Полный текст (2 817 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
٥٥ سائل بالأبلة، وسائل بالصين
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني القاضي أحمد بن سيّار، قال: حدّثني شيخ من التجار بعمان، قال:
كنت بالأبلّة، أريد الخروج إلى البحر، فرأيت سائلا بباب الجامع، فصيح اللسان، مليح المسألة، فرققت له، وأعطيته دراهم صالحة.
وخطفت «٢» في الوقت إلى عمان، فأقمت بها شهورا، ثم قضي لي أن مضيت إلى الصين، فدخلتها سالما، فإذ أنا يوما أطوف، فإذا الرجل بعينه قائما في السوق يتصدّق.
فتأملته، فعرفته، فقلت له: ويحك، سائلا بالأبلّة، وسائلا بالصين.
فقال: قد دخلت إلى هذا البلد، ثلاث دفعات، وهذه الرابعة، لطلب المعيشة، فلا أجدها إلّا من الكدية «٣» ، فأرجع إلى الأبلّة، ثم أرجع إلى هاهنا.
قال: فعجبت من شدّة [٦٣] حرمانه.
стр. 912
٥٦ تاجر يتمدّح بتجسسه على رسائل التجّار
وحدّثني، قال: حدّثني قاضي القضاة أبو محمد بن معروف، ﵁ «١» ، قال: حدّثني بعض أهل بغداد، عن أبي عبد الله بن أبي عوف «٢» ، إنّه قال:
ضاق صدري، في وقت من الأوقات، ضيقا شديدا، لا أعرف سببه، فتقدّمت إلى من حمل لي طعاما كثيرا، وفاكهة، وعدة من جواريّ، إلى بستان لي على نهر عيسى «٣» ، وأمرت غلماني، وأصحابي، أن لا يجيئني أحد منهم بخبر يشغل قلبي، ولو ذهب مالي كلّه، ولا يكاتبوني، وعملت على أن أقيم في البستان بقيّة أسبوعي، أتفرّج مع أولئك الجواري.
قال: وركبت حماري «٤» ، وقد تقدّمني كلّما أمرت بحمله.
стр. 913
فلما قربت من البستان، استقبلني فيج «١» ، معه كتب.
فقلت له: من أين وردت؟
فقال: من الرقّة «٢» .
فتتبّعت نفسي، أن أقف على كتبه، وأخبار الرقّة، وأسعارها.
فقلت له: تعرفني؟
فقال: نعم.
فقلت: أنت قريب من بستان لي، فتعال معي، حتى أهب لك دنانير، وأغيّر حالك، وأطعمك، وتستريح الليلة في [٦٤] البستان، وتدخل بغداد غدا.
فقال: نعم.
ومشى معي راجعا، حتى دخل البستان، فأمرت من فيه، أن يدخله حمّاما فيه، ويغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني، ويطعمه.
فابتدوا «٣» معه في ذلك.
وتقدّمت إلى غلام لي فاره، فسرق كتبه، وجاءني بها، ففتحتها، وقرأت جميع ما فيها، وعرفت من أسرار التجّار الذين يعاملوني شيئا كثيرا، وتفرّجت بذلك.
ووجدت جميع الكتب، محشوّة إلى التجار، بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت، ولا يبيعوا منه شيئا، فإنّه قد غلا عندهم وعزّ، ويوصونهم بحفظ ما في أيديهم.
стр. 914
فأنفذت إلى وكلائي في الحال، فاستدعيتهم، فجاءوا، فقلت لهم:
خذوا من فلان الناقد «١» ، وفلان الناقد، كل ما عندهم من العين والورق «٢» الساعة، ولا ينقضي اليوم إلّا وتبتاعون كلما تقدرون عليه من الزيت، واكتبوا إليّ، عند انقضاء النهار، بالصورة.
فمضوا، فلما كان العشاء، جاءني خبرهم، بأنهم قد ابتاعوا زيتا، بثلاثة آلاف دينار، فكتبت إليهم بقبض ألوف دنانير أخر، وبشرى كل ما [٦٥] يقدرون عليه من الزيت.
وأصبحنا، فدفعت إلى الفيج ثلاثة دنانير، وقلت له: إن أقمت عندي، دفعت إليك ثلاثة دنانير أخرى.
فقال: أفعل.
وجاءتني رقعة أصحابي، بأنّهم ابتاعوا زيتا بأربعة آلاف دينار، وانّه قد تحرّك سعره لطلبهم إيّاه، فكتبت بأن يبتاعوا كلّ ما يقدرون عليه، وإن كان قد زاد.
وشاغلت الرسول، اليوم الثالث، ودفعت إليه في اليومين، ستّة دنانير، وأقام ثلاثة أيام، وابتاع أصحابي بثلاثة «٣» آلاف دينار أخرى.
وجاءوني عشيّا، فقالوا: كان ما ابتعناه اليوم زائدا على ما قبله، في كلّ عشرة، نصف درهم، ولم يبق في السوق شيء يفكّر فيه.
فصرفت الرسول، وأقمت في بستاني أيّاما، ثم عدت إلى داري، وقد قرأ التجّار الكتب، وعرفوا خبر الزيت بالرقّة، فجاءوني يهرعون «٤» ،
стр. 915
ويبذلون في الزيت، زيادة اثنين في العشرة، فلم أبع، فبذلوا زيادة ثلاثة في العشرة، فلم أبع.
ومضى على ذلك، نحو من شهر، فجاءوني يطلبون زيادة خمسة، وستة، فلم أفعل.
فجاءوا بعد [٦٦] أيّام، فبذلوا للواحد الواحد.
فقلت في نفسي: ترك هذا خطأ، فبعته بعشرين ألف دينار.
فنظرت، فلم يكن لضيق صدري، وانفرادي في البستان، ذلك اليوم سبب، إلّا ما أحبّه الله تعالى، أن يوصل إليّ ربح عشرة آلاف دينار.
стр. 916
٥٧ صائغ يتمدّح بأنه اؤتمن فخان
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني صائغ كان يخدم في خزانة الأمير معزّ الدولة «٢» ، يعرف بطاهر، قال:
كنت أشرب يوما في منزلي، وعندي جماعة من إخواني، فانقطع بنا النبيذ، فخرجت أحتال لهم شيئا من ذلك، فلقيني ركابيّ، فقال: الأمير يطلبك.
فقلت: قل إنّك لم ترني.
قال: لا أفعل.
فقلت: خذ منّي دينارا، وقل إنّك لم تجدني.
قال: وأنا معه، إذ جاء ركابيّ آخر، فبذلت لهما دينارين، فأبيا، وجاء الثالث، فمضيت، وحملت معي غلاما كان لي.
فحين دخلت إلى الأمير، قال لي: امض، فانظر ما يقول لك عليّ المغنّي، في الخزانة، فافعله.
فجئت الى الخزانة، فقلت لعلي: أيش تريد؟
فأخرج إليّ، مناطق «٣» كثيرة ذهبا، موكّدة «٤» بلا سيوف، [٦٧] ممّا أخذه معزّ الدولة، من تركة أخته «٥» ، وكانت الأخت، تشدّها في أوساط الجواري،
стр. 917
وتلبسهنّ القراطق «١» والخفاتين «٢» ، وتلك المناطق فوقها، ويخدمنها كذلك، فلما حصلت لمعزّ الدولة، لم يستحسنها، فأمر بكسرها، وصياغتها مراكب، وسيوفا، ومناطق أعجمية.
فقال لي: اجلس واقلعها، حتى ننظر كم يجتمع منها، ويصاغ.
فقلت: ليس معي آلتي التي تستعمل.
فقال: أنفذ من يحضرها.
فأنفذت غلامي، فأحضر بعض الآلة، فما زلت أقلع، وأغتفل المغنّي، وأسرق، وأجعل ذلك في كمّي، وتحت عمامتي، وأرمي إلى غلامي، فإذا حصل معه شيء، قلت له: هات المبرد، هذا قد كلّ، فامض، وجئني بغيره، أو هات الآلة الفلانيّة، فيمضي، ويحصّل ما قد سرقناه، ويجيء بالآلة، وأسرق، وأعطيه، وأطلب آلة أخرى، على هذا، إلى أن جاء المساء، فجمع عليّ المغنّي، تلك المناطق، وأخذ الوعد عليّ، في الحضور في غد، ومعي الصنّاع، وشريكي المرسوم «٣» معي بالخدمة في الخزانة، فانصرفت، فوزنت [٦٨] ما قد حصل عندي، وكان أربعمائة وثمانين مثقالا.
فقلت لعيالي: هذا، حملت إليه كرها، حتى أخذته، بعد أن بذلت، أن أعطي دينارين جعلا، ولا أمضي، وحدّثتهم بالقصة.
فلما كان من الغد، حضر الصنّاع، وشريكي، وجلسنا نفكّك الباقي، وأحضرنا شيئا آخر، فما استوى لنا أن نسرق إلّا مائة وستين مثقالا، قاسمته عليها، وعجبت من رزقي في ذلك.
стр. 918
٥٨ من مكارم أخلاق الأمير الموفق
حدّثني أبو الحسن ثابت بن إبراهيم بن زهرون، الحرّاني، الصابئ، الطبيب «١» ، قال: حدثني أبي «٢» ، قال:
كنت، بين يدي الموفّق «٣» ، يوما، فقال لي: يا إبراهيم، أنا أشتهي شهوة منذ سنين، وهو ذا «٤» ، أستقبح أن أطلبها، وقد عنّ لي الساعة مواضعتك على طلبها.
قال: فقلت: يأمر الأمير «٥» .
قال: ويحك، أنا والله، منذ سنين كثيرة، أشتهي كبود الدجاج، وقوانصها مطبهجة «٦» ، وأستقبح أن أطلبها، فيظنّ صاحب المائدة، انّ نفسي قد تتبّعته، شحّا به عليهم، لأنّ رسمهم جار، بأن يرتفقوا [٦٩] بأخذه
стр. 919
وبيعه، وأريد إذا قدّمت المائدة، وجلست معي للأكل، أن تتشهّى «١» ذلك عليّ، وتشير به من طريق الطبّ، لأتقدّم إليهم باتخاذ شيء منه يسير، فيصير ذلك القدر رسما في كلّ يوم، لا يؤثّر عليهم قدره، ويبيعون هم الباقي، فإنّه كثير، وأكون قد قضيت شهوتي.
قال: فعجبت من كرمه، وفرط حيائه من خدمه، حتى يلفّق الحيلة في الوصول إلى شهوته، من غير إيحاشهم، أو تعرض لذمّهم.
وقدّمت المائدة، فجلس يأكل عليها وحده، وجلست مع الندماء، آكل، على مائدة بين يديه.
فلما أكل بعض أكله، قلت: لم لا يأمر الأمير «٢» الناصر، بأن يتّخذ له شيء يسير في زبديّات، من كبود الدجاج المسمّن، وقوانصه، بالبيض، والمرّي «٣» ، فيطجّن «٤» بعضه، فيولع منه بالشيء اليسير، فإن في ذلك كذا وكذا، وأخذت أصف ما حضرني في الوقت، ونحن أيضا نشتهي أن نأكل منه.
فقال: يصلح لنا من غد، كذا وكذا زبديّة، مطجّن، وكذا وكذا [٧٠] زبديّة، من كبود الدجاج المسمّنة، وقوانصها.
فأصلحوا ذلك، وصار رسما جاريا، ولم يفطن أحد منهم لما جرى.
стр. 920
٥٩ بحث في الأمانة
حدّثني عبيد الله بن أحمد بن بكير «١» ، قال: حدّثني أبو جعفر الضبّي، الفقيه الحنفي، وقد شاهدته أنا «٢» ، وكان من شيوخ التجّار المستورين، فقيها، يحضر مجلس أبي «٣» للخلاف «٤» ، ويناظر، ولم أسمع منه هذه الحكاية، قال:
حدّثني شيخ من التجّار، بسيراف، قال:
كان عندنا نفسان، يمشيان في طريق، فرأيا صرّة دراهم ملقاة في الطريق، فقال أحدهما للآخر: خذها واحفظها لصاحبها.
فقال الرجل: لا أفعل.
فقال: لكني آخذها، وأحفظها، فإن وجدت صاحبها، رددتها عليه.
قال: فأخذها ومشى. فإذا برجل يصيح.
فقالا له: ما لك؟
فقال: صرّة صفتها كذا وكذا، فيها دراهم لي، سقطت منّي الساعة.
فقال الذي هي معه: خذها، فإنّها هذه.
فسلّمها إليه، ثم قال لصاحبه: أليس لو كان الناس كلهم على مذهبك [٧١] ، في أن لا يحفظوا على الناس، لضاعت أموالهم.
فقال له الآخر: أليس لو كان الناس كلهم على مذهبي، ما ضاعت الصرّة، ولكانت تبقى في الطريق مكانها، حتى يرجع صاحبها، فيأخذها.
стр. 921
٦٠ الخوارج يقطعون السارق من المرفق
حدّثني أبو الحسين علي بن لطيف «١» ، المتكلّم على مذهب أبي هاشم «٢» ، قال:
كنت مجتازا بناحية قزدار «٣» ، مما يلي سجستان «٤» ومكران «٥» ، وقد كان يسكنها الخليفة من الخوارج، وهي بلدهم ودارهم، فانتهيت إلى قرية لهم، وأنا عليل، فرأيت قراح بطيخ «٦» ، فابتعت واحدة، فأكلتها، فحممت
стр. 922
في الحال، ونمت يومي وبقيّة ليلتي، في قراح البطيخ، ما عرض لي أحد بشيء، وكنت قبل ذلك، قد دخلت القرية، فرأيت شيخا خيّاطا في مسجد، فسلّمت إليه رزمة ثيابي، وقلت له: تحفظها لي.
فقال: دعها في المحراب.
فتركتها، ومضيت إلى القراح، فلما أفقت من الغد، عدت إلى المسجد، فوجدته مفتوحا، ولم أر الخياط، ووجدت الرزمة بشدّها في المحراب.
فقلت [٧٢] ما أجهل هذا الخيّاط، ترك ثيابي وحدها، وخرج، ولم أشكّ في أنّه قد حملها بالليل إلى بيته، وردّها في الغد إلى المسجد، انتظارا لي.
فجلست أفتحها، وأخرج شيئا شيئا، فإذا بالخيّاط.
فقلت له: كيف خلّيت «١» ثيابي؟
فقال: أفقدت «٢» منها شيئا؟
قلت: لا.
فقال: ما سؤالك؟
قلت: أحببت أن أعلم.
قال: تركتها البارحة في موضعها، ومضيت إلى بيتي.
فأقبلت أخاصمه، وهو يضحك.
وقال: أنتم قد تعودتم أخلاق الأرذال، ونشأتم في بلاد الكفر، التي فيها السرق والخيانة، وهذا لا نعرفه هاهنا، لو بقيت ثيابك مكانها، إلى أن تبلى، ما أخذها أحد غيرك، ولو مضيت إلى المشرق والمغرب، ثم عدت
стр. 923
لوجدتها مكانها، فإنّا نحن، لا نعرف لصّا، ولا فسادا، ولا شيئا ممّا عندكم، ولكن، ربما لحقنا «١» في السنين الطويلة، شيء من هذا، فنعلم انّه من جهة غريب قد اجتاز بنا، فنركب وراءه، ولا يفوتنا، فندركه، فنقتله، إمّا نتأوّل عليه بكفره، وسعيه في الأرض [٧٣] بالفساد، أو نقطعه كما يقطع السرّاق عندنا من المرافق، فلا نرى شيئا من هذا.
قال: وسألت عن سيرة أهل البلد، بعد ذلك، فإذا الأمر كما ذكره، وإذا هم لا يغلقون أبوابهم بالليل، وليس لأكثرهم أبواب، إنّما هي شرائج «٢» تردّ الكلاب والوحوش.
стр. 924
٦١ الأمير معز الدولة يطوف في قصور دار الخلافة
حدّثني أبو الحسن، عليّ بن أحمد الحاجب، المعروف بابن الخراسانيّ، وكان يحجب معزّ الدولة، قال:
كنت مع معزّ الدولة «١» يوما في دار الخلافة «٢» ، بحضرة المطيع لله «٣» ، فلما انفضّ الموكب «٤» ، قال لي: قل له: إنّي أريد أن أطوف في الدار، فأراها وأشاهد بساتينها، وصحونها، فيأمر من يطيفني فيها.
قال: فقلت ذلك للخليفة، بالعربية.
فأمر الخليفة، شاهك خادمه، وابن أبي عمرو «٥» حاجبه، أن يطيفاه فيها.
فلما مشيا بين يديه، وأنا وراءهما أمشي، وبعدنا عن حضرة الخليفة، وقفا، فقالا: أيّها الأمير إنّه لا يصلح أن تطوف الدار، إلّا ومعك نفسان،
стр. 925
أو ثلاثة، أو نحو هذا [٧٤] ، فاختر لنفسك من تريد، وردّ أصحابك.
قال: فأخذ الصيمريّ كاتبه «١» ، معه، ونحو عشرة غلمان، من حجّابه، وغلمانه، وترك باقي غلمانه، وجيشه، في صحن السلام.
فتوقّفت أشدّ منطقتي، فسبقني، ودخل مع شاهك، وابن أبي عمرو، ولم ينتظروني، وأسرع في مشيه.
فشددت منطقتي ولحقته، وجذبت ثيابه من ورائه، فالتفت، فقلت بالفارسية: في أي موضع أنت؟ ما لك تعدو على وجهك؟ وليس تعلم انّك في دار قد قتلت ألف أمير ووزير، أيش كان غرضك في طوف هذه الدار وحدك؟ ما كان يؤمنك، لو وقف لنا عشرة من الخدم، أو عشرون نفسا، في هذا الممر الضيّق، فنقتل.
قال: فكنت أكلّمه بالفارسية، وأصحاب الخليفة لا يفهمون.
فقال له الصيمريّ، بالفارسيّة: قد صدقك.
فقال لنا: إن أنا رجعت الساعة، علموا أنّي قد فزعت، فضعفت هيبتي في نفوسهم، ونظروا إليّ بعين جبان، ولكن التفّوا حولي، فإنّ مائة من هؤلاء، لا يقاومونا [٧٥] ، ولا صاحبهم يجسر أيضا، على الحيلة عليّ.
وتسرّع في مشيه، حتى انّنا لم نثبت ما شاهدناه، حقّ تثبيته.
حتى انتهينا إلى دار فيها صنم من صفر، على صورة امرأة، وبين يديها أصنام صغار، على صور الوصائف، فما رأينا شيئا قط، أحسن من ذلك، وخاصّة المرأة.
قال: فتحيّر معز الدولة، وسأل عن ذلك، وقالوا: هذا صنم يقال
стр. 926
له: شغل، حمل إلى المقتدر من بلد من بلدان الهند، وكان يعبده أهل ذلك البلد، ففتحه صاحب عمان، وملكه، وحمل الصنم.
فقال معزّ الدولة: قد والله عشقت هذا الصنم، لحسنه، ولو كان جارية، مع زهدي في الجواري، لاشتريتها بمائة ألف دينار، وأريد أطلبه من الخليفة، ليكون قريبا مني، فأراه في كلّ وقت.
فقال له الصيمريّ: لا تفعل، فإنّك تنسب في ذلك، إلى أخلاق الصبيان.
قال: وأسرعنا الطوف، والخروج، فما عقلنا، ولا رجعت نفوسنا إلينا، حتى صار مع عسكره، وغلمانه [٧٦] .
فلما نزل إلى طيّاره، التفت إلى الصيمريّ، وقال: يا أبا جعفر، قد زادت محبّتي للخليفة، لأنّه لو كان يضمر لي سوءا، وكان فيه شرّ، لكان قد قتلني اليوم بأسهل حيلة.
فقال له الصيمريّ: الأمر كذلك، فاحمد الله.
قال: فلما رجع إلى داره، أمر أن يحمل إلى نقيب الطالبيّين عشرة آلاف درهم، ليفرّقها فيهم، شكرا لله ، على سلامته.
ففرّقت، ولم يعرفوا سبب ذلك.
стр. 927
٦٢ أجر الطبيب عن سقي دهن الخروع
حدّثني أبو محمد عبد الله بن داسه «١» ، قال: حدّثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى «٢» ، قال: حدّثنا أبي، قال:
كان في بني منقر، بالبصرة، طبيب يختلف إلى عيسى بن أبان القاضي «٣» ، أيّام مقامه بالبصرة، يسقيه في كل سنة، دهن الخروع «٤» ، أيّاما متوالية من كلّ سنة، فإذا فرغ، وقّع له إلى وكيله بمائتي درهم.
قال: فغلط سنة من السنين، فوقّع له بمائتي دينار.
فلما عرض الطبيب الرقعة على الوكيل، استراب بها، وقال: حتى أستأذنه.
وجاء إليه فأراه التوقيع [٧٧] ، فقال: ما أردت هذا، ما أردت إلا المائتي درهم التي هي رسمه، ولكنّ هذا شيء أجراه الله على يدي، لا أرجع عنه، أعطه إياه.
فأعطاه.
стр. 928
٦٣ ابن الوزير علي بن عيسى يمنع والديه من الاجتماع
وحدّثني أبو محمد «١» ، قال: حدّثني أبو سهل بن زياد القطان «٢» ، قال:
كان عليّ بن عيسى «٣» ، يدخل في كلّ أسبوع، يوما، إلى زوجته، والدة أبي القاسم، ابنه.
وكان أبو القاسم «٤» ، قد نشأ وترجّل «٥» .
فلما كان يوم النوبة، أدخل أبو القاسم أمّه إلى حجرة، وقفلها عليها، وأخذ المفتاح.
فوافى عليّ بن عيسى، فأنكر قفلها.
فقال له الجواري: إنّ أبا القاسم ابنه، فعل ذلك.
فاستحيا، وعرف غرضه، فلم يدخل إلى أمّه بعد ذلك، إلّا لعيادة، أو حال ظاهرة.
стр. 929
٦٤ الوزير أبو علي بن مقلة يثني على القاضي أبي عمر
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني أبو الفرج منصور بن القاسم القنائيّ الكاتب، قال:
دخل أبو عمر القاضي «٢» ، على أبي عليّ بن مقلة «٣» ، وهو وزير، وعليّ ابن عيسى «٤» عنده جالس، فرفع أبا عمر عليه، فامتنع، فرفعه ثانية، فامتنع، وجلس دون أبي الحسن.
فانصرف، فراسله [٧٨] إلى طيّاره، واستدعى ابنه أبا الحسين «٥» ، فجاء إليه، فقال: تقول لأبي عمر، إنّي ما رفعتك على عليّ بن عيسى، لتخالف أمري، وتمتنع من ذلك. وتجلس دونه.
فعاد إليه أبو الحسين، فقال له ما جرى.
فقال له: ارجع إليه، وقل له: هذا رجل رأس عليّ، ثم أدال «٦» الزمان منه، فكرهت أن أرتفع عليه، فيتصوّرني الوزير، بصورة من يرتفع على رؤسائه، وما فعلت ذلك، إلّا لك، وإعظاما للرياسات.
فعاد أبو الحسين، إلى ابن مقلة، وأعاد عليه ذلك.
فقال: قل له: أحسن الله جزاءك، فمنك يتعلّم العقل.
стр. 930
٦٥ الخليفة المعتضد يبحث عن حجّة لقتل وزيره
حدّثنا أبو محمد «١» ، قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن عبيد الله بن نصرويه، عن شيوخه.
إنّ المعتضد «٢» ، لما قبض على إسماعيل بن بلبل «٣» ، أحضر إسماعيل بن إسحاق القاضي «٤» ، وقال له: بلغني أنّك تعلم أنّ إسماعيل بن بلبل، زنديق، فما تقول في قتله؟
فقال: ما أقول في رجل تكنّى، وسمّي أبوه بالطيور «٥» .
فعلم المعتضد أنّه يدافع، فقال ليوسف القاضي «٦» : هل عندك من أمره شيء؟
فقال: نعم. أمرني الموفّق «٧» بالنفقة على [٧٩] الموسم «٨» ، وتقدم إلى إسماعيل، أن يعطيني المال، فكنت ألزم مجلسه، أطالبه بذلك.
٧ ن ٣
стр. 931
فلزمته يوما من الغداة إلى المغرب، ما رأيته صلّى، ولا نهض من موضعه.
ثم لزمته أيّاما متتابعة، وكان هذا حكمه، فقلت لعلّه يقضيها ليلا.
فقال لي في آخر يوم: بت عندي الليلة لأعطيك المال، وجلس يتحدّث، وأنا بين يديه، إلى أن نعس، فأراد إكرامي، فأمرني بالنوم بحضرته، فنمت، وما رأيته خلال ذلك صلّى.
فقال له المعتضد: انصرف، فقد أخبرتني بما أردته منك.
وقتله «١» .
стр. 932
٦٦ عمرو بن الليث الصفار يعاقب واحدا من حرسه
حدّثنا [٨٠] أبو محمد «١» ، قال: حدّثنا أبو الحسن بن أبي نصر، أنّ ابن أبي الوليد بن أبي عبد الله بن ابي دؤاد، قال: حدّثني أبي «٢» :
أنّ عمرو بن الليث «٣» ، كان له بيت ينام فيه، ويحرسه غلمان له ليلا، فانتبه ليلة، فوجد بعض الغلمان، قد استند إلى الحائط، ونام قائما، فجعل مرفقه، على صماخه «٤» ، وغمز عليه، حتى قتله.
فما رؤي في داره، نائما، ممّن كان يحرسه، بعد ذلك.
стр. 933
٦٧ حميد الطوسي يأمر بقتل الطباخ لأنّه لم ينضج دجاجة
حدّثنا أبو محمد، قال: حدّثني أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، قال: قال ابن عيّاش «١» :
كنت آكل مع حميد الطوسيّ «٢» ، فضربت يدي إلى دجاجة مشوية، ثم رغبت عنها شبعا، فلم أكسرها، وانقضى الطعام، وغسلت يدي، وخرجت، فإذا بضوضاء في الدهليز، وإذا برجل يبكي.
فقام إليّ، وقال: يا رجل، أحي نفسا، كنت أنت سبب قتلها.
فقلت: ما الخبر؟
فقال: أنا طبّاخ حميد، وإنّك مسست دجاجة، ثم لم تكسرها، فقدّر حميد أنّني شويتها، ولم أنضجها، فأمر بقتلي.
فعدت إلى حميد، فحين رآني، قال: والله لا شفّعتك في الطبّاخ.
قلت: يسمع الأمير ما أقوله، ويعمل ما يراه، قال: قل.
فحلفت بالأيمان المغلظة، إنّ الدجاجة كانت نضيجة، وإنّما رغبت عنها، لأنّ الشبع صدّني، ثم اتبعت المسألة في أمر الطبّاخ.
فقال: أهب لك ذنبه، على أن لا يدخل داري، إنّنا قد أيسنا من الآخرة، وإنّما هي الدنيا، فلا نحتمل، والله، لأحد، تنغيصها علينا [٨١] .
стр. 934
٦٨ إسحاق المصعبي تحرّكه رقاع أصحاب الأرباع في بغداد
وحدّثني «١» ، قال: حدّثني أبو يحيى بن مكرم، القاضي البغدادي «٢» ، قال: حدّثني أبي، قال:
كان في جواري شيخ يعرف بأبي عبيدة، حسن الأدب، كثير الرواية للأخبار، وكان ينادم إسحاق بن إبراهيم المصعبي «٣» .
فحدّثني: إنّ إسحاق استدعاه ذات ليلة، في نصف اللّيل، بعدّة رسل.
قال: فهالني ذلك، وأوحشني، لما أعرفه من زعارة أخلاقه، وشدّة إسراعه إلى القتل، وخفت أن يكون قد نقم عليّ شيئا في العشرة، أو بلغه عني باطل، فأحفظه «٤» ، فيقتلني.
فخرجت طائر العقل، حتى أتيت داره.
فأدخلت من دار إلى أخرى، إلى أن أدخلت دار الحرم، فاشتدّ جزعي، ثم أدخلت إلى حجرة لطيفة، فسمعت في دهليزها، بكاء امرأة، متخافتا، وهو جالس على كرسيّ، وبين يديه سيف مسلول.
стр. 935
فذهب عليّ أمري، وسلّمت، ووقفت.
فقال: اجلس يا أبا عبيدة، فسكن روعى، وجلست.
فرمى إليّ قصصا «١» ، فإذا هي رقاع أصحاب الشرط في الأرباع «٢» ، يخبر كلّ [٨٢] واحد منهم، بخبر يومه، وفي أكثرها، كبسات وقعت، بنساء من بنات الوزراء، والرؤساء من الكتّاب، وبنات القوّاد والأمراء، مع رجال على ريب، وإنّهنّ محصّلات في الحبوس، ويستأذن في أمرهنّ.
فقلت: قد وقفت على هذه الرقاع، فما يأمرني الأمير؟
فقال: إن هؤلاء، كلّهنّ، أجلّ آباء مني، وأكثر حسبا ومالا، وقد أفضى بهنّ الدهر، إلى ما قد رأيت، وقد وقع لي أنّ بناتي سيبلغن إلى هذا، وقد جمعتهن- وهن خمس- بالقرب من هذا الموضع، لأقتلهنّ كلّهنّ الساعة، وأستريح، فماذا ترى في هذا؟.
فقلت: أيّها الأمير، إن آباء هؤلاء المحبّسات، أخطأوا في تدبير هنّ، لأنّهم خلّفوا عليهنّ النعم، ولم يحفظوهنّ بالأزواج، فخلون بأنفسهنّ، ففسدن، ولو كانوا علّقوهنّ على الأكفاء، ما جرى هذا منهنّ.
والذي أراه، أن تستدعي فلانا، القائد، فله خمسة بنين، كلّهم جميل الوجه حسن النشوة «٣» ، فتزوّج كلّ واحدة منهن، بواحد، فتكفى العار، والنار.
فقال [٨٣] أحسنت يا أبا عبيدة، أنفذوا الساعة إليه، وافرغ لي من هذا.
قال: فراسلت الرجل، فما طلع الفجر، حتى حضر وأولاده،
стр. 936
وعقدت النكاح لهم، على بنات إسحاق، في خطبة واحدة، وحمل إسحاق بين يدي كلّ واحدة، خمسة آلاف دينار، عينا، وشيئا كثيرا من الطيب، والثياب، والدوابّ، والبغال، والغلمان.
فأعطاني كلّ واحد من الأزواج شيئا ممّا وصل إليه، وأنفذ لي أمّهات الأولاد، هدايا في الحال، وشكرنني على تخليص بناتهنّ، وانقلبت الحال إلى السرور.
فخرجت، وقد حصل لي ثلاثة آلاف دينار عينا، وشيء كثير، من الطيب والثياب «١» .
стр. 937
٦٩ شغف المتوكل بالعود الهندي
حدّثني الحسين بن محمّد الجبائي، قال: حدّثني أبو القاسم عمرو ابن زيد البزّاز الشيرازيّ، المقيم ببغداد، قال: حدّثني ابن حمدون «١» النديم، عن آبائه، انّ أحدهم أخبره:
إنّ المتوكل «٢» ، كان مشغوفا بالعود الهندي «٣» ، فشكا إليه ذات ليلة، إعوازه، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين [٨٤] ، الملوك لا تستقبح أن تستهدى من الملوك، طرائف ما في بلادها، فلو أنفذت إلى ملك الهند، هديّة حسنة، واستهديت منه عودا هنديا، ما كان ذاك عيبا.
قال: فتكون أنت الرسول.
فأبيت.
فألزمني، إلى أن أجبت، فتمنّيت أنّي لم أكن أشرت عليه بالرأي، وإن كان صحيحا، لأجبر على الخطر بالنفس، وقلت في نفسي: قد كان يسعني السكوت.
وأعدّ المتوكّل الهدايا، وتأهّبت للخروج، ووصّيت، لإيآسي من الرجوع.
فلما أجدّ بي الخروج، قلت: ليس إلّا أن أحمل معي شرابا كثيرا، فإذا اشتدّت الأمواج، شربت، وسكرت، ولا أعقل إن غرقت، ولا أحسّ بعظم الأمواج، مع السكر.
стр. 938
فاستكثرت من الشراب القطربّلي «١» والغناء الحسن «٢» ، والتفاح الشاميّ، وجعلت بعضه في العسل، ليبقى.
وخرجت، فأقمت بالبحر شهورا، وعانيت أهوالا عظيمة، إلى أن وصلت إلى الساحل من بلد الهند، فأركبت الظهر، وسرت من بلد إلى آخر، إلى أن دخلت بلهوار «٣» ، دار «٤» الملك [٨٥] الأعظم من ملوك الهند، وهو اسم الملك الأعظم هنالك.
فوصلت إلى البلد، مع أصحابه، وقد تلقّيت، وأكرمت، وخدمت، وأنزلت دارا حسنة، من دورهم.
ثم جلس مجلسا عاما، فدخلت إليه، وهو في حفله، وتأهبّه، وجيشه، ورعيّته، وقد جلس على سرير ملكه، وعليه مئزران حرير صينيّ، وقد اتّشح بأحدهما «٥» ، واتّزر بالآخر «٦» ، وفي حلقه خيط فيه صرّة من ذلك الحرير «٧» ، لا أدري ما فيها.
وكلّمني بترجمانه، وقال: يقول لك الملك، لأيّ شيء قصدت؟
فقلت له: إن أمير المؤمنين أحب صلة الحال والمودّة بينه وبينه، فبعثني لذلك، وحمل على يدي هداياه، وسألت أن يأمر بتسلّمها.
стр. 939
فأعاد الترجمان عنه، جوابا حسنا جميلا، وإنّه أمر بقبض الهديّة، وانصرفت، ورسله معي، فتسلّمها.
وتردّدت إلى المجالس العامّة، دفعات.
فلمّا كان بعد أيّام، استدعاني في نصف نهار، وكان الزمان حارّا، فدخلت دار العامّة التي كنت أصل إليه [٨٦] فيها، فلم أجد فيها كثير أحد، فأدخلت من موضع إلى آخر، حتى أدخلت إليه، وهو جالس في حجرة في غاية الحسن، والسرو، والظرف، والملاحة، وفاخر الآلات، كأنّها من حجر دار الخلافة، ودست طبريّ «١» في نهاية الحسن، والملك جالس فيه، وعليه قميص قصب «٢» في نهاية الخفّة والحسن، وسراويل دبيقيّ «٣» ، بتقطيع بغدادي «٤» ، وعلى مسورته «٥» رداء قصب «٦» فاخر جدا، وبين يديه آلات ذهب، وفضّة، وصياغات كثيرة عراقيّة، كلها حسنة، مملوءة بالكافور «٧» والماورد، والعنبر «٨» ، والندّ «٩» ، والتماثيل «١٠» .
стр. 940
فلما دخلت، كلّمني بالعربيّة، بلسان طلق ذلق، وقال: كيف أنت من قشف «١» بلادنا؟
فشكرت إنعامه، وقرّظت بلاده، وذكرت له أنّي في ريف «٢» من تفقّده، وبرّه.
فباسطني، وطاولني «٣» ، واستطاب حديثي، وأفضت معه في فنون من الأمور، حتى تكامل انبساطه إليّ.
وتأمّلت أمره كله، فإذا رجل عراقيّ، متأدّب.
فسقاني من شراب بين يديه [٨٧] ، أصفر، في قدح، في صينيّة، وقال: اشرب هذا، وقل لي، هل عندكم مثله؟
فقبّلت يده، وقبّلت القدح، وشربته، وقلت: هذا، في نهاية الطيب والحسن والجودة.
فقال: أصدقني، هل عندكم مثله؟
فوصفت له الشراب القطربّلي، وذكرت منافعه، وفضائله، وطيبه، وزدت في الوصف، وبسطته، فرأيت في عينه، استبعادا لقولي.
فقلت له: إنّي كنت استصحبت منه شيئا في طريقي، وقد فضل منه فضلة، لا أرضاها لحضرة الملك، ولكن إن أمر بإحضارها، ليعتبر بها صحّة ما ذكرته له، أحضرتها.
فقال: افعل.
стр. 941
فقلت لغلامي: احمل كلما بقي عندنا من الشراب، فجاء الغلام بأدنّ «١» يسيرة.
وقلت له: أن يحمل شيئا من التفاح الشاميّ.
فحمل ممّا كان في العسل، عدّة تفاحات، ومسحها من العسل، وكان في بعضه قد بقيت منه بقيّة صالحة.
فلمّا وضعت الدنان بين يديه، أمرت غلامي، ببزلها في قدح [٨٨] ، وشربت منه أوّلا، ثم دفع إليه، فاستحسن ذلك.
ثم أخذ التفّاح، فلما رأى لونه، رأى شيئا غير ما عنده، وشمّه، فكاد أن يشهق استطابة، وشربه، وتقدّح «٢» بشيء من التفّاح، وقد كنت كسرت واحدة، وأكلت نصفها في حال شربه، وتركت النصف الآخر بين يديه «٣» ، فتنقّل به، ومسح فاه.
ثم قال لي: ما ظننت أنّ في الدنيا مثل هذا الشراب، ولا مثل هذا
стр. 942
النّقل، ولقد بعد في نفسي ما أخبرتني به، فلما شاهدته صدّقتك، وعظم في نفسي بلد يكون مثل هذا فيه مبتذلا، ولم أصدّق ذلك لو لم أشاهده.
ثم قال لي: ويحك، تشربون مثل هذا، وتتنقّلون بمثل هذا، وتموتون؟
إنّ هذا لأمر عجيب.
ثم صار يستدعيني، كلّ يوم، إلى تلك الحجرة، فآكل معه، ونشرب، ويخرج إليّ بالأحاديث.
فلما أنست به، قلت له: أيّها الملك، أتأذن لي، أن أسأل عن شيء؟
قال: قل.
قلت: إنّ الله ، قد جمع لك من [٨٩] الملك العظيم، أنّك جالس في هذه الحجرة في قطعة من دار الخلافة بالعراق، بلا فرق ولا شكّ، وقد أعطاك من حسن الرأي والفهم، واللسان العربيّ، ما جعلك به، كأنّك رجل من أهل بغداد، فمن أين لك هذا؟
فقال: ويحك، إنّ أبي كان من أولاد الملوك، وقتل أبوه، وانتزى على ملكه بعض قوّاده، ثم خرج عليه، ولم يكن من أهل بيت الملك، فهرب أبي خوفا على دمه، إلى عمان، فدخلها مستخفيا، وتنقّل في البلدان، إلى أن وقع ببغداد، في زيّ التجّار، ومعه من يخدمه، ويكتم أمره، وطاف بلدان العراق، وكانت المادة تحمل إليه من هاهنا.
فأقام بالعراق سنين، حتى تفصّح بالعربية، وعاشر أهل العراق، ونكح منهم، وخالطهم، وتطاولت السنون به، ومات ذلك الخارجيّ، الذي قتل أباه، وغصبه الملك، فأوقف أهل المملكة الملك عليه، وكاتبوه بالصورة، واستقدموه، وأمدّوه بالأموال، فاستصحب قوما من [٩٠] العراقيّين، من أهل الأدب والعشرة، وأهل الصنائع، فقدم، فملك الأمر، وجعل غرضه،
стр. 943
طلب العراقيين، وأسنى لهم العطايا، فكثروا عنده، فبنوا له هذه الحجرة، وخدموه بهذه الآلات.
فكان يجلس لأهل المملكة في زيّهم، لئلا يشيع عليه مخالفتهم في الزيّ، وينقص بين ملوكهم، فيهون أمره عندهم، ويجلس في خلواته هكذا.
فلما ولدت، أسلمني إلى العراقيين، والهنديّين، فكلّموني باللغتين، فنشأت أتكلّم بهما، ثم أدّبني العراقيّون، وغلبوا عليّ.
فلمّا مات، سلّم الملك إليّ، فاتّبعت طرائقه في الجلوس العام لأهل المملكة بزيّهم، والانفراد عنهم في الخلوة بهذا الزيّ.
قال: فقلت له: فما ذلك الذي تعلّقه في حلقك في الصرّة؟
فقال: هذه الصرّة، فيها عظم من عظام الرجل الذي جاء بعبادة البدّ»
وأقام هذه الشريعة لهم، وله كذا وكذا ألف سنة، وذكر عشرات ألوف سنين.
وقال: إنّ [٩١] الرجل، لمّا مات، وصّى، بأن يجعل في تابوت، بعد تابوت، كذا وكذا ألف سنة، فما يزال، كلّما بلي شيء من عظامه، احتفظوا بالباقي، ونحّوا البالي، لئلّا يسرع الفساد إلى الصحيح، إلى أن لم يبق منه إلّا هذا العظم الواحد، فخافوا أن يبلى أيضا، فجعلوه في حقّ من ذهب، وجعلوهما في صرّة، وصارت الملوك تعلّقه في حلوقها، في خيط، تعظيما، وتبركا به، وتشرّفا بمكانه، وصيانة له عن البلى، فقد علّق في حلق كذا وكذا ملك، مدّة أيّام ملكهم كذا وكذا سنة، وذكر أمرا عظيما، وقد صار عندنا كالبردة التي لصاحبكم «٢» ، يلبسها خلفاؤكم.
قال: فلما طال مقامي، وضجرت، سألته الإذن في تسريحي، وأعلمته
стр. 944
إعجاب الخليفة، بالعود الهنديّ، وأشرت عليه بالاستكثار منه، وقلت:
هو أحبّ إليه من جميع ما تهديه إليه، من غيره.
فأنفذ منه شيئا عظيما، هائلا، كثيرا، وفيه من [٩٢] الطرائف ما لم يسمع بمثله.
وأنفذ معه من الجواهر، واليواقيت، والتوتيا، وطرائف بلاده، ما يكون قيمته مالا جليلا، وأضعاف ما حملناه إليه.
فلما أردت توديعه، قال: اصبر، ثم دعا بصندوق، ففتحه، وأخرج منه مفتاح ذهب، وأخرج منه قطع عود هندي لطافا، فأعطانيها، وقد كان قدّ «١» ما أعطانيه نصف رطل، ودعا بدرج، وجعله فيه، وقفله، وسلّمه ومفتاحه إليّ، وقال: هذا خاصّة، توصله من يدك إلى يده.
قال: فأنكرت ذلك في نفسي، وقلت: أبت الهندية فيه إلّا الحمق.
قال: فبان له التنكّر في وجهي. فقال: أظنّك احتقرته؟ فقلت:
وما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا.
فقلت: الملك يقول.
فقال: يا غلام، هات مجمرة، ونارا.
فأتى بهما، ودعا بمنديل لطيف للكمّ «٢» ، فأتى به، وأخرج من ذلك العود شظيّة، مقدار أقلّ من نصف دانق فضّة «٣» ، فطرحها في النار، وبخّر بها المنديل، ثم قال: شمّ.
стр. 945
فشممت شيئا، لم أدر ما [٩٣] هو، لا يشبه الندّ، ولا العود، ولا شيئا طيّبا نتبخّر به، ما شممت مثله قط.
فقلت: يحقّ لهذا أن يوصيني به الملك بما وصّى.
فقال: اصبر، حتى أريك منه أعجب ممّا رأيت.
ودعى بطشت وماء، فأحضرهما، وأمر بغسل المنديل بالصابون، فغسل بين يديه، ثم أمر بأن يجفف في الشمس، ويحضر.
قال: ففعل.
ثم قال: شمّه.
فشممت الرائحة بعينها، لم تتغيّر، ولا نقصت.
فأعاد الغسل بالصابون، والتجفيف، دفعات تقارب العشرة، إلى أن انقطعت الرائحة في الأخيرة.
فهالني ذلك.
فقال: اعرف الآن قدر ما معك، واعلم أنّه ليس في خزائن ملوك الهند كلّها، من هذا، رطل واحد، غير ما أعطيتك، وعرّف صاحبك فضيلته.
قال: فودعته، وانصرفت.
ورزق الله السلامة، ودخلت على المتوكّل، فسرّ بقدومي، وأكرمني، وسلّمت إليه الهدايا، فحسن موقعها منه، وأعدت عليه أكثر حديثي مع الملك، إلى أن بلغت خبر النصف رطل عود، وأخرجته، فسلّمته إليه، ولم أشرح [٩٤] له خبر الخرقة. فاستحمق الرجل، كما استحمقته، فقصصت عليه الشرح، وأخرجت المجمرة، والنار، وخرقة، وفعلت كما فعل الملك، فهاله ذلك، أمرا عظيما، وسرّ به سرورا شديدا، وقال: هذا النصف رطل بسفرتك.
стр. 946
قال الحسين: فقال لي عمرو بن زيد: استبعدت أمر هذا العود، إلى أن حدّثني بعض التجّار الثقات، المشهورين بدخول الهند دفعات، بحديث هذا العود، ووصفه لي، فخرج الحديثان واحدا على اتّفاق.
فقلت: هل سمعت من سبب قلّته؟
فقال: سألتهم عن سبب ذلك، فقالوا: ليس ينبت إلّا في موضع واحد، في قلّة جبل، بيننا وبينه مشاقّ، وغرر «١» ، وأخطار، ووحوش ضارية كثيرة، فالملوك تتكلّف إنفاق الأموال العظيمة، على مرور الأيّام، والشهور، والأعوام، حتى يصل أصحابهم إلى ذلك الجبل، ويصعدون منه إلى حيث يمكن، فيبلغون إلى حيث لا طريق فيه، ولا حيلة، ويرون تيوسا، كالتيوس الجبليّة التي هاهنا، ترعى في [٩٥] تلك الأشجار من بعد، فربّما اتّفق أن يروا الواحد، وهو في الذروة، وفي فيه قطعة من هذا العود يأكله، فيرمونه بالسهام، فإذا اتفق أن يصيبه السهم، فيسقط التيس إليهم بحميّة السهم، وفي فمه ذلك العود، فيتناولوه من فيه، وإلّا فلا سبيل إلى الحصول على شيء من العود البتة.
ففي سنين طوال، تتفق هذه القطعة اليسيرة، بعد المشقّة العظيمة، على مراصدة الرجال بذلك.
فبهذا السبيل يقلّ.
стр. 947
٧٠ الكاتب بشر بن هارون النصراني يهجو وزيرا
[أنشدنا] أبو عليّ عبد الله بن الحجاج، لأبي نصر النصرانيّ، الكاتب «١» ، يهجو أبا الفضل الشيرازيّ «٢» - الوزير كان- من أبيات:
ما كلّ من طوّل عثنونه ... ينال فضلا يا أبا الفضل
طوّلت عثنونك تبغي العلى ... أيّ على في ذنب البغل
ولست أحصي كم رأيت امرأ ... ألحى ولكن كوسج العقل «٣»
стр. 948
٧١ رأي الوزير ابن الفرات في سياسة المملكة
حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبريّ «١» ، الشاهد، قال:
حدّثنا الحسين بن فلان، الكاتب [٩٦] ، النصراني، الملقّب ببظر أمّ الدنيا «٢» ، قال: قال لي ابن الفرات:
أوّل أمور السلطان مخرقة «٣» ، فإذا استحكمت، وتمّت، صارت سياسة «٤» .
стр. 949
٧٢ الخليفة لا يخاتل
وحدّثنا «١» : قال: حدّثنا قاضي القضاة أبو محمد بن معروف «٢» ، قال:
كنت مع المطيع لله «٣» ، في طيّاره، وقد ركب، وأنا واقف بين يديه، مع حاجبه، وكلّما دعت له طائفة، سألني عنها، فأخبره بها، حتى دعت له طائفة من الطالبيّين.
فقال: من هؤلاء؟
فقلت: الطالبيّون «٤» .
فأعرض عنهم، وأطرق ساعة، وعبس، إلى أن جازهم.
ثم قال: يا عبيد الله «٥» .
قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
قال: العلويّة أهلي، وأقرب الناس إليّ، وو الله إنّي أحبّهم، ولكنّي أعلم، انّهم يبغضوني، ومثلي لا يخاتل، ولا يجوز أن أعاملهم إلّا بما رأيت «٦» .
стр. 950
٧٣ علم الخرق وعلم الورق
وسمعته «١» يقول: سمعت جعفر الخلديّ الصوفيّ «٢» ، يقول: لو تركني الصوفيّة، لجئتكم بإسناد الدنيا.
مضيت إلى عباس الدوريّ «٣» ، وأنا حدث، فكتبت عنه مجلسا [٩٧] واحدا، وخرجت من عنده، فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفيّة، فقال: أيش هذا معك؟ فأريته إيّاه.
فقال: ويحك، تدع علم الخرق، وتأخذ علم الورق «٤» .
قال: ثم خرّق الأوراق.
ودخل كلامه في قلبي، فلم أعد إلى عباس.
следующие страницы →