرقات اليمن، ومعهم رجل معه قفص فيه قلانس. فأصابتهم سماء «١» ، فابتلّت القلانس، فأخرجها الرجل، فشرّها «٢» في الشمس، لمّا نزلوا. وإذا بقطعة عظيمة من القرود، قد أحاطوا بالقافلة، فلما رأوا القلانس، وكانت خارجة عن القافلة بالقرب منّا، وقفوا ينظرون إليها. فجاء قرد كبير يقدمهم، فلبس في رأسه واحدة، وأخذ كلّ واحد منهم واحدة فلبسها إلى أن فنيت القلانس. فتأمّلت صاحبها يلطم ويقول: إن مضوا هؤلاء، وهي على رؤوسهم، افتقرت، فإنّي لا أملك غير هذه القلانس. فقال أهل القافلة: اجلس، واسكت، ولا تهجهم، فجلس. فلما كان بعد ساعة، وضع القرد الكبير القلنسوة من رأسه، فوضعوا كلّهم القلانس، وانصرف، فتبعوه في الانصراف. وقام الرجل إلى قلانسه فجمعها «٣» .

стр. 775

١٨٥ القرود المستأنسة في اليمن تشتري الحاجات من السوق وحدّثني أيضا «١» ، قال: رأيت قرودا عدّة مستأنسة ببلدان اليمن «٢» ، القرد منها يخرج بالزنبيل من منزل صاحبه، ومعه الفضّة، فيقف على بائع اللحم، والخبز، وغيرهما، ويومىء له بما يريده، ويعطيه ثمنه، ويحمل الحاجة إلى منزل صاحبه «٣» .
следующие страницы →