على «حاشية المحقق السيد محمد عابدين» ، نقلاً عن السِّندي ما نصّه: «ونقل عن السَّيِّد الطَّاهر الأهدل أنه قال: السُّنة -وإن كانت هنا السُّكوت-يعني: وراء الجنازة- لكن قد اعتاد الناسُ كثرة الصلاة على النبي ﷺ ، ورفع أصواتهم بذلك، وهم إن مُنِعُوا أبتْ نفوسُهم عن السُّكوت والتفكر، فيقعون في كلام دنيويّ، ربما وقعوا في غيبة، وإنكار المنكر إذا أفضى إلى ما هو أعظم منكراً كان تركُه أحبَّ ارتكاباً؛ لأخف المفسدتين، كما هي القاعدة الشرعية (١) . انتهى.
стр. 142
وذكر الإمامُ الكبير العالم الربانيُّ سيدي عبد الوهاب الشَّعراني في (عهد تشييع موتى المسلمين) في كتابه «العهود المحمدية» نقلاً عن شيخه العارف بالله سيدي علي الخواص ﵄ ما نصه: «وكان سيِّدي علي الخواص يقول: إذا علم من الماشين مع الجنازة أنهم لا يتركون اللغو في الجنازة، ويشتغلون بأحوال الدنيا، ينبغي أن نأمرهم بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ، فإن ذلك أفضل من تَرْكه، ولا ينبغي لفقيه أنْ ينكر ذلك إلا بنصٍّ أو إجماع، فإن مع المسلمين الإذن العام (١) من الشَّارع بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ﷺ كل وقت شاؤوا، ويا للعجب من عمى قلب من ينكر مثل هذا!! وربما غرم عند الحكَّام الفلوس، حتى يبطل قول المؤمنين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ﷺ في طريق الجنازة، وهو يرى الحشيشَ يباع، فلا يكلِّف خاطره أن يقول للحشَّاش: حرام عليك ... إلى آخر ما ورد فيه، فراجعه» ، وعليه؛ فإنَّ البلوى قد كثُرت، والغفلةُ في هذه الأوقات قد استولت على قلوب الخلق أجمع، وذهلوا عن التّفكّر في أحوال الآخرة، وانصرفت هممُهم ووجهتُهم إلى الدنيا في جميع الأزمان، فضلاً عما يقع منهم أثناء تشييع الجنائز، من اللغو والغيبة، فلا بأس من العمل بقول هذا العارف (٢) ، وقد نقل في «الحواشي المدنيَّة» عن بعض أفاضل علماء السَّادة الشافعية (٣) ما يؤيد ذلك، وذكر المدابغي في «حاشيته» على قول الخطيب الشربيني على شرح (وكره اللغط في الجنازة) (٤)
стр. 143
ما نصه: «أي: رفع الصَّوت، ولو بقرآن، أو ذكر، أو صلاة على النبي ﷺ ، وهذا باعتبار ما كان في الصَّدر الأول، وإلا فالآن لا بأس بذلك؛ لأنه شعار الميت؛ لأنَّ تركه مزرٍ بالميت، ولو قيل بوجوبه لم يبعد» (١) انتهى نقلاً عن بعض مشايخه.
هذا ما تيسر لنا تحريره في هذا الموضوع، ونسأله -تعالى- أن يهدينا إلى سواء السبيل، ويوفِّقنا إلى ما فيه رضاه، ورضا نبيِّه ﷺ ، واتِّباع الحقّ أسلم، والله أعلم. ... مفتي عكَّا
في ١٩ رجب عام ١٣٤٣
عبد الله الجزار (٢)
فأرسل المستفتي - وهو: الحاج عبد الواحد الحسن، نائب رئيس الجمعية الخيرية (٣) بحيفا- صورة الفتويَين إلى الأُستاذين: الشيخ محمود محمد خطاب السُّبكي (٤) ، والشيخ علي سرور الزَّنكلوني مِن كبار علماء الأزهر.
فأجاب حضرة الأستاذ العلاّمة الشيخ علي سرور الزَّنكلوني بما يأتي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 144
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، أمّا بعد: فإنَّ تشييع الجنائز في نظر الإسلام من المسائل الدينية، التي لا يجوز شرعاً أن يذهب بها العرف، أو تتحكّم فيها العادة، وليس الدِّين الإسلامي إلا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ ، وقد بيَّنتْ السُّنةُ العمليَّةُ الصَّحيحة حُكمَ الله في هذه المسألة، وأنه الصَّمتُ والتَّفكير في الموت، وفيما بعد الموت، وقد سار الصَّحابة -رضوان الله عليهم-، والتَّابعون، والسَّلفُ الصالح على هذا الحكم بعد وفاة النبي ﷺ (١) ،
ولم يحدث فيه تغيير، فكان ذلك إجماعاً منهم على ما قررته السّنة، من أنَّ الصَّمت والتفكير هو المطلوب، ولم يخالف أحد من المجتهدين في هذا الحكم؛ لأنَّ المذاهب الفقهية المعوَّل عليها لا تعتمد إلا على الدلائل الشرعية، وليس لنا دليل شرعي يخالف حكم هذه المسألة؛ ولأنَّ الغرض الذي يرمي إليه الدِّين من التّشييع هو التَّأدب والتَّفرغ للخشوع واستحضار ما يؤول إليه الإنسان، وأنَّ المنتهى إلى الله، كما كان منه المبدأ، مع ما في رفع الصَّوت من الجلبة والضَّوضاء، وصرف النفس عن التّفكر في الموت، وهو أمسُّ شيء بسعادة الإنسان في تلك الحالة، وقد شرع الله العبادات كلها في صورها المختلفة، وأشكالها المتعددة، لترمي إلى غاية واحدة، هي: السعادة الأبديَّة، إلا أنه -جلَّ شأنُه- جعل لكل عبادة شكلاً خاصاً، وروحاً خاصة، يتناسبان مع كل طريق موصل إلى تلك السعادة، وقد أمرنا بالتفكر في الموت في أكثر شؤوننا، وأن حالة تشييع الجنازة أعون على الامتثال، وأدعى إلى تأكّد الطّلب، حيث المشيعون قد تفرَّغوا إلى توديع واحد منهم -وقد كان معهم بالأمس- ليذهبوا به إلى مقرِّه في دار الجزاء، فالوقت إذاً: وقت العظات البالغات، والتَّفكير العميق، ومن هذا يتبين لنا: حكم الله في هذه المسألة.
стр. 145
أما القول بجواز رفع الصَّوت في الجنازة بالقراءة والذِّكر وغيرهما، وأنه لا بأس به، وأن من قال بوجوبه لا يبعد، فغير معروفٍ في دين الله، ولا قيمة له، ما دامت السُّنَّة وعمل الصَّدر الأول على خلافه، وما دام لم يقم دليلٌ شرعيٌّ آخر على طلب الجهر أو جوازه جوازاً مستوي الطرفين، وأما ما نقل عن بعض المتأخرين من العلماء -إن صحَّ الأخذ بآرائهم- فمحمولٌ على حالة خاصة، لا يتعدَّى الحكم فيها ظروفها الخاصة؛ مثال ذلك: أن يتمكَّن الجهلُ بالدِّين من الناس ويتحاكموا إلى العصبية والجاهلية الأولى، إذا استحكم الخلاف بينهم، ويخشى إذا فُوجئوا وقت تشييع الجنازة بطلب العمل بالسُّنَّة أن تحدث فتنة، تعود على المسلمين بالضَّعف والتَّفرّق، خصوصاً إذا كان الداعي فاقد الحكمة، أو سيّء النية؛ ففي مثل تلك الحالة، يجوز أن يترك الناس على ما هم عليه فراراً من الفتنة، لا غير (١) ،
стр. 146
حيث الأمر بالمندوب قد يؤدي بالناس إلى الوقوع في المحرم، وليس معنى هذا: إن ما هم عليه هو الجائز، أو المطلوب شرعاً، بل هو مخالف للسُّنَّة الشَّرعية في كل حال، فهذه الحالة الخاصة لا تغيِّر حكم الله في المسألة، فلا ترفع عن المسلمين العالمين القادرين حرج إهمال الدَّعوة إلى الله سراً وجهراً عند أمن الفتنة، أما ما يقال من أن المشيِّعين إذا لم يشتغلوا بالذكر والقراءة وغيرها، فإنهم يشتغلون بأحاديث الدنيا، ويقعون في محرَّمات القول، فلا يغيِّر من حكم الله شيئاً، إذ المسلمون جميعاً مطالبون في كل شأن من شؤونهم، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا لضاع الدِّينُ، وانطمست معالِمُه، بتحكّم الفوضى والعادات، والله -تعالى- يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] .
أما كون الذكر مطلوباً في ذاته، ومأذوناً فيه من جهة الشَّارع، إذناً عاماً، فلا يتنافى مع كراهته في وقت شرع الله فيه عبادةً خاصة، لحكمة يعلمها، تعود على المسلمين بالخير الكثير.
وفَّقنا الله جميعاً لفهم دينه فهماً صحيحاً، ورزقنا العملَ به، والسَّلام.
علي سرور الزَّنكلوني (١)
من علماء الأزهر
وأجاب حضرة الأستاذ العلاَّمة الشيخ محمود محمد خطاب السّبكي (٢) بما يأتي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 147
الحمد لله رب العالمين القائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٢٧] ، والصَّلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: «من عمل بسنتي فهو مني، ومن رغب عن سنتي فليس مني» (١) ، وعلى من كان بشرعه من العاملين النَّاصرين.
من محمود خطاب إلى حضرة الأمجد عبد الواحد الحسن لا يزال موفقاً للصَّواب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى كل من اتبع الهدى، أما بعد: فأقول لحضرتكم: قد وصل خطابكم مستفهمين عن حكم رفع الصَّوت حال السير مع الجنازة.
(والجواب) :
إنَّ الحكم الوارد في الشَّرع الشَّريف هو السُّكوت في تلك الحال، كما كان عليه رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- وأصحابه -رضي الله تعالى عنهم-، وسلف الأمة (٢) ، وعليه إجماع الأئمة المجتهدين، فهذا هو الحق الذي يطلب المصير إليه، والعمل به، ولا عبرة بما يخالفه من عادة الناس، أو أقوال المجازفين والجاهلين، أو العلماء المتساهلين، في أعمالهم، أو أقوالهم، أو تأليفهم، أو إفتائهم. وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى دليل غير ما ذكر.
стр. 148
ومرسلٌ لحضرتكم بطريق البريد نسخة من «تعجيل القضاء المبرم» ، وأخرى من «فتاوى أئمة المسلمين» ، وخمس نسخ من «تحفة الأبصار والبصائر» ، وباطلاعكم على ما فيها تقفون على نصوص الشَّرع الشَّريف في جميع المذاهب، ونحمد الله رب العالمين، ونصلِّي ونسلِّم على خاتم النبيين القائل: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به» (١) ، وعلى من كان بهديه من العاملين.
في ٤ رمضان عام ١٣٤٣
أقوال العلماء في موضوع الرِّسالة
وتأييدهم لها
ننشرها مرتَّبةً حسب تأريخها وورودها (٢)
١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حمداً لوليِّه، وصلاةً وسلاماً على نبيِّه، وعلى سائر إخوانه الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان.
стр. 149
أما بعد؛ فإنّ الله -تعالى- يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، والردّ إلى الله ردّ إلى كتابه الحكيم، والردّ إلى الرسول ردٌّ إلى سنته القويمة؛ لأنه -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- مبَيّن للناس ما نزِّل إليهم من ربِّهم.
معلوم أنَّ الأمة الإسلامية لم تنل ما نالته من علم وحكمة، ومحبَّةٍ وألفة، وثروةٍ وقوةٍ، وعزّة ومَنَعة، ومُلْكٍ كبير، وعدل عامٍ، ورحمةٍ واسعة، إلا بالعمل بما أرشدها الله إليه في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
ثم تنكّر لها وجهُ الزَّمن، واشتعلت فيها أعاصيرُ الفتن، فذاق بعضُها بأس بعض، فبدلت من بعد عزِّها ذُلاًّ، ومن بعد قوَّتها ضعفاً، ثم ضاعت مقوّماتُها ومشخصاتها الدينية والدّنيوية، فعاد تراثُها بين الأمم العادية نهباً مقسماً.
стр. 150
لو عني علماء الأمة بتنقية الدِّين من شوائب البدع والأضاليل، التي أفسدت أمر أهله، عملاً بإرشاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١) ؛ أي: مردود. «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٢) ، وأخذوا في أمور الدنيا بالأنفع الأرفع، إذ مبنى الدِّين على الاتِّباع، والدُّنيا على الاقتباس والاختراع، كما لا يخفى «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها التقطها» (٣) ، «من سنَّ سُنَّةً حسنةً، فله أجرُها، وأجرُ مَن عَمِلَ بها إلى يوم القيامة» (٤) ، لو عملوا بذلك؛ لجدَّدوا للأُمَّة ما درس من آثار سَلَفها الصَّالح.
стр. 151
إنَّ من البدع الدينيَّة التي فشتْ، ولم يكن لها أثر في صدر الإسلام: صياح الصَّائحين أمام الجنائز بالأذكار والأناشيد، وتشويشهم بذلك على متَّبِعيها إيماناً واحتساباً، حتى يشغل قلب السامع وعقله بما يرى وبما يسمع، ويذهل عن عبادة التّفكّر والسَّعي للآخرة، والاستعداد للقاء الله -تعالى-، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٩] .
ألّف العالمان العاملان الجليلان: الشَّيخُ كامل القصَّاب، والشَّيخُ عز الدين القسَّام -نزيلا حيفا- هذه الرسالة النّفيسة «النقد والبيان» ، في بيان الحقِّ في هذه المسألة وغيرها من المسائل، التي دعاهما الفاضل (خزيران) العكِّي إلى البحث فيها، وكشف النقاب عن وجه حقيقتها، وقد أوردا من نصوص الكتاب والسُّنَّة، وكلام بعض الفقهاء الأجلاَّء مِن علماء المذاهب الأربعة، ما يؤيِّد ما ذهبا إليه، وأضافا إلى ذلك فتويين للعلامتين (الزَّنكلوني والسبكي) ، فكان قولهم سديداً، وجوابهم صحيحاً، فجزى الله المؤلِّفَيْن الفاضلين عن دينهما خيراً، وأكثر في الأمة من أمثالهما من العلماء المنصفين المصلحين.
[دفع شبهة أو تتمة]
سألني وطنيٌّ غيور ممن يعرف الأستاذ القصَّاب، ويقدره في التمسك بالدين وخدمة الوطن قدره: ما معنى قوله وقول صديقه الأستاذ القسام في آخر الرسالة: «وأهم شيء يجب انتباه علماء العصر إليه: أشباه تلك الواقعات، وتوضيح أحكام الشريعة فيها، ليعود للدِّين مجده، وللإسلام زهرته» ؟
стр. 152
فقلت له: اعلم -يا أخي- أنَّ مَنْ سَبَر غورَ الإسلامِ، ودرس حكمةَ التَّشريع؛ علم أنَّ جميع التَّكاليف الشَّرعيَّة: من روحيّة، وبدنيّة، ومالية، مبنيَّة على درء المفاسد وجلب المصالح (١) .
(فالصَّلاة) الروحيّة البدنيَّة، التي هي فرض عام على كل مكلَّف، تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأشد الفواحش والمنكرات فتكاً وهتكاً، هي: تلك الجيوش المعنويَّة التي مهدت بها أوروبا السَّبيلَ لفتح بلاد الشرق -كالخمر، والقمار، والزنا، والربا، والانتحار-، فكثير ممن أضاع الصَّلاة، واتّبع الشَّهوات (٢) وقع في هذا التيار، الذي أسلمه إلى الجنون أو المنون، فكان ذلك من أشد المصائب على الوطن.
(والصِّيام) الذي يدعو إلى إمساك المعدة عن الطَّعام، وسائر الأعضاء عن الآثام، وصرف جميع القوى والمواهب فيما أعدَّتْ له، يعلِّم الثباتَ على خلق (مبدأ) قويم لا محيد عنه، فالصَّائم الذي يغلب عقلُه شهوتَه، ولا يخون دينه بالأكل نهاراً -سراً أو علانية- لا يمكن أن يخون وطنه، أو يخدع في أمره، فيبيعه بثمن بخس من غير أهله.
(والحجّ) لا تخفى حكمته على ذي بصيرة؛ وأهمّها: التَّعاون على توفير أسباب الخير للأُمَّة، ودفع عوادي الشَّر عنها.
стр. 153
(والزَّكاة) إعطاء نصيب معلوم من المال للفقراء والمساكين، الذين أقعدهم العجز عن الكسب، وتوزيع الزّكاة على الأصناف الثمانية التي ذكرها الكتاب الحكيم بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] صرف الزكاة في مصارفها الشَّرعيَّة يقينا شرور الشيوعية والبُلْشُفِيّة (١) ، اللتين أصابتا الأمم والشعوب الغربية التي هضمت حقوق الضعفاء، فعمّتها الفوضى، وفدحتها المصائب، ولا يزال سيل الشيوعية يمتدّ (٢) ، ولا يعلم عاقبتها إلا الله.
стр. 154
ثم لا يخفى أنَّ كثيراً من هؤلاء الصائحين أمام الجنائز، وعلى القبور، قادرون على العمل والأكل من كسب يدهم، ومنهم مَن يملك الأموالَ والأملاك، وقد أكلوا حقوقَ الضُّعفاء من الرِّجال والنِّساء والولدان، الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا يستطيعون حيلةً، ولا يهتدون سبيلاً، أولئك المساكين، هم الذين ذكرهم الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﵌، موصوفين بأوصاف خمسة، لا يشاركهم فيها أحد ممن لهم قدرةٌ على العمل، أو عندهم ما يكفيهم ويغنيهم عن السؤال، قال -صلوات الله عليه وعلى آله-: «ليس المسكين الذي تردُّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين: المتعفِّف، واقرؤوا إن شئتم قوله -تعالى-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣] » (١) .
стр. 155
إذا اضطررنا هؤلاء الأقوياء إلى العمل؛ كثرت الأيدي العاملة في الزِّراعة والصِّناعة والتِّجارة التي هي مواد الثروة الأصلية، وحفظت الزّكوات والصَّدقات والوصايا لمستحقّيها. ولما كان التَّمييزُ بين المستحقِّين وغيرهم على وجه الاستقصاء عَسِراً في هذا الزَّمن، تعيَّن تأليف جمعيات خيرية (١) للقيام بهذا الغرض وتحقيقه؛ كجمعية الإسعاف الخيري في دمشق، وجمعية المقاصد الخيرية في بيروت، وكالجمعية الخيرية في حيفا، وغيرها، وهذه أفضل طريقة تجمع بها الأموال من المحسنين وتنفق على الفقراء والمساكين؛ لإطعامهم وإيوائهم، وتعليم أبنائهم.
قال بعض الأئمة المحقِّقين (٢) في تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] : «أما الأمر بالتعاون على البرِّ والتَّقوى، فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن؛ لأنه يوجب على الناس إيجاباً دينيّاً أن يُعين بعضُهم بعضاً في كلِّ عمل من أعمال البر، التي تنفع الناسَ: أفراداً وأقواماً، في دينهم ودنياهم، وكلُّ عملٍ من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم» ، ثم قال:
стр. 156
«كان المسلمون في الصَّدر الأول جماعة واحدة، يتعاونون على البر والتّقوى، من غير ارتباط بعهد ونظام بشريٍّ (١) ،
стр. 157
كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإنَّ عهد الله وميثاقَه كان مُغنياً لهم عن غيره، وقد شهد الله -تعالى- لهم بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد، ونكث ذلك العهد، صرنا محتاجين إلى تأليف جمعيات خاصّةٍ بنظام خاص؛ لأجل جَمع طوائف من المسلمين، وحملهم على إقامة هذا الواجب (التعاون على البر والتقوى) في أي ركن من أركانه، أو عمل من أعماله، وقلما ترى أحداً في هذا العصر، يعينك على عملٍ [من] (١) البر، ما لم يكن مُرتبطاً معك في جمعية أُلِّفَتْ لعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كلُّ مَنْ يعاهدك (٢)
стр. 158
على الوفاء، فهل ترجو أن يُعينك على غير ما عاهدك عليه؟» (١) .
قال: «فالذي يظهر أنَّ تأليف الجمعيات في هذا العصر، مما يتوقَّف عليه امتثال هذا الأمر، وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما قال العلماء (٢) ، فلا بدَّ لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعلميَّة، إذا كنّا نريدُ أن نحيا حياةً عزيزة؛ فعلى أهل النجدة والحمية من المسلمين (٣) أن يعنوا بهذا كلّ العناية» (٤) ا. هـ.
стр. 159
قلتُ لمخاطبي: أفرأيتَ أيها الأخ الكريم هذه المسائل الفرعية التي ذكرتُها، وما تضمَّنتْ من الحِكَم والأحكام، وإصلاح حال المجتمع الإسلامي بجمع شتات الخير له، ودفع عوادي الشَّرِّ عنه، فكيف إذا عمل بأصول الإسلام وقواعده كلِّها؟ ألا يكون ذلك سبباً لإعادة مجد الدِّين وزهرة الإسلام، كما قال ذانك المؤلِّفان الكريمان؟ بل ألا يكون مثل ذلك سبباً لإعادة حضارة العرب، وسعادة البشر على أيديهم مرّة أخرى؟ قال: بلى، ورغب إليَّ أن أثبتَ ذلك في رسالة «النقد والبيان» ، ففعلت.
فنحن ندعو كرام الوطنيين المسلمين إلى إقامة الدين على الوجه الصَّحيح، واتِّباع السُّنن النَّافعة، ونبذ البدع الضَّارة، فإن في ذلك سعادتهم وسعادة أوطانهم، وبالله المستعان.
في ٧ المحرم الحرام سنة ١٣٤٤
عضو المجمع العلمي وخطيب جامع
الدقاق ومدرِّسه بدمشق الشام
стр. 160
محمد بهجة البيطار (١)
٢
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 161
الدِّين الإسلامي يكفل للبشر السَّعادة في كلِّ زمانٍ ومكان، ويفي بحاجيَّاته في كل عصر ومصر؛ لانطباقه على نواميس العمران، وابتناء أحكامه على قواعد محكمة، لا تكاد تزعزعها الأعاصيرُ والعواصفُ، كما يشهد بذلك فلاسفة الاجتماع، وعلماء العمران.
وقد نال الصَّدر الأولُ مِن السَّعادة التَّامة، والملك الكبير، والسُّلطانِ العظيم، ما لا يقوم بوصفه البيان، ولا يمتري فيه إنسان، ذلك بما نفخه هذا الدِّين فيهم مِن روح العلم والعمل، والتّواصي بالحقِّ، والتَّعاون على البرِّ والتَّقوى، حتى إذا دار الزَّمانُ دورته - دسَّ أناسٌ من أعداء الدِّين أنفسَهم فيه، وتزيّوا بزيِّ أهله، وصاروا يعملون على هدمه بما يضعون من أحاديث، ويدسُّون مِن روايات ليس لها أقل حظّ مِنَ الصِّحَّة والصِّدق، فَفَشَتْ بذلك البدعُ والأهواءُ، وثارت أعاصيرُ القلاقل والفتن بين المسلمين، وكثر بينهم الشِّقاق، وزاد النِّفاق، حتى انشقَّتْ عصا وحدتِهم، وانقسموا إلى فِرَق وأحزاب، كل حزب فرح بما لديه، وكلُّ فرقة تكفِّر الأخرى؛ لمخالفتها لها في المشرب، ومباينتها إِيّاها في المذهب!
ظلَّ أهل الإسلام على هذه الحالة حيناً من الدَّهر، والعدو يتربَّص بهم الدَّوائر، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٤] ، لا يكادون يشعرون بحالتهم، ولا يعلمون أيان مصيرهم، حتى قيَّض الله في هذا العصر فئةً من عقلاء الأمة وحكمائها، أحسَّتْ بالخطر المحدق، فأهابت بالأمة، وأخذت تسعى لمحو الخرافات (١) المتغلغلة في أعماق النفوس، وإعفاء آثار البدع والمحدثات التي غصَّ بها العالم الإسلامي، وصارت شارةَ عارٍ في جبين الإسلام، هذا إلى أعمال أخرى عظيمة لها مقام غير هذا المقام.
стр. 162
نجحت هذه الفئةُ بعضَ النَّجاح فيما دعت إليه من تنقية الدِّين من الشَّوائب، وأيقظت أذهانَ كثيرٍ من الناس، وصار لها أتباع ومريدون، ينشرون دعوتَها، ويعزِّزون كلمتها، ويدعون إلى اطراح ما لم يرد به الدِّين، مما عليه عامَّة المسلمين، على ما لاقت من المقاومة والمناهضة من فريق المبتدعة: أولئك الذي مني الإسلام بهم ومنوا به!
هؤلاء المخرّقون أو أولئك الجامدون على المحدثات، العاضّون عليها بالنَّواجذ: قوم عالة، نشؤوا على المسكنة، فاتّخذوا الدِّين أحبولةً يصطادون بها طائرَ الرِّزقِ، وآنسوا من أهله الغافلين ميلاً لهم، وتعلُّقاً بأذيالهم -وما أشد تعلّق العامة بمن يُظْهِرُ لهم التقوى! - فاتَّخذوا لهم منهم جُنَّة، تقيهم من سلاح أهل الإصلاح الماضي، وتحفظ لهم منزلتهم الموهومة، فهم أبداً، ينزلون على إرادة الرّعاع، ولا يخالفون لهم أمراً خشية من نفورهم، ومحافظة على مكانتهم عندهم، فهؤلاء القوم عقبة في سبيل المصلحين كؤود، ولو تسنَّى لرجال الإصلاح القضاء عليهم؛ لرأيت النساء يدخلون في دين الله أفواجاً، ولا بدَّ أنْ يأتي يوم يظهر الله فيه -على أيدي المصلحين- دينه الذي ارتضاه، ويتمّ نوره.
стр. 163
على أنّ هؤلاء المبتدعين، فضلاً عن حرصهم على حفظ مكانتهم عند الرّعاع، قوم استأنسوا بظلام الجهل، وأخلدوا إلى المسكنة والذُّلّ، حتى طبع الله على قلوبهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم يتأذّى بصرهم من نور العلم، ويعزّ عليهم الخروج من غيابة الجب إلى استنشاق الهواء الطلق في هذا الفضاء الواسع المترامي الأطراف، وهم -مع ذلك كلِّه- لا يخجلون من دعوى أنهم رجال الإصلاح والصَّلاح، وأن سعادة البشر لا تتم إلا باتِّباع مناهجهم وسُبُلِهم! ويعلم الله أنهم ليسوا إلا حشرات سامة، تحارب السَّعادة والبُلَهْنِيَّة (١) ، وتمزِّق أشلاء الإنسانية بسُمِّها النَّاقع، وشرها المستطير، وأن محدثاتهم لا ضرَّ على الدين من طعنات ألدّ أعدائه، وأجلب للشرور إليه من أشد مناوئيه.
أجل! فإنه لولا محدثاتهم المخزية التي شوَّهوا بها الدِّين، وتفهيمهم الدِّين للناس تفهيماً مقلوباً لما تجرَّأ أحدٌ على الطَّعن فيه، ولما خسر كل يوم عدداً من أبنائه غير قليل.
وليس ما يرتكبه هؤلاء جهاراً، ليلاً ونهاراً، من ضروب الموبقات، ويجرأون عليه من مقاومة المصلحين جهلاً وعداوناً بضروب الوسائل، بخافٍ على أحد، وقد كنتُ إخال أن للعراق النَّصيبَ الأوفر، والحظَّ الأكبر، من هؤلاء المبتدعة، حتى إذا كتبتْ الرِّحلة لي في هذه الأيام إلى بلاد الشام، ووقفت عن كثب على أحوال قادتهم، واطّلعتُ على بعض ما لهم من المؤلفات في الدَّعوة إلى حشوهم، والتَّهويل على المصلحين؛ دهشتُ مما رأيت، وعجبتُ لانقياد العامَّة لهم وتألُّبهم على كل مَنْ يحضّونهم على مناهضته من رجال الإصلاح الدِّيني والعلمي، إنْ حقاً، وإنْ باطلاً، حتى كأنَّ الشاعر (٢) العربي قد قصدهم بقوله:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النَّائبات على ما قال برهانا!
ومن جملة الأمور التي وقفتُ عليها:
стр. 164
أنَّ عالماً من رجال الإصلاح سُئل عن (حكم الصّياح في التَّهليل والتكبير، وغيرهما أمام الجنائز) ، فأفتى بأنه «مكروه تحريماً، وبدعة قبيحة، يجب على علماء المسلمين إنكارها، وعلى كل قادر إزالتها، مستدلاً بآية قرآنية، وحديث صحيح، وأقوال الفقهاء» ، وسأل هذا المستفتي عن السؤال نفسه رجلاً آخر ينتمي في الظَّاهر إلى العلم، فأجاب بالسَّلب، ونفى ما قرره الأولُ نفياً رجماً بالغيب، وتهجُّماً على الحقِّ بقول الزور، ولم يكتفِ بذلك وحده، بل تجاوز حدودَ الأدب والإنصاف، ورمى الرَّجلَ بالزَّيغ والضَّلال، وأسند إليه ما لم يقل به، ولم يجر به قلمه، شأن أصحاب الهوى والإفك، وأن في قصة الإفك (١) لعبرة لقوم يعقلون.
إنّ هذه المسألة، وكذا مسألة المولد النبوي، ونظائرها؛ لمن الأمور البديهية، التي لا يحسن بمنتمٍ إلى العلم، وشادٍ شيئاً من الفقه، أن يُنازع أو يختلف فيها، ومن نازع فقد أعرب عن جهلٍ عريقٍ، وفَهَاهَة باقلية (٢) ، وجهالة غبشانية!
فقد أجمعتْ كلمةُ المحقِّقين من السَّلفِ والخلفِ على إنكار هذه البدع، التي لم يُنَزِّل الله بها من سلطان، ولم يختلف منهم قط اثنان.
стр. 165
وإنَّ فيما ساقه الأستاذان الجليلان: الشَّيخُ كامل القصاب، والشَّيخُ عزُّ الدين القسام، من الأدلة الشَّافية، والنُّقول الوافية، عن فطاحل علماء المذاهب الأربعة في رسالتهما «النقد والبيان في الردّ على خزيران» -الذي أعرب عن مبلغ علمه، وفهمه للدين- لغُنْيَة عن سرد ما نعرفه من أقوال المحققين في هذه المسائل، وعسى أن يتروَّى خزيران وشيخُه في رسالة الفاضلين، فيستعينا بها على الرُّجوع إلى الحقِّ، ويعلنا للناس خطأهما المطلق؛ لئلا يزلَّ معهما من يزلّ ممن يحسِّنُ الظَّنَّ بهما، ويرجع في فهم أمور الدين إليهما ... !
على أنَّ الجدال في مثل هذه المسائل البسيطة (١) ، أصبح في هذا العصر ... -عصر المسابقة والمباراة، عصر الصِّناعات والمخترعات-، ضرباً من المضحكات، التي يخجل أن يفوه بها عاقلٌ. وإنني لأعتقد أنَّ الأستاذين الهمامين: القصاب والقسام -وهما هما- ما كانا ليبحثا في هذه المسألة، ويؤلِّفا لها رسالةً، لولا وجوب نصرة الحقّ، ودحر شُبه المضلِّين في الدِّين.
سدَّد الله خطوات الجميع، ووفَّقنا إلى ما فيه خير الأمة، والسلام على من اتَّبع الهدى.
стр. 166
في١٠ المحرم سنة ١٣٤٤هـ ... نزيل دمشق: محمد بهجة الأثري (١)
стр. 167
٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الصِّياح بالذِّكر أمام الجنائز، والمولد، والتراويح
ليست مسألة الذِّكر والجنائز والتَّراويح مما ينبغي فيه الاجتهاد فيختلف فيه، أو يكون اجتهاد المجتهدين فيه موافقاً بعضه لبعض، وإنما هي من العبادات التي أكملها الله -تعالى- بالنُّصوص في كتابه، وعلى لسان خاتم أنبيائه ورسله، فلا اجتهاد فيها إلا ما يتعلّق بالإيقاع على الوجه المشروع، وهو ما سماه الأصوليون بتحقيق المناط؛ كالاجتهاد في القبلة، على أن الله ﵎ أكمل الدِّين الإسلاميَّ كلَّه، حتى قواعد الأمور الاجتهادية، وهي أكثر القضاء (١) والسياسية والحرب، لذا قال الإمام العادل عمر بن عبد العزيز: «تحدث للنَّاس أقضية، بحسب ما يحدث لهم من الفجور» (٢) .
стр. 168
هذا كتاب الله -تعالى-، وهذه دواوين سنة خاتم رسله؛ من الوضوح بمكان في مثل مسألة الذِّكر والجنائز والتّراويح وغيرها، فليس في هذين الوحيين الثقلين هذه الطرق الصوفية بالبداهة، سواء منها عهد الشيخ لمريده أم الاجتماع، وكذا الصياح، ولفظ الجلالة وحده فضلاً عن لفظ «آه» والرقص، وغير ذلك مما هو معروف مشهور. وقد كانت مشيخة الأزهر الشريف الجليلة سئلت عن لفظ: «آه» ، فأفتت بمنعه، والإجماع العلمي من أهله المجتهدين قائم على منعه، ومنع إفراد لفظ الجلالة، إذ العبادات كلها لا تصح إلا بالكلام المفيد.
وكذا الجنائز مما لم تزل كتب الفقه واضحة كالشمس في رابعة النهار في بيان حكمه الشرعي، فضلاً عن نطق كتاب الله -تعالى- وسنة رسول الناس كافة ﵌ بحكمه الشرعي، ومن أحكام الجنازة الصَّريحة: أن لا يعجِّل السَّائرون بها في سيرهم، ولا يتأنوا فيحاكوا بعض الملل، بل يكونوا فيها وسطاً، كسائر الأمور الشرعية (١) ، كما هو نصُّ القرآن الحكيم الذي يستفاد منه جداً في قوله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] .
إنَّ الأمة الإسلامية ليست هي دنيوية مادية، وليست هي -أيضاً- زاهدة في الدنيا كلَّ الزهد، بل هي وسط بين الدنيا والآخرة، إذ الإنسان روح وجسد، فمصالح الدُّنيا للثاني، ومصالح الآخرة للأول، لذا لا يمكن في العالم الإنساني لأحدٍ أن يقوم بالحقوق الإنسانيَّة -شخصيَّة كانت أم عموميَّة- حقَّ القيام سوى المسلم.
стр. 169
وأمَّا التراويح فالاختلاف في عدد ركعاتها إنما هو اختلاف في روايات أحاديثها بالبداهة (١) ، ولا تنبغي المشادَّة فيها ألبتة، بل أرى أنها من الأمور الثانوية (٢) ، وليصلِّها من شاء على أيّ كمية منها (٣) ، وما أهلك المسلمين إلا أهواؤهم، حتى تناول اختلاف العلماء منهم أموراً كان اختلافهم فيها لفظياً، وأموراً وضح أنَّ اختلافهم فيها كان من أمرين هما من الدَّاء الشديد بمكان؛ وهما:
الفلسفة التي نقلت بما لها وما عليها من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية.
والأمر الآخر: هو النَّعرة المذهبية، وهذه الأمور هي كخلق الأفعال مما هو معروف.
стр. 170
وأما المولد فلا نزاع قط في أن أول من أحدثه صاحب إربل، في أوائل القرن السابع أو أواخر القرن السادس، كما في «تاريخ ابن خلكان» (١) ، وهذه دواوين السنة النبوية فليس فيها إشارة دالة على ذلك، لأننا -نحن المسلمين- منهيُّون عن تقليد غيرنا إلا في الأمور الدُّنيوية الصَّرفة، بشرط أن نتبيَّن حقائقَها، فلو كان المولد مطلوباً -ولو على جهة الاستحسان- لفعله أهلُ القرون الثَّلاثة الأُول، الذي شهد لهم رسولُ العالمين بالخيرية (٢) ، على أنّ المولد صبغ بالصَّبغة الشَّرعية إذ داوم النَّاس على يومه التاريخي، وإن اختلفت رسائله المؤلفة، فضلاً عما في كثير جداً منها (٣)
стр. 171
من القصر على ذكر الجمال، وأمور أكثرها ليس في كتب الحديث الشريف الصحيحة عند رجال الجرح والتعديل، والقليل من تلك الرَّسائل فيه السِّيرة النبوية الكريمة، ولكن هذه يسيرة جداً، على أنَّ من وازن بين يوم الولادة، ويوم البعثة، حدّثته نفسه أنّ الثاني أفضل من الأول، فتحدو به إلى العناية به، ولكنه إذا أعار وجوده لفتة طيبة إلى كتب الحديث الصحيحة، رأى فيها أنَّ الرسول ﵌ وأصحابه -رضوان الله عليهم- لم يتخذوا يوم البعثة عيداً ألبتة. ومن الأمور المعلومة بالبداهة في الإسلام أنَّ ذكرى رسول العالمين -عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التَّسليم- هي من القربات المباركة إلى الله -تعالى- وحده، فهي مطلوبةٌ، ولكن في أي وقت كان، بدرس سيرته ﵌ للاقتداء به (١) .
ثم إنَّ البدعة الدِّينيَّة: إمَّا أن تكون اختراع عبادة، أو شعار ديني لا أصل لهما، وإمَّا أن تكون تخصيصاً لعبادة مشروعة بزمان معين أو مكان معين أو هيئة معينة، لم يخصِّصها بها الشَّارع، ومن هذا النَّوع عدَّ الفقهاء صلاة الرغائب في رجب (٢) ، وصلاة ليلة النصف من شعبان (٣) من البدع المذمومة. قال النووي في «المنهاج» (٤) : وصلاة رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان، وقد سمى الشَّاطبيُّ هذا النَّوع بالبدع الإضافيَّة، وسمَّى النَّوعَ الأولَ البدع الحقيقية، ولْيرجع إلى تفصيله هذا في كتابه «الاعتصام» (٥) .
стр. 172
فما يعهد من الاحتفال بالمولد ليس عبادة مأثورة عن الشَّارع، يؤتَى بها على الوجه المشروع، ولا هو عمل دنيوي محض، بل يجمعون فيه بين عبادات يأتون بها أو ببعضها على وجه غير مشروع، وبين لعب ولهو بعضه مباح، وبعضه محظور. فخلط العبادات الدِّينية باحتفالات الزِّينة واللهو، وجعل ذلك عملاً واحداً عن باعث ديني، هو الذي يجعل مجموع تلك الأعمال من قبيل الشَّعائر الدينية، ويوهم العوامَّ أن تلك العادات -وكذا العبادات المبتدعة في هيئتها وتوقيتها وعددها- من أمور الدين المشروعة بهذه الصفة ندباً أو وجوباً.
وصفوة القول: أنّ الذِّكر نفسه أمام الجنازة، والصِّياح به، والمولد بالكيفية المشهورة ليست من البدع الحسنة قط؛ لأنَّ الله -تعالى- أكمل الدِّين، وأجمعت الأمةُ على أن أهل الصَّدر الأول أكملُ الناس إيماناً وإسلاماً، وأنَّ كلَّ بدعة ليست من هذا القبيل، كالمنافع الدُّنيوية، والوسائل التي يقوى بها أمر الدين والدنيا؛ كالمدارس، والمستشفيات، والملاجئ الخيرية، التي يثاب صاحبها بحسن نيته فيها، فإنها تعد بدعةً حسنة.
والتّحقيق: أنَّ هذه لا تسمَّى بدعة شرعية، وإنما يطلق عليها اسم البدعة لغةً، فليس لأحدٍ كائناً من كان أنْ يخترعَ في الدِّين نفسه شيئاً.
وهذا دين الله الإسلام الأعلى بيَّن أيما بيان في كتاب الله وسنة خاتم رسله، وكامل لا يحتاج إلى زيادة، كما لا يصح النّقص منه. فمصالح الإنسان الروحية والبدنية تامة فيه ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] .
стр. 173
(تنبيه)
قد يقال كثيراً جداً: إننا إذا نفذنا حكم الله -تعالى- الذي في هذا المقال، فجميع حفظة القرآن الحكيم الذين يعيشون من الجنائز لا يستطيعون سوى هذه العيشة، فيضَرون؛ إذ ليس لهم كسب غير ذلك، فيقال: أمّا بالنسبة للمبصرين منهم، فيجب عليهم السّعي لغير تلك المهنة بالبداهة، وأما غيرهم فيجب على رؤوس الأمة أن يطالبوا لهم بحقوقهم الجمَّة الموقوفة عليهم، وكذا الوصايا التي يوصي بها الأغنياء من المسلمين لهم ولغيرهم من الفقراء، وليس للمبصرين من أولئك الحفظة أن يأخذوا شيئاً من هذه الحقوق، فإنَّ أخذَهم منها من أكبر الدواعي لهم إلى الكسل وما إليه، فيجب على الرؤساء والأغنياء شرعاً أن يغنوا هؤلاء وأولئك كما قلنا، وإلا كان ذَنْبُ الفريقين مضافاً إلى ذنوبهم، ونرجو أن لا يكونوا كذلك، هذا وليس في كتب أئمة الحديث دليل واحد على قراءة القرآن للموتى بعد خروج روحهم منهم، فما كتبه كثير من مُؤلِّفي المتأخِّرين من ضد ذلك ليس بحق، وإنما الذي في «صحيح ابن حبان» حديث: «اقرؤوا على موتاكم» (١) ،
стр. 174
والموتى هنا المحتضرون، كما بيَّن ابنُ حبان نفسه سبب هذا الحديث (١) ، وسبب الحديث الآخر الذي في «صحيحه» (٢) -أيضاً- وهو: «لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٣) ، وهذا يوضِّح معنى (الموتى) الذي قاله، وعليه جرى أمثال العلامة القدوري (٤)
стр. 175
الحنفي، إذ التلقين لا يكون ما يفعله الناس عقب الدفن، بل هو كلام من حيٍّ لحي؛ ليقوله الحيُّ المخاطب، ومن الباطل قياس قراءة القرآن للموتى على الصِّيام والحج عن الميت، إذ هذان من الحقوق الثابتة في ذمة الميت، وليست القراءة منها، وإهداء ثواب القراءة لروح الموتى باطل (١) ؛ لأنَّ ثواب العبادة غير متيقَّن لصاحبها، بل هو مرجوٌّ عنده، والإهداء لا يصح إلا بالملْك المتيقَّن، والحقُّ من وراء القصد.
في ١٣ المحرم الحرام سنة ١٣٤٤
وكتبه الفقير ... راغب القَبَّاني الحسيني البيروتي
خريج الأزهر الشريف (٢)
٤
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السّبيل، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعوث بأقوم قيل، مِن أكرم قبيل، وعلى آله وصحبه ما قامت دعوى بحجّةٍ قاطعةٍ لكل تضليل، وقادت فتوى ساطعة للعمل بواضح الدّليل، وبعد:
стр. 176
فقد اطَّلعتُ على الرِّسالة الموسومة «النقد والبيان في دفع أوهام خزيران» لمؤلِّفيها الشيخين: محمد كامل القصَّاب، ومحمد عزّ الدين القسام، كما اطَّلعتُ قبل ذلك على رسالة الشيخ محمد صبحي خزيران الموسومة بـ «فصل الخطاب في الرد على الزنكلوني والقسام والقصاب، في مسألة رفع الصَّوت والصياح بالتَّهليل والتكبير وغيرهما في تشييع الجنائز، وهل هو من قبيل البدع المذمومة أو من قبيل المستحسن الجائز» ، ورددتُ النَّظر في الردِّ وردِّ الردِّ من حيث الدَّليل والمدلول، وأمعنتُ الفِكرَ فيهما من حيث النَّقل والمنقول، والفروع والأصول، فكان الذي ظهر لي في الجواب وإنه -إن شاء الله- الحقُّ الذي لا يعدل عنه، والصَّواب: ما اعتمده القسَّامُ والقصَّاب، فهو المنهج الرابح، والمهيع النّاجح، والعمل الراجح، ألا وهو هدي السَّلف الصالح، فما شرعه الشارع (١) S، واستقرَّ عليه عمل صحبه والتَّابعِ، وتابع التابع، هو الذي ينبغي المسير عليه، والمصير إليه، والتَّمحلات في الأدلة، والمحاولات بالمقابلات بين المعلول والعلة، من غير ضرورة أكيدة داعية إليه، وحاجة شديدة حاملة عليه، مقاومة ومصادمة بالهدم لصروح صريح وصحيح النَّص، ومجاراة لتشييد وتأييد هوى النَّفس، فإنَّ العدول عن قول النبي ﷺ ، وفعله، وخلفائه الراشدين، والأئمة المجتهدين، إزراء بالشَّارع والشَّرع وإخلال، فماذا بعد الحق إلا الضَّلال؟!
стр. 177
وفي «القواعد الأصولية الزّرقوية» (١) (قاعدة (٤٢)) (١) : «لا متَّبع إلا المعصوم؛ لانتفاء الخطأ عنه، أو من شهد له بالفضل؛ لأنَّ مزكِّي العدل عدل، وقد شهد ﵇ بأنّ «خير القرون قرنه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢) ، فصحَّ فضلُهم على التَّرتيب، والاقتداء بهم كذلك» .
وبهذا يُعلم أنَّ كل قضية موجودة في زمنه ﵊، وفي زمن خلفائه، وأئمة الأمة، واستمرَّ العملُ فيها عملاً، أو تركاً، قولاً أو فعلاً، كان ذلك حُجةً وأساساً وأصلاً، فلا يجوز تجاوزه إلا لضرورة تبيح المحظور، فكلُّ خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، وهم بالخير أعرف، ولله أخوف، وعلى الأجر أحرص، وبالورع أسعد، وعن البدع أبعد، وما ينقل عمن بعدهم من الأقاويل ينظر فيه إلى المستند والدَّليل، ففي «القواعد» (٣) المذكورة قاعدة (٣٨) : «العلماء مصدَّقون فيما ينقلون، لأنه موكولٌ إلى أمانتهم (٤) ، مبحوث معهم فيما يقولون؛ لأنه نتيجةُ عقولهم، والعصمة غير ثابتة لهم، فلزم التَّبَصُّرُ؛ طلباً للحقِّ والتَّحقيق، لا اعتراضاً على القائل والناقل» .
стр. 178
وأي بدعة حدثت في الإسلام، ولو كانت خفيةً في المبادئ، فلا تلبث أن يتسع خرْقُها، ويعظم فتْقُها، ألا ترى هؤلاء المنشدين أمام الجنائز، فعلاوة عن كونهم خالفوا السُّنّة السَّنيَّة، وحالفوا البدعة السَّيّئة الدنيَّة، في مجرد وجودهم بهيئتهم، مع التَّصنُّع، والتَّنطُّع، والتَّكلُّف، والتَّعسُّف، فقد اتَّخذوها بضاعةً: تجارةً وإجارة، وتعهدوها احتكاراً، ولا تَسَلْ عن المشاركة، والمشاكسة، والمماكسة، والمعاكسة، والمناقصة، الأمر الذي انقلبتْ به الحقيقة، ودخلت به في قسم المعاصي، وخلتْ من روح الإخلاص، وتخلَّت من الخلاص، وإذا زجروا نفروا، وإذا أُمروا أَنِفُوا وعنَّفوا، وكم تعبنا لما عبنا! وعانينا لما عاينَّا! وقد جرى العملُ به بين العموم والخصوص، والمنكر له مكابر منكر للمحسوس، وذلك كلُّه بفضل المنشدين الجاهلين، والمرشدين المتساهلين.
فإذا كان الإمام النَّووي (١) ﵀ شنَّع في ذلك، وذمّ الحال في أمده، فهل شهد بما لم يعلم، أو تحسن الأمر من بعده، والذي ينبغي اعتقاده في هذا المقام، واعتماده بين علماء الإسلام؛ هو: التَّخلِّي مع الجنازة من الجهر بكل شيء، والتحلِّي بحلية الحزن والصَّمْت، وحُلِّة السَّمت، اقتداءً بالمشرِّع (٢) الأعظم -عليه وعلى آله الصَّلاة والسَّلام-، وقد استوفى أدلّة المذاهب الأربعة في ذلك أصلاً وفرعاً، بما في بعضه كفاية، لمن وقف عند حدود كلام ربِّ الأرباب بقوله -عز اسمه-: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] .
بدمشق الشَّام
стр. 179
في ١٥ المحرم الحرام سنة ١٣٤٤
كتبه بقلمه: صالح نجم الدين التُّونسي (١)
стр. 180
الإمام المالكي والمدرس بالجامع الأموي
٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اطَّلعنا على هذا الكتاب، وعلمنا ما فيه، ونقول: كلٌّ من المتناظرين قد أطال الكلام في غير محلِّ الحاجة، والذي يظهر: أنَّ كلاًّ من المتناظرين لا يقصد بما يقول، إلا أن يغلب مناظرَه، فكان الدُّخولُ بينهم غيرَ جائز، لما أنّ شرط المناظرة: أن يكون القصدُ إحقاقَ الحقِّ، وأن يكون كلٌّ من المتناظرين يحب ظاهراً وباطناً أن يكون الحقُّ في جانب مناظره، كما كان عليه السَّلفُ الصّالح (١) ، ولذلك نقول -بياناً للحقِّ في ذاته، بقطع النَّظر عن الانتصار بعده لأحد منهما-: