← Фикх общий

Фикх общий · id 10276

النقد والبيان في دفع أوهام خزيران

محمد كامل القصاب

Полный текст (246 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فإنا نرى أنَّ أكثر الموالد التي تقرأ في زماننا، تشتمل على الصُّراخ والغناء، وما شاكل ذلك، هذا ونرى المدعوين يشتغلون بشرب الدُّخان (١) حتى يتمَّ الجمعُ، ويحضر القارئ فتكون عند ذلك الغرفة التي يراد أن يقرأ فيها العشر من القرآن الكريم والمولد مملوءة دخاناً، ذا رائحة كريهة، وفي أثناء القراءة ترى الجمعَ في الغُرف الأخرى، يشربون الدخان -التوتون، والتنباك- ويخوضون في الغيبة والنَّميمة، بل وجدناهم يرتكبون أكبر من ذلك في بعض الأحيان؛ كشرب الخمر.

стр. 107

ومما ذكرنا: يُعلم أنَّ فتوى العلامة ابن حَجَر عن حكم قراءة الموالد التي نقلها رداً علينا، هي موافقة لما كنّا ننبِّه الناسَ وندعوهم إليه، فهي حُجة لنا، وردٌّ عليه، وإلى المتأمِّل نصُّ الفتوى: سئل العلامة ابن حجر: عن حكم الموالد، هي سُنَّة، أم فضيلة، أم بدعة؟ مع بيان دليل كلٍّ، وهل الاجتماع للبدعة المباحة! جائز أم لا؟ فأجاب بقوله: الموالد [والأذكار] (١) التي تفعل عندنا، أكثرها مشتمل على خير؛ كصدقة، وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ [ومدحه] (٢) ، وعلى [شر، بل] (٢) شرور، [لو لم يكن منها إلا رؤية] (٢) النساء للرِّجال الأجانب، وبعضها ليس فيها (٣) شر، لكنه قليل نادر، ولا شك أنَّ القسم الأول -أي: المشتمل على خير؛ كصدقة، وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى شرور؛ كرؤية النساء للرجال الأجانب- ممنوع؛ للقاعدة المشهورة [المقررة] (٤) :

стр. 108

إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، [فمن علم وقوع شيء من الشر فيما يفعله من ذلك، فهو عاص آثم، وبفرض أنه عمل في ذلك خيراً، فربما خيره لا يساوي شره] (١) ، ألا ترى أنَّ الشارع (١) ا ﷺ كتفى من الخير بما تيسّر، وفطم عن جميع أنواع الشَّر، حيث قال: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه» (٢) ... والقسم الثاني سنة تشمله الأحاديث الواردة في الأذكار، المخصوصة والعامة؛ كقوله ﵊: «لا يقعد قوم يذكرون الله -تعالى-، إلا حفَّتهم الملائكةُ، وغشيتهم الرَّحمةُ، ونزلت عليهم السَّكينةُ، وذكرهم اللهُ فيمن عنده» (٣) رواه مسلم ... إلى آخر ما قال (٤) .

стр. 109

فمن تأمل هذه الفتوى المصرِّحة باشتمال أكثر الموالد في زمن ابن حجر منذ (٤٠٠) سنة على الشرور، وأنها ممنوعة ما دامت لا تخلو من الشرور، عملاً بقاعدة (درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح) (١) يعلم عدم صحة دعوى خزيران؛ بأنَّ الموالد في بلادنا هي من القسم الخالي من الشّرور، ليُثبتَ إباحتها على كل حال، وهل يخلو مولد من رؤية النساء للرجال الأجانب في زماننا؟ وذلك زيادة عن الخروج في قراءة الموالد عن الأدب المشروع، مِمّا أشرنا إليه مِن تصرُّفات القُرَّاء والمنشدين، وزِدْ على هذا: ما تشتملُ عليه من البِدَع، التي شوّهت حقيقة الدين الإسلامي، وفسحت مجالاً للذين يكيدون له سوءاً، فالأمر لله العلي الكبير، ويؤيِّدُ ما قلناه -أيضاً- بخصوص المنشدين: نصُّ الفتوى الثانية التي نقلها -أيضاً- عن ابن حجر جواباً عن سؤال رفع إليه، وهو:

стр. 110

«ما تفعله طوائف باليمن وغيرهم من الاجتماع على إنشاد الأشعار (١) والمدائح [مع ذكر مسجع، هل] (٢) هو ذكر أم لا؟ وهل يفرق بينه وبين الأشعار الغَزليّة (٣) ... ، بما مآله: «إنَّ إنشاد الشعر وسماعَه، إن كان فيه حثٌّ على خير، أو نهي عن شر، أو تشويق إلى التأسي بأحوال الصالحين، والخروج عن النَّفس ورعونتها، وحظوظها، [والدأب] (٣) والجد في التحلِّي بمراقبة الحقِّ في كل نَفَس، ثم الانتقال في شهوده في كل ذرة من ذرات الوجود، كما أشار إليه الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ بقوله: «الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللهَ كأنّك تراه، فإنْ لم تكن تراه؛ فإنه يراك» (٤) ، فكل من الإنشاد والاستماع سنة ... ، والمنشدون والسامعون مأجورون مثابون، إن صلحت نياتهم (٥) ، وصَفَتْ سرائرُهم، وأما إن كان بخلاف ذلك ... مما يناسب (٦) أغراضهم الفاسدة، وشهواتهم المحرَّمة، فهم عاصون آثمون» (٧) . وأما ادّعاؤه بأنَّ مواضيع القصائد وحال المنشدين والمستمعين في هذه الأيام من قبيل ما ذكر في صدر هذه الفتوى، فإننا نترك الحكمَ فيه لأهل الإنصاف.

стр. 111

على أنّ الاحتفال بقراءة قصة المولد النبوي، ليست سنة الخلفاء الراشدين، فيُعض عليها بالنَّواجذ، ولا فعلها أحدٌ من أهل القرون الثلاثة الفاضلة (١) ،

стр. 112

التي هي خير القرون الإسلامية، بشهادة الرسول ﷺ ، إنما أحدثها الملك المظفر التُّركماني الجنس (١) ، صاحب إربل (٢) ، ثم صارت عادة متبعة، وسنة مبتدعة، وشعاراً دينياً (٣) .

стр. 113

وأما ليلة النصف من شعبان، فلم يحصل بخصوصها إلا تنبيهُ الناس للمسابقة لصوم نهارها، وقيام ليلها، بالعبادة الخالصة لله -تعالى-، بعد التَّوبة، وأداء الفرائض؛ لأنه لا يفيد العبد إقباله على النوافل ما دام تاركاً للفرائض (١) ، لكن لا على وجه الاجتماع في المساجد، واعتقاد لزوم ذلك، بل على وجه الانفراد والاختيار، وأنَّ الدُّعاء بالصُّورة المعلومة مساء ليلة النِّصف ليس من الأعمال التي تعبَّدنا اللهُ بها، ولم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا الأئمة المجتهدون -رضوان الله عليهم أجمعين-.

стр. 114

والحديث الذي استدل به في هذا الموضوع وهو: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلها، وصوموا نهارَها، فإنَّ الله -تعالى- ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر، فأغفر له! ألا مسترزق فأرزقه! ألا مبتلى فأعافيه! ألا كذا ... ، ألا كذا ... ، حتى يطلع الفجر» (١) .

стр. 115

متفق على ضعفه عند جميع المحدِّثين، ومنهم من قال بوضعه (١) . قال العلامة السندي في «حاشيته على ابن ماجه» (٢) مخرِّج هذا الحديث: «في إسناده ضعف؛ لضعف ابن أبي سبرة (٣) ، واسمه: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة (٢) ، قال فيه أحمد بن حنبل (٤) ، وابن معين (٥) :

стр. 116

يضع الحديث» انتهى. ووافقه الذهبي في «الميزان» (١) في الإمام أحمد، وذكر عن ابن معين (٢) أنه قال فيه: وليس حديثه بشيء، وقال النسائي (٣) : متروك. وممن قال بوضعه: الإمامُ الفقيهُ الحافظ (٤) أبو حفص عمر بن بدر الموصلي الحنفي إمام المسجد الأقصى (المتوفَّى سنة ٦٢٢) هـ في كتابه «المغني عن الحفظ» (٥) ،

стр. 117

حيث قال: «صلاة الرَّغائب، والمعراج (١) ، والنِّصف من شعبان، وصلاة الإيمان (٢) ، والأسبوع كل يوم وليلة، وبر الوالدين، ويوم عاشوراء، وغير ذلك لا يصحّ في هذا الباب شيء عن النبي S» . وقال الإمام الحافظ القاضي أبو بكر المعروف بابن العربي في تفسيره «أحكام القرآن» (٣) : «وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعَوَّلُ عليه (٤) ،

стр. 118

لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها (١) ، فلا تلتفتوا إليها» .

стр. 119

وذكر أبو شامة في كتابه «الباعث» (١) عن أبي بكر الطُّرْطُوشي (٢) قال: «روى ابن وضاح (٣) عن زيد بن أسلم، قال: ما أدركنا أحداً من مشيختنا (٤) ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النِّصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول (٥) ، ولا يرون لها فضلاً على سواها، قال: وقيل لابن أبي مليكة: إنَّ زياداً النُّميري يقول: إنَّ أَجْرَ ليلةِ النِّصف من شعبان كأجر ليلة القدر، فقال: لو سمعتُه وبيدي عصا لضربتُه، قال: وكان زياد قاصّاً (٦) . وقال الحافظ أبو الخطاب بن دِحْية (٧) : «روى الناسُ الإغفال (٨)

стр. 120

في صلاة ليلة النِّصف من شعبان، أحاديث موضوعة [وواحداً مقطوعاً] (١) ، وكلّفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم، من صلاة مئة ركعة ... [وقال في كتاب «ما جاء في شهر شعبان» من تأليفه -أيضاً-] (١) : «وقال أهل التَّعديل والتجريح: ليس في حديث ليلة النِّصف من شعبان حديث يصحّ، فتحفَّظوا -عبادَ الله- من مفتر يروي لكم حديثاً موضوعاً يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعاً من النبي ﷺ ، فإذا صحَّ أنه كذب، خرج من المشروعيَّة، وكان مستعمِلُه من خدم الشيطان؛ لاستعماله حديثاً على رسول الله ﷺ لم ينزّل الله به من سلطان» (٢) .

стр. 121

وقال العراقي (١) : حديث صلاة ليلة النصف من شعبان باطل، وقال التقيُّ السُّبكيُّ في «تقييد التراجيح» (٢) : الاجتماع لصلاة ليلة النصف من شعبان ولصلاة الرَّغائب بدعة مذمومة. وقال النووي (٣) : هاتان الصَّلاتان -أي: صلاة الرَّغائب، وصلاة ليلة النِّصف من شعبان- بدعتان موضوعتان منكرتان قبيحتان، ولا تغترّ بذكرهما في كتاب «القوت» (٤) و «الإحياء» (٥) ،

стр. 122

وليس لأحد أن يستدلَّ على شرعيتهما، بقوله ﷺ : «الصلاة خير موضوع» (١) ؛ فإن ذلك يختصُّ بصلاة لا تخالف الشَّرع بوجه من الوجوه، وقد صح النَّهيُ عن الصلاة في الأوقات المكروهة (٢) ، نقل ذلك كلَّه العلاّمةُ الزَّبيديُّ في «شرح الإحياء» (٣) .

стр. 123

وأما دعاؤها المشهور (١)

стр. 124

الذي ذكره خزيران فلم يرد من طريق صحيح، وإنما هو من جمع بعض المشايخ، قال العلامة الزَّبيدي في «شرح الإحياء» (١) : «وقد توارث الخلف عن السّلف في إحياء هذه الليلة -أي: ليلة النصف من شعبان- بصلاة ست ركعات بعد صلاة المغرب، كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة منها بالفاتحة مرة، والإخلاص ست مرات، وبعد الفراغ من كل ركعتين يقرأ سورة يس مرة، ويدعو بالدُّعاء المشهور بدعاء ليلة النصف» ... إلى أن قال: «ولم أر [لصلاة ليلة النصف من شعبان] (٢) ، ولا لدعائها مستنداً صحيحاً في السُّنّة، إلا أنه من عمل المشايخ» . ومما تقدم يعلم عدم صحة الأحاديث التي أشار إليها، والتي ذكرها بخصوص ليلة النصف من شعبان، وبطلان قوله في حديث النُّزول (٣) : «وإنْ نص بعض العلماء على ضعفه» ، لأنَّ الذي نصَّ على ضعفه -لا بعض العلماء- بل كلُّهم، ومنهم مَن قال بوضعه كما أشرنا، وأما ما ذكره من أن الأحاديث الصحيحة النَّاطقة بفضل الصِّيام في شهر شعبان كثيرة، مستدلاًّ بحديث السيدة عائشة الذي أخرجه الشيخان، قالت: «وما رأيته ﷺ في شهر أكثر منه صياماً في شعبان» (٤) فلا علاقة له بموضوعنا، وقوله: إنّ الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ليس على إطلاقه، بدليل ما شرطه المحدِّثون لجواز العمل بالضَّعيف في الترغيب والترهيب. قال الحافظ السخاوي (٥) :

стр. 125

«سمعت شيخنا الحافظ ابن حجر مراراً يقول -وكتبه لي بخطه-: إنَّ شرائط العمل بالضعيف ثلاثة: الأول: [متفق عليه] (١) ، أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذَّابين، والمتَّهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. الثاني: أنْ يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع، بحيث لا يكون له أصل أصلاً. الثالث: أنْ لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله» . قال: «والأخيران عن ابن عبد السلام، وعن صاحبه ابن دقيق العيد، والأول نقل العلائيُّ الاتفاقَ عليه» انتهى. والحديث الذي استدلَّ به خزيران، هو شديد الضعف لا يجوز العمل به في فضائل الأعمال؛ لأنَّ أحد رواته- وهو: ابن أبي سَبْرة (٢) - متروك، يضع الحديث كما تقدم (٣) ، على أنَّ القاضي أبا بكر بن العربي (٤) لا يجوز العمل بالضعيف مطلقاً.

стр. 126

وتمويه خزيران في آخر كلامه بما يتعلَّق بليلة النِّصف من شعبان بقوله: «أما الاجتماع على قراءته -أي: دعاء ليلة النصف- في الليلة المذكورة، فهو اجتماع على الدُّعاء الذي هو مخ العبادة كما ورد في الحديث (١) ، في ليلة يتجلّى فيها الحقُّ على عباده من غروب الشمس، ويقول: هل من كذا؟ هل من كذا؟ ... فيكون من قبيل البدع المندوبة» ظاهر حيث يقول فهو اجتماع على الدعاء الذي هو مخ العبادة، كما ورد في الحديث، وذلك تصريح منه بأنه اجتماع مخصوص، في زمان مخصوص، على وجه مخصوص، التزم فيه التّعبد بأمر مخصوص، لم يرد في الشَّرع دليلٌ عليه تفصيلاً، وإن كان من حيث جنسه داخلاً في دليل الدعاء الإجمالي، من غير تقييد بهذه الالتزامات والخصوصيات المعلومة، فيكون ابتداعاً وقع الناس فيه من جهة توهّم أنه بهذه الصُّورة مشروعٌ، مع أنه لم يقم عليه دليل تفصيليّ بخصوصه، وقد ثبت ما فيه القناعة بأنَّ ما كان من هذا القبيل فهو بدعة، غير مباحة، فضلاً عن أنها مندوبة كما قال! وأيضاً: فإن ذلك الاجتماع لا يخلو عما يخالف الشّرع، وأقلُّه قراءة سورة (يس) بصوت واحد، بالاستعجال المتناهي الذي بسببه يقطع القارئون كلمات القرآن وآياته، ويسقطون كثيراً من الكلمات والحروف، فيتغيَّر به المعنى تغييراً فاحشاً، وفيه ما علمتَ من الفسق والإثم، كما نقلناه (٢)

стр. 127

عن الإمام النووي، وبذلك يقعون -أيضاً- في إثم ترك الإنصات، وجهر بعضهم على بعض بالقرآن، ومعلوم أنه منهي عنه، بقوله ﷺ : «أيها الناس، كلكلم يناجي ربَّه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة» (١) ، خصوصاً وأنَّ البعض من الذين يشتركون في تلك التلاوة لا يحفظون السورة ولا الدعاء (٢) ، فيتلقَّفون الكلمات من غيرهم، وهناك التَّشويش والتشويه الذي لا يرضاه اللهُ ولا رسولُه. ومن هذا يتّضح فساد قول خزيران: «واجتماع مسلمي هذه البلاد في مساجدهم تلك الليلة، خالٍ مِن كلِّ منكرٍ وشرٍّ، إنه عبارة عن صلاةٍ، وتلاوةِ قرآن، وتضرّعٍ، ودعاء» .

стр. 128

ولما أثبت حضرتُه -على زعمه- إباحة اجتماع الناس للمولد، والإنشاد فيه، أدمج -أيضاً- مسألة إباحة التوحيش (١) -الذي هو وداع رمضان- فدخل في الموضوع بعد ذكر الفتوى الثَّانية لابن حجر، وقال: «وقد ذكر العلامة الحبر الرملي في أواخر «فتاويه» (٢) أنَّ الشَّيخ عزَّ الدين بن عبد السلام (٣) سئل عن السَّماع، الذي يفعل في هذا الزمان في مجالس الذِّكر، فأجاب بما صورته: «سماع ما يحرِّكُ الأحوال السَّنيَّة المذكِّرة للآخرة، مندوب إليه» انتهى.

стр. 129

ثم رتَّب عليه ما أراد الاستدلال به من التَّوحيش، ووداع رمضان بالأناشيد، فقال: «ومن يطَّلع على مواضيع القصائد التي تنشد أثناء تلاوة الموالد في هذه البلاد، وعلى حال مستمعيها، يذعن أنّها من هذا القبيل، خصوصاً إذا كان المنشدُ صالحاً، حَسَنَ الصَّوت، ومما تقدَّم يتبيَّنُ حكم الاجتماع المعتاد في البلاد الشَّامية في المساجد بالليلة التي لا تعاد في شهر رمضان تلك السنة، وذكر المؤذنين فرادى ومجتمعين القصائد المرققة للقلوب، المدمعة للعيون، المشتملة على تنبيه الغافل، إلى ما قصَّر فيه خلال الشهر، وندمه على ما جنته فيه يداه، من قبيح الأعمال وسوء الأحوال، وتبشير الصَّائم فيه بالمغفرة والجنة؛ كقولهم: يغفر المولى لمن صلَّى وصام، أخذاً من قوله ﷺ الذي أخرجه الشيخان: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) ، وقولهم: «إنَّ في الجنة باباً، اسمه: الريان، لا يدخله إلا صائمُ شهر رمضان» ، استنباطاً مما أخرجه الشَّيخان عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : «في الجنة ثمانية أبواب؛ منها باب يسمَّى: الريَّان، لا يدخله إلا الصائمون» (٢) ، وأمثال ذلك من معاني الأحاديث الصَّحيحة، والحِكَم البليغة، من غير تشويش على مُصَلٍّ، ولا إضرار بأحد، ولا تمطيط خارج عن الحدّ، ولا يجلس هذا المجلس إلا كلُّ متشوِّق لسماع ذلك متعطش، وإنَّ ذلك من الاجتماع على الخير، فيكون من البدعة المندوبة، وعلى الأقل فمن المباحة.

стр. 130

فكيف ينكر على فاعله؟ على أنه قد شوهد من كثير من العوام الذين يحضرون هذا الاجتماع عند ما يقول المؤذِّنون: لا أوحش الله منك يا شهر رمضان، يا شهر القرآن، يا شهر التَّراويح، يا شهر التسابيح، وأشباه ذلك، البكاء والخشوع» انتهى. فنقول: يفهم من كلامه هذا، إن إباحة التَّوحيش على رأيه متوقِّفة على خلو أناشيد الوداع عن التَّمطيط، الخارج عن الحدِّ، ومن التَّشويش على مصلٍّ، وهذا أمر لا يمكن إثباته؛ لأنَّ كلَّ الناس يعلم أنَّ المؤذِّنين لا يقصدون بإنشاد تلك القصائد التي ينشدونها إلا إدخال الطَّرب بأصواتهم الفجَّة، على السامعين الغافلين، وأكبر دليل على ذلك: مبالغة المنشدين مبالغةً موحشةً في تمطيط أصواتهم، وبح حناجرهم، واجتماع بعضهم إلى بعض؛ ليعظم الصَّوتُ، وتغلب اللهجة على المستمعين، وأدلُّ منه: عدمُ ملاحظتهم معنى الإنشاد الذي طبقه على الأحاديث التي أوردها؛ لأنَّ جميعَ المؤذِّنين والمنشدين أُمِّيون، لا يحسنون لفظ الأناشيد، ولا ينطقون بها صحيحة المبنى، على أنهم لو أحسنوا لفظَها، فإن لغطَ أصواتهم يضيِّعُ معناها، ففعل هؤلاء المنشدين بدعةٌ منكرةٌ، تنطبق عليه فتوى ابن عبد السلام، التي استدلَّ بها خزيران؛ لأنه ليس في إنشادهم ما يحرِّك الأحوالَ السَّنيَّة المذكِّرةَ للآخرة، وإن كان مواضيع القصائد صحيحاً، على أنا نقول: إنَّ رفع الأصوات بالأناشيد في المسجد، ولو كانت على الوجه الذي ذكره من حصول الخشوع والبكاء بها ممنوع شرعاً؛ لما ورد عنه ﷺ أنه قال: «جنِّبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وخصوماتِكم، وبيعَكم، وشراءكم، وسلَّ سيوفكم، ورفعَ أصواتكم، وإقامة حدودكم، وجمِّروها أيام جمعكم» (١) ،

стр. 131

وروى الترمذي والنَّسائي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد، فقولوا: فضَّ الله فاك ثلاثاً» (١) .

стр. 132

وقال الإمام العلاّمةُ ابن الحاج في «المدخل» (١) : «ينبغي أن يمنع من يرفع صوته في المسجد في حال الخُطبة وغيرها؛ لأنَّ رفع الصَّوت في المسجد بدعة» . قال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد ابن المنيِّر في كتابه المسمَّى بـ «الانتصاف» (٢) : «وحسبُك في تعيين الأسرار في الدُّعاء اقترانه بالتضرُّع في آية ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ، وإنَّ دعاءً لا تضرّع فيه ولا خشوع، لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية ولا وقار يصحبه، وترى كثيراً من أهل زمانك يعتمدون الصُّراخ والصِّياح في الدُّعاء، خصوصاً في الجوامع، حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستد المسامع [وتستك] (٣) ، ويهتز الدَّاعي بالناس، ولا يعلم أنه جمع بين بدعتين: رفع الصَّوت في الدُّعاء، وفي المسجد، وربما حصلت للعوام حينئذ رقّة لا تحصل مع خفض الصَّوت، ورعاية سمت الوقار، وسلوك السنة الثابتة بالآثار، وما هي إلا رقة شبيهة بالرِّقة العارضة للنِّساء والأطفال، ليست خارجةً عن صميم الفؤاد؛ لأنها لو كانت من أصل لكانت عند اتّباع السُّنَّة في الدُّعاء، وفي خفض الصّوت به، أوفر وأوفى وأزكى، فما أكثر التباس الباطل بالحق على عقول كثير من الخلق! اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه» انتهى.

стр. 133

ومما تقدّم: يفهم أن وداعَ رمضان بدعٌ من الأمر، ولو حاول المحاولون إباحته واستحسانه بدون حُجّة ولا برهان، لاسيّما مع ما يقع بسبب التَّوديع من الأمور الغير (١) المشروعة؛ كالتَّغنِّي والتَّطرّب في بيوت لم تشيَّد إلا للذِّكر والعبادة، وكرفع الأصوات في المساجد، وهو مكروه كراهة شديدة، وتجمّع الأولاد الرَّعاع، الذين لا يحضرون إلا بعد انقضاء الصَّلاة، للتفرّج والسَّماع خاصة، ... إلى غير ذلك. وأما ما نسبه إلينا، من أننا أدخلنا في أفكار العامة، أنه لا لزوم لصلاة الظهر بعد صلاة الجمعة، فنقول: إنَّ هذه المسألة طال فيها الخلافُ بين السَّادة الشافعية (٢) أنفسهم، وأُلِّفت فيها الرسائل (٣) ،

стр. 134

فمن أحبَّ فليرجع إلى كُتُبهم، وإلى العلماء الرَّاسخين منهم، فيقف على الحقيقة (١) .

стр. 135

ومَنْ تأمَّل في رسالة خزيران: يرَ أنَّ ذلك الشَّيخ جمع مزيجاً من المسائل العلمية، كان فيها حاطبَ ليل، وحشرها إلى ذهنه، ثم نشرها قلمه كما شاء عقله وهواه، ليدهشَ بها العامة، ويساعد بها من اتَّخذ دينه متجراً، وجعل ذكر الله آلة لسلب الأموال، فالأحاديث التي استدلَّ بها منها ما هو صحيح، فكان دليلاً لنا، وحجةً عليه؛ لأنه أوَّلها كما أحب، واستنتج منها ما أراد، حتى صار نموذجاً لقول الشاعر: سارتْ مشرّقةً وسرتُ مغرِّباً ... شَتَّانَ بين مشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ (١) ومنها ما هو ضعيف، أو واهٍ، أو موضوع، وقد أشرنا إلى ذلك بما فيه الكفاية. هذا وقد تطرَّف الرَّجلُ في الإيهام، وترويج ما أتى به إلى حدٍّ أظهر فيه خطراً محسوساً على الدِّين من نور تعاليمنا المخالفة لنزعته ورغبته التي أراد أن يحمل الناس عليها ظلماً وعلواً، وهكذا جعل خاتمة رسالته الاستنجاد بالعلماء من أهل مصر والشام، وبرجال المجلس الإسلامي، في القدس الشريف، أملاً بأن يتمَّ له ما تمنَّاه، وأجهد نفسه للوصول إليه، وهيهات! فإنَّ العلماء علماء لا يميلون مع الهوى، ولا ينظرون إلى السِّوى، وإن الحقَّ رائدُهم، ونصرة الحق بغيتهم، ولو أنه كلما خطر لإنسان خاطر يؤيدونه فيه ويجارونه على ما يرتضيه، لما بقي للحق أثر، ولعمَّت الفوضى، وزاد الخطر، كيف والعلماء ورثة الأنبياء؟ يحيون ما أمات الجاهلون من سنن الهدى، ويكشف الله بهم عن الأمة غياهب الرَّدى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويا حبذا لو يحكم العلماءُ في مسألة الجنازة، وبقية المسائل التي نازع فيها الخصم العنيد؛ ليظهر الحقُّ، ويزهق الباطل.

стр. 136

وأهمُّ شيء يجب انتباه علماء العصر إليه: أشباه تلك الواقعات، وتوضيح أحكام الشَّريعة فيها، ليعود للدِّين مجدُه، وللإسلام زهرتُه، وليقف المجازفون في الملَّة السَّمحة عند حدِّهم، ولا يطمعوا في إغواء غيرهم، ويكون في ذلك الأمن من استشراء داء المبشِّرين؛ لأنَّ المسلمين متى وقفوا على معالم الشرع الصَّحيحة، لا يمكن أن يلتفتوا إلى السَّفاسف، ولا أن يعتنوا بالزَّعانف، والله يعلم أننا ما قصّرنا في مقاومة التّيّارين، دون أن تأخذنا في الله لومة لائم، وإنَّ ذلك هو الذي هيَّج علينا خزيران وأضرابُه مِن جنود المتمسكين بالمحافظة على إرضاء العامة، ومناوأة الخاصة، وإنّا لهم لبالمرصاد، والله مِن ورائهم محيط، والحمد لله أولاً وآخراً، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد المعصوم مِن الخطأ والزلل، وعلى آله وأصحابه والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ونستغفر الله العظيم مِمّا طغا به القلم، وكان الفراغ مِن تأليفها في الضّحوة الكبرى يوم الثّلاثاء الواقع في ٢٢ ذي الحجة عام ١٣٤٣هـ. صورة الفتوى التي أفتى بها أحدنا في حيفا لما سئل عن الصِّياح في التَّهليل والتَّكبير وغيرهما أمام الجنائز سؤال: ما قول أهل العلم الحق في الصِّياح في التَّهليل والتَّكبير وغيره أمام الجنائز؟ أفتونا أثابكم الله.

стр. 137

الجواب: هو مكروه تحريماً، وبدعة قبيحة، يجب على علماء المسلمين إنكارها، وعلى كل قادر إزالتها، قال الله -تعالى-: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ؛ أي: ادعوه تذللاً واستكانة، إنه لا يحبُّ المجاوزين لما أمروا به من الدُّعاء بالتّشدق، ورفع الصَّوت، فمن جاوز ما أمره الله في شيء من الأشياء فقد اعتدى، وأخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، فجعل الناسُ يجهرون بالتَّكبير، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس! أربعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (١) . قال صاحب «الدر» (٢) : «ويكره في الجنازة رفع صوت بذكر أو قراءة» . قال ابن عابدين في «حاشيته» (٣) عليه: «قال صاحب «البحر» : وينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصَّمتَ، وفيه عن «الظهيرية» : فإن أراد أن يذكر الله- تعالى- يذكره في نفسه» انتهى باختصار وتصرّف. وقال الشُّرُنبلالي (٤) -أيضاً-: «ويكره رفع الصوت بالذِّكر والقرآن، وعليهم الصّمت، وقولهم: كل حي سيموت، ونحو ذلك خلف الجنازة ... بدعة» .

стр. 138

قال العلامة الطحطاوي (١) في «حاشيته عليه» : «وفي «القهستاني» عن «القنية» : يكره تحريماً رفع الصوت بالذكر والقرآن خلف الجنازة. وفي «السراج» : ويستحب لمن اتبع الجنازة أن يكون مشغولاً بذكر الله -تعالى- سراً والتفكر فيما يلقاه الميت، وأنَّ هذا عاقبة أهل الدنيا ... فإن لم يذكر الله- تعالى- فلْيلزم الصَّمت، ولا يرفع صوتَه بالقراءة ولا بالذكر، ولا يغترّ بكثرة من يفعل ذلك، وأما ما يفعله الجهال في القراءة على الجنازة من رفع الصوت والتَّمطيط فيه، فلا يجوز بالإجماع (٢) ، ولا يسع أحداً يقدر على إنكاره أن يسكت عنه، ولا ينكر عليه» (٣) انتهى. فيؤخذ من هذا: أنه يتعيَّن على كل قادر على إزالة هذه البدعة، ... أن يزيلها، وإلا فهو آثم وشريك لصاحبها، ويجب على كلِّ عالم أن ينكرها، وإلا فهو داخل تحت قوله ﷺ : «إذا حدثت في أمتي البدع، وشتم أصحابي، فلْيظهر العالِمُ علمَه، فمن لم يفعل لعنه الله والملائكة والناس أجمعين» (٤) ... رواه الحافظ الآجري في كتاب «السُّنَّة» (٥) من (٦) طريق الوليد بن مسلم عن معاذ بن جبل. انتهى.

стр. 139

[صورة فتوى الشيخ عبد الله الجزار (١) ] وقد أُرْسِلَتْ هذه الفتوى إلى الفاضل الشيخ عبد الله الجزار، مفتي عكا، وسئل عن رأيه في ذلك، فأجاب بما يلي: الحمد لله ملهم الصَّواب، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيدنا محمد، والآل، والأصحاب، أما بعد: فأقول: إنَّ إطلاق الكراهة التَّحريمية في رفع الصوت أمام الجنائز بالذِّكر وخلافه خلاف ما ذكره العلامة ابن عابدين في «حاشيته رد المحتار» (٢) ، من كون كراهة ما ذكر، قيل: تنزيهية، وقيل: تحريمية (٣) ، وكذلك ذكر القهستاني في «شرح الرُّموز» ما نصه: لا بأس لمشيع الجنازة بالجهر بالقرآن والذكر، وقيل: إنه مكروه كراهة التَّحريم، فإنَّ ظاهره صريح في أنَّ المعتمد فيه الكراهة التنزيهية لذكره كراهة التحريم بما يشعر بالضَّعف. وذكر مثل ذلك -أيضاً- في «شرح ملتقى الأبحر على مجمع الأنهر» (٤) ،

стр. 140

على أنه قد ذكر العلامة الشيخ عبد القادر أفندي الرافعي (١) مفتي الديار المصرية سابقاً في تقريره (٢)

стр. 141

على «حاشية المحقق السيد محمد عابدين» ، نقلاً عن السِّندي ما نصّه: «ونقل عن السَّيِّد الطَّاهر الأهدل أنه قال: السُّنة -وإن كانت هنا السُّكوت-يعني: وراء الجنازة- لكن قد اعتاد الناسُ كثرة الصلاة على النبي ﷺ ، ورفع أصواتهم بذلك، وهم إن مُنِعُوا أبتْ نفوسُهم عن السُّكوت والتفكر، فيقعون في كلام دنيويّ، ربما وقعوا في غيبة، وإنكار المنكر إذا أفضى إلى ما هو أعظم منكراً كان تركُه أحبَّ ارتكاباً؛ لأخف المفسدتين، كما هي القاعدة الشرعية (١) . انتهى.

стр. 142

وذكر الإمامُ الكبير العالم الربانيُّ سيدي عبد الوهاب الشَّعراني في (عهد تشييع موتى المسلمين) في كتابه «العهود المحمدية» نقلاً عن شيخه العارف بالله سيدي علي الخواص ﵄ ما نصه: «وكان سيِّدي علي الخواص يقول: إذا علم من الماشين مع الجنازة أنهم لا يتركون اللغو في الجنازة، ويشتغلون بأحوال الدنيا، ينبغي أن نأمرهم بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ، فإن ذلك أفضل من تَرْكه، ولا ينبغي لفقيه أنْ ينكر ذلك إلا بنصٍّ أو إجماع، فإن مع المسلمين الإذن العام (١) من الشَّارع بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ﷺ كل وقت شاؤوا، ويا للعجب من عمى قلب من ينكر مثل هذا!! وربما غرم عند الحكَّام الفلوس، حتى يبطل قول المؤمنين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ﷺ في طريق الجنازة، وهو يرى الحشيشَ يباع، فلا يكلِّف خاطره أن يقول للحشَّاش: حرام عليك ... إلى آخر ما ورد فيه، فراجعه» ، وعليه؛ فإنَّ البلوى قد كثُرت، والغفلةُ في هذه الأوقات قد استولت على قلوب الخلق أجمع، وذهلوا عن التّفكّر في أحوال الآخرة، وانصرفت هممُهم ووجهتُهم إلى الدنيا في جميع الأزمان، فضلاً عما يقع منهم أثناء تشييع الجنائز، من اللغو والغيبة، فلا بأس من العمل بقول هذا العارف (٢) ، وقد نقل في «الحواشي المدنيَّة» عن بعض أفاضل علماء السَّادة الشافعية (٣) ما يؤيد ذلك، وذكر المدابغي في «حاشيته» على قول الخطيب الشربيني على شرح (وكره اللغط في الجنازة) (٤)

стр. 143

ما نصه: «أي: رفع الصَّوت، ولو بقرآن، أو ذكر، أو صلاة على النبي ﷺ ، وهذا باعتبار ما كان في الصَّدر الأول، وإلا فالآن لا بأس بذلك؛ لأنه شعار الميت؛ لأنَّ تركه مزرٍ بالميت، ولو قيل بوجوبه لم يبعد» (١) انتهى نقلاً عن بعض مشايخه. هذا ما تيسر لنا تحريره في هذا الموضوع، ونسأله -تعالى- أن يهدينا إلى سواء السبيل، ويوفِّقنا إلى ما فيه رضاه، ورضا نبيِّه ﷺ ، واتِّباع الحقّ أسلم، والله أعلم. ... مفتي عكَّا في ١٩ رجب عام ١٣٤٣ عبد الله الجزار (٢) فأرسل المستفتي - وهو: الحاج عبد الواحد الحسن، نائب رئيس الجمعية الخيرية (٣) بحيفا- صورة الفتويَين إلى الأُستاذين: الشيخ محمود محمد خطاب السُّبكي (٤) ، والشيخ علي سرور الزَّنكلوني مِن كبار علماء الأزهر. فأجاب حضرة الأستاذ العلاّمة الشيخ علي سرور الزَّنكلوني بما يأتي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 144

الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد: فإنَّ تشييع الجنائز في نظر الإسلام من المسائل الدينية، التي لا يجوز شرعاً أن يذهب بها العرف، أو تتحكّم فيها العادة، وليس الدِّين الإسلامي إلا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، وقد بيَّنتْ السُّنةُ العمليَّةُ الصَّحيحة حُكمَ الله في هذه المسألة، وأنه الصَّمتُ والتَّفكير في الموت، وفيما بعد الموت، وقد سار الصَّحابة -رضوان الله عليهم-، والتَّابعون، والسَّلفُ الصالح على هذا الحكم بعد وفاة النبي ﷺ (١) ، ولم يحدث فيه تغيير، فكان ذلك إجماعاً منهم على ما قررته السّنة، من أنَّ الصَّمت والتفكير هو المطلوب، ولم يخالف أحد من المجتهدين في هذا الحكم؛ لأنَّ المذاهب الفقهية المعوَّل عليها لا تعتمد إلا على الدلائل الشرعية، وليس لنا دليل شرعي يخالف حكم هذه المسألة؛ ولأنَّ الغرض الذي يرمي إليه الدِّين من التّشييع هو التَّأدب والتَّفرغ للخشوع واستحضار ما يؤول إليه الإنسان، وأنَّ المنتهى إلى الله، كما كان منه المبدأ، مع ما في رفع الصَّوت من الجلبة والضَّوضاء، وصرف النفس عن التّفكر في الموت، وهو أمسُّ شيء بسعادة الإنسان في تلك الحالة، وقد شرع الله العبادات كلها في صورها المختلفة، وأشكالها المتعددة، لترمي إلى غاية واحدة، هي: السعادة الأبديَّة، إلا أنه -جلَّ شأنُه- جعل لكل عبادة شكلاً خاصاً، وروحاً خاصة، يتناسبان مع كل طريق موصل إلى تلك السعادة، وقد أمرنا بالتفكر في الموت في أكثر شؤوننا، وأن حالة تشييع الجنازة أعون على الامتثال، وأدعى إلى تأكّد الطّلب، حيث المشيعون قد تفرَّغوا إلى توديع واحد منهم -وقد كان معهم بالأمس- ليذهبوا به إلى مقرِّه في دار الجزاء، فالوقت إذاً: وقت العظات البالغات، والتَّفكير العميق، ومن هذا يتبين لنا: حكم الله في هذه المسألة.

стр. 145

أما القول بجواز رفع الصَّوت في الجنازة بالقراءة والذِّكر وغيرهما، وأنه لا بأس به، وأن من قال بوجوبه لا يبعد، فغير معروفٍ في دين الله، ولا قيمة له، ما دامت السُّنَّة وعمل الصَّدر الأول على خلافه، وما دام لم يقم دليلٌ شرعيٌّ آخر على طلب الجهر أو جوازه جوازاً مستوي الطرفين، وأما ما نقل عن بعض المتأخرين من العلماء -إن صحَّ الأخذ بآرائهم- فمحمولٌ على حالة خاصة، لا يتعدَّى الحكم فيها ظروفها الخاصة؛ مثال ذلك: أن يتمكَّن الجهلُ بالدِّين من الناس ويتحاكموا إلى العصبية والجاهلية الأولى، إذا استحكم الخلاف بينهم، ويخشى إذا فُوجئوا وقت تشييع الجنازة بطلب العمل بالسُّنَّة أن تحدث فتنة، تعود على المسلمين بالضَّعف والتَّفرّق، خصوصاً إذا كان الداعي فاقد الحكمة، أو سيّء النية؛ ففي مثل تلك الحالة، يجوز أن يترك الناس على ما هم عليه فراراً من الفتنة، لا غير (١) ،
следующие страницы →